صفحة 8 من 8 الأولىالأولى ... 45678
النتائج 106 إلى 113 من 113

الموضوع: جواهر اللغة فى كتاب الله

  1. #106
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,798
    وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا }

    قوله: { وَمَا بَنَاهَا }: وما بعدَه، فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ " ما " موصولةٌ بمعنىٰ الذي، وبه استشهد مَنْ يُجَوِّزُ وقوعَها على آحادِ أولي العلم؛ لأنَّ المرادَ به الباري تعالى، وإليه ذهب الحسنُ ومجاهدٌ وأبو عبيدةَ، واختاره ابن جرير. والثاني: أنها مصدريةٌ، أي: وبناءِ السماء، وإليه ذهبَ الزجَّاج والمبرد، وهذا بناءً منهما على أنها مختصةٌ بغيرِ العقلاءِ، واعْتُرِضَ على هذا القولِ: بأنَّه يَلْزَمُ أَنْ يكونَ القَسَمُ بنفسِ المصادر: بناءِ السماء وطَحْوِ الأرضِ وتَسْويةِ النفس، وليس المقصودُ إلاَّ القَسَمَ بفاعلِ هذه الأشياءِ وهو الرَّبُّ تبارك وتعالىٰ. وأُجِيب عنه بوجهَيْن، أحدُهما: يكونُ على حَذْفِ مضافٍ، أي: وربِّ - أو باني - بناءِ السماء ونحوه. والثاني: أنه لا غَرْوَ في الإِقسام بهذه الأشياء كما أَقْسم تعالىٰ بالصبح ونحوه.

    وقال الزمخشري: " جُعِلَتْ مصدريةً وليس بالوجهِ لقولِه " فأَلْهمها " وما يؤدي إليه مِنْ فسادِ النظم. والوجهُ أَنْ تكونَ موصولةً، وإنما أُوْثِرَتْ على " مَنْ " لإِرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والسماءِ والقادرِ العظيم الذي بناها، ونفس والحكيمِ الباهرِ الحكمةِ الذي سَوَّاها. وفي كلامهم: " سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا " انتهى. يعني أنَّ الفاعلَ في " فألهمها " عائدٌ على اللَّهِ تعالىٰ فليكُنْ في " بناها " كذلك، وحينئذٍ يَلْزَمُ عَوْدُه على شيءٍ وليس هنا ما يمكنُ عَوْدُه عليه غيرُ " ما " فتعيَّنَ أَنْ تكونَ موصولةً.

    وقال الشيخ: " أمَّا قولُه: " وليس بالوجهِ لقولِه " فَأَلْهمها " يعني مِنْ عَوْدِ الضمير في " فَأَلْهمها " على الله تعالىٰ، فيكونُ قد عاد على مذكورٍ وهو " ما " المرادُ به الذي. قال: " ولا يَلْزَمُ ذلك؛ لأنَّا إذا جَعَلْناها مصدريةً عاد الضميرُ على ما يُفْهَمُ مِنْ سياق الكلامِ، ففي " بناها " ضميرٌ عائدٌ على الله تعالىٰ، أي: وبناها هو، أي: الله تعالىٰ، كما إذا رأيتَ زيداً قد ضرب عَمْراً فتقول: " عجبتُ مِمَّا ضَرَبَ عمراً " تقديره: مِنْ ضَرْبِ عمروٍ هو، كان حسناً فصيحاً جائزاً، وعَوْدُ الضمير على ما يُفْهَمُ مِنْ سياقِ الكلامِ كثيرٌ وقوله: " وما يُؤدِّي إليه مِنْ فسادِ النظم " ليس كذلك، ولا يُؤدِّي جَعْلُها مصدريةً إلى ما ذُكِرَ، وقوله: " وإنما أُوْثِرَتْ " إلى آخره لا يُراد بما ولا بمَنْ الموصولتين معنى الوصفيةِ؛ لأنهما لا يُوْصفُ بهما بخلاف " الذي " فاشتراكُهما في أنَّهما لا يُؤَدِّيان معنىٰ الوصفيةِ موجودٌ بينهما فلا تنفردُ به " ما " دون " مَنْ " وقوله::وفي كلامِهم " إلى آخره تَأَوَّله أصحابُنا علىٰ أنَّ " سبحان " عَلَم و " ما " مصدريةٌ ظرفيةٌ " انتهى.

    أمَّا ما رَدَّ به عليه مِنْ كونِه يعود على ما يُفْهَمُ من السِّياق فليس يَصْلُح رَدَّاً، لأنه إذا دار الأمرُ بين عَوْدِه على ملفوظٍ به وبينَ غيرِ ملفوظٍ به فعَوْدُه على الملفوظِ به أَوْلىٰ لأنَّه الأصلُ. وأمَّا قولُه: فلا تنفرد به " ما " دونَ " مَنْ " فليس مرادُ الزمخشري أنها تُوْصَفُ بها وصْفاً صريحاً، بل مُرادُه أنها تقعُ على نوعِ مَنْ يَعْقل، وعلى صفتِه، ولذلك مَثَّل النَّحْويون ذلك بقوله:
    { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ }
    [النساء: 3]، وقالوا: تقديره: فانْكِحُوا الطيِّبَ مِنْ النساءِ، ولا شكَّ أن هذا الحكمَ تَنْفَرِدُ به " ما " دون مَنْ. والتنكيرُ في " نفس ": إمَّا لتعظيمِها، أي، نفس عظيمة، وهي نفسُ آدمَ، وإمَّا للتكثيرِ كقولِه:
    { عَلِمَتْ نَفْسٌ }
    [الانفطار: 5].

    ملحوظة

    استدراكات السمين علي شيخه فى رده علي الزمخشري تدل علي قمة الانصاف

  2. #107
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,798
    وقيل الأوليان لنفي الاعتبار الذي ذكره الكافرون والأخريان للنفي على العموم أي لا أعبد ما تعبدون رجاء أن تعبدوا الله تعالى ولا أنتم عابدون رجاء أن أعبد صنمكم ثم قيل ولا أنا عابد صنمكم لغرض من الأغراض بوجه من الوجوه وكذا أنتم لا تعبدون الله تعالى لغرض من الأغراض وإيثار (ما) في { مَآ أَعْبُدُ } قيل على جميع الأقوال السابقة على من لأن المراد الصفة كأنه قيل ما أعبد من المعبود العظيم الشأن الذي لا يقادر قدر عظمته وجوز أن يقال لما أطلقت (ما) على الأصنام أولاً وهو إطلاق في محزه أطلقت على المعبود بحق للمشاكلة ومن يقول أن (ما) يجوز أن تقع على من يعلم ونسب إلى سيبويه لا يحتاج إلى ما ذكر.

    وقال أبو مسلم (ما) في الأوليين بمعنى الذي مفعول به والمقصود المعبود أي لا أعبد الأصنام ولا تعبدون الله تعالى وفي الآخريين مصدرية أي ولا أنا عابد مثل عبادتكم المبنية على الشك وإن شئت قلت على الشرك المخرج لها عن كونها عبادة حقيقة ولا أنتم عابدون مثل عبادتي المبنية على اليقين وإن شئت قلت على التوحيد والإخلاص وعليه لا يكون تكرار أيضاً.

    وقال بعض الأجلة في هذا المقام إن قوله تعالى: { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } وقوله سبحانه: { وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } إما كلاهما نفي الحال أو كلاهما نفي الاستقبال أو أحدهما للحال والآخر للاستقبال وعلى التقادير فلفظ (ما) إما مصدرية في الموضعين وإما موصولة أو موصوفة فيهما وإما مصدرية في أحدهما وموصولة أو موصوفة في الآخر وهذه ستة احتمالات حاصلة من ضرب الثلاثة في الاثنين ولم يلتفت إلى تقسيم صورة الاختلاف إلى الفرق بين الأولى والأخرى ولا إلى الفرق بين الموصولة والموصوفة لتكثر الأقسام لأن صور الاختلاف متساوية الأقدام في دفع التكرار ومؤدى الموصولة والموصوفة متقاربان فيكتفي بإحداهما وكذا الحال في قوله تعالى: { وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } في الموضعين ومعلوم أنه لا تكرار في صورة الاختلاف سواء كان باعتبار الحال والاستقبال أو باعتبار كون ما في أحدهما موصولة أو موصوفة وفي الآخر مصدرية ونفى عبادتهم في الحال أو الاستقبال معبوده عليه الصلاة والسلام بناءً على عدم الاعتداد بعبادتهم لله تعالى مع الإشراك المحبط لها وجعلها هباءً منثوراً كما قيل:

    إذا صافى صديقك من تعادى فقد عاداك وانقطع الكلام
    ومن هنا قال بعض الأفاضل في إخراج الآية عن التكرار يحتمل أن يكون المراد من قوله تعالى: { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } نفي عبادة الأصنام ومن قوله تعالى: { وَلاَ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَا أَعْبُدُ } نفى عبادة الله تعالى من غير تعرض لشيء آخر ولما كان مظنة أن يقولوا لغفلة عن المراد أو نحوها كيف يسوغ لك أن تنفي عنك عبادة ما نعبد وعنا عبادة ما تعبد ونحن أيضاً نعبد الله تعالى، غاية ما في الباب أنا نعبد معه غيره أردف ذلك بقوله سبحانه: { وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } الخ للإشارة إلى أنهم ما عبدوا الله حقيقة وإنما عبدوا شيئاً قالوا إنه الله والله عز وجل وراء ذلك أي ولا أنا عابد في وقت من الأوقات الإلٰه الذي عبدتم لأنكم عبدتم شيئاً تخيلتموه وذلك بعنوان ما تخيلتم ليس بالإلٰه الذي أعبده ولا أنتم عابدون في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته لأني إنما أعبد الإلٰه المتصف بالصفات التي قام البرهان على أنها صفات الإلٰه النفس الأمري ويعلم منه وجه غير ما تقدم للتعبير بالكافرون دون المشركون وكأنه لم يؤت بالقرينتين الأوليين بهذا المعنى ويكتفى بهما عن الأخريين لأنهما أوفق بجوابهم مع أن هذا الأسلوب أنكى لهم فلا تغفل.

    ومن الناس من اختار كون ما في القرينتين الأوليين موصولة مفعولاً به لما قبلها والمراد بها أولاً آلهتهم وثانياً إلٰهه عليه الصلاة والسلام والمراد نفي العبادة ملاحظاً معها / التعلق بما تعلقت به من المفعول بل هو المقصود ومحط النظر كما يقتضي ذلك وقوع القرينتين في الجواب ويعتبر الاستقبال رعاية للغالب في استعمال (لا) داخلة على المضارع مع كونه أوفق بالجواب أيضاً ويكون قد تم بهما فكأنه قيل لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في الحال من الآلهة أي لا أحدث ذلك حسبما تطلبونه مني وتدعوني إليه ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد في الحال وكونها في الأخريين مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر وقع مفعولاً مطلقاً لما قبل كما فعل أبو مسلم ليتضمن الكلام الإشارة إلى بيان حال العبادة في نفسها من غير نظر إلى تعلقها بالمفعول وإن كانت لا تخلو عنه في الواقع أثر الإشارة إلى بيان حالها مع ملاحظة تعلقها بالمفعول ويراد استمرار النفي في كلتيهما كما في قوله تعالى:


    { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
    [يونس: 62] وفي ذلك من إنكائهم ما ليس في الاقتصار على ما تم به الجواب فكأنه قيل ولا أنا عابد على الاستمرار عبادة مثل عبادتكم التي أذهبتم بها أعماركم لأن عبادتي مأمور بها وعبادتكم منهي عنها ولا أنتم عابدون على الاستمرار عبادة مثل عبادتي التي أنا مستمر عليها لأنكم الذين خذلهم الله تعالى وختم على قلوبهم وإني الحبيب المبعوث بالحق فلا زلتم في عبادة منهي عنها ولا زلت في عبادة مأمور بها ولك أن تعتبر الفرق بين العبادتين بوجه آخر واعتبار الاستمرار في { مَآ أَعْبُدُ } يشعر به العدول عن ما عبدت الذي يقتضيه { مَّا عَبَدتُّمْ } قبله إليه وعن العدول في الثانية إلى ذلك لأن أنواع عبادته عليه الصلاة والسلام لم تكن تامة بعد بل كانت تتجدد لها أنواع أخر فأتى بما يفيد الاستمرار التجددي للإشارة إلى حقية جميع ما يأتي به صلى الله عليه وسلم من ذلك

    الوسي

  3. #108
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,798
    و " يَضْرِبَ " معناه: يُبَيِّنَ، فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو: " ضَرَبْتُ الطينَ لَبِناً " ، وقال بعضُهم: " لا يتعدَّى لاثنين إلا مع المَثَل خاصة " ، فعلى القول الأول يكونُ " مَثَلاً " مفعولاً و " ما " زائدةٌ، أو صفةٌ للنكرة قبلَها لتزدادَ النكرةُ شِياعاً، ونظيرُه قولُهم: " لأمرٍ ما جَدَع قَصيرٌ أنفَه " وقولُ امرئ القيس:


    304ـ وحديثُ الرَّكْبِ يومَ هنا وحديثٌ ما على قِصَرِهْ
    وقال أبو البقاء: " وقيل " ما " نكرةٌ موصوفةٌ " ، ولم يَجْعَلْ " بعوضة " صفتَها بل جَعَلَها بدلاً منها، وفيه نظرٌ، إذ يَحْتَاجُ أن يُقَدَِّر صفةً محذوفةً ولا ضرورةَ إلى ذلك فكان الأَوْلى أن يَجْعَلَ " بعوضةً " صفتَها بمعنى أنه وَصَفَها بالجنسِ المُنَكَّرِ لإِبهامِه فهي في معنى " قليل " ، وإليه ذهب الفراء والزَّجاج وثعلب، وتكون " ما " وصفتُها حينئذ بدلاً من " مثلاً " ، و " بعوضةً " بدلاً من " ما " أو عطفَ بيان لها إنْ قيلَ إنَّ " ما " صفةٌ لـ " مثلاً " ، أو نعتٌ لـ " ما " إنْ قيل: إنها بدلٌ من " مثلاً " كما تقدَّمَ في قولِ الفراء، وبدلٌ من " مثلاً " أو عطفُ بيان له إنْ قيلَ: إنَّ " ما " زائدةٌ. وقيل: " بعوضة " هو المفعولُ و " مثلاً " نُصِبَ على الحال قُدِّم على النكرةِ. وقيل: نُصِبَ على إسقاطِ الخافض التقديرُ: ما بينَ بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ " بَيْنَ " أُعربت " بعوضةً " بإعرابها، وتكونُ الفاءُ في قولِه: " فما فوقها " بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها، ويُعْزى هذا للكسائي والفراء وغيرِهم من الكوفيين وأنشدوا:
    305ـ يا أحسنَ الناسِ ما قَرْناً إلى قَدَمٍ ولا حبالَ مُحِبٍّ واصِلٍ تَصِلُ
    أي: ما بينَ قَرْنٍ، وحَكَوا: " له عشرون ما ناقةً فَحَمْلاً " ، وعلى القول الثاني يكونُ " مثلاً " مفعولاً أولَ، و " ما " تحتملُ الوجهين المتقدمين و " بعوضةً " مفعولٌ ثانِ، وقيل: بعوضةً هي المفعولُ الأولُ و " مَثَلاً " هو الثاني ولكنه قُدِّم.

    وتلخَّص مِمَّا تقدَّم أنَّ في " ما " ثلاثةَ أوجه: زائدةٌ، صفةٌ لما قبلَها، نكرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في " مَثَلاً " ثلاثةً أيضاً مفعولٌ أولُ، مفعولٌ ثانِ، حالٌ مقدَّمةٌ، وأنَّ في " بعوضة " تسعة أوجهٍ. والصوابُ من ذلك كلّهِ أن يكونَ " ضَرَبَ " متعدياً لواحدٍ بمعنى بَيَّن، و " مثَلاً " مفعولٌ به، بدليلِ قولِه:
    { ضُرِبَ مَثَلٌ }
    [الحج: 73]، و " ما " صفةٌ للنكرة، و " بعوضةً " بدلٌ لا عطفُ بيان، لأن عطفَ البَيان ممنوعٌ عند جمهور البصريين في النكراتِ.

    وقرأ ابن أبي عَبْلة والضحاك برفع " بعوضةٌ " ، واتفقوا على أنها خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو " ما " على أنها استفهاميةٌ، أي: أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري ورجَّحه. وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه: هو بعوضةٌ، وفي ذلك وجهان، أحدُهما: أن تُجْعَلَ هذه الجملةُ صلةً لـ " ما " لكونِها بمعنى الذي، ولكنه حَذَفَ العائد وإن لم تَطُل الصلةُ، وهذا لا يجوزُ عند البصريين إلا في " أيّ " خاصةً لطولِها بالإِضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٌّ أو ضرورةٌ، كقراءةِ: { تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنُ } [الأنعام: 154]، وقولِه:

    306ـ مَنْ يُعْنَ بالحَقِّ لا يَنْطِقْ بما سَفَهٌ ولا يَحِدْ عن سَبيلِ الحَمْدِ والكَرمِ
    أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهٌ، وتكونُ " ما " على هذا بدلاً من " مثلاً " ، كأنه قيل: مَثَلاً الذي هو بعوضةٌ. والثاني: أن تُجْعَلَ " ما " زائدةٌ أو صفةً وتكونَ " هو بعوضةٌ " جملةً كالمفسِّرة لِما انطوى عليه الكلامُ.

    قولُه: { فَمَا فَوْقَهَا } قد تقدَّم أن الفاءَ بمعنى إلى، وهو قولٌ مرجوجٌ جداً. و " ما " في { فَمَا فَوْقَهَا } إن نَصَبْنا " بعوضةً " كانت معطوفةً عليها موصولةً بمعنى الذي، وصلتُها الظرفُ، أو موصوفةً وصفتُها الظرفُ أيضاً، وإنْ رَفَعْنَا " بعوضةٌ " ، وجَعَلْنَا " ما " الأولى موصولةً أو استفهاميةً فالثانيةُ معطوفةٌ عليها، لكنْ في جَعْلِنا " ما " موصولةً يكونُ ذلك من عَطْفِ المفرداتِ، وفي جَعْلِنَا إياها استفهاميةً يكونُ من عَطْفِ الجملِ، وإنْ جَعَلْنَا " ما " زائدةً أو صفةً لنكرة و " بعوضةٌ " خبراً لـ " هو " مضمراً كانت " ما " معطوفةً على " بعوضة ".

    البقرة

  4. #109
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,798
    قوله: { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } في نصبِ " قليلاً " ستةُ أوجهٍ، أحدُها وهو الأظهرُ: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: فإيماناً قليلاً يُؤمنون. الثاني: أنه حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ المحذوفِ أي: فيؤمنونه أي الإِيمانَ في حالِ قلَّته، وقد تقدَّم أنه مذهب سيبويه وتقدَّم تقريره. الثالث: أنه صفةٌ لزمان محذوفٍ، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، وهو كقوله:
    { آمِنُواْ بِظ±لَّذِيغ¤ أُنْزِلَ عَلَى ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ظ±لنَّهَارِ وَظ±كْفُرُوغ¤اْ آخِرَهُ }
    [آل عمران: 72]. الرابع: أنه على إسقاطِ الخافض والأصل: فبقليل يؤمنون، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرِّ انتصب، ويُعْزَى لأبي عبيدة.

    الخامس: أن يكونَ حالاً من فاعل " يؤمنون " ، أي فَجَمْعاً قليلاً يؤمنون أي المؤمِنُ فيهم قليلٌ، قال معناه ابنُ عباس وقتادة. إلا أن المهدوي قال: " ذهب قتادة إلى أنَّ المعنى: فقليلٌ منهم مَنْ يؤمن، وأنكره النحويون، وقالوا: لو كانَ كذلك لَلَزِمَ رفعُ " قليل ". قلت: لا يلزمَ الرفعُ مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لِما تقدَّم من أنَّ نصبَه على الحالِ وافٍ بهذا المعنى: و " ما " على هذه الأقوالِ كلها مزيدةٌ للتأكيد. السادس: أن تكونَ " ما " نافيةً أي: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثلُه:
    { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }
    [الأعراف: 10]،
    { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }
    [الأعراف: 3]، وهذا قويٌ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئاً من جهةٍ تقدُّم ما في حَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنباري، إلا أنَّ تقديمَ ما في حَيِّزها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء: " ولا يَجُوز أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً، لأن " قليلاً " يبقىظ° بلا ناصبٍ ". يعني أنَّك إذا جَعَلْتَها مصدريةً كان ما بعدَها صلتَها، ويكون المصدرُ مرفوعاً بـ " قليلاً " على أنه فاعلٌ به فأين الناصبُ له؟ وهذا بخلافِ قولِه
    { كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ظ±للَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }
    [الذاريات: 17] فإنَّ " ما " هناك يجوزُ أن تكونَ مصدريةً لأنَّ " قليلاً " منصوبٌ بـ كان. وقال الزمخشري: " ويجوز أن تكونَ القِلَّةُ بمعنى العَدَم ". قال الشيخ: " وما ذهبَ إليه من أنَّ " قليلاً " يُراد به النفيُ فصحيحٌ، لكنْ في غيرِ هذا التركيب، أعني قوله تعالى: { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } لأنَّ " قليلاً " انتصبَ بالفعلِ المثبتِ فصار نظيرَ " قُمْتُ قليلاً " أي: قمتُ قياماً قليلاً، ولا يَذْهَبُ ذاهبٌ إلى أنَّك إذا أَتَيْتَ بفعلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ " قليلاً " منصوباً نعتاً لمصدرِ ذلك الفعلِ يكونُ المعنى في المُثْبَتِ الواقعِ على صفةٍ أو هيئةٍ انتفاءَ ذلك المُثْبَتِ رأساً وعدَمَ قوعِه بالكلِّية، وإنما الذي نَقَل النحويون: أنَّه قد يُراد بالقلة النفيُ المَحْضُ في قولهم: " أقَلُّ رجلٍ يقول ذلك، وقَلَّما يقوم زيد " ، وإذا تقرَّر هذا فَحَمْلُ القلةِ على النفي المَحْضِ هنا ليس بصحيحٍ ". انتهى./ قلت: ما قاله أبو القاسم الزمخشري ـ رحمه الله ـ من أنَّ معنى التقليلِ هنا النفيُ قد قال به الواحديُّ قبلَه، فإنه قال: " أَيْ: لا قليلاُ ولا كثيراً، كما تقول: قَلَّما يفعلُ كذا، أي: ما يفعله أصلاً ".

    السمين

    قوله: { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ظ±لْعَذَابِ } في هذا الضميرِ خمسةُ أَقْوالٍ، أحدُها: أنه عائدٌ على " أحد " وفيه حينئذٍ وَجْهان، أحدُهما: أنه اسمُ " ما " الحجازيةِ، و " بمُزَحْزِحِه " خبرُ " ما " ، فهو في محلِّ نصبٍ والباءُ زائدة.

    و " أَنْ يُعَمَّر " فاعلٌ بقولِه " بمُزَحْزِحِه " ، والتقديرُ: وما أحدُهم مُزَحْزِحَه تعميرُه. الثاني من الوجهين في " هو ": أن يكونَ مبتدأ، و " بمُزَحْزِحِهِ " خبرُه، و " أَنْ يُعَمَّر " فاعلٌ به كما تقدَّم، وهذا على كَوْنِ " ما " تميميَّةً، والوجهُ الأولُ أحسنُ لنزولِ القرآنِ بلغة الحجازِ وظهورِ النصب في قولِه:
    { مَا هَـظ°ذَا بَشَراً }
    [يوسف: 31]،
    { مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ }
    [المجادلة: 2].....

  5. #110
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,798
    { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً }

    قوله: { لِمَا تَأْمُرُنَا }: قرأ الأخَوان " يأْمُرُنا " بياءِ الغَيْبة يعني محمد صلَّى الله عليه وسلَّم. والباقون بالخطاب يعني: لِما تأمرنا أنت يا محمد. و " ما " يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي. والعائدُ محذوفٌ؛ لأنه متصلٌ؛ لأنَّ " أَمَرَ " يَتَعَدَّى إلى الثاني بإسقاطِ الحرفِ. ولا حاجةَ إلى التدريجِ الذي ذكره أبو البقاء: وهو أنَّ الأصلَ: لِما تَأْمُرنا بالسُّجودِ له، ثم بسجودِه، ثم تَأْمُرُناه، ثم تأْمُرُنا. كذا قَدَّره، ثم قال: هذا على مذهبِ أبي الحسن، وأَمَّا على مذهبِ سيبويهِ فَحَذْفُ ذلك مِنْ غيرِ تَدْريج ". قلت: وهذا ليس مذهبَ سيبويه. ويجوزُ أَنْ تكونَ موصوفةً، والكلامُ في عائِدها موصوفةً كهي موصولةً. ويجوز أَنْ تكونَ مصدريةً، وتكونَ اللامُ للعلةِ أي: أَنَسجُدُ مِنْ أجلِ أَمْرِكَ، وعلى هذا يكونُ المسجودُ له محذوفاً. أي: أَنَسْجُدُ للرحمن لِما تَأْمُرُنا. وعلى هذا لا تكونُ " ما " واقعةً على العالِم. وفي الوجهين الأوَّلَيْن يُحْتمل ذلك، وهو المتبادَرُ للفَهْمِ

  6. #111
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,798
    { وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }

    قوله: { فَبِمَا }: قرأ نافعٌ وابنُ عامر " بما " دونَ فاءٍ. والباقون " فبما " بإثباتِها. فـ " ما " في القراءةِ الأولى الظاهرُ أنَّها موصولةٌ بمعنى الذي، والخبر الجارُّ مِنْ قولِه: " بما كَسَبَتْ ". وقال قومٌ منهم أبو البقاء: إنَّها شرطيةٌ حُذِفَتْ منها الفاءُ. قال أبو البقاء: " كقوله تعالى:
    { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }
    [الأنعام: 121]. وقولِ الشاعر:
    3974 ـ مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللَّهُ يَشْكُرها ........................
    وهذا ليس مذهبَ الجمهورِ، إنما قال به الأخفشُ وبعضُ البغداديين. وأما الآية فـ " إنَّكم لَمُشْرِكون " ليس جواباً للشرط، إنما هو جوابٌ لقَسمٍ مقدرٍ حُذِفَتْ لامُه الموطِّئَةُ قبل أداةِ الشرطِ.

    وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فالظاهرُ أنها فيها شرطيةٌ، ولا يُلْتَفَتُ لقولِ أبي البقاء: " إنَّه ضعيفٌ ". ويجوزُ أَنْ تكونَ الموصولةَ، والفاءُ داخلةٌ في الخبر تشبيهاً للموصولِ بالشرط، بشروطٍ ذكَرْتُها مُسْتوفاةً في هذا الموضوعِ بحمدِ الله تعالى. وقد وافق نافعٌ وابنُ عامرٍ مصاحفَهما؛ فإنَّ الفاءَ ساقطةٌ من مصاحفِ المدينةِ والشامِ، وكذلك الباقون فإنها ثابتةٌ في مصاحفِ مكةَ والعراقِ.

  7. #112
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,798
    إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ ظ±لسَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىظ° وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوغ¤اْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ }

    قوله: { وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ }: " ما " هذه يجوزُ أَنْ تكونَ نافيةً وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً، جَوَّز ذلك أبو البقاء، ولم يُبَيِّنْ وجهَه. وبيانُه أنها تكونُ مجرورةَ المحلِّ عطفاً على الساعة أي: عِلْمُ الساعةِ وعِلْمُ التي تخرج، و " مِنْ ثمرات " على هذا حالٌ، أو تكون " مِنْ " للبيان. و " مِنْ " الثانية لابتداء الغاية. وأما " ما " الثانيةُ فنافيةٌ فقط. قال أبو البقاء: " لأنَّه عَطَفَ عليها " ولا تَضَعُ " ، ثم نقض النفيَ بـ " إلاَّ " ، ولو كانَتْ بمعنى الذي معطوفةً على " الساعة " لم يَجُز ذلك

    { وَمَآ أَصَـظ°بَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }

    قوله: { فَبِمَا }: قرأ نافعٌ وابنُ عامر " بما " دونَ فاءٍ. والباقون " فبما " بإثباتِها. فـ " ما " في القراءةِ الأولى الظاهرُ أنَّها موصولةٌ بمعنى الذي، والخبر الجارُّ مِنْ قولِه: " بما كَسَبَتْ ". وقال قومٌ منهم أبو البقاء: إنَّها شرطيةٌ حُذِفَتْ منها الفاءُ. قال أبو البقاء: " كقوله تعالى:
    { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }
    [الأنعام: 121]. وقولِ الشاعر:
    3974 ـ مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللَّهُ يَشْكُرها ........................
    وهذا ليس مذهبَ الجمهورِ، إنما قال به الأخفشُ وبعضُ البغداديين. وأما الآية فـ " إنَّكم لَمُشْرِكون " ليس جواباً للشرط، إنما هو جوابٌ لقَسمٍ مقدرٍ حُذِفَتْ لامُه الموطِّئَةُ قبل أداةِ الشرطِ.

    وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فالظاهرُ أنها فيها شرطيةٌ، ولا يُلْتَفَتُ لقولِ أبي البقاء: " إنَّه ضعيفٌ ". ويجوزُ أَنْ تكونَ الموصولةَ، والفاءُ داخلةٌ في الخبر تشبيهاً للموصولِ بالشرط، بشروطٍ ذكَرْتُها مُسْتوفاةً في هذا الموضوعِ بحمدِ الله تعالى. وقد وافق نافعٌ وابنُ عامرٍ مصاحفَهما؛ فإنَّ الفاءَ ساقطةٌ من مصاحفِ المدينةِ والشامِ، وكذلك الباقون فإنها ثابتةٌ في مصاحفِ مكةَ والعراقِ

  8. #113
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,798
    قوله: { وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ } في هذه الآيةِ وجوهٌ ستة، أحدها: ـ وهو الأظهر ـ أنَّ " ما " مزيدةٌ، فيتعلَّقُ الظرفُ بالفعل بعدها، والتقدير: ومِنْ قبلِ هذا فَرَّطْتم، أي: قَصَّرْتُمْ في حَقِّ يوسف وشأنِه، وزيادةُ " ما " كثيرةٌ، وبه بدأ الزمخشري وغيرُه.

    الثاني: أن تكونَ " ما " مصدريةً في محلِّ رفع بالابتداء، والخبرُ الظرف المتقدم. قال الزمخشري: " على أنَّ محلَّ المصدرِ الرفعُ بالابتداء، والخبرُ الظرفُ، وهو " مِنْ قبل " ، والمعنىٰ: وقع مِنْ قَبْل تفريطكم في يوسف، وإلى هذا نحا ابنُ عطية أيضاً فإنه قال: " ولا يجوز أن يكونَ قوله " مِنْ قَبلُ " متعلقاً بـ " ما فَرَّطْتُمْ " ، وإنما تكونُ على هذا مصدريةً، والتقدير: مِنْ قبلُ تفريطُكم في يوسف واقعٌ أو مستقرٌ، وبهذا المقدرِ يتعلَّقُ قولُه " مِنْ قبل ". قال الشيخ: " وهذا وقولُ الزمخشري راجعان إلى معنىٰ واحد وهو أنَّ " ما فَرَّطْتُمْ " يُقَّدرُ بمصدرٍ مرفوعٍ بالابتداء، و " مِنْ قبل " في موضعِ الخبرِ، وذَهِلا عن قاعدةٍ عربية ـ وحُقَّ لهما أن يَذْهَلا ـ وهو أن هذه الظروفَ التي هي غاياتُ إذا بُنِيَتْ لا تقع أخباراً للمبتدأ جَرَّتْ أو لم تجرَّ تقول: " يومُ السبت مباركٌ، والسفر بعده " ، ولا تقول: " والسفر بعدُ، وعمرو وزيد خلفَه " ، ولا يجوز: " زيد وعمرو خلفُ " وعلى ما ذكراه يكون " تفريطكم " مبتدأً، و " من قبل " خبر [وهو مبني] وذلك لا يجوز، وهو مقرر في علم العربية ".

    قلت: قوله " وحُقَّ لهما أن يَذْهلا " تحاملٌ على هذين الرجلين المعروفِ موضعُهما من العلم. وأمَّا قولُه " إنَّ الظرف المقطوعَ لا يقع خبراً فمُسَلَّمٌ، قالوا لأنه لا يفيد، وما لا يفيد فلا يقع خبراً، ولذا لا يقع صلةً ولا صفةً ولا حالاً، لو قلت: " جاء الذي قبلُ " ، أو " مررت برجل قبلُ " لم يجز لِما ذكرت. ولقائلٍ أن يقولَ: إنما امتنع ذلك لعدمِ الفائدة، وعدمُ الفائدة لعدمِ العلمِ بالمضاف إليه المحذوف، فينبغي ـ إذا كان المضاف إليه معلوماً مَدْلولاً عليه ـ أن يقع ذلك الظرفُ المضافُ إلى ذلك المحذوفِ خبراً وصفةً وصلةً وحالاً، والآيةُ الكريمة من هذا القبيل، أعني ممَّا عُلِم فيه المضافُ إليه كما مرَّ تقريره. ثم هذا الردُّ الذي رَدَّ به الشيخ سبقه إليه أبو البقاء فقال: " وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ " قبل " إذا وقعت خبراً أو صلة لا تُقْطع عن الإِضافة لئلا تبقىٰ ناقصة ".

    الثالث: أنَّها مصدريةٌ أيضاً في محلِّ رفع بالابتداء، والخبر هو قولُه: " في يوسف " ، أي: وتفريطكم كائن أو مستقر في يوسف، وإلى هذا ذهب الفارسي، كأنه اسْتَشْعر أن الظرفَ المقطوعَ/ لا يقع خبراً فعدل إلى هذا، وفيه نظر؛ لأنَّ السياقَ والمعنى يجريان إلى تعلُّق " في يوسف " بـ " فَرَّطْتُم " فالقولُ بما قاله الفارسي يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقَطْعِه عنه.

    الرابع: أنها مصدريةٌ أيضاً، ولكن محلَّها النصبُ على أنها منسوقةٌ على { أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ } ، أي: ألم تعلموا أَخْذَ أبيكم الميثاقَ وتفريطكَم في يوسف. قال الزمخشري: " كأنه قيل: ألم تعلموا أخْذَ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطَكم مِنْ قبلُ في يوسف ". وإلى هذا ذهب ابن عطية أيضاً.

    قال الشيخ: " وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيد، لأنَّ فيه الفصلَ بالجارِّ والمجرور بين حرف العطف الذي هو على حرفٍ واحد وبين المعطوف، فصار نظير: " ضربتُ زيداً وبسيفٍ عمراً " ، وقد زعم أبو علي الفارسي أنه لا يجوز ذلك إلا في ضرورة الشعر ". قلت: " هذا الردُّ أيضاً سبقه إليه أبو البقاء ولم يَرْتَضِه وقال: " وقيل: هو ضعيف لأنَّ فيه الفصلَ بين حرف العطف والمعطوف، وقد بَيَّنَّا في سورة النساء أنَّ هذا ليس بشيء ". قلت: يعني أنَّ مَنْعَ الفصل بين حرف العطف والمعطوف ليس بشيء، وقد تقدَّم إيضاح ذلك وتقريرُه في سورة النساء كما أشار إليه أبو البقاء.

    ثم قال الشيخ: " وأمَّا تقديرُ الزمخشري " وتفريطكم من قبل في يوسف " فلا يجوزُ لأنَّ فيه تقديمَ معمولِ المصدر المنحلِّ لحرفٍ مصدري والفعل عليه، وهو لا يجوز ". قلت: ليس في تقدير الزمخشري شيءٌ من ذلك؛ لأنه لَمَّا صَرَّح بالمقدَّر أخَّر الجارَّيْن والمجرورَيْن عن لفظِ المصدر المقدر كما ترىٰ، وكذا هو في سائر النسخ، وكذا ما نقله الشيخ عنه بخطه، فأين تقديم المعمول على المصدر؟ ولو رَدَّ عليه وعلى ابن عطية بأنه يلزم مِنْ ذلك تقديمُ معمولِ الصلة على الموصول لكان رَدَّاً واضحاً، فإنَّ " من قبلُ " متعلقٌ بفَرَّطْتُم، وقد تقدم على " ما " المصدرية، وفيه خلافٌ مشهور.

    الخامس: أن تكونَ مصدريةً أيضاً، ومحلُّها نصبٌ عطفاً على اسم " أنَّ " ، أي: ألم تعلموا أنَّ أباكم وأنَّ تفريطكم من قبل في يوسف، وحينئذٍ يكون في خبر " أنَّ " هذه المقدرة وجهان، أحدهما وهو " من قبلُ " ، والثاني هو " في يوسف " ، واختاره أبو البقاء، وقد تقدَّم ما في كلٍ منهما. ويُرَدُّ على هذا الوجه الخامسِ بما رُدَّ به على ما قبله من الفصل بين حرف العطف والمعطوف وقد عُرِف ما فيه.

    السادس: أن تكونَ موصولةً اسميةً، ومحلُّها الرفع أو النَصبُ على ما تقدَّم في المصدرية، قال الزمخشري: " بمعنىٰ: ومِنْ قبل هذا ما فرَّطتموه، أي: قَدَّمتموه في حَقِّ يوسف من الجناية، ومحلُّها الرفع أو النصب على الوجهين ".

    قلت: يعني بالوجهين رفعَها بالابتداء وخبرها " من قبل " ، ونصبَها عطفاً على مفعول " ألم تعلموا " ، فإنه لم يَذْكر في المصدرية غيرَهما. وقد عرْفْتَ ما اعتُرِض به عليهما وما قيل في جوابه. فتحصَّل في " ما " ثلاثة أوجه: الزيادةُ، وكونُها مصدريةً، أو بمعنى الذي، وأنَّ في محلِّها وجهين: الرفعَ أو النصبَ، وقد تقدم تفصيلُ ذلك كلِّه.

صفحة 8 من 8 الأولىالأولى ... 45678

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •