النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: بعض ما انفرد به الإمام عن جمهور الفقهاء في كتاب الزكاة (دراسة مقارنة)

العرض المتطور

المشاركة السابقة المشاركة السابقة   المشاركة التالية المشاركة التالية
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,543

    بعض ما انفرد به الإمام عن جمهور الفقهاء في كتاب الزكاة (دراسة مقارنة)

    المقدمة:
    الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على سيدي وقرة عيني ، نور العيون وسراج القلوب ، القائل : " إنّما الأعمال بالنيات " – فأسأله تعالى العليّ العظيم أن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم - وعلى آله وصحبه ومن اقتفى سنته ، وسار على نهجه من الحياة إلى الممات ، سيما أئمتنا الأربعة المتبوعين ، الذين تلقتهم الأمة بالقبول ، أبا حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وعلى مقلديهم إلى يوم الدين .
    وبعد:
    فلا يخفى على مسلم ما لكتاب الزكاة من أهمية عظيمة في حياة المسلمين، لتنظيم شؤون حياتهم ومعاملاتهم كونه ركنا من أركان دينهم. ولا يخفى على كل مطلع ما استجدت به الأيام من مسائل حديثة دفعت بعلماء المسلمين لأن يفردوها بالبحث والتأصيل، وبيان الحكم الشرعي فيها، وبيان الأصول التي تبنى عليه هذه المسائل مما أسس له فقهاؤنا رضوان الله عليهم بما استنبطوه من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ومما أجمعت عليه الأمة مما يعتد بقوله منهم باعتماد الاجماع والقياس كمصدرين تشريعين من مصادر المسلمين.
    وقد بحثت في بعض المسائل التي انفرد بها الإمام أبو حنيفة – وربما وافقه صاحباه في بعضها، وخالفاه في بعضها الآخر- عن جمهور الفقهاء في كتاب الزكاة، وعرضت أدلته، وأدلة المخالفين وناقشت بعضها.
    وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم.
    وقد حذفت حواشي البحث، لحاجة في نفسي، وأسأله أن أكون مصيبا فيها.

    تنبيه: وقد أعرضت عن الترجيح بين المسائل التي اختُلف فيها بين الأئمة رضوان الله عليهم جميعا مخافة الوقوع في الزلل والإثم، فقد نصّ علماؤنا على أنّ من رجّح فقد تزندق، ومن ثم فإن درجة الترجيح في المذهب الواحد بين رواياته درجة لا تتأتى لأي أحد، فهي درجة من درجات الاجتهاد فصّل شروطها أئمتنا في كتبهم، فكيف بمن يجعل نفسه حكما بين الأئمة الأربعة فيأخذ بقول هذا ويعرض عن هذا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقد استشرى هذا التطاول على الأئمة بين المتعالمين من الصغار المبتدئينن ظنا منهم أن مناط المسائل يدور على صحة الحديث وضعفه فقط.



    مطلب: في أسباب الاختلاف بين الفقهاء:

    لا شك أنّ أئمتنا الذين تلقتهم الأمة بالقبول، لم يتعمدوا مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سنته في شيء من أحكامهم التي توصلوا إليها بعد بذل جهدهم فيها، فكلهم متفق على وجوب طاعة الله تعالى، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وقد أرجع ابن تيمية وجود قول لأحدهم، قد جاء حديث صحيح بخلافه إلى ثلاثة أعذار:
    1. عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
    2. عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
    3. اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.

    وقد فصّل القول في أسباب الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع، وأسباب اختلاف مذاهب الفقهاء، وغيرها من المباحث ذات العلاقة بالموضوع: أحمد بن عبد الرحيم المعروف بشاه ولي الله الدهلوي في كتابه: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف.
    وليس هذا المقام لذكر هذه الأسباب، وإنما أحببت الإشارة إليه لمن أراد أن يستزيد في الموضوع.
    وسأذكر إن شاء الله تعالى في بداية كل مطلب أذكره بعض مواطن الاتفاق بين الأئمة فيه، ثم اعرج على مسائل الخلاف بينهم بشيء من التفصيل، فأذكر المسألة المختلف فيها، ثم أنقل نصوصا من كتب القوم لتوضيح المسألة، ومستندهم في ماذهبوا إليه.
    والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خاصا لوجهه الكريم، وأن يعينني على إتمامه، فإن أحسنت فمن الله، وإن أسأت فمني والشيطان، الذي أسأل الله تعالى أن يعصمني من شره وخطله.

    كتاب الزكاة:
    فصل في: بعض وجوه الاتفاق

    اتفق الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم على أنّ الزكاة أحد أركان الإسلام، وفرض من فروضه (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة) ،(ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) واتفقوا على وجوب الزكاة في الإبل والبقر والغنم بشرط أن تكون سائمة، وفي الذهب والفضة، وعروض التجارة بشرط كمال النصاب في كل واحد منها، وكمال الحول، وكون المالك حرا مسلما، فلا زكاة على كافر بالإجماع.

    * المسألة الأولى: اختلفوا في اشتراط البلوغ والعقل:
    فقال أبو حنيفة: بشرط ذلك، فلا تجب الزكاة على مال الصبي والمجنون.
    وقال مالك والشافعي وأحمد: الزكاة واجبة على مال الصبي والمجنون ويخرجهما الولي كالعشر.
    بعض النصوص في المسألة:
    قال الإمام الكاساني في البدائع في فصل شرائط الفرضية :
    ومنها البلوغ عندنا: فلا تجب على الصبي وهو قول علي وابن عباس فإنهما قالا: لا تجب الزكاة على الصبي حتى تجب عليه الصلاة... ومنها العقل عندنا: فلا تجب الزكاة في مال المجنون جنونا أصليا.
    واستند أبو حنيفة في ما ذهب إليه: إلى أنّ الزكاة عبادة، والصبي ليس من أهل وجوب العبادة فلا تجب عليه كما لا يجب عليه الصوم والصلاة، أما الجنون الأصلي وهو أن يبلغ مجنونا، فإنه يمنع انعقاد الحول على النصاب حتى لا يجب عليه أداء زكاة ما مضى من الأحوال بعد الإفاقة.
    وقال ابن عابدين : فلا تجب على مجنون وصبي لأنها عبادة محضة وليسا مخاطبين بها، وإيجاب النفقات والغرامات لكونها من حقوق العباد. والعشر وصدقة الفطر؛ لأن فيهما معنى المؤنة.
    وقال ابن نجيم في بحره : وخرج المجنون والصبي فلا زكاة في مالهما كما لا صلاة عليهما، للحديث المعروف (رفع القلم عن ثلاث) ، وأما إيجاب النفقات والغرامات في مالهما فلأنهما من حقوق العباد لعدم التوقف على النية، وأما إيجاب العشر والخراج وصدقة الفطر فلأنها ليست عبادة محضة لما عرف في الأصول.

    وفي مواهب الجليل شرح مختصر خليل : ( تنبيهات الأول ) المخاطب بزكاة مال الصبي والمجنون وليهما ما داما غير مكلفين ، قال في النوادر في كتاب الزكاة ، قال ابن حبيب : وليزك ولي اليتيم ماله ويشهد فإن لم يشهد وكان مأمونا صدق ، انتهى .

    وقال النووي في المجموع : { وتجب في مال الصبي والمجنون لما روى عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال " ابتغوا في مال اليتامي لا تأكلها الزكاة " ولان الزكاة تراد لثواب المزكى ومواساة الفقير والصبى والمجنون من أهل الثواب ومن أهل المواساة ولهذا يجب عليهما نفقة الاقارب ويعتق عليهما الاب إذا ملكاه فوجبت الزكاة في مالهما }.... واستدل اصحابنا ايضا من جهة القياس بأن كل من وجب العشر في زرعه وجبت الزكاة في سائر امواله كالبالغ العاقل فان ابا حنيفة رحمه اله وافقنا علي إيجاب العشر في مال الصبي والمجنون وإيجاب زكاة الفطر في مالهما وخالفنا في غير كذا في الاصل ولعله تأكل معظمه الزكاة فليحرز.
    وقال الإمام الرملي : (وتجب في مال الصبي ) والصبية لشمول الخبر المار لهما ولخبر { ابتغوا في أموال اليتامى لا تستهلكها الصدقة } وفي رواية الزكاة ، وروى الدارقطني خبر { من ولي يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة } ولأن المقصود من الزكاة سد الخلة وتطهير المال ومالهما قابل لأداء النفقات والغرامات وليست الزكاة محض عبادة حتى تختص بالمكلف ( والمجنون ) ويخاطب الولي بإخراجها ومحل وجوب ذلك عليه في مال الصبي والمجنون حيث كان ممن يعتقد وجوبها على الولي عليه.
    قال ابن قدامة في المغني : الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ؛ لوجود الشرائط الثلاث فيهما ، روي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وعائشة والحسن بن علي وجابر رضي الله عنهم .
    وبه قال جابر بن زيد وابن سيرين وعطاء ومجاهد وربيعة ومالك والحسن بن صالح وابن أبي ليلى والشافعي والعنبري وابن عيينة وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور.
    واستدل ابن قدامة لرأي من قال بوجوب الزكاة في مال الصبي بقوله: ولنا ، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { من ولي يتيما له مال فليتجر له ، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة} أخرجه الدارقطني .وفي رواته المثنى بن الصباح ، وفيه مقال ، وروي موقوفا على عمر : " وإنما تأكله الصدقة بإخراجها " .وإنما يجوز إخراجها إذا كانت واجبة ؛ لأنه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم ، ولأن من وجب العشر في زرعه وجب ربع العشر في ورقه ، كالبالغ العاقل ، ويخالف الصلاة والصوم ، فإنها مختصة بالبدن ، وبنية الصبي ضعيفة عنها ، والمجنون لا يتحقق منه نيتها ، والزكاة حق يتعلق بالمال ، فأشبه نفقة الأقارب والزوجات ، وأروش الجنايات ، وقيم المتلفات ، والحديث أريد به رفع الإثم والعبادات البدنية ، بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر والحقوق المالية ، ثم هو مخصوص بما ذكرناه ، والزكاة في المال في معناه ، فنقيسها عليه .
    إذا تقرر هذا ، فإن الولي يخرجها عنهما من مالهما ؛ لأنها زكاة واجبة ، فوجب إخراجها ، كزكاة البالغ العاقل ، والولي يقوم مقامه في أداء ما عليه ؛ ولأنها حق واجب على الصبي والمجنون ، فكان على الولي أداؤه عنهما ، كنفقة أقاربه ، وتعتبر نية الولي في الإخراج ، كما تعتبر النية من رب المال .

    فصل في زكاة الأبل:
    اتفق الأئمة الأربعة على أن نصاب الإبل خمس، وفيها شاة. وفي عشر شاتان. وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين. فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة إلى ستين. وفي إحدى وستين: جذعة إلى خمس وسبعين. وفي ست وسبعين: بنتا لبون إلى تسعين. وفي إحدى وتسعين: حقتان إلى مائة وعشرين.
    واتفقوا على أن البخت، والعراب ، والذكور والإناث في ذلك سواء.
    المسألة الثانية: واختلفوا في الزيادة عن ذلك.
    فعند الإمام: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، تستأنف الفريضة كما كان في الابتداء، وعند مالك والشافعي واحمد لا تستانف الفريضة بل يستقر الواجب على العشرات في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة.
    بعض النصوص في المسألة:
    قال الإمام الكاساني في بدائعه: واختلف العلماء في الزيادة على مائة وعشرين فقال أصحابنا: إذا زادت الغبل على هذا العدد تستأنف الفريضة ويدار الحساب على الخمسينات في النصاب وعلى الحقاق في الواجب لكن بشرط عود ما قبله من الواجبات والأوقاص بقدر ما يدخل فيه..الخ

    وفي الفواكه الدواني: (فما زاد على ذلك) أي المائة والعشرين ولو واحدة على ما هو ظاهر لفظه (ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون) اهـ.
    قلت: في مذهب مالك روايتان إحداهما توافق مذهبنا.
    وفي نهاية المحتاج: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبونن وفي كل خمسين حقة.
    وفي شرح الزركشي على مختصر الخرقي: فإذا زادت على عشرين ومائة ، ففي كل أربعين بنت لبون ، وفي كل خمسين حقة.

    دليل الحنفية: ما روي عن قيس بن سعد أنه قال لأبي بكر بن عمرو بن حزم: أخرج إليّ كتاب الصدقات الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم فأخرج كتابا في ورقة وفيه( فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة) وهذا المذهب مروي عن علي وابن مسعود، وهو لا يعرف بالاجتهاد فيدل على السماع.
    وروي عن علي قوله: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله عز وجل وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن نخالفها.وروي أنه أنفذها إلى عثمان فقال له: مر سعاتك فليعملوا بها.

    دليل الجمهور: حديث أنس أن أبا بكر الصديق كتب له حين وجهه إلى البحرين بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقه طروقة الفحل فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها ابنتا لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الفحل فإذا زادت حقتان طروقتا الفحل فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.

    رد الحنفية على دليل الجمهور: قال في التبيين : قال ابو الفرج قال أحمد بن حنبل: حديث ابن حزم في الصدقات صحيح، ومذهبنا منقول عن ابن مسعود وعلي بن ابي طالب رضي الله عنهمان وكفى بهما قدوة وهما أفقه الصحابة وعلي كان عاملا فكان أعلم بحال الزكاة ، وما رواه الشافعي قد عملنا بموجبه فإنا أوجبنا في أربعين بنت لبون ، وفي خمسين حقة فإن الواجب في الأربعين ما هو الواجب في ست وثلاثين ، والواجب في الخمسين ما هو الواجب في ست وأربعين ، ولا يتعرض هذا الحديث لنفي الواجب عما دونه فنوجبه بما روينا وتحمل الزيادة فيما رواه على الزيادة الكثيرة جمعا بين الأخبار. ألا ترى ما يرويه الزهري عن سالم عن أبيه أنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب الصدقة ، ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي قال ثم أخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفي ثم أخرجها عمر فعمل بها ثم أخرجها عثمان فعمل بها فكان فيها في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة ، وفي كل أربعين بنت لبون } الحديث رواه أبو داود والترمذي وبزيادة الواحدة لا يقال كثرت ، وهذا يؤيد ما ذكرنا بل ينص عليه .
    وقد وردت أحاديث كلها تنص على وجوب الشاة بعد المائة والعشرين ذكرها في الغاية ، ولولا خشية الإطالة لأوردناها ؛ ولأن الواحدة الزائدة على مائة وعشرين إن كان لها حصة من الواجب يكون في كل أربعين وثلث بنت لبون فيكون مخالفا لحديثه ؛ لأنه أوجبها في كل أربعين ، وإن لم يكن لها حصة من الواجب كما هو مذهبه فهو مخالف لأصول الزكاة فإن ما لا يكون له حظ من الواجب لا يتغير به الواجب .
    قلت: وتفصيل الرد في البدائع ، والكلام على سند الروايات فصله الإمام ابن الهمام في فتحه فليراجعه من أراد الاستزاده.

    فصل في زكاة الخيل والبغال والحمير:
    اتفق الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم على أن الخيل إذا كانت للتجارة ففي قيمتها الزكاة، وإذا كانت للركوب أو للحمل أو للجهاد فلا شيء فيها؛ لأنها مشغولة بالحاجة . واتفقوا على ان لا زكاة في البغال والحمير إذا لم يكونوا في التجارة.

    المسألة الثالثة: واختلفوا في الخيل إذا لم يكن للتجارة ولا للركوب:

    فقال أبو حنيفة إذا كانت سائمة ذكورا وإناثا فصاحبها بالخيار إن شاء أعطى عن كل فرس دينارا، وإن شاء أعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم من حيث القيمة.
    وقال البقية: لا زكاة في الخيل بحال إذا لم تكن للتجارة.
    بعض النصوص في المسألة:
    قال الموصلي في الاختيار:
    (من كان له خيل سائمة ذكور وإناث، أو إناث، فإن شاء أعطى عن كل فرس دينارا، وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم)
    ودليل الإمام على ما ذهب إليه ورده على دليل الجمهور:
    قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) ، وهذا من جملة الأموال. وما رواه جابر رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم، وليس في الرابطة شيء) . وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن خذ من كل فرس دينارا أو عشرة دراهم. وقياسا على سائر السوائم. وروي عن السائب بن زيد رضي الله عنه لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين أمره أن يأخذ من كل فرس شاتين أو عشرة دراهم، ولأنها مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية فتجب فيها الزكاة كما لو كانت للتجارة. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق " فالمراد منها الخيل المعدة للركوب والغزو لا للإسامة بدليل أنه فرق بين الخيل وبين الرقيق والمراد منها عبيد الخدمة ألا ترى أنه أوجب فيها صدقة الفطر ؟ وصدقة الفطر إنما تجب في عبيد الخدمة أو يحتمل ما ذكرنا فيحمل عليه عمـلا بالدليلين بقدر الإمكان وهو الجواب عن تعلقهم بالحديث الآخر .
    قال في الفواكه الدواني: ولا زكاة على أحد أيضا في فرسه.
    وفي الحاوي لأبي الحسن الماوردي: ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة إلا زكاة التجارة.
    وبمثل قول المالكية والشافعية قال الحنابلة ونصوا على ذلك في كتبهم.
    أدلة الجمهور وردهم على أدلة الإمام:
    قال ابن قدامة في المغني:
    ولنا ، أن النبي صلى الله عليه وسلم { قال : ليس على المسلم في فرسه وغلامه صدقة .} متفق عليه . وفي لفظ { : ليس على الرجل في فرسه ولا في عبده صدقة .} وعن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق .} رواه الترمذي .وهذا هو الصحيح .
    وروى أبو عبيد ، في " الغريب " ، عن النبي صلى الله عليه وسلم { : ليس في الجبهة ، ولا في النخة ، ولا في الكسعة صدقة .} وفسر الجبهة بالخيل ، والنخة بالرقيق ، والكسعة بالحمير .وقال الكسائي : النخة : بضم النون : البقر العوامل .
    ولأن ما لا زكاة في ذكوره المفردة ، وإناثه المفردة ، لا زكاة فيهما إذا اجتمعا ، كالحمير .ولأن ما لا يخرج زكاته من جنسه من السائمة لا تجب فيه ، كسائر الدواب ، ولأن الخيل دواب ، فلا تجب الزكاة فيها ، كسائر الدواب ، ولأنها ليست من بهيمة الأنعام ، فلم تجب زكاتها، كالوحوش .وحديثهم يرويه غورك السعدي ، وهو ضعيف .
    وأما عمر فإنما أخذ منهم شيئا تبرعوا به ، وسألوه أخذه ، وعوضهم عنه برزق عبيدهم ، فروى الإمام أحمد ، بإسناده عن حارثة ، قال : جاء ناس من أهل الشام إلى عمر فقالوا : إنا قد أصبنا مالا وخيلا ورقيقا ، نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور .
    قال : ما فعله صاحباي قبلي ، فأفعله فاستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم علي فقال : هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك .
    قال أحمد : فكان عمر يأخذ منهم ، ثم يرزق عبيدهم ، فصار حديث عمر حجة عليهم من وجوه ؛ أحدها ، قوله : ما فعله صاحباي .يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ، ولو كان واجبا لما تركا فعله .الثاني ، أن عمر امتنع من أخذها ، ولا يجوز له أن يمتنع من الواجب .الثالث ، قول علي : هو حسن إن لم يكن جزية يؤخذون بها من بعدك .فسمى جزية إن أخذوا بها ، وجعل حسنه مشروطا بعدم أخذهم به ، فيدل على أن أخذهم بذلك غير جائز .الرابع ، استشارة عمر أصحابه في أخذه ، ولو كان واجبا لما احتاج إلى الاستشارة .الخامس ، أنه لم يشر عليه بأخذه أحد سوى علي بهذا الشرط الذي ذكره ، ولو كان واجبا لأشاروا به .السادس ، أن عمر عوضهم عنه رزق عبيدهم ، والزكاة لا يؤخذ عنها عوض ولا يصح قياسها على النعم ؛ لأنها يكمل نماؤها ، وينتفع بدرها ولحمها ، ويضحى بجنسها ، وتكون هديا ، وفدية عن محظورات الإحرام ، وتجب الزكاة من عينها ، ويعتبر كمال نصابها ، ولا يعتبر قيمتها ، والخيل بخلاف ذلك .
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,543
    فصل في زكاة الذهب والفضة:
    اتفق الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم على أّن نصاب الذهب عشرون مثقالا، وفيها: نصف مثقال، وفي أربعين مثقالا: مثقال. وفي مائتين: خمسة مثاقيل، وفي ألف مثقال: خمسة وعشرون مثقالا. وفي الزوائد على هذا الترتيب.ونصاب الفضة: مائتا درهم. وفيها خمسة دراهم. وفي ألف درهم: خمس وعشرون درهما. وفي الزوائد على هذا الحساب. واتفقوا على أنه تجب الزكاة في أواني الذهب والفضة ؛ لأنه لا يجوز استعمالها.
    واتفقوا على أنه لا يجوز لأرباب الأموال الباطنة إخراج الزكاة منها بنفسه إلى المستحقين، وله دفعها إلى الإمام ليصرف إلى من يستحقها.

    المسألة الرابعة: واختلفوا في الزائد على النصاب في الذهب والفضة:
    فقال أبو حنيفة: لا تجب فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ أربعين درهما وفيها درهم. ولا على الذهب حتى يبلغ أربعة دنانير، وفيها قيراطان.
    وقال الباقون: تجب الزيادة بالحساب وإن قلّت الزيادة.
    قال في البدائع: ولو زاد على نصاب الفضة شيء فلا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين، فيجب فيها درهم في قول أبي حنيفة، وعلى هذا أبدا في كل أربعين درهم.
    وقال في التبيين: (ثم في كل خمس بحسابه) أي في كل نصتب تجب فيه بحسابه وهو اربعون درهما من الورق، فيجب فيه درهم. ومن الذهب أربعة دنانير فيجب فيها قيراطان، وهذا عند ابي حنيفة رحمه الله. وهو قول عمر بن الخطاب.



    دليل أبي حنيفة:
    ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في كتاب عمرو بن حزم: (فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهم وليس فيما دون الأربعين صدقة) ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: (لا تأخذ من الكسور شيئا فإذا كان الورق مائتي درهم فخذ منها خمسة دراهم ولا تأخذ مما زاد شيئا حتى يبلغ أربعين درهما فتأخذ منها درهما)
    ولأن الأصل أن يكون بعد كل نصاب عفو نظرا لأرباب الأموال كما في السوائم، ولأن في اعتبار الكسور حرجا وإنه مدفوع.

    نصوص الجمهور وأدلتهم:
    قال أبو زيد في الرسالة:
    ( ولا زكاة من الذهب أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين دينارا ففيها نصب دينار ربع العشر، فما زاد فبحساب ذلك، وإن قلّ الزائد).... والدليل على ذلك كله ما خرجه الترمذي وأبو داود عن علي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد عفوت عنكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الورق من كل أربعين درهما درهم وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك.
    وقال ابن مفلح في المبدع :
    ( وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب ) أما زيادة الحب فيجب فيها بالحساب اتفاقا وكذا زيادة النقدين لقوله عليه السلام ها تواربع العشور من كل أربعين درهما درهما وليس عليكم شيء حتى تتم مائتين فتجب فيها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك رواه الأثرم والدارقطني وروي عن علي وابن عمر ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة ولأنه مال من الأرض يتجزأ ويتبغض من غير ضرر أشبه الأربعين وظاهره أنه يجب ولو لم يبلغ نقد أربعين درهما أو أربعة دنانير.

    وقال ابن قدامة في الشرح الكبير :
    (وتجب فيما زاد على النصاب بالحساب الا في السائمة) فلا شئ في أوقاصها على ما يأتي بيانه. واتفقوا على زيادة الحب أن الزكاة تجب فيها بالحساب، واختلفوا في زيادة الذهب والفضة فروي وجوب الزكاة فيها عن علي وابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال عمر ابن عبد العزيز والنخعي ومالك والثوري والاوزاعي والشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر، وقال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس والحسن والشعبى ومكحول والزهري وعمر وبن دينار وأبو حنيفة: لا شئ في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين، ولا في زيادة الذهب حتى تبلغ أربعة دنانير لقوله عليه السلام " من كل أربعين درهما درهما " وعن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا بلغ الورق مائتين ففيه خمسة دراهم، ثم لا شئ فيه حتى يبلغ إلى أربعين درهما " ولان له عفوا في الابتداء فكان له عفو بعد النصاب كالسائمة ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهما درهما، وليس عليكم شئ حتى يتم مائتين، فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك " رواه الاثرم والدار قطني، وروي ذلك عن علي وابن عمر موقوفا عليهما ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فيكون اجماعا، ولانه مال يتجزاء فلم يكن له عفو بعد النصاب كالحبوب، وما احتجوا به من الخبر الاول فهو احتجاج بدليل الخطاب والمنطوق راجح عليه، والخبر الثاني يرويه أبو العطوف الجراح بن منهال وقد قال الدار قطني هو متروك الحديث. وقال مالك هو دجال، ويرويه عن عبادة بن نسي عن معاذ ولم يلق عبادة معاذا فيكون منقطعا والماشية يشق تشقيصها بخلاف الاثمان.

    ردّ أبي حنيفة على الجمهور:
    قال الإمام الكاساني في بدائعه : حديث علي رضي الله عنه لم يرفعه أحد من الثقات بل شكوا في قوله: " وما زاد على المائتين فبحساب ذلك " أن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أو قول علي فإن كان قول النبي صلى الله عليه وسلم يكون حجة ، وإن كان قول علي رضي الله عنه لا يكون حجة ؛ لأن المسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم فلا يحتج بقول البعض على البعض .
    وبه تبين أنه لا يصلح معارضا لما روينا ، وما ذكروا من شكر النعمة فالجواب عنه ما ذكرنا فيما تقدم ؛ لأن معنى النعمة هو التنعم ، وأنه لا يحصل بما دون النصاب ثم يبطل بالسوائم مع أنه قياس في مقابلة النص ، وأنه باطل والله أعلم .

    فصل في زكاة القصب والزروع:
    اتفق الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم على أن الواجب: نصف العشر بما سقي بالنواضح والكلف.
    المسألة الخامسة: واختلفوا في اشتراط النصاب
    قال أبو حنيفة: لا يعتبر فيه النصاب، بل يجب العشر في قليله وكثيره، في الباقي وغير الباقي، إلا الحطب والحشيش والقصب الفارسي، سواء سقي سيحا أو سقته السماء حتى تجب الزكاة في الخضروات كلها.
    وقال الباقون: يشترط فيه النصاب، وهو خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، والصاع: خمسة أرطال وثلث.
    والجنس الذي تجب فيه الزكاة هو: الذي يدخر ويقتات به كالحنطة، والشعير والأرز ، وغيره.
    وقال أحمد: تجب في كل ما يكال ويدخر من الزروع والثمار، حتى يجب العشر عنده في السمسم، وبزر الكتان، والكمون، والكراويا، والخردل واللوز والفستق.
    وعند مالك والشافعي: لا يجب
    ولا يجب الزكاة في الخضروات عندهم لأنها لا تدخر.

    * النصوص على قول الإمام وأدلته:
    قال الموصلي في الإختيار: ما سقته السماء أو سقي سيحا ففيه العشر قلّ أو كثر، إلا القصب الفارسي والحطب والحشيش.

    وقال الكاساني في بدائعه: وكذا النصاب ليس بشرط لوجوب العشر، فيجب العشر في كثير الخارج وقليله، ولا يشترط فيه النصاب عند أبي حنيفة.
    * أدلة الإمام على ما ذهب إليه:
    - عموم قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض).
    - قوله تعالى: ( وآتوا حقه يوم حصاده)
    - قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما سقته السماء ففيه العشر، وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر)
    - أيضا ما أخرجه عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سماك بن الفضل عن عمر بن عبد العزيز قال: فيما أنبتت من قليل وكثير العشر. وأخرج نحوه عن مجاهد وعن إبراهيم النخعي، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وعن النخعي، وزاد في حديث النخعي: حتى في كل عشر دستجات بقل استجة.
    ووجه الدلالة فيها: أنها ذكرت الحق فيها من غير فصل بين القليل والكثير؛ ولأن سبب الوجوب وهي الأرض النامية بالخارج لا يوجب التفصيل بين القليل والكثير

    * نصوص الجمهور وأدلتهم:
    قال ابن جزي في القوانين الفقهية: المسالة الثانية: في النصاب، وهو معتبر في هذا الباب خلافا لأبي حنيفة وهو مخالف للإجماع، فلا زكاة في أقل من خمسة أوسق...الخ
    قلت: العجب من ابن جزي ادعاء الإجماع في هذه المسالة، مع أن أبا حنيفة وافقه غيره في المسألة كمجاهد وغيره.
    وقال في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج: والأصل في الباب قبل الإجماع مع ما يأتي قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) وقوله تعالى (أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) فأوجب الإنفاق مما أخرجته الارض وهو الزكاة لأنه لا حق فيما أخرجه غيرها (تختص بالقوت وهو من الثمار والرطب والعنب، ومن الحب الحنطة والشعير والأرز والعدس وسائر المقتات اختيارا)..... (ونصابه) أي القوت الذي تجب فيه الزكاة(خمسة اوسق وهي الف وستمائة رطل بغدادية)الخ
    وفي الفواكه الدواني: ولا زكاة في الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق وذلك ستة أقفزة وربع، والوسق ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أربعة أمداد بمده عليه الصلاة والسلام)
    وقال ابن قدامة في المغني: فصل : الحكم الثاني ، أن الزكاة لا تجب في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة أوسق .
    هذا قول أكثر أهل العلم ؛ منهم ابن عمر ، وجابر ، وأبو أمامة بن سهل ، وعمر بن عبد العزيز ، وجابر بن زيد ، والحسن ، وعطاء ، ومكحول ، والحكم ، والنخعي ، ومالك ، وأهل المدينة ، والثوري ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، والشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد ، وسائر أهل العلم . لا نعلم أحدا خالفهم ، إلا مجاهدا ، وأبا حنيفة ، ومن تابعه ، قالوا : تجب الزكاة في قليل ذلك وكثيره ؛ لعموم قوله عليه السلام : { فيما سقت السماء العشر } .ولأنه لا يعتبر له حول فلا يعتبر له نصاب .

    أدلة الجمهور:
    قال ابن قدامة في المغني: قول النبي صلى الله عليه وسلم : { ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة } .متفق عليه .
    وهذا خاص يجب تقديمه ، وتخصيص عموم ما رووه به ، كما خصصنا قوله { : في سائمة الإبل الزكاة } بقوله { : ليس فيما دون خمس ذود صدقة } . وقوله : { في الرقة ربع العشر } بقوله : { ليس فيما دون خمس أواق صدقة } . ولأنه مال تجب فيه الصدقة ، فلم تجب في يسيره كسائر الأموال الزكائية ، وإنما لم يعتبر الحول ؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه ، واعتبر الحول في غيره ؛ لأنه مظنة لكمال النماء في سائر الأموال ، والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه ، فلهذا اعتبر فيه ، يحققه أن الصدقة إنما تجب على الأغنياء ، بما قد ذكرنا فيما تقدم ، ولا يحصل الغنى بدون النصاب ، كسائر الأموال الزكائية .
    وقال الرملي في نهاية المحتاج : (ونصابه) أي القوت الذي تجب فيه الزكاة (خمسة أوسق) لخبر " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" وخبر مسلم " ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق".

    * حاصل الخلاف بين الإمام والجمهور:
    قال ابن الهمام في فتحه: والحاصل أنه تعارض عام وخاص، فمن يقدم الخاص مطلقا كالشافعي قال بموجب حديث الأوساق. ومن يقدم العام أو يقول يتعارضان ويطلب الترجيح إن لم يعرف التاريخ، وإن عرف فالمتأخر ناسخ، وإن كان العام كقولنا يجب أن يقول بموجب هذا العام هنا لأنه لما تعارض مع حديث الأوساق في الإيجاب فيما دون خمسة الأوسق كان الإيجاب أولى للإحتياط، فمن تم له المطلوب في نفس الأصل الخلافي تم له هنا، ولولا خشية الخروج عن الغرض لاظهرنا صحته.
    وبهذه المسألة أكون قد أتممت ما وعدت به من البحث في المسائل الخمسة السابقة، فإن أحسنت فمن الله وفضله ومنته وكرمه عليّ، وإن أسأت أو قصرت فمني والشيطان، وأعوذ بالله من شره ونفثه ونفخه.

    * وإتماما للفائدة أذكر بقية المسائل الخلافية التي وقفت عليها بين الإمام والجمهور في كتاب الزكاة :
    المسألة السادسة: اختلفوا هل يخرج العشر في الأرض العشرية، والخراج في الأرض الخراجية؟
    قال أبو حنيفة: لا يجمع، بل يجب العشر في الأرض العشرية، والخراج في الأرض الخراجية.
    وقال الباقون: أرض الخراج فيها العشر والخراج.
    المسألة السابعة: اختلفوا في نصاب المعدن، وقدر الواجب فيه:
    فقال أبو حنيفة: لا يعتبر النصاب، بل يجب في قليله وكثيره الخمس.
    وقال الباقون: يعتبر فيه النصاب، لكن عند مالك ربع العشر في رواية، وفي رواية أخرى: إن أصابها مجتمعة بلا تعب ومعالجة وجب فيها الخمس، وإن أصابها بتعب ومؤنة ففيها ربع العشر، وهو أحد قولي الشافعي، وفي قول آخر: الخمس.
    المسالة الثامنة: واخلفوا في مصرفه: فقال أبو حنيفة: مصرفه مصرف الفيء إن وجده في أرض الخراج أو العشر، وإن وجده في داره فهو له ولا شيء عليه، وإن وجده في صحراء دار الحرب فلا خمس فيه.
    وقال الباقون: مصرفه: مصرف الفيء.
    المسألة التاسعة: اختلفوا في الغزاة الذين أريدوا في قوله تعالى: (في سبيل الله).
    فقال أبو حنيفة: هم الفقراء منهم، والمنقطعون به دون الأغنياء.
    وقال الباقون: يأخذ الغني منهم كما يأخذ الفقير.
    المسألة العاشرة: اختلفوا في دفع الزكاة إلى عبد الغير:
    قال أبو حنيفة يجوز إذا كان مالكه فقيرا، وإن كان غنيا لا يجوز.
    وقال الباقون: لا يجوز مطلقا.
    المسألة الحادية عشر: اختلفوا في جواز دفع القيمة في الزكاة:
    فقال أبو حنيفة: يجوز.
    وقال الباقون لا يجوز، إلا أن مالكا أجاز دفع ذهب بفضة.
    المسألة الثانية عشر: اختلفوا في صفة من تجب عليه صدقة الفطر:
    فقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك نصابا أو ما قيمته نصاب فاضلا عن حوائجه الضرورية، وإن لم يكن ناميا.
    وقال الباقون: تجب على من كان عنده فضل عن قوت يوم العيد وليلته لنفسه ولمن يلزمه مؤنتهم بمقدار صدقة الفطر.
    المسألة الثالثة عشر: اختلفوا في قدر الصاع:
    فقال أبو حنيفة: ثمانية ارطال بالعراقي.
    وقال الباقون: خمسة أرطال وثلث بالعراقي.
    المسألة الرابعة عشر: اخلفوا هل تجب زكاة الفطر على الأب عن أولاده الكبار إذا كانوا في عياله:
    فقال أبو حنفة: لا يجب.
    وقال الباقون: يجب.
    المسألة الخامسة عشر: اختلفوا في صدقة الفطر عن عبد التجارة والعبد المشترك أو عبيد:
    فقال أبو حنيفة: لا يجب.
    وقال الباقون: تجب عنهما.

    المصادر والمراجع مرتبة حسب الترتيب الهجائي:

    1. ابن الحنائي، علي جلبي. 1425هـ. طبقات الحنفية. دار ابن الجوزي، عمان.
    2. ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد. 1977م. فتح القدير وبحاشيته العناية على الهداية وحاشية سعدالله بن عيسى. دار الفكر، بيروت.
    3. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. 1988م. رفع الملام عن الأئمة الأعلام. مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.
    4. ابن جزي، محمد بن احمد. 2006م. القوانين الفقهية. دار الكتب العلمية، بيروت.
    5. ابن عابدين، محمد أمين. 1994م. رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار. دار الكتب العلمية. بيروت.
    6. ابن قدامة، موفق الدين. نسخة الكترونية. المغني.
    7. ابن قطلوبغا، زين الدين قاسم. 1992م. تاج التراجم. دار القلم، دمشق.
    8. ابن مفلح، ابراهيم بن محمد. 1400هـ. المبدع في شرح المقنع. المكتب الإسلامي، بيروت.
    9. ابن نجيم، زين الدين. 1993م. البحر الرائق شرح كنز الدقائق وبهامشه منحة الخالق على البحر الرائق لابن عابدين. دار المعرفة، بيروت.
    10. الأزهري، صالح عبد السميع الآبي. دون ذكر سنة طباعة. جواهر الإكليل شرح العلامة خليل في مذهب الإمام مالك. دار الفكر، بيروت.
    11. البخاري، محمد بن إسماعيل. 2003م. الجامع الصحيح. دار الكتب العلمية، بيروت.
    12. البغدادي، اسماعيل باشا. دون ذكر سنة طباعة مصورة عن نسخة مؤسسة التاريخ العربي. هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين.دار احياء التراث العربي. بيروت
    13. التميمي، تقي الدين بن عبد القادر الداري الغزي. 1983م. الطبقات السنية في تراجم الحفية. دار الرفاعي. الرياض.
    14. الحطاب، محمد بن محمد المغربي. نسخة الكترونية. مواهب الجليل لشرح مختصر خليل.
    15. الدسوقي، شمس الدين محمد بن عرفة. دون ذكر سنة الطباعة مصورة بالأوفست عن الطبعة الأميرية. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. دار الفكر، بيروت.
    16. الدهلوي، ولي الله.1993م. الإنصاف في بيان أسباب الخلاف. دار النفائس، بيروت.
    17. الرملي، أحمد بن حمزة. 2004م. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. دار الفكر، بيروت.
    18. الزركشي، محمود بن عبدالله. 2002م. شرح الزركشي على مختصر الخرقي. دار الكتب العلمية، بيروت.
    19. الزمخشري، محمود بن عمر. 2007م. رؤوس المسائل الخلافية بين الحنفية والشافعية. دار البشائر الإسلامية، بيروت.
    20. الزيلعي، عثمان بن علي. دون ذكر سنة الطبع مصورة بالاوفست عن البولاقية 1313هـ. تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق. دار الكتاب الإسلامي.
    21. الفيروز آبادي، محمد بن يعقوب. 2007م. القاموس المحيط. دار الكتب العلمية، بيروت.
    22. القرشي، محمد عبد القادر. 1993م. الجواهر المضية في طبقات الحنفية. مؤسسة الرسالة. بيروت.
    23. القهستاني، شمس الدين محمد الخراساني. دون ذكر سنة طبع. جامع الرموز وبهامشه غواص البحرين في ميزان الشرحين. باكستان، كراتشي.
    24. الكاساني، علاء الدين بن أبي بكر بن مسعود.2000م. بدائع الصنائع في ترتيب الرائع. دار المعرفة. بيروت.
    25. الكاكي، قوام الدين محمد بن محمد. 2004م. عيون المذاهب الكاملي. مؤسسة الرسالة، بيروت.
    26. اللكنوي، محمد عبد الحي. 1988م. التعليقات السنية على الفوائد البهية. دار الأرقم، بيروت.
    27. اللكنوي، محمد عبد الحي. 1998م. الفوائد البهية في تراجم الحنفية. دار الأرقم، بيروت.
    28. الموصلي، عبد الله بن محمود. دون ذكر سنة الطبع. الإختيار لتعليل المختار. دار المعرفة، بيروت.
    29. النفراوي، أحمد بن غنيم المالكي الأزهري. 1955م. الفواكه الدواني. مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر.
    30. النووي، يحيى بن شرف. نسخة الكترونية. المجموع شرح المهذب.
    31. الهندي، سراج الدين. 2001م. زبدة الأحكام في مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام. مكتبة الريان، بيروت.
    32. حاجي خليفة، مصطفى بن عبدالله. دون ذكر سنة طباعة مصورة عن نسخة مؤسسة التاريخ العربي. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. دار الحياء التراث العربي. بيروت.
    33. طاشكبري زاده، أحمد بن مصطفى. 2002م. مفتاح السعادة ومصباح السيادة. دار الكتب العلمية، بيروت.
    34. عليش، محمد بن أحمد. 1958م. فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك. مطبعة مصطفى الباب الحلبي، مصر.
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    4,004
    مقالات المدونة
    2
    سلمت يمينك ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  4. نفع الله بكم..
    قولكم:
    واتفقوا على أنه لا يجوز لأرباب الأموال الباطنة إخراج الزكاة منها بنفسه إلى المستحقين، وله دفعها إلى الإمام ليصرف إلى من يستحقها.
    أظنكم أردتم : يجوز، فزدتم (لا) سهوا، فأحببت أن أنبهكم..

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jun 2004
    المشاركات
    2,543
    أشكر لك نباهتك أختي شفاء
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

  6. #6
    موسى البلوشي Guest
    بارك الله فيك .. شيخ لؤي

  7. نفعنا الله بكم سيدي
    {واتقوا الله ويعلمكم الله}

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •