الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين
والرضى عن الآل والأصحاب أجميعن
وعن أهل السنة الذين بينوا الحق المبين.

الإمام الطبري رضي الله عنه، ذلك الجبل العلمي الشامخ، أعرف الناس بالقرآن العظيم، وسنة سيد المرسلين، وأقوال الصحابة التابعين.
حفظه الله تعالى من ألسنة أهل البدعة، وصان به مذهب اهل السنة.
كم حري بنا أن نستحضر عقائده وآراءه السديدة لنجاهد بها أهل الزيع والإلحاد جهادا.
كم حري بنا أن نتباحث أقواله وتفسيره وكلامه في اصول الدين خصوصا.

لطالما انتسب أهل الزيغ والتشبيه والتجسيم (التيمية الوهابية) للإمام الطبري، لطالما حاولوا التلبيس والتعتيم عن آرائه وحقيقة عقيدته، فحاولوا ذلك فيما يسمى بالرسائل الجامعية، فباؤوا بالفشل المرة تلو المرة، ولطالما حاولوا إخفاء حقيقة عقيدته في مباحث التنزيهات، متجاهلين محكم كلامه، متشبثين بالمتشابه منه، كعادة أهل الزيغ والبدع.

وهذه المرة، سأطلع السادة القراء على قاصمة الظهر للمشبهة والمجسمة، وهو كلام ليس ليس بغريب على إمام عظيم كالإمام الطبري، يرد فيه على المعتزلة في مسالة تجويز رؤية الباري جل جلاله، مبينا لهم أن من علم الله تعالى وهو ليس مماسا للعالم ولا مباينا له (لا داخل العالم ولا خارجه) من العيب عليه أن يحيل رؤية الله وهو تعالى ليس مماسا للعالم ولا مباينا له؛ فإن التفريق محض تحكم.

ولما كان أهل السنة والجماعة يعلمون وجود الله تعالى وصفاته وهو تعالى ليس مماسا للعالم ولا مباينا له، ولا في جهة منه، كذلك سيرون الله تعالى وهو سبحانه ليس مماسا للعالم ولا مباينا له ولا في جهة منه.

هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي تنزيه الله تعالى عن الدخول في العالم بالمماسة له وعن الخروج عنه بالكون في جهة منه، وبعبارة الإمام الطبري: تنزيهه تعالى عن مماسة العالم أو مباينته بالجهة.

وعليه قال الإمام الحافظ النووي: اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة وأن المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين. ثم قال: مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك، لكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضا بوجود ذلك على جهة الاتفاق، لا على سبيل الاشتراط، وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بدلائله الجلية، ولا يلزم من رؤية الله تعالى إثبات جهة، تعالى عن ذلك، بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة. (المنهاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، ج3/ص16)

أما المشبة والمجسمة (الوهابية في زماننا) فهم لا يؤمنون برؤية الله إلا مع اعتقادهم أنه تعالى عن قولهم في جهة من العالم مباينا له بجهة، ولهذا عد الإمام الفخر سلفهم المجسمة الكرامية وأضرابهم بأنهم على التحقيق من نفاة الرؤية.

وهذا أوان عرض ما قاله الإمام العظيم ابن جرير الطبري في تفسير سورة الأنعام، وهو كلام قاطع لعرق التشبيه، مبين أن أهل السنة الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث عندما نزهوا الله تعالى عن الجهة الحسية وعن الدخول والخروج في العالم بحيث يكون في جهة حسية منه إنما كانوا وما زالوا على الحق المبين الذي كان عليه الإمام الطبري الذي أخذه عن التابعين والصحابة والسنة والقرآن العظيم.