صفحة 47 من 57 الأولىالأولى ... 37434445464748495051 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 691 إلى 705 من 850

الموضوع: جميع السنه شرح لكتاب الله

  1. #691
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    { وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىغ¤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى } أي: يمد في أعماركم، ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه، أوقعه بكم، وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبرّ وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة؛ كما ورد به الحديث: " صلة الرحم تزيد في العمر "

    ابن كثير سورة نوح

    وقال السيوطي في دره المنثور

    وأخرج الحاكم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يدعو نوحاً وقومه يوم القيامة أول الناس، فيقول: ماذا أجبتم نوحاً فيقولون: ما دعانا وما بلغنا وما نصحنا ولا أمرنا ولا نهانا، فيقول نوح: دعوتهم يا رب دعاء فاشياً في الأولين والآخرين، أمة بعد أمة، حتى انتهى إلى خاتم النبيين أحمد فانتسخه وقرأه وآمن به وصدقه، فيقول للملائكة: ادعوا أحمد وأمته، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته يسعى نورهم بين أيديهم، فيقول نوح لمحمد وأمته: هل تعلمون أني بلغت قومي الرسالة، واجتهدت لهم بالنصيحة، وجهدت أن استنقذهم من النار سراً وجهراً فلم يزدهم دعائي إلا فراراً فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته: فإنا نشهد بما نشدتنا أنك في جميع ما قلت من الصادقين، فيقول نوح: وأنى علمت هذا أنت وأمتك ونحن أول الأمم وأنتم آخر الأمم؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم { إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه } حتى ختم السورة، فإذا ختمها قالت أمته: نشهد أن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم، فيقول الله عند ذلك: { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } [يس: 59] ".

    فَقُلْتُ ظ±سْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } * { يُرْسِلِ ظ±لسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً } * { وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً

    جاء فغŒ الحديث

    من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب

  2. #692
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    { وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } * { وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ ظ±لظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً }

    قال ابن عباس وغيره: هي أصنام وصُوَر، كان قوم نوح يعبدونها ثم عبدتها العرب وهذا قول الجمهور. وقيل: إنها للعرب لم يعبدها غيرهم. وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، فلذلك خَصُّوها بالذكر بعد قوله تعالى: { لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ }. ويكون معنى الكلام كما قال قوم نوح لأتباعهم: { لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ } قالت العرب لأولادهم وقومهم: لا تذرُنّ ودًّا وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، ثم عاد بالذكر بعد ذلك إلى قوم نوح عليه السلام. وعلى القول الأول، الكلام كلّه منسوق في قوم نوح. وقال عُروة بن الزبير وغيره: اشتكى آدم عليه السلام وعنده بنوه: وَدٌّ، وسُواعٌ، ويغوثُ، ويعوقُ، ونسرٌ. وكان وَدّ أكبرَهم وأبرَّهم به. قال محمد بن كعب: كان لآدم عليه السلام خمس بنين: وَدّ وسُواع ويغوث ويعوق ونسر، وكانوا عُبَّاداً فمات واحد منهم فحزنوا عليه، فقال الشيطان: أنا أصوّر لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه. قالوا: افعل. فصوّره في المسجد من صُفْر ورصاص. ثم مات آخر، فصوّره حتى ماتوا كلهم فصوّرهم. وتنقّصت الأشياء كما تتنقّص اليوم إلى أن تركوا عبادة الله تعالى بعد حين. فقال لهم الشيطان: ما لكم لا تعبدون شيئاً؟ قالوا: وما نعبد؟ قال: آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون في مُصَلاّكم. فعبدوها من دون الله، حتى بعث الله نوحاً فقالوا: { لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً } الآية. وقال محمد بن كعب أيضاً ومحمد بن قيس: بل كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم تَبَع يقتدون بهم، فلما ماتوا زَيّن لهم إبليس أن يصوّروا صورهم ليتذكروا بها اجتهادهم، وليتسَلّوا بالنظر إليها، فصوّرهم. فلما ماتوا هُم وجاء آخرون قالوا: لَيْتَ شِعْرَنَا! هذه الصور ما كان آباؤنا يصنعون بها!؟ فجاءهم الشيطان فقال: كان آباؤكم يعبدونها فترحمهم وتسقيهم المطر. فعبدوها فابتدىء عبادة الأوثان من ذلك الوقت.

    قلت: وبهذا المعنى فسّر ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة: أن أمّ حبيبة وأمّ سَلَمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة تسمى مارية، فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بَنَوْا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور أولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة " وذكر الثعلبيّ عن ابن عباس قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح

    القرطبي

    { وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ظ±لأَرْضِ مِنَ ظ±لْكَـظ°فِرِينَ دَيَّاراً } أي: لا تترك على وجه الأرض منهم أحداً، ولا دياراً، وهذه من صيغ تأكيد النفي، قال الضحاك: دياراً واحداً، وقال السدي: الديار: الذي يسكن الدار، فاستجاب الله له، فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين، حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه، وقال:
    { سَآوِىغ¤ إِلَىظ° جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ظ±لْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ ظ±لْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ظ±للَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ظ±لْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ظ±لْمُغْرَقِينَ }
    [هود: 43] وقال ابن أبي حاتم: قرأ علي يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني شبيب بن سعيد عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو رحم الله من قوم نوح أحداً، لرحم امرأة لما رأت الماء حملت ولدها، ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء، صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها، وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها، رفعت ولدها بيدها، فلو رحم الله منهم أحداً، لرحم هذه المرأة " هذا حديث غريب، ورجاله ثقات، ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح عليه السلام، وهم الذين أمره الله بحملهم معه.

    وقوله تعالى: { إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ } أي: إنك إن أبقيت منهم أحداً، أضلوا عبادك، أي: الذين تخلقهم بعدهم، { وَلاَ يَلِدُوغ¤اْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } أي: فاجراً في الأعمال كافر القلب، وذلك لخبرته بهم، ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم قال: { رَّبِّ ظ±غْفِرْ لِى وَلِوَظ°لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً } قال الضحاك: يعني: مسجدي، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أنبأنا سالم بن غيلان: أن الوليد بن قيس التجيبي، أخبره: أنه سمع أبا سعيد الخدري، أو: عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي " ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح به، ثم قال الترمذي: إنما نعرفه من هذا الوجه

    ابن كثير

  3. #693
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    { وَأَنَّ ظ±لْمَسَـظ°جِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ظ±للَّهِ أَحَداً } قال: قالت الجن لنبي الله صلى الله عليه وسلم: كيف لنا أن نأتي المسجد، ونحن ناؤون؟ أي: بعيدون عنك، وكيف نشهد الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت: { وَأَنَّ ظ±لْمَسَـظ°جِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ظ±للَّهِ أَحَداً }.

    وقال سفيان عن خصيف عن عكرمة: نزلت في المساجد كلها، وقال سعيد بن جبير: نزلت في أعضاء السجود، أي: هي لله، فلا تسجدوا بها لغيره. وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح من رواية عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة ــــ أشار بيده إلى أنفه ــــ واليدين والركبتين وأطراف القدمين "

    ابن كثير

  4. #694
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقوله تعالى: { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } قال الحسن وقتادة: أي: العمل به. وقيل: ثقيل وقت نزوله من عظمته، كما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فكادت ترض فخذي.

    وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض " تفرد به أحمد. وفي أول صحيح البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: " أحياناً يأتي في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً، فيكلمني، فأعي ما يقول " قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً، هذا لفظه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على راحلته، فتضرب بجرانها. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها، فما تستطيع أن تحرك حتى يسرى عنه. وهذا مرسل، الجران: هو باطن العنق، واختار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معاً. كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين...

    ولهذا قال تعالى: { إِنَّ لَكَ فِى ظ±لنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً } قال ابن عباس وعكرمة وعطاء بن أبي مسلم: الفراغ والنوم، وقال أبو العالية ومجاهد وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وسفيان الثوري: فراغاً طويلاً. وقال قتادة: فراغاً وبغية ومتقلباً. وقال السدي: { سَبْحَاً طَوِيلاً } تطوعاً كثيراً. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: { إِنَّ لَكَ فِى ظ±لنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً } قال: لحوائجك، فأفرغ لدينك الليل: قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إن الله تبارك وتعالى منّ على عباده، فخففها ووضعها، وقرأ: { قُمِ ظ±لَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً } إلى آخر الآية، ثم قرأ:
    { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىظ° مِن ثُلُثَىِ ظ±لَّيْلِ وَنِصْفَهُ }
    حتى بلغ
    { فَظ±قْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ }
    [المزمل: 20] وقال تعالى:
    { وَمِنَ ظ±لْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىظ° أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً }
    [الإسراء: 79] وهذا الذي قاله كما قاله.

    والدليل عليه ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا سعيد، وهو ابن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام: أنه طلق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقاراً له بها، ويجعله في الكراع والسلاح، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطاً من قومه، فحدثوه أن رهطاً من قومه ستة أرادوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " أليس لكم فيّ أسوة حسنة؟ " فنهاهم عن ذلك، فأشهدهم على رجعتها، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قال: ائت عائشة فسلها، ثم ارجع إليّ فأخبرني بردها عليك.

    قال: فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته إليها فقال: ما أنا بقاربها؛ إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً، فأبت فيهما إلا مضياً، فأقسمت عليه فجاء معي، فدخلنا عليها فقالت: حكيم؟ وعرفته، قال: نعم. قالت: من هذا الذي معك؟ قال: سعيد بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. قال: فترحمت عليه وقالت: نعم المرء كان عامراً. قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، فهممت أن أقوم، ثم بدا لي قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألست تقرأ هذه السورة: { يظ°أَيُّهَا ظ±لْمُزَّمِّلُ }؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً من بعد فريضة.
    ....

    قال الطبراني: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: { يَوْماً يَجْعَلُ ظ±لْوِلْدَظ°نَ شِيباً } قال: " ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: من كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون، وينجو واحد " فاشتد ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم: " إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل حتى ينتشر لصلبه ألف رجل، ففيهم وفي أشباههم جُنة لكم " هذا حديث غريب، وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه الأحاديث.

    ابن كثير

  5. #695
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الله تعالى: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } قال الإمام أحمد: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ويل: واد في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً، قبل أن يبلغ قعره، والصعود: جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي به كذلك فيه أبداً " وقد رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن الحسن بن موسى الأشيب به، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج، كذا قال، وقد رواه ابن جرير عن يونس عن عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج، وفيه غرابة ونكارة.

    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن المعروف بعلان المصري قال: حدثنا منجاب، أخبرنا شريك عن عمار الدهني عن عطية العوفي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: { سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } قال: " هو جبل في النار من نار، يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت....

    وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني حارث عن عامر عن البراء في قوله تعالى: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } قال: إن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء الرجل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عليه ساعتئذ: { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } ، فأخبر أصحابه، وقال: " ادعهم، أما إني سائلهم عن تربة الجنة إن أتوني، أما إنها درمكة بيضاء " فجاؤوه فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين، وأمسك الإبهام في الثانية ثم قال: " أخبروني عن تربة الجنة " فقالوا: أخبرهم يابن سلام، فقال: كأنها خبزة بيضاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    أما إن الخبز إنما يكون من الدرمك " هكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء، والمشهور عن جابر بن عبد الله كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا منده، حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: " بأي شيء؟ " قال: سألتهم يهود هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ علي بأعداء الله، لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة " فأرسل إليهم فدعاهم، قالوا: يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: " هكذا " وطبق كفيه، ثم طبق كفيه مرتين، وعقد واحدة، وقال لأصحابه: " إن سئلتم عن تربة الجنة، فهي الدرمك " فلما سألوه، فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تربة الجنة؟ " فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: خبزة يا أبا القاسم فقال: " الخبز من الدرمك " وهكذا رواه الترمذي عند هذه الآية عن ابن أبي عمر عن سفيان به، وقال هو والبزار: لا يعرف إلا من حديث مجالد، وقد رواه الإمام أحمد عن علي بن المديني عن سفيان، فقص الدرمك فقط.

    ابن كثير

  6. #696
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقوله تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ } أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى؛ لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة، من الفلاسفة اليونانيين ومن شايعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة، والنفوس التسعة التي اخترعوا دعواها، وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فأفهموا صدر هذه الآية، وقد كفروا بآخرها، وهو قوله: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ } وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: " فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم ".

    وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى " فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تعضد. ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ويروى عن أبي ذر موقوفاً، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا خير بن عرفة المصري، حدثنا عروة بن مروان الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف، إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة، قالوا جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، إلا أنا لم نشرك بك شيئاً " وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ قال لهم: " هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، ما فيها موضع شبر، إلا وعليه ملك راكع أو ساجد ". وقال أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ، حدثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حدثنا عبيد ابن سليمان الباهلي، سمعت الضحاك بن مزاحم يحدث عن مسروق بن الأجدع عن عائشة: أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ ظ±لصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ظ±لْمُسَبِّحُونَ } " وهذا مرفوع غريب جداً. ثم رواه عن محمود بن آدم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود أنه قال: إن من السموات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم، ثم قرأ:
    { وَإِنَّا لَنَحْنُ ظ±لصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ظ±لْمُسَبِّحُونَ }
    [الصافات: 165 ــــ 166].

    ثم قال: حدثنا أحمد بن سيار، حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حدثنا المغيرة بن عمر بن عطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان ابن أيوب عن سالم بن عوف، حدثني عطاء بن زيد بن مسعود من بني الحبلي، حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع من بني سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء من بني ساعدة عن أبيه العلاء بن سعد، وقد شهد الفتح وما بعده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً لجلسائه:

    " هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: وما تسمع يا رسول الله؟ قال: " أطت السماء، وحق لها أن تئط، إنه ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد، وقالت الملائكة: { وَإِنَّا لَنَحْنُ ظ±لصَّآفُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ظ±لْمُسَبِّحُونَ } " وهذا إسناد غريب جداً.

    ثم قال: حدثنا إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي، حدثنا عبد الملك بن قدامة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن عبد الله بن عمر: أن عمر جاء، والصلاة قائمة، ونفر ثلاثة جلوس، أحدهم أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام اثنان، وأبى أبو جحش أن يقوم، وقال: لا أقوم حتى يأتي رجل هو أقوى مني ذراعين، وأشد مني بطشاً، فيصرعني، ثم يدسّ وجهي في التراب، قال عمر: فصرعته ودسست وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه، فخرج عمر مغضباً حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ما رأيك يا أبا حفص؟ " فذكر له ما كان منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن رضى عمر رحمه، والله على ذلك لوددت أنك جئتني برأس الخبيث " فقام عمر فوجه نحوه، فلما أبعد ناداه فقال: " اجلس حتى أخبرك بغناء الرب تبارك وتعالى عن صلاة أبي جحش، إن لله تعالى في السماء الدنيا ملائكة خشوعاً لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت، رفعوا رؤوسهم، ثم قالوا: ربنا ما عبدناك حق عبادتك، وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجوداً لا يرفعون رؤوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة رفعوا رؤوسهم وقالوا: سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك ". فقال له عمر: وما يقولون يا رسول الله؟ فقال: " أما أهل السماء الدنيا فيقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون: سبحان الحي الذي لا يموت، فقلها يا عمر في صلاتك " فقال عمر: يا رسول الله فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال: " قل هذا مرة، وهذا مرة " وكان الذي أمره به أن يقوله:

    أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك جل وجهك " هذا حديث غريب جداً، بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات، وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني، وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقاً، إلا أنه ذهب بصره، فربما لقن، وكتبه صحيحة، وقال مرة: هو مضطرب، وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي تكلم فيه أيضاً، والعجب من الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عرف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله، غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلاً بنحوه، ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلاً قريباً منه، ثم قال محمد بن نصر: حدثنا محمد ابن عبد الله بن قهزاذ، أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطاة، وهو يخطبنا على منبر المدائن، قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه، إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجوداً منذ خلق الله السموات والأرض، لم يرفعوا رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وإن منهم ملائكة ركوعاً لم يرفعوا رؤوسهم منذ خلق الله السموات والأرض، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم، نظروا إلى وجه الله عز وجل قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك " وهذا إسناد لا بأس به....

    وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل أخو حزم، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ } وقال: " قال ربكم: أنا أهل أن أُتَّقَى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهاً، كان أهلاً أن أغفر له "

    ابن كثير

  7. #697
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    ثم قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } من النضارة، أي: حسنة بهية مشرقة مسرورة { إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } أي: تراه عياناً؛ كما رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: " إنكم سترون ربكم عياناً " وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة، وهما في الصحيحين: أنَّ ناساً قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: " هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا، قال: " فإنكم ترون ربكم كذلك ". وفي الصحيحين عن جرير قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال: " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر! فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا " وفي الصحيحين عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " وفي أفراد مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة ــــ قال ــــ يقول الله تعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا! ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار! قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة " ثم تلا هذه الآية: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ظ±لْحُسْنَىظ° وَزِيَادَةٌ } وفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: " إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك " يعني: في عرصات القيامة. ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم عز وجل في العرصات، وفي روضات الجنات، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن أبجر، حدثنا ثوير بن أبي فاخته عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين " ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن شبابة عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعت ابن عمر، فذكره، قال: ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر، وكذلك رواه الثوري عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر، ولم يرفعه، ولولا خشية الإطالة، لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقاً في مواضع من هذا التفسير، وبالله التوفيق.

    وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين، وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام، ومن تأول ذلك بأن المراد بــ (إلى) مفرد الآلاء، وهي النعم؛ كما قال الثوري عن منصور عن مجاهد: { إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } قال: تنتظر الثواب من ربها، رواه ابن جرير من غير وجه عن مجاهد، وكذا قال أبو صالح أيضاً، فقد أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى:
    { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }
    [المطففين: 15] قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما حجب الكفار، إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل. ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: { إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } قال ابن جرير: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا آدم، حدثنا المبارك عن الحسن: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } قال: حسنة { إِلَىظ° رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } قال: تنظر إلى الخالق، وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق.

    ابن كثير

    وقال أبو داود أيضاً: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني إسماعيل بن أمية، سمعت أعرابياً يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ منكم بالتين والزيتون، فانتهى إلى آخرها: { أَلَيْسَ ظ±للَّهُ بِأَحْكَمِ ظ±لْحَـظ°كِمِينَ }؟ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: { لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ظ±لْقِيَـظ°مَةِ } فانتهى إلى قوله: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـظ°دِرٍ عَلَىظ° أَن يُحْيِىَ ظ±لْمَوْتَىظ° }؟ فليقل: بلى، ومن قرأ: { وَظ±لْمُرْسَلَـظ°تِ } فبلغ: { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } فليقل: آمنا بالله " ورواه أحمد عن سفيان بن عيينة ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به، وقد رواه شعبة عن إسماعيل بن أمية قال: قلت له من حدثك؟ قال: رجل صدق عن أبي هريرة. وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة: قوله تعالى: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـظ°دِرٍ عَلَىظ° أَن يُحْيِىَ ظ±لْمَوْتَىظ° }؟ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأها قال: " سبحانك، وبلى " ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، أنه مر بهذه الآية: { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـظ°دِرٍ عَلَىظ° أَن يُحْيِىَ ظ±لْمَوْتَىظ° }؟ قال: سبحانك فبلى.

    ابن كثير

  8. #698
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقوله تعالى: { وَظ±لْجِبَالَ أَرْسَـظ°هَا } أي: قررها وأثبتها وأكدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم، الرؤوف بخلقه الرحيم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما خلق الله الأرض، جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم، الماء، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح، قالت: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم، يتصدق بيمينه يخفيها عن شماله "

    ابن كثير

  9. #699
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقوله تعالى: { كِرَامٍ بَرَرَةٍ } أي: خلقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن ههنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا هشام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الذي يقرأ القرآن، وهو ماهر به، مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه، وهو عليه شاق، له أجران " أخرجه الجماعة من طريق قتادة به.


    ابن كثير

  10. #700
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري عن عروة عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً " فقالت عائشة: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ فقال: " لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه " انفرد به النسائي من هذا الوجه، ثم قال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى عن عائذ بن شريح عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به قال: " إن كان عندي منه علم " قالت: يا نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال: " حفاة عراة " ثم انتظرت ساعة فقالت: يا رسول الله كيف يحشر النساء؟ قال: " كذلك حفاة عراة " قالت: واسوأتاه من يوم القيامة قال: " وعن أي ذلك تسألين؟ إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون " قالت: أية آية هي يا نبي الله؟ قال: { لِكُلِّ ظ±مْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }.

    وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنبأنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يبعث الناس حفاة عراة غرلاً، قد ألجمهم العرق، وبلغ شحوم الآذان " فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: " قد شغل الناس، لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ....

    وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } أي: يعلوها ويغشاها قترة، أي: سواد، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يلجم الكافر العرق، ثم تقع الغبرة على وجوههم " قال: فهو قوله تعالى: { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ }

    ابن كثير

  11. #701
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله عز وجل، وهم على سررهم وفرشهم؛ كما تقدم في حديث ابن عمر: " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله عز وجل في اليوم مرتين " وقوله تعالى: { تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ ٱلنَّعِيمِ } أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم، أي: صفة الترافة والحشمة، والسرور والدعة والرياسة؛ مما هم فيه من النعيم العظيم.

    وقوله تعالى: { يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ } أي: يسقون من خمر من الجنة، والرحيق من أسماء الخمر، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وابن زيد، قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير عن سعد أبي المجاهد الطائي عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري، أراه قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيما مؤمن سقى مؤمناً شربة ماء على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مؤمن كسا مؤمناً ثوباً على عري، كساه الله من خضر الجنة "

    ابن كثير

  12. #702
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ }

    قال ابن كثير

    وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمئة لحظة، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء "

  13. #703
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى، يعني: ابن أيوب الغافقي، حدثنا عمي إياس بن عامر، سمعت عقبة بن عامر الجهني: لما نزلت:
    { فَسَبِّحْ بِظ±سْمِ رَبِّكَ ظ±لْعَظِيمِ }
    [الواقعة: 96] قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في ركوعكم " فلما نزلت: { سَبِّحِ ظ±سْمَ رَبِّكَ ظ±لأَعْلَىظ° } قال: " اجعلوها في سجودكم "...

    وَيَتَجَنَّبُهَا ظ±لأَشْقَى ظ±لَّذِى يَصْلَى ظ±لنَّارَ ظ±لْكُبْرَىظ° ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا } أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه؛ لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان، يعني: التيمي، عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أهل النار الذين هم أهلها، لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة، فيميتهم في النار، فيدخل عليهم الشفعاء، فيأخذ الرجل أنصاره، فينبتهم ــــ أو قال: ــــ ينبتون ــــ في نهر الحيا ــــ أو قال: الحياة ــــ أو قال: الحيوان ــــ أو قال: نهر الجنة ــــ فينبتون نبات الحبة في حميل السيل " قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء، ثم تكون خضراء؟ " قال: فقال بعضهم: كأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالبادية.

    وقال أحمد أيضاً: حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس ــــ أو كما قال ــــ تصيبهم النار بذنوبهم ــــ أو قال: بخطاياهم ــــ فيميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحماً، أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل "

    قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية. ورواه مسلم من حديث بشر بن المفضل وشعبة، كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به مثله، ورواه أحمد أيضاً عن يزيد عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها، ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحماً، ثم يخرجون ضبائر، فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل

    ابن كثير

  14. #704
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن أحمد العزرمي، حدثنا عمي محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىظ° } قال: " من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله " { وَذَكَرَ ظ±سْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىظ° } قال: " هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، والاهتمام بها " ثم قال: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه، وكذا قال ابن عباس: إن المراد بذلك الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير.

    ثم قال تعالى: { بَلْ تُؤْثِرُونَ ظ±لْحَيَوظ°ةَ ظ±لدُّنْيَا } أي: تقدمونها على أمر الآخرة، وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم، { وَظ±لأَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىظ° } أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دنية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريباً، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد؟ قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ذويد عن أبي إسحاق عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


    الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له " وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة عن عطاء عن عرفجة الثقفي قال استقرأت ابن مسعود: { سَبِّحِ ظ±سْمَ رَبِّكَ ظ±لأَعْلَىظ° } فلما بلغ { بَلْ تُؤْثِرُونَ ظ±لْحَيَاةَ ظ±لدُّنْيَا } ترك القراءة، وأقبل على أصحابه، وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا؛ لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل، وتركنا الآجل، وهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو، والله أعلم.

    وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب دنياه، أضر بآخرته، ومن أحب آخرته، أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى " تفرد به أحمد، وقد رواه أيضاً عن أبي سلمة الخزاعي عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به مثله سواء، وقوله تعالى: { إِنَّ هَـظ°ذَا لَفِى ظ±لصُّحُفِ ظ±لأُولَىظ° صُحُفِ إِبْرَظ°هِيمَ وَمُوسَىظ° } قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا نصر بن علي، حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: { إِنَّ هَـظ°ذَا لَفِى ظ±لصُّحُفِ ظ±لأُولَىظ° صُحُفِ إِبْرَظ°هِيمَ وَمُوسَىظ° } قال النبي صلى الله عليه وسلم: " كان كل هذا ــــ أو كان هذا ــــ في صحف إبراهيم وموسى " ، ثم قال: لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس غير هذا، وحديثاً آخر رواه مثل هذا.

    ابن كثير

  15. #705
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,547
    { وَهَدَيْنَـظ°هُ ظ±لنَّجْدَينِ } الطريقين. قال سفيان الثوري عن عاصم عن زر عن عبد الله، هو ابن مسعود: { وَهَدَيْنَـظ°هُ ظ±لنَّجْدَينِ } قال: الخير والشر، وكذا روي عن علي وابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبي وائل وأبي صالح ومحمد بن كعب والضحاك وعطاء الخراساني في آخرين،وقال عبد الله بن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هما نجدان، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " تفرد به سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، وقد وثقه ابن معين، وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث،وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه، وروى خمسة عشر حديثاً منكرة كلها، ما أعرف منها حديثاً واحداً، يشبه حديثه حديث الحسن ــــ يعني: البصري ــــ لا يشبه حديث أنس. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول: { وَهَدَيْنَـظ°هُ ظ±لنَّجْدَينِ } قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يا أيها الناس إنهما النجدان: نجد الخير، ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير

    ابن كثير

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •