المقدمة:
الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على سيدي وقرة عيني ، نور العيون وسراج القلوب ، القائل : " إنّما الأعمال بالنيات " – فأسأله تعالى العليّ العظيم أن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم - وعلى آله وصحبه ومن اقتفى سنته ، وسار على نهجه من الحياة إلى الممات ، سيما أئمتنا الأربعة المتبوعين ، الذين تلقتهم الأمة بالقبول ، أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وعلى مقلديهم إلى يوم الدين .
وبعد:
فلا يخفى على مسلم ما لكتاب الزكاة من أهمية عظيمة في حياة المسلمين، لتنظيم شؤون حياتهم ومعاملاتهم كونه ركنا من أركان دينهم. ولا يخفى على كل مطلع ما استجدت به الأيام من مسائل حديثة دفعت بعلماء المسلمين لأن يفردوها بالبحث والتأصيل، وبيان الحكم الشرعي فيها، وبيان الأصول التي تبنى عليه هذه المسائل مما أسس له فقهاؤنا رضوان الله عليهم بما استنبطوه من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ومما أجمعت عليه الأمة مما يعتد بقوله منهم باعتماد الاجماع والقياس كمصدرين تشريعين من مصادر المسلمين.
وقد بحثت في بعض المسائل التي انفرد بها الإمام أبو حنيفة – وربما وافقه صاحباه في بعضها، وخالفاه في بعضها الآخر- عن جمهور الفقهاء في كتاب الزكاة، وعرضت أدلته، وأدلة المخالفين وناقشت بعضها.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم.
وقد حذفت حواشي البحث، لحاجة في نفسي، وأسأله أن أكون مصيبا فيها.

تنبيه: وقد أعرضت عن الترجيح بين المسائل التي اختُلف فيها بين الأئمة رضوان الله عليهم جميعا مخافة الوقوع في الزلل والإثم، فقد نصّ علماؤنا على أنّ من رجّح فقد تزندق، ومن ثم فإن درجة الترجيح في المذهب الواحد بين رواياته درجة لا تتأتى لأي أحد، فهي درجة من درجات الاجتهاد فصّل شروطها أئمتنا في كتبهم، فكيف بمن يجعل نفسه حكما بين الأئمة الأربعة فيأخذ بقول هذا ويعرض عن هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقد استشرى هذا التطاول على الأئمة بين المتعالمين من الصغار المبتدئينن ظنا منهم أن مناط المسائل يدور على صحة الحديث وضعفه فقط.



مطلب: في أسباب الاختلاف بين الفقهاء:

لا شك أنّ أئمتنا الذين تلقتهم الأمة بالقبول، لم يتعمدوا مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سنته في شيء من أحكامهم التي توصلوا إليها بعد بذل جهدهم فيها، فكلهم متفق على وجوب طاعة الله تعالى، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أرجع ابن تيمية وجود قول لأحدهم، قد جاء حديث صحيح بخلافه إلى ثلاثة أعذار:
1. عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
2. عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
3. اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.

وقد فصّل القول في أسباب الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع، وأسباب اختلاف مذاهب الفقهاء، وغيرها من المباحث ذات العلاقة بالموضوع: أحمد بن عبد الرحيم المعروف بشاه ولي الله الدهلوي في كتابه: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف.
وليس هذا المقام لذكر هذه الأسباب، وإنما أحببت الإشارة إليه لمن أراد أن يستزيد في الموضوع.
وسأذكر إن شاء الله تعالى في بداية كل مطلب أذكره بعض مواطن الاتفاق بين الأئمة فيه، ثم اعرج على مسائل الخلاف بينهم بشيء من التفصيل، فأذكر المسألة المختلف فيها، ثم أنقل نصوصا من كتب القوم لتوضيح المسألة، ومستندهم في ماذهبوا إليه.
والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خاصا لوجهه الكريم، وأن يعينني على إتمامه، فإن أحسنت فمن الله، وإن أسأت فمني والشيطان، الذي أسأل الله تعالى أن يعصمني من شره وخطله.

كتاب الزكاة:
فصل في: بعض وجوه الاتفاق

اتفق الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم على أنّ الزكاة أحد أركان الإسلام، وفرض من فروضه (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة) ،(ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) واتفقوا على وجوب الزكاة في الإبل والبقر والغنم بشرط أن تكون سائمة، وفي الذهب والفضة، وعروض التجارة بشرط كمال النصاب في كل واحد منها، وكمال الحول، وكون المالك حرا مسلما، فلا زكاة على كافر بالإجماع.

* المسألة الأولى: اختلفوا في اشتراط البلوغ والعقل:
فقال أبو حنيفة: بشرط ذلك، فلا تجب الزكاة على مال الصبي والمجنون.
وقال مالك والشافعي وأحمد: الزكاة واجبة على مال الصبي والمجنون ويخرجهما الولي كالعشر.
بعض النصوص في المسألة:
قال الإمام الكاساني في البدائع في فصل شرائط الفرضية :
ومنها البلوغ عندنا: فلا تجب على الصبي وهو قول علي وابن عباس فإنهما قالا: لا تجب الزكاة على الصبي حتى تجب عليه الصلاة... ومنها العقل عندنا: فلا تجب الزكاة في مال المجنون جنونا أصليا.
واستند أبو حنيفة في ما ذهب إليه: إلى أنّ الزكاة عبادة، والصبي ليس من أهل وجوب العبادة فلا تجب عليه كما لا يجب عليه الصوم والصلاة، أما الجنون الأصلي وهو أن يبلغ مجنونا، فإنه يمنع انعقاد الحول على النصاب حتى لا يجب عليه أداء زكاة ما مضى من الأحوال بعد الإفاقة.
وقال ابن عابدين : فلا تجب على مجنون وصبي لأنها عبادة محضة وليسا مخاطبين بها، وإيجاب النفقات والغرامات لكونها من حقوق العباد. والعشر وصدقة الفطر؛ لأن فيهما معنى المؤنة.
وقال ابن نجيم في بحره : وخرج المجنون والصبي فلا زكاة في مالهما كما لا صلاة عليهما، للحديث المعروف (رفع القلم عن ثلاث) ، وأما إيجاب النفقات والغرامات في مالهما فلأنهما من حقوق العباد لعدم التوقف على النية، وأما إيجاب العشر والخراج وصدقة الفطر فلأنها ليست عبادة محضة لما عرف في الأصول.

وفي مواهب الجليل شرح مختصر خليل : ( تنبيهات الأول ) المخاطب بزكاة مال الصبي والمجنون وليهما ما داما غير مكلفين ، قال في النوادر في كتاب الزكاة ، قال ابن حبيب : وليزك ولي اليتيم ماله ويشهد فإن لم يشهد وكان مأمونا صدق ، انتهى .

وقال النووي في المجموع : { وتجب في مال الصبي والمجنون لما روى عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال " ابتغوا في مال اليتامي لا تأكلها الزكاة " ولان الزكاة تراد لثواب المزكى ومواساة الفقير والصبى والمجنون من أهل الثواب ومن أهل المواساة ولهذا يجب عليهما نفقة الاقارب ويعتق عليهما الاب إذا ملكاه فوجبت الزكاة في مالهما }.... واستدل اصحابنا ايضا من جهة القياس بأن كل من وجب العشر في زرعه وجبت الزكاة في سائر امواله كالبالغ العاقل فان ابا حنيفة رحمه اله وافقنا علي إيجاب العشر في مال الصبي والمجنون وإيجاب زكاة الفطر في مالهما وخالفنا في غير كذا في الاصل ولعله تأكل معظمه الزكاة فليحرز.
وقال الإمام الرملي : (وتجب في مال الصبي ) والصبية لشمول الخبر المار لهما ولخبر { ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الصدقة } وفي رواية الزكاة ، وروى الدارقطني خبر { من ولي يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة } ولأن المقصود من الزكاة سد الخلة وتطهير المال ومالهما قابل لأداء النفقات والغرامات وليست الزكاة محض عبادة حتى تختص بالمكلف ( والمجنون ) ويخاطب الولي بإخراجها ومحل وجوب ذلك عليه في مال الصبي والمجنون حيث كان ممن يعتقد وجوبها على الولي عليه.
قال ابن قدامة في المغني : الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ؛ لوجود الشرائط الثلاث فيهما ، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة والحسن بن علي وجابر رضي الله عنهم .
وبه قال جابر بن زيد وابن سيرين وعطاء ومجاهد وربيعة ومالك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى والشافعي والعنبري وابن عيينة وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
واستدل ابن قدامة لرأي من قال بوجوب الزكاة في مال الصبي بقوله: ولنا ، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { من ولي يتيما له مال فليتجر له ، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة} أخرجه الدارقطني .وفي رواته المثنى بن الصباح ، وفيه مقال ، وروي موقوفا على عمر : " وإنما تأكله الصدقة بإخراجها " .وإنما يجوز إخراجها إذا كانت واجبة ؛ لأنه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم ، ولأن من وجب العشر في زرعه وجب ربع العشر في ورقه ، كالبالغ العاقل ، ويخالف الصلاة والصوم ، فإنها مختصة بالبدن ، وبنية الصبي ضعيفة عنها ، والمجنون لا يتحقق منه نيتها ، والزكاة حق يتعلق بالمال ، فأشبه نفقة الأقارب والزوجات ، وأروش الجنايات ، وقيم المتلفات ، والحديث أريد به رفع الإثم والعبادات البدنية ، بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر والحقوق المالية ، ثم هو مخصوص بما ذكرناه ، والزكاة في المال في معناه ، فنقيسها عليه .
إذا تقرر هذا ، فإن الولي يخرجها عنهما من مالهما ؛ لأنها زكاة واجبة ، فوجب إخراجها ، كزكاة البالغ العاقل ، والولي يقوم مقامه في أداء ما عليه ؛ ولأنها حق واجب على الصبي والمجنون ، فكان على الولي أداؤه عنهما ، كنفقة أقاربه ، وتعتبر نية الولي في الإخراج ، كما تعتبر النية من رب المال .

فصل في زكاة الأبل:
اتفق الأئمة الأربعة على أن نصاب الإبل خمس، وفيها شاة. وفي عشر شاتان. وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين. فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة إلى ستين. وفي إحدى وستين: جذعة إلى خمس وسبعين. وفي ست وسبعين: بنتا لبون إلى تسعين. وفي إحدى وتسعين: حقتان إلى مائة وعشرين.
واتفقوا على أن البخت، والعراب ، والذكور والإناث في ذلك سواء.
المسألة الثانية: واختلفوا في الزيادة عن ذلك.
فعند الإمام: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، تستأنف الفريضة كما كان في الابتداء، وعند مالك والشافعي واحمد لا تستانف الفريضة بل يستقر الواجب على العشرات في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة.
بعض النصوص في المسألة:
قال الإمام الكاساني في بدائعه: واختلف العلماء في الزيادة على مائة وعشرين فقال أصحابنا: إذا زادت الغبل على هذا العدد تستأنف الفريضة ويدار الحساب على الخمسينات في النصاب وعلى الحقاق في الواجب لكن بشرط عود ما قبله من الواجبات والأوقاص بقدر ما يدخل فيه..الخ

وفي الفواكه الدواني: (فما زاد على ذلك) أي المائة والعشرين ولو واحدة على ما هو ظاهر لفظه (ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون) اهـ.
قلت: في مذهب مالك روايتان إحداهما توافق مذهبنا.
وفي نهاية المحتاج: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبونن وفي كل خمسين حقة.
وفي شرح الزركشي على مختصر الخرقي: فإذا زادت على عشرين ومائة ، ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة.

دليل الحنفية: ما روي عن قيس بن سعد أنه قال لأبي بكر بن عمرو بن حزم: أخرج إليّ كتاب الصدقات الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم فأخرج كتابا في ورقة وفيه( فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة) وهذا المذهب مروي عن علي وابن مسعود، وهو لا يعرف بالاجتهاد فيدل على السماع.
وروي عن علي قوله: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله عز وجل وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن نخالفها.وروي أنه أنفذها إلى عثمان فقال له: مر سعاتك فليعملوا بها.

دليل الجمهور: حديث أنس أن أبا بكر الصديق كتب له حين وجهه إلى البحرين بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقه طروقة الفحل فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل فإذا زادت حقتان طروقتا الفحل فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.

رد الحنفية على دليل الجمهور: قال في التبيين : قال ابو الفرج قال أحمد بن حنبل: حديث ابن حزم في الصدقات صحيح، ومذهبنا منقول عن ابن مسعود وعلي بن ابي طالب رضي الله عنهمان وكفى بهما قدوة وهما أفقه الصحابة وعلي كان عاملا فكان أعلم بحال الزكاة ، وما رواه الشافعي قد عملنا بموجبه فإنا أوجبنا في أربعين بنت لبون ، وفي خمسين حقة فإن الواجب في الأربعين ما هو الواجب في ست وثلاثين ، والواجب في الخمسين ما هو الواجب في ست وأربعين ، ولا يتعرض هذا الحديث لنفي الواجب عما دونه فنوجبه بما روينا وتحمل الزيادة فيما رواه على الزيادة الكثيرة جمعا بين الأخبار. ألا ترى ما يرويه الزهري عن سالم عن أبيه أنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب الصدقة ، ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي قال ثم أخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفي ثم أخرجها عمر فعمل بها ثم أخرجها عثمان فعمل بها فكان فيها في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة ، وفي كل أربعين بنت لبون } الحديث رواه أبو داود والترمذي وبزيادة الواحدة لا يقال كثرت ، وهذا يؤيد ما ذكرنا بل ينص عليه .
وقد وردت أحاديث كلها تنص على وجوب الشاة بعد المائة والعشرين ذكرها في الغاية ، ولولا خشية الإطالة لأوردناها ؛ ولأن الواحدة الزائدة على مائة وعشرين إن كان لها حصة من الواجب يكون في كل أربعين وثلث بنت لبون فيكون مخالفا لحديثه ؛ لأنه أوجبها في كل أربعين ، وإن لم يكن لها حصة من الواجب كما هو مذهبه فهو مخالف لأصول الزكاة فإن ما لا يكون له حظ من الواجب لا يتغير به الواجب .
قلت: وتفصيل الرد في البدائع ، والكلام على سند الروايات فصله الإمام ابن الهمام في فتحه فليراجعه من أراد الاستزاده.

فصل في زكاة الخيل والبغال والحمير:
اتفق الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم على أن الخيل إذا كانت للتجارة ففي قيمتها الزكاة، وإذا كانت للركوب أو للحمل أو للجهاد فلا شيء فيها؛ لأنها مشغولة بالحاجة . واتفقوا على ان لا زكاة في البغال والحمير إذا لم يكونوا في التجارة.

المسألة الثالثة: واختلفوا في الخيل إذا لم يكن للتجارة ولا للركوب:

فقال أبو حنيفة إذا كانت سائمة ذكورا وإناثا فصاحبها بالخيار إن شاء أعطى عن كل فرس دينارا، وإن شاء أعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم من حيث القيمة.
وقال البقية: لا زكاة في الخيل بحال إذا لم تكن للتجارة.
بعض النصوص في المسألة:
قال الموصلي في الاختيار:
(من كان له خيل سائمة ذكور وإناث، أو إناث، فإن شاء أعطى عن كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم)
ودليل الإمام على ما ذهب إليه ورده على دليل الجمهور:
قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) ، وهذا من جملة الأموال. وما رواه جابر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم، وليس في الرابطة شيء) . وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن خذ من كل فرس دينارا أو عشرة دراهم. وقياسا على سائر السوائم. وروي عن السائب بن زيد رضي الله عنه لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين أمره أن يأخذ من كل فرس شاتين أو عشرة دراهم، ولأنها مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية فتجب فيها الزكاة كما لو كانت للتجارة. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " فالمراد منها الخيل المعدة للركوب والغزو لا للإسامة بدليل أنه فرق بين الخيل وبين الرقيق والمراد منها عبيد الخدمة ألا ترى أنه أوجب فيها صدقة الفطر ؟ وصدقة الفطر إنما تجب في عبيد الخدمة أو يحتمل ما ذكرنا فيحمل عليه عمـلا بالدليلين بقدر الإمكان وهو الجواب عن تعلقهم بالحديث الآخر .
قال في الفواكه الدواني: ولا زكاة على أحد أيضا في فرسه.
وفي الحاوي لأبي الحسن الماوردي: ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة إلا زكاة التجارة.
وبمثل قول المالكية والشافعية قال الحنابلة ونصوا على ذلك في كتبهم.
أدلة الجمهور وردهم على أدلة الإمام:
قال ابن قدامة في المغني:
ولنا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال : ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة .} متفق عليه . وفي لفظ { : ليس على الرجل في فرسه ولا في عبده صدقة .} وعن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق .} رواه الترمذي .وهذا هو الصحيح .
وروى أبو عبيد ، في " الغريب " ، عن النبي صلى الله عليه وسلم { : ليس في الجبهة ، ولا في النخة ، ولا في الكسعة صدقة .} وفسر الجبهة بالخيل ، والنخة بالرقيق ، والكسعة بالحمير .وقال الكسائي : النخة : بضم النون : البقر العوامل .
ولأن ما لا زكاة في ذكوره المفردة ، وإناثه المفردة ، لا زكاة فيهما إذا اجتمعا ، كالحمير .ولأن ما لا يخرج زكاته من جنسه من السائمة لا تجب فيه ، كسائر الدواب ، ولأن الخيل دواب ، فلا تجب الزكاة فيها ، كسائر الدواب ، ولأنها ليست من بهيمة الأنعام ، فلم تجب زكاتها، كالوحوش .وحديثهم يرويه غورك السعدي ، وهو ضعيف .
وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئا تبرعوا به ، وسألوه أخذه ، وعوضهم عنه برزق عبيدهم ، فروى الإمام أحمد ، بإسناده عن حارثة ، قال : جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا : إنا قد أصبنا مالا وخيلا ورقيقا ، نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور .
قال : ما فعله صاحباي قبلي ، فأفعله فاستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم علي فقال : هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك .
قال أحمد : فكان عمر يأخذ منهم ، ثم يرزق عبيدهم ، فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوه ؛ أحدها ، قوله : ما فعله صاحباي .يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ، ولو كان واجبا لما تركا فعله .الثاني ، أن عمر امتنع من أخذها ، ولا يجوز له أن يمتنع من الواجب .الثالث ، قول علي : هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك .فسمى جزية إن أخذوا بها ، وجعل حسنه مشروطا بعدم أخذهم به ، فيدل على أن أخذهم بذلك غير جائز .الرابع ، استشارة عمر أصحابه في أخذه ، ولو كان واجبا لما احتاج إلى الاستشارة .الخامس ، أنه لم يشر عليه بأخذه أحد سوى علي بهذا الشرط الذي ذكره ، ولو كان واجبا لأشاروا به .السادس ، أن عمر عوضهم عنه رزق عبيدهم ، والزكاة لا يؤخذ عنها عوض ولا يصح قياسها على النعم ؛ لأنها يكمل نماؤها ، وينتفع بدرها ولحمها ، ويضحى بجنسها ، وتكون هديا ، وفدية عن محظورات الإحرام ، وتجب الزكاة من عينها ، ويعتبر كمال نصابها ، ولا يعتبر قيمتها ، والخيل بخلاف ذلك .