قال الكاتب جزاه الله خير الجزاء وجميع المسلمين .
الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الذبح عن من فارق هذه الحياة الدنيا من الأنبياء أو الأولياء أو الوالدين أو أي شخص من المسلمين هو داخل في التقرب إلى الله تعالى . بأن يكون لأجل إهداء الثواب للأنبياء أو غيرهم من المسلمين أي ثواب الصدقة عن الأموات ،وهوأمر مندوب إليه شرعاً .وقد اعتاد المسلمون في بقاع كثيرة أن يتقربوا إلى الله تعالى بهذا العمل كما قال الله تعالى ((فصل لربك وانحر )) وكما قال تعالى ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )) ثم يتصدقون بهذه الذبيحة على فقراء المسلمين ويطلبون من الله تعالى أن يجعل ثوابها لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،أو لولي من الأولياء رحمهم الله تعالى ،أو لعالم من علماء الأمة الإسلامية أو للوالدين أولولد من أولاده ،أو غير ذلك من سب التواصل والإحسان.
وقد وقع قوم من المسلمين في اتهام إخوانهم بالشرك وقالوا :إنهم يذبحون الذبائح عبادة للنبي عليه الصلاة والسلام أو للولي ،لأنهم يقولون هذه الذبيحة للنبي صلى الله عليه وسلم ،وهذا شرك يخرج من الملة .ولا شك أن الأمر لو كان عبادة لأي مخلوق فهو شرك مخرج من الملة ولكن هذا الكلام باطل لم يقع من إخواننا المسلمين بل هم يذبحون عبادة لله تعالى وحده لا شريك له .وقولهم هذه للنبي عليه الصلاة والسلام هو كما نقول ذبحت للضيوف أي لإكرامهم بالأكل منها لا لقصد عبادتهم .وكذلك ذبحوا للأولياء من باب إهداء الثواب لهم لا من باب عبادتهم .
وتأمل في قول الله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين ...)) فإن اللام الداخلة هنا على كلمة الفقراء هي تفيد جهة الصرف وليس المقصود أن الصدقة عبادة للفقراء ،وليست كاللام الداخلة على الله جل جلاله في مثل قوله تعالى ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)) فهنا اللام المقصود بها عبادة لله .
وكذلك تأمل في هذا الحديث عن سعد بن عبادة - رضي الله عنه - : قال : « قلت : يا رسول الله ، إن أمي ماتت ، فأي الصدقة أفضل ؟ قال : الماء ، فحفر بئرا وقال : هذه لأم سعد ». أخرجه أبو داود ، والنسائي . ومعلوم أنه لايقصد عبادة لأم سعد ،ولا أن تشرب منها ،وإنما المقصود أن يكون لها ثوابها.فالمسلمون يذبحون لله تعالى وحده لا شريك له ويكون ثوابها للأولياء أو غيرهم من المسلمين وليس عبادة للأولياء كما يردده بعض الناس هدانا الله أجمعين.والصدقة عن الميت بالنقود أو باللحم ،أوبالماء أو غيره من الصدقات بقصد إهداء الثواب إليه جائز بلا ريب . فمن الأمثلة على الصدقة بشيء من الذبائح ما روت السيدة عائشةرضي الله عنها ، قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ما غرت على خديجة، وما رأيتها ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة؛ فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد))متفق عليه أخرجه البخاري في: 63 كتاب مناقب الأنصار: 20 باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها
وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: إن أمي افْتَلَتَتْ نَفْسُها ، وأراها لو تَكَلَّمَتْ، تصَدَّقَتْ؛ فهل لها أجرٌ إن تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: ((نعم))مُتَّفَقٌ عَلَيهِ
قال ابن عبد البر : فأما الصدقة عن الميت فمجتمع على جوازها لا خلاف بين العلماء فيها ، وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع . التمهيد لابن عبد البر 20 / 27 .
وقال النووي : أجمع المسلمون على أن الصدقة عن الميت تنفعه وتصله ، وقال أيضاً : الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها باجماع العلماء ، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع . المجموع للنووي 5/286 وشرح صحيح مسلم للنووي 7 / 90
وقال القرافي: أجمع العلماء على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها ، وعلى وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك . الفروق للقرافي 4 / 398
ثانياً:مكان الذبح :
إذا علمنا أن الذبح للأنبياء أو الأولياء ليس بقصد عبادتهم وإنما بقصد إهداء ثواب الصدقة للأنبياء عليهم السلام أوالأولياء أو غيرهم من المسلمين فأين يكون مكان الذبح ؟
الأصل هو جواز الذبح في أي مكان كان مالم يأتي نص يدل على تحريم الذبح في مكان بعينه وما عدا ذلك فهو تحكم محض لا دليل يدل عليه . فمن خص مكاناً بالتحريم فعليه الدليل لأن الأصل في الأشياء الإباحة جاء في تلخيص الحبير للإمام ابن حجرالعسقلاني رحمه الله ما نصه 2550 - ( 16 ) - حديث { أن رجلا نذر أن ينحر إبلا في موضع سماه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قال : لا ، قال : أوف بنذرك } .أبو داود من حديث ثابت بن الضحاك بسند صحيح ، ومن حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، وسمى الموضع " بوانة " ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ، ويشبه أن يسمى الرجل كردمة ، فقد رواه أحمد في مسنده من حديث عمرو بن شعيب ، عن { ابنة كردمة ، عن أبيها أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أنحر ثلاثة من إبلي فقال : إن كان على وثن من أوثان الجاهلية فلا } - الحديث - وفي لفظ لابن ماجه عن { ميمونة بنت كردمة الثقفية : أن أباها لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهي رديفة كردمة ، فقال : إني نذرت أن أنحر ببوانة ، فقال : هل فيها وثن ؟ قال : لا ، قال : فأوف بنذرك } .انتهى من تلخيص الحبير وجاء في سنن أبي داود بسنده عن ثابت بن الضحاك { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة ، فقال : أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا ، قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا ، قال : أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك ابن آدم } رواه أبو داود ) .
وعليه نعلم أن من الخطأ أن ننهى الناس أن يذبحوا لله تعالى صدقة عن موتاهم أو عن موتى المسلمين سواء ذبحوا في أرض فضاء في البراري أو في مجزرة قريبة من القبور أو بعيدة عنها.اما الذبح داخل القبور المسبلة فلا يجوز لأنها أرض موقوفة للدفن فلا يجوز التصرف فيها بغير ذلك .ومعلوم أن المسلمين لا يدخلون أسوار المقبرة للذبح فيها إطلاقاً سواء كانت مسبلة أو غير مسبلة ،وإنما يذبحون في أماكن مخصصة للذبح نظّمتها الإدارات المختصة بذلك في بلادهم. مع العلم أن أكثر ألأضرحة المشهورة توجد في مقصورات أو في غرف داخل المساجد كما نرى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر الولي الصديق سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وقبر الولي الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهناك كثير من الأولياء توجد قبورهم في مقصورة خاصة داخل المسجد ،وسميت مقصورة لأنها تقصر حدود القبر على هذا الموضع الذي لا يعتبر من المسجد الذي أوقف للصلاة فيه بل هو مستثنى من ذلك حسب وقف الواقف فجزء من الأرض للصلاة وجزء يسير لهذا القبر . والناس لا يصلون لها بل لله تعالى وحده لا شريك له ولا يصلون إليها لوجود سترة تحول بينهم وبينها بل وجود جدار فاصل بينها وبين المصلين كما ترى في قبر سيدناالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما ،بل بعض قبور الصالحين لا توجد في جهة القبلة بل هي على يمين المصلي ،أونحو ذلك من الجهات .كما أنها لا توجد في هذه المقصورات المحيطة بالقبر أي تصاوير أو غيرها مما كان يفعله اليهود والنصارى .والخلاصة أنه لا يمكن أبداً تصور الذبح عند قبورهم لأن البقعة الخاصة بالصلاة محيطة بها ، وإنما هذا من تهويل المشددين على إخوانهم هدانا الله وإياهم. وكذلك القبور التي في نفس المقابر لا يذبح فيها أصلاً بل هو محض تهويل .
س:لماذا يلزمون أنفسهم بالذبح في المجازر أو البراري القريبة من المقبرة ؟
ج: هم لا يوجبون ذلك أصلاً إلا إذا نذر المسلم ذلك على نفسه فيجب عليه الوفاء بالنذر.،واما أنهم يلتزمون بذلك فليس بصحيح ،وإنما هم بالخيار أن يفعلوه في المكان القريب أو البعيد ،ومن فوائد فعلها في المكان القريب اعتياد الفقراء الاجتماع في تلك الأماكن فينتفعون بصدقة إخوانهم من اللحوم وغيرها وهذا يسهل على الذابح توزيع صدقته ،وعلى الفقير معرفة المكان الذي ينال ما يحتاجه من سد جوعته وجوعة أهله.ولكن هذا لا يتوقف على الذبح في المجازر القريبة من القبر بل يستطيع أن يذبح في أي مكان ثم يجتمع بالفقراء في المكان الذين اعتادوا توزيع الصدقات فيه فينتفع المتصدق والمتصدق عنه والمتصدق إليه .وهذا من التعاون على الخير.
س:ولكن بعض الناس غير فقير بل هو يستغل هذا الأمر للتسول مع غناه عنه؟ج:هذا يحصل حتى في المساجد ،والجمعيات الخيرية وغيرها .ومعلوم أن الصدقة بالذبح الغالب عليها أن تكون تطوعاً فأجر الذابح حاصل بإذن الله،ولا يضره كذب المحتال ،ولا يترك الخير لأجل هذه العوارض اليسيرة والأمور المتوهمة ،وباستطاعة الإنسان أن يتأكد بنفسه من صدق المتسول أو عدم صدقة كما يفعل في الصدقة تماماً.مع أن بعض الدول قد نظمت الأمر إما بمطتوعين أو بموظفين لتنظيم ذلك والتأكد منه.
س: ألا يكفي أن يذبح في مجزرة ولو كانت بعيدة عن القبور ثم يهدي ثوابها للولي أو من يريد؟
ج:نعم يكفي ذلك ولله الحمد ،ولكن لا حرج على الإنسان إذا ذبح في الأماكن المخصصة للذبح في المناطق القريبة من القبور ،وهذا قد يكون أيسر له .كما أن فيه تحصيل ثواب زيارة الأموات والدعاء لهم والانتفاع بذلك والتزود بالأعمال الصالحة.
س:بعض العوام من الناس يطوفون بالقبر فما حكم ذلك ؟
ج:هذه المسألة تم بحثها في مقال آخر .
هذا وجوده قليل ولله الحمد ،ومن يفعله من الجهال فإنما يفعله عبادة لله تعالى وحده لا شريك له ،ولا يفعله عبادة للولي أو غيره من الناس كما يقول بعض المسلمين هدانا الله وإياهم ،ولكنه أخطأ في هذا الطواف لأن الطواف لله تعالى لا يكون إلا حول الكعبة فقط فمن يطوف لله تعالى حول القبور فقد فعل فعلاً محرماً عند جمهور العلماء أما الحنابلة فعندهم قول في مذهبهم بأنه مكروه فقط والذي عليه الفتيا في كثير من البلاد أنه محرم كما في الأزهر وغيره .هذا والله الموفق فله الحمد كما يليق به ،وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه:الفقير إلى الله:غيث بن عبدالله الغالبي.
منقول
مسألة الذبح للأموات .
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الذبح عن من فارق هذه الحياة الدنيا من الأنبياء أو الأولياء أو الوالدين أو أي شخص من المسلمين هو داخل في التقرب إلى الله تعالى . بأن يكون لأجل إهداء الثواب للأنبياء أو غيرهم من المسلمين أي ثواب الصدقة عن الأموات ،وهوأمر مندوب إليه شرعاً .وقد اعتاد المسلمون في بقاع كثيرة أن يتقربوا إلى الله تعالى بهذا العمل كما قال الله تعالى ((فصل لربك وانحر )) وكما قال تعالى ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين )) ثم يتصدقون بهذه الذبيحة على فقراء المسلمين ويطلبون من الله تعالى أن يجعل ثوابها لنبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،أو لولي من الأولياء رحمهم الله تعالى ،أو لعالم من علماء الأمة الإسلامية أو للوالدين أولولد من أولاده ،أو غير ذلك من سب التواصل والإحسان.
وقد وقع قوم من المسلمين في اتهام إخوانهم بالشرك وقالوا :إنهم يذبحون الذبائح عبادة للنبي عليه الصلاة والسلام أو للولي ،لأنهم يقولون هذه الذبيحة للنبي صلى الله عليه وسلم ،وهذا شرك يخرج من الملة .ولا شك أن الأمر لو كان عبادة لأي مخلوق فهو شرك مخرج من الملة ولكن هذا الكلام باطل لم يقع من إخواننا المسلمين بل هم يذبحون عبادة لله تعالى وحده لا شريك له .وقولهم هذه للنبي عليه الصلاة والسلام هو كما نقول ذبحت للضيوف أي لإكرامهم بالأكل منها لا لقصد عبادتهم .وكذلك ذبحوا للأولياء من باب إهداء الثواب لهم لا من باب عبادتهم .
وتأمل في قول الله تعالى ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين ...)) فإن اللام الداخلة هنا على كلمة الفقراء هي تفيد جهة الصرف وليس المقصود أن الصدقة عبادة للفقراء ،وليست كاللام الداخلة على الله جل جلاله في مثل قوله تعالى ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)) فهنا اللام المقصود بها عبادة لله .
وكذلك تأمل في هذا الحديث عن سعد بن عبادة - رضي الله عنه - : قال : « قلت : يا رسول الله ، إن أمي ماتت ، فأي الصدقة أفضل ؟ قال : الماء ، فحفر بئرا وقال : هذه لأم سعد ». أخرجه أبو داود ، والنسائي . ومعلوم أنه لايقصد عبادة لأم سعد ،ولا أن تشرب منها ،وإنما المقصود أن يكون لها ثوابها.فالمسلمون يذبحون لله تعالى وحده لا شريك له ويكون ثوابها للأولياء أو غيرهم من المسلمين وليس عبادة للأولياء كما يردده بعض الناس هدانا الله أجمعين.والصدقة عن الميت بالنقود أو باللحم ،أوبالماء أو غيره من الصدقات بقصد إهداء الثواب إليه جائز بلا ريب . فمن الأمثلة على الصدقة بشيء من الذبائح ما روت السيدة عائشةرضي الله عنها ، قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ما غرت على خديجة، وما رأيتها ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة؛ فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد))متفق عليه أخرجه البخاري في: 63 كتاب مناقب الأنصار: 20 باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها
وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: إن أمي افْتَلَتَتْ نَفْسُها ، وأراها لو تَكَلَّمَتْ، تصَدَّقَتْ؛ فهل لها أجرٌ إن تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: ((نعم))مُتَّفَقٌ عَلَيهِ
قال ابن عبد البر : فأما الصدقة عن الميت فمجتمع على جوازها لا خلاف بين العلماء فيها ، وكذلك العتق عن الميت جائز بإجماع . التمهيد لابن عبد البر 20 / 27 .
وقال النووي : أجمع المسلمون على أن الصدقة عن الميت تنفعه وتصله ، وقال أيضاً : الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها باجماع العلماء ، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدين بالنصوص الواردة في الجميع . المجموع للنووي 5/286 وشرح صحيح مسلم للنووي 7 / 90
وقال القرافي: أجمع العلماء على أن الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها ، وعلى وصول الدعاء وقضاء الدين للنصوص الواردة في ذلك . الفروق للقرافي 4 / 398
ثانياً:مكان الذبح :
إذا علمنا أن الذبح للأنبياء أو الأولياء ليس بقصد عبادتهم وإنما بقصد إهداء ثواب الصدقة للأنبياء عليهم السلام أوالأولياء أو غيرهم من المسلمين فأين يكون مكان الذبح ؟
الأصل هو جواز الذبح في أي مكان كان مالم يأتي نص يدل على تحريم الذبح في مكان بعينه وما عدا ذلك فهو تحكم محض لا دليل يدل عليه . فمن خص مكاناً بالتحريم فعليه الدليل لأن الأصل في الأشياء الإباحة جاء في تلخيص الحبير للإمام ابن حجرالعسقلاني رحمه الله ما نصه 2550 - ( 16 ) - حديث { أن رجلا نذر أن ينحر إبلا في موضع سماه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قال : لا ، قال : أوف بنذرك } .أبو داود من حديث ثابت بن الضحاك بسند صحيح ، ومن حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، وسمى الموضع " بوانة " ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس ، ويشبه أن يسمى الرجل كردمة ، فقد رواه أحمد في مسنده من حديث عمرو بن شعيب ، عن { ابنة كردمة ، عن أبيها أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أنحر ثلاثة من إبلي فقال : إن كان على وثن من أوثان الجاهلية فلا } - الحديث - وفي لفظ لابن ماجه عن { ميمونة بنت كردمة الثقفية : أن أباها لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهي رديفة كردمة ، فقال : إني نذرت أن أنحر ببوانة ، فقال : هل فيها وثن ؟ قال : لا ، قال : فأوف بنذرك } .انتهى من تلخيص الحبير وجاء في سنن أبي داود بسنده عن ثابت بن الضحاك { أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة ، فقال : أكان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا ، قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا ، قال : أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ، ولا فيما لا يملك ابن آدم } رواه أبو داود ) .
وعليه نعلم أن من الخطأ أن ننهى الناس أن يذبحوا لله تعالى صدقة عن موتاهم أو عن موتى المسلمين سواء ذبحوا في أرض فضاء في البراري أو في مجزرة قريبة من القبور أو بعيدة عنها.اما الذبح داخل القبور المسبلة فلا يجوز لأنها أرض موقوفة للدفن فلا يجوز التصرف فيها بغير ذلك .ومعلوم أن المسلمين لا يدخلون أسوار المقبرة للذبح فيها إطلاقاً سواء كانت مسبلة أو غير مسبلة ،وإنما يذبحون في أماكن مخصصة للذبح نظّمتها الإدارات المختصة بذلك في بلادهم. مع العلم أن أكثر ألأضرحة المشهورة توجد في مقصورات أو في غرف داخل المساجد كما نرى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر الولي الصديق سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وقبر الولي الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهناك كثير من الأولياء توجد قبورهم في مقصورة خاصة داخل المسجد ،وسميت مقصورة لأنها تقصر حدود القبر على هذا الموضع الذي لا يعتبر من المسجد الذي أوقف للصلاة فيه بل هو مستثنى من ذلك حسب وقف الواقف فجزء من الأرض للصلاة وجزء يسير لهذا القبر . والناس لا يصلون لها بل لله تعالى وحده لا شريك له ولا يصلون إليها لوجود سترة تحول بينهم وبينها بل وجود جدار فاصل بينها وبين المصلين كما ترى في قبر سيدناالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما ،بل بعض قبور الصالحين لا توجد في جهة القبلة بل هي على يمين المصلي ،أونحو ذلك من الجهات .كما أنها لا توجد في هذه المقصورات المحيطة بالقبر أي تصاوير أو غيرها مما كان يفعله اليهود والنصارى .والخلاصة أنه لا يمكن أبداً تصور الذبح عند قبورهم لأن البقعة الخاصة بالصلاة محيطة بها ، وإنما هذا من تهويل المشددين على إخوانهم هدانا الله وإياهم. وكذلك القبور التي في نفس المقابر لا يذبح فيها أصلاً بل هو محض تهويل .
س:لماذا يلزمون أنفسهم بالذبح في المجازر أو البراري القريبة من المقبرة ؟
ج: هم لا يوجبون ذلك أصلاً إلا إذا نذر المسلم ذلك على نفسه فيجب عليه الوفاء بالنذر.،واما أنهم يلتزمون بذلك فليس بصحيح ،وإنما هم بالخيار أن يفعلوه في المكان القريب أو البعيد ،ومن فوائد فعلها في المكان القريب اعتياد الفقراء الاجتماع في تلك الأماكن فينتفعون بصدقة إخوانهم من اللحوم وغيرها وهذا يسهل على الذابح توزيع صدقته ،وعلى الفقير معرفة المكان الذي ينال ما يحتاجه من سد جوعته وجوعة أهله.ولكن هذا لا يتوقف على الذبح في المجازر القريبة من القبر بل يستطيع أن يذبح في أي مكان ثم يجتمع بالفقراء في المكان الذين اعتادوا توزيع الصدقات فيه فينتفع المتصدق والمتصدق عنه والمتصدق إليه .وهذا من التعاون على الخير.
س:ولكن بعض الناس غير فقير بل هو يستغل هذا الأمر للتسول مع غناه عنه؟ج:هذا يحصل حتى في المساجد ،والجمعيات الخيرية وغيرها .ومعلوم أن الصدقة بالذبح الغالب عليها أن تكون تطوعاً فأجر الذابح حاصل بإذن الله،ولا يضره كذب المحتال ،ولا يترك الخير لأجل هذه العوارض اليسيرة والأمور المتوهمة ،وباستطاعة الإنسان أن يتأكد بنفسه من صدق المتسول أو عدم صدقة كما يفعل في الصدقة تماماً.مع أن بعض الدول قد نظمت الأمر إما بمطتوعين أو بموظفين لتنظيم ذلك والتأكد منه.
س: ألا يكفي أن يذبح في مجزرة ولو كانت بعيدة عن القبور ثم يهدي ثوابها للولي أو من يريد؟
ج:نعم يكفي ذلك ولله الحمد ،ولكن لا حرج على الإنسان إذا ذبح في الأماكن المخصصة للذبح في المناطق القريبة من القبور ،وهذا قد يكون أيسر له .كما أن فيه تحصيل ثواب زيارة الأموات والدعاء لهم والانتفاع بذلك والتزود بالأعمال الصالحة.
س:بعض العوام من الناس يطوفون بالقبر فما حكم ذلك ؟
ج:هذه المسألة تم بحثها في مقال آخر .
هذا وجوده قليل ولله الحمد ،ومن يفعله من الجهال فإنما يفعله عبادة لله تعالى وحده لا شريك له ،ولا يفعله عبادة للولي أو غيره من الناس كما يقول بعض المسلمين هدانا الله وإياهم ،ولكنه أخطأ في هذا الطواف لأن الطواف لله تعالى لا يكون إلا حول الكعبة فقط فمن يطوف لله تعالى حول القبور فقد فعل فعلاً محرماً عند جمهور العلماء أما الحنابلة فعندهم قول في مذهبهم بأنه مكروه فقط والذي عليه الفتيا في كثير من البلاد أنه محرم كما في الأزهر وغيره .هذا والله الموفق فله الحمد كما يليق به ،وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
كتبه:الفقير إلى الله:غيث بن عبدالله الغالبي.
منقول