النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: شرح جوهرة التوحيد للعلامة سعيد فودة

  1. Smile شرح جوهرة التوحيد للعلامة سعيد فودة/ الدرس الأول

    [ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم
    شرح (جوهرة التوحيد للعالم العلامة الشيخ إبراهيم اللقاني)[/ALIGN]
    [ALIGN=JUSTIFY]هذا الشرح عبارة عن مجموعة من الدروس ألقاها الأستاذ المحقق سيدي سعيد فودة حفظه الله تعالى ونفع به وبعلمه، ورزقنا دوام صحبته، وأسأل الله أن ينفع بهذه الدروس.
    قال الشيخ سعيد:
    الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الأنبياء والمرسلين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا؛ إنك أنت العليم الحكيم، آمين.
    سنبدأ اليوم في دراسة وشرح متن شرج جوهرة التوحيد، للعلامة اللقاني، وهو من المتون المشهورة عند أهل السنة، يحتوي على مقاصد علم التوحيد ومعظم قواعده النافعة، ويحتوي أيضاً على ملحقات لهذا العلم كشيء من علم التصوف، وبعض الملحقات في علم التوحيد، وهو علم أصول الدين.
    هذا النظم مكتوب على بحر الرجز لتسهيل حفظه واستظهاره، مؤلِّف هذا النظم هو العلامة اللقاني من علماء القرن الحادي عشر، توفي سنة 1041 هـ، وهو من العلماء الأفذاذ، مالكي المذهب، كان من العلماء المقتدى بهم في علم التوحيد، وهو بحر في العلوم.
    سوف نستعين أيضاً بقراءة بعض العبارات من حاشية العلامةِ البيجوري، والإمامُ البيجوري من علماء الشافعية المتأخرين، وهو عالم مشهور، له كثير من الكتب في الفقه والمنطق وعلم المعاني والنحو، وغيرها من العلوم.
    استفاد كثيرٌ من أهل العلم من كتبه المختصرة والمطوَّلة، وعبارتُه غالباً رائعة لطيفة، ليست صعبةً، سلسة بخلاف كثير من العلماء غيره.
    سنبدأ الآن بقراءة بعض الأبيات من المتن، ثم شرحها.
    بدأ الناظم بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
    طبعاً الكلام في البسملة معروف عند الشرّاح وعند أهل العلم، ولكن نتكلم على بعض ما يدور حولها بما يناسب هذا العلم بإذن الله سبحانه وتعالى.
    الباء في قوله: (بسم) إما أن تكون للاستعانة، أو للاستصحاب، أو غير ذلك، ولكن الذي يهمنا هو أن حرف الباء لا بد له من متعلَّق، أي لا بد له من أمر يتعلق به، والأمر الذي يتعلق به لا بد أن يكون كلمة، إما أن تكون مصدراً أو فعلاً، أو مشتقاً فيه معنى الفعلية.
    لا يصح أن يكون في هذا المحل اسم جامد، لا بد أن تكون الباء متعلقة بكلمة فيها حركة، والكلمة التي فيها حركة إما أن تكون فعلاً أو مصدراً، وإما أن تقدّر هذه الكلمة قبل الباء أو بعدها.
    غالباً تقدّر هذه الكلمة بحسب ما يليق من الأفعال التي تريد أن تشرع بها حين قولك: بسم الله الرحمن الرحيم، بمعنى أنك إذا قلت: بسم الله الرحمن الرحيم عند الأكل، يكون قصدك: باسم الله الرحمن الرحيم آكُل، أي أستصحب وأستعين باسم الله الرحمن الرحيم في أكلي، أو أن تقول: آكل بسم الله الرحمن الرحيم، وعندما تقرأ تقول: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وكذلك عندما تكتب، وهكذا .... فيقدر من الاسم ما يليق بالأمر الذي أنت مقدِم عليه.
    فالاستعانة لا إشكال في أن يستعين الإنسان باسم الله تعالى، كما أنه لا إشكال في أن يستعين بالله؛ لأن الاسم دالّ على المسمى، فلا إشكال ولا كراهة بأن تقدّر أيّاً من المعنيين.
    (الله): عَلَم على الذات الواجب الوجود.
    ما معنى العَلَم؟
    الأسماء في اللغة منها أعلام ومنها غير أعلام، والعَلَم: كلمة وُضعت للدلالة على الذات، كما يسمي بعض الناس ابنه محمداً، أو زيداً، أو عمراً، هذا يعني أنهم جعلوا هذا الاسم دالاً على هذه الذات.
    فلفظ الجلالة (الله) عَلَم على الذات، أي وضع للدلالة على الذات، والعلماء يقولون: (وُضع) أدباً، فالذات (الحضرة الإلهية) يجب أن نحترمها عندما نتكلم في حقها سواء من حيث الأحكام، أو من حيثية أخرى، فيجب أن نكون في غاية الأدب عندما نتكلم في هذا المعنى.
    (الرحمن الرحيم): سنتكلم على معنى الرحمة في محله إن شاء الله تعالى، ولكن (الرحمن الرحيم) هما صفتان مشبهتان من رَحِمَ يَرْحَمُ.
    رحمن، رحيم: على وزن فعلان وفعيل، إحداهما أبلغ من الأخرى. والعلماء يذكرون كلاماً يمكن أن ترجعوا إليه، ما نريده هنا هو أن (الرحمن) اسم مشتق من الرحمة، يصدق على الذات الإلهية حال ملاحظتنا صدور فعل منها، أو قبل ملاحظتنا ذلك بملاحظة مبدأ ومنشأ هذا الصدور.
    كيف؟
    يعني أنت تقول: إن الله رحمن رحيم، إما حال ملاحظتك بأن الله سبحانه قادر على أن يرحمك، هذا مقصودنا عندما قلنا: إنك تطلق هذه الصفة على الله سبحانه وتعالى حال ملاحظتك منشأ ومصدر الرحمة.
    الرحمة هي عبارة عن فعل من الأفعال، وهي نعمة من النعم التي ينعم الله سبحانه بها على عباده، أيُّ نعمة يُنشئها الله سبحانه ويبتدئُها تكون معتمدة على قدرة الله، أي أن منشأها هو القدرة الإلهية، فأنت عندما تستحضر في ذهنك أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق لا عذاباً بل نعمة، فإذا لاحظت الذات الإلهية من حيث ما هي قادرة على التعذيب يكون الاسم (المنتقم)، او (الجبار)، وإذا لا حظت الذات الإلهية من حيث ما هي قادرة على الإنعام تقول: (رحمن)، (رحيم)، (منعِم).
    فاشتقاق الأسماء يكون بحسب ملاحظتك للذات، هي ذات واحدة، المنشأ هو القدرة، لكن متعلقات هذه القدرة هي أفعال تختلف من ذات إلى ذات بحسب الاعتبار، فبعض الأفعال يكون رحمة، وبعضها يكون نِقمة، ومنها يُشتق الاسم.
    نحن نقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) قبل أن نشرع في أي فعل أو كلام، يكون هذا إشارة إلى اعتقاد بأنه لا يوجد أي فعل من الأفعال إلا وهو من متعلَّقات رحمة الله سبحانه وتعالى، حتى دراستنا لهذا العلم .. حتى تنفُّسنا .. وحتى وجودنا، فخو من متعلَّقات هذه الرحمة، فهو من متعلقات القدرة الإلهية.
    فـ(بسم الله الرحمن الرحيم) نبدأ، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا بأن يعلّمنا، فإن العلم يزيدنا خشية وتقوى، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين.
    سؤال (من أحد الحضور): هل إطلاق اسم (الرحمن) على الله حقيقة أم مجاز؟
    الجواب: بحَسَب منشأ الاشتقاق، إذا قلتَ: (الرحمن) بمعنى فاعل الرحمة، فإطلاقه على الله سبحانه وتعالى قبل الخلق يكون مجازاً وبعد الخلق يكون حقيقة.
    وإذا قلتَ: إن الرحمن هو القادر على الرحمة والإنعام فيكون إطلاقه على الله سبحانه وتعالى دائماً (قبل الخلق وبعد الخلق) حقيقة.
    وهكذا كل الصفات التي هي صفات أفعال (صفات دالّة على الأفعال) (أو هي صفات لأفعال الله سبحانه وتعالى) .. كل الصفات التي تكون صفات لأفعال الله إما أن تطلقها من باب الحقيقة بملاحظة استناد هذه الصفات الفعلية إلى صفة حقيقية، وهي القدرة والعلم، أو غير ذلك، أو تطلقها على الله سبحانه وتعالى من باب المجاز قبل الخلق أو بعد الخلق بحسب الاعتبار الذي ذكرته.
    قال الناظم رحمه الله:
    [poet font="Simplified Arabic,5,white,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/21.gif" border="ridge,5,indigo" type=2 line=350% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
    الحمدُ للهِ على صِلاتِهِ = ثمَّ سلامُ اللهِ مع صَلاتِهِ
    [/poet]الحمدُ للهِ على صِلاته ثمّ سلامُ الله مع صَلاتِهِ الحمدُ (لغةً): هو الثناء: أن تثني على أحد، (الحمد) مصدر فيه معنى الحركة التي ذكرناها سابقاً، (الحمد) هنا بمعنى الفعل، كما لو قلت: أَحْمَدُ.
    (الحمدُ) هو في الحقيقة اسم، ولكن فيه معنى الحركة كما قلنا، والحمد منسوب لله سبحانه وتعالى، متوجِّه لله سبحانه وتعالى، أنسِبُه وأُضيفُه لله سبحانه، هذا معنى الكلام.
    (الحمد) كما تقول في سورة الفاتحة: [الحمد لله رب العالمين]، معنى (الحمد لله) أن كل ما يُسْتَحَقُّ عليه الثناء والتعظيم والعلو والرفعة فهو منسوب إلى الله سبحانه وتعالى، فهو له سبحانه.
    متى يستطيع الإنسان أن يحمد ربَّه؟ متى يستطيع الإنسان أن يثني على ربِّه؟ هل يستطيع الإنسان أن يثني على الله إلا بعد أن يعلم بعض الصفات التي يتصف بها الله سبحانه وتعالى؟
    أنت لا تثني على أحد إلا بعد أن تعرف بعض الصفات الحسنة الجميلة في هذا الذي تثني عليه، فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالله ازداد تمكُّن الإنسان وقَوِيَت قدرته على حمد الله، لأن الحمد هو تعريفٌ بالمحامد، وتعريف بالصفات الجميلة، فكلما ازددتَ معرفةً بالله سبحانه وتعالى وبصفاته فإنك تصبح أقدر على حمده، وأقدر على الثناء عليه جلَّ شأنه.
    فإذن القائل: [الحمد لله رب العالمين] كلما كان علمه بالله أعلى يكون معنى قوله: [الحمد لله رب العالمين] أقوى؛ لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقرأ الفاتحة، وكان يقول: [الحمد لله رب العالمين]، ونحن كذلك، ولكن هل المعاني التي يريدها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهل الثناء الذي يريده عند قوله: [الحمد لله رب العاليمن] هي المعاني نفسها التي نستحضرها نحن؟
    هل المحامد التي تستحضرها أنت هي نفس المحامد التي يستحضرها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما يقول: [الحمد لله رب العالمين]؟
    بلا شك، لا.
    إذن كلما ازدادت معرفة الإنسان بالله سبحانه وتعالى قويت قدرته على أن يحمد الله، وكلما قويت قدرته على أن يحمد الله استطاع أن يلتزم بالأمر الشرعي، وهو أنه يجب عليه أن يحمد الله، فإذن هنا العلم هو شرط للقدرة على الحمد.
    أول شيء ذكر في القرآن بعد البسملة: [الحمد لله رب العالمين]، لم تُقَلْ هكذا، بل المقصود منها أنه يجب عليك أن تحمد الله رب العالمين، وأن تعتقد بنسبة الحمد لله رب العالمين.
    فكلما ازداد علمك بالصفات العالية الجليلة تزداد قدرة على تلبية الأمر الشرعي، فإذن العلم هو الذي يعطيك القدرة على أن تحمد الله سبحانه وتعالى.
    لا شكّ أن أيَّ إنسان مؤمن عنده تصوّر معين، وعنده معلومات معينة في ذهنه عن الله سبحانه وتعالى، وهدفنا في هذا العلم أن تتقوى معلوماتنا عن الله سبحانه، وأن تزداد معرفتنا لله، لكي نستطيع أن نحمده جلَّ شأنه، فيكون العلم سبباً للعمل، وأول العمل بعد الاعتقاد هو الكلام، ثم بعد ذلك بناء الأفعال الحسية عليه.
    إذا خرجنا من هذا الكتاب بعد أن ننتهي منه كما دخلنا لا نكون استفدنا شيئاً. الآن ليستحضر كل واحد مقدار علمه بالله تعالى، ومقدار قدرته على أن يحمد الله جلَّ شأنه، وليستحضر قدرته بعد أن ننتهي من هذا الكتاب، إذا كانت هي نفسها نكون قد أضعنا وقتنا بلا فائدة، وإذا استطعنا عندما نقول: (الحمد لله) بعد انتهائنا من هذا الكتاب أن نستحضر معاني جليلية وعميقة وقوية ومفيدة تشعرنا بمعنى الحمد وقيمته أكثر مما نعرفه الآن، فنحن بتوفيق الله سبحانه وتعالى نكون قد استفدنا شيئاً من هذا الدرس.
    لا أريد أن أتكلم على بعض التفريعات مثل معنى اللام التي في (الحمد)، وغير ذلك، بل نريد أن نقول: إن الإنسان عندما يريد أن يحمد الله يجب أن يستحضر كل ما يقدر عليه من الحمد إما تفصيلاً أو إجمالاً .. كل ما يستطيع أن يستحضره من معانٍ جميلة وصفاتٍ عالية يجب أن يستحضره عندما يقول: (الحمد لله).
    بهذا المعنى نحن ندمج معنى (الاستغراق) و(الجنس) معاً، عندما نقول: (الحمد لله) يجب أن تستحضر ما تعلمه عن الله تعالى، ثم تنسبه له، وكذلك عندما تقرأ الفاتحة، وكلما استحضرت معاني الكلمات وتأملت في معانيها تشعر بلذة الصلاة.
    (الصِّلة): هي فعل من الأفعال الحسنة التي تفيد القرب من الله سبحانه وتعالى.
    أنا أَصِلُ فلاناً: أي أفعلُ له فعلاً يقربني إليه، فالله سبحانه وتعالى فعل لنا أفعالاً كثيرة تقربنا منه، فنحن نحمد الله سبحانه وتعالى على هذه الأفعال التي تقربنا منه جلَّ شأنه، فهذه هي الصلات: هي أمور تقربنا منه سبحانه وتعالى، ونحن نحمد الله على هذه الأفعال.
    قال العلامة البيجوري رحمه الله تعالى: "والحمد (لغةً): الثناء بالكلام على الجميل الاختياري، على جهة التبجيل والتعظيم، سواء أكان في مقابل نعمة أم لا".
    هذا تعريف الحمد لغة، "الثناء بالكلام على جميل اختياري"، أي على فعل قدّمه لك الفاعل باختياره، ليس واجباً عليه، إذا كان الفاعل يجب عليه هذا الفعل فهو لا يستحق الحمد، ولكن إذا فعل ما ليس بواجب عليه، بل فعله على سبيل التفضّل والإنعام وكان هذا الفعل خير لك فإنك تقول: سأحمده، أي أثني عليه على الجميل الذي فعله، وهذا الجميل صدر منه اختياراً لا جبراً.
    "على جهة التبجيل والتعظيم": تذكرُ هذا الثناء لا على وجه الاستخفاف أو اللمز، وإنما على جهة التعظيم، فيجب أن تكون الصيغة عندما تحمد الله صيغة تعظيم، وأن تستحضر جميع الأفعال التي هي خير لك وتنسبها إلى الله تعالى مثنياً عليه جلَّ شأنه بها، على جهة التعظيم والتبجيل، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا، حتى لو أنعم على غيرك فأنت تحمده على ذلك أيضاً.
    قال العلامة البيجوري: "وأما الحمد اصطلاحاً فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعِم من حيث كونه منعِماً على الحامد أو غيره، سواء كان ذلك قولاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو عملاً بالأركان".
    هذا التعريف هو نفس التعريف اللغوي، ولكنه مخصَّص أكثر؛ لأن ـ كما تعلمون ـ كل المعاني الاصطلاحية التي استعملها العلماء في علومهم لا بد أن يكون لها أصل في اللغة، لا يوجد اصطلاح من المصطلحات التي استخدمها العلماء من دون أن يكون له أصل في اللغة.
    كثير من الناس يعتقدون أن العلماء استحدثوا هذه الألفاظ ولم يكن لها سابقة تستعمل فيها باللغة، ولكن هذا اعتقاد غير صحيح.
    العلماء لم يستعملوا لفظاً إلا إذا كان هناك بينه وبين الأصل اللغوي المأخوذ منه مناسبة، فيخصصونه أو يعممونه، أو غير ذلك، والأمر عموماً كذلك إلا في بعض الألفاظ والمصطلحات المستحدثة استحداثاً، وهذه منصوص عليها وهي قليلة، ولكن الأصل أن كل معنى في أيّ علم من العلوم استعمله العلماء كمصطلح في هذا العلم لا بد أن يكون بين هذا المصطلح وبين الكلمة الأصل في اللغة مناسبة في المعنى.
    قوله: "سواء كان ذلك قولاً باللسان ... ": الحمد في الحقيقة يشمل كل شيء، ما تحسّ به وتقوله في نفسك، ويشمل ما تتلفظ به بلسانك وعمل الجوارح، فعبادتك لله وصلاتك وزكاتك وجهادك ... إلخ عبارة عن طريقة من طرق الحمد.
    الكلام: مثل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وتعليم الناس، كلامك مع إخوتك كلاماً حسناً، الفصل بين المختلفين بكلام جيد .. إلخ، هذا كله عبارة عن طرق من طرق الحمد، كذلك الاعتقاد الصحيح هو حمد لله سبحانه وتعالى.
    سؤال (من أحد الحضور): لم ألاحظ فرقاً بين المعنى اللغوي والاصطلاحي؟
    الجواب: الفرق الأكبر أنه قال في المعنى اللغوي: "الثناء بالكلام"، وهنا قال في المعنى الاصطلاحي: "فعل"، فالحمد في الشريعة صار فعلاً، من ضمن الكلام، فصار من هذه الناحية عموم وخصوص.
    اعتاد العلماء على أنهم حين يتكلمون على الحمد يتكلمون على الشكر أيضاً، ومن هذا الباب قال: "الشكر (لغة) هو الحمد اصطلاحاً، لكن بإبدال الحامد بالشاكر، و(اصطلاحاً): صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله"، هذا قريب جداً من معنى الحمد اصطلاحاً.
    إذن بعد هذا الكلام، فإن معنى الحمد في قول الناظم: "الحمد لله على صِلاته": أن تثني على الله سبحانه من أجل ما أنعم الله به عليك.
    كل شيء تتصوره عندما تعرف مقدار النعم التي خلقها الله لأجلك، من أجل هذا تثني على الله سبحانه وتعالى، معنى هذا أنه كلما استطاع الإنسان أن يتعمق في معرفة الخلق وفي معرفة المخلوقات تزداد قدرته على الثناء على الله سبحانه وتعالى، وتزداد قدرته على حمده.
    إذن لو استطعنا الآن أن نفهم كيف أن العالم خُلق من عدم .. إذا استطعنا أن نتصور أن العالم لم يكن شيئاً ثم كان .. إذا استطعنا أن تتصور أنت أيها الإنسان أنه لم يكن هناك شيء يوجب على الله أن يخلقك على هذا الشكل، ولكنه خلقك .. إذا استطعنا أن نتصور أن الأرض كان من الممكن أن تكون على هيئة أخرى، لكنها وجدت على هذه الهيئة وهذه الصورة كي تكون في مصلحتك .. إذا استطعنا استحضار كثير من المعاني مما عظُم أو صغُر فإنك بعد ذلك تستطيع أن تقول: الحمد لله رب العالمين .. الحمد لله على صِلاته؛ لأن كل هذه الأمور عبارة عن نِعم أنعم الله تعالى بها علينا، وهي صلة بينك وبين الله سبحانه وتعالى. مَن أدرك حقيقة هذه الأمور على أنها تفضّل من الله سبحانه وتعالى فإنه يحمده بملء قلبه.
    عادةً العلمُ يُبدأ به من ناحية إجمالية ثم بالتفصيل، الآن نحن نعرّف المفهوم الإجمالي للحمد، بعد ذلك سوف نذكر أن الله سبحانه وتعالى قادر، هذه بعض الأمور التي يُحمد الله سبحانه عليها، ونذكر أن الله سبحانه وتعالى خلقنا من العدم كما ذكرنا قبل قليل، هذه سوف تكون من مسائل هذا الكتاب، فكل ما نذكره ونشرحه في ضمن هذا الكتاب فالله سبحانه وتعالى يستحق الحمد لأجله.
    فنحن إذن نذكر المعنى الإجمالي للحمد في البداية، المعنى الإجمالي لأن الله خلق لك أشياء في منفعتك، هذا معنى إجمالي وليس تفصيلياً، وبعد ذلك نحن نعدّ أعظم هذه الأشياء، نفصّل في شيء شيء منها، وبعد ذلك نجد أن المصنف في نهاية الأرجوزة يحمد الله على إتمام هذا النظم على هذه الصورة.
    فهو يبتدئ بالحمد وينتهي بالحمد، لكننا الآن نتصور بعض المعاني، مثل أن الله خلقنا ونفعنا، ولكن ما معنى الخلق ولماذا خلقنا؟ هل هناك شيء أوجب عليه أن يخلقنا؟ ما وظيفتنا في هذه الحياة؟ كل ذلك نحن لا نتصوره الآن تصوراً تفصيلياً، بل نتصوره تصوراً إجمالياً، فبقدر هذا الإجمال نحمد الله، ولكن عند معرفة حقائق هذه القواعد الدينية يصبح الحمد تفصيلياً، والتفصيل أكمل، لذلك فالعلماء نازعوا الفلاسفة في إنكارهم العلم التفصيلي.
    الفلاسفة أثبتوا العلم الإجمالي لله تعالى، ولكن العلماء قالوا لهم: لا يكفي أن تثبتوا العلم الإجمالي؛ لأن العلم الإجمالي يمكن أن يثبت لأيٍّ كان، لكن الكمال في العلم التفصيلي.
    وهذه حقيقة العلم .. حقيقة العلم ليس معرفة التعريف، بل معرفة المسائل التفصيلية، فكلما ازداد الإنسان معرفة بالمسائل التفصيلية يزداد علمه.
    قال: "ثم سلام الله مع صَلاته": السلام هو ـ كما تقول ـ: السلام عليكم، المقصود بالسلام هنا التحية والتعظيم، بعض العلماء قالوا: التأمين، أي أن الإنسان يؤمِّن الله سبحانه وتعالى للمسلَّم عليه، فحين تقول: السلام، يعني: الأمان، ولكن هي في الحقيقة تحية يراد منها التعظيم، وقد يراد الأمان، ولكن هنا لما علق سلام الله وصلاته مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ آمِنٌ مؤمَّن، فلا داعي أن نقول: إن السلام هنا معناه الأمان لإمكان أن يتبادر إلى الذهن أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير آمِن ثم نحن نطلب له الأمان، ولكن هذا لا إشكال فيه.
    فحين يقول الإنسان: الحمد لله، لا يتبادر إلى الذهن أن الحمد لغير الله وأنت تثبته لله، بل الحمد مقصود أصالة لله، وثابت أصالة لله، وأنت تثبته لله، فالسلام ثابت للرسول وأنت تثبته للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من دون شكّ يسبقه. ولكن حتى هذا الكلام تنبّه له العلماء ودققوا في مثل هذه التفريعات.
    عندما تقول لشخص: السلام عليك، فهذا يعني أنك أمّنته، بعد هذا لا يصح منك عرفاً أن تقاتله، فهذا يبطل أيّ عداوة مسبقة.
    فحين تقول: ثم سلام الله مع صَلاته، قال بعض الناس: إنه قد يتبادر إلى الذهن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير مؤمَّن وأنتَ تطلب الأمان له، فلهذا الوهم قالوا: لا يجوز للإنسان أن يقول إن السلام هنا بمعنى الأمان، بل هو تحية يراد منها التعظيم.
    ولكن لا إشكال كبيراً في هذا.
    (الصلاة): في أصل الاشتقاق اللغوي من الصِّلة أو الوصل، عادة يقول العلماء: الصلاة من الله لها معنى، ومن الملائكة لها معنى، ومن الناس لها معنى، فالصلاة من الله هي الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء.
    حين تقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فهذا دعاء منك للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن الملائكة هو استغقار، والاستغفار جزء من الدعاء. أما الله سبحانه وتعالى فلا يدعو أحداً؛ لأن الدعاء طلبٌ من أدنى إلى أعلى، أما الطلب من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر يستلزم الإيجاب، فلا يقال إن الله تعالى يدعو، فتُفهم الصلاة حين نقرأ: [إن الله وملائكته يصلون على النبي] صلاة الله على النبي ليست دعاءً، وإنما هي رحمة، والرحمة هي فعل فيه منفعة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإعلاء رتبة. والصلاة من الملائكة بمعنى أنهم يستغفرون للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويطلبون رفع مقامه، وكذلك من المؤمنين.
    لكل ما ذكرنا قال العلامة البيجوري: "وإنْ شئت قلتَ ـ وهو الأخصر - : هي من الله الرحمة، ومن غيره الدعاء" مطلقاً. قال: "واختار ابن هشام في مغنيه أنها العَطْفُ بفتح العين، وهو بالنسبة لله الرحمة .. إلخ".
    معروف مَن هو ابن هشام، هو من كبار النحويين المتأخرين، وهو من العلماء الذين أفادوا هذا العلم بنوع من التجديد، فله طريقة خاصة، وكتبه مشهورة مع سلاستها ووضوحها.
    و(مغنيه) هو مغني اللبيب، وهو من كتب النحو العظيمة، كل قسم منه له فوائد عظيمة جداً، وما قام به ابن هشام في هذا الكتاب عمل عظيم جداً.
    (أنها العَطْفُ): معنى العَطْف المَيْلُ، انعطفتُ نحو فلان: مِلْتُ، مُنْعَطَفٌ يعني ميلان. . . العطف هو الميل.
    لاحظ كيف الاشتقاق: الصلاة هي صلة وعطف وميل، أنت تصلي لله، أي تميل نحو الله سبحانه وتعالى، أو تنعطف نحو الله، فيجب في صلاتك أن تكون في صلة، بمعنى العطف والميل والانحناء والتوجه نحو الله.
    التوجه والعطف والانحناء هو الأصل اللغوي لكلمة (صلاة)، فكما تعلمون فإن كل كلمة ترجع غالباً إلى معنى واحد وإنْ استعملت في مصاديق مختلفة، وهذا هو الأصل: أن ترجع إلى معنى واحد، وهناك من يقول: يمكن أن ترجع إلى معنيين أو ثلاثة. والأصل أن ترجع الكلمة إلى معنى واحد؛ لأن الأصل عدم الاشتراك، يعني أن الأصل أن لا يكون للفظ إلا معنى واحد، ولكن يوجد اشتراك، ولكن هذا نادر.
    الأصل في الكلمة أن يكون لها معنى واحد، وهذا أصل عظيم جداً، وهذه قاعدة مهمة جداً، ومَن ادّعى أن كلمة لها معنيان فعليه أن يأتي بالدليل، ولكن لا يخلو أن تُستعمل الكلمة في مصاديق مختلفة، وفي جهات مختلفة، فتعدُّد المصاديق غير مستَنْكَر، ولكن تعدد المعنى خلاف الأصل، والفرق بين المصداق والمعنى سيأتي فيما بعد. وبناء على هذا تنحلّ كثير من الإشكالات حول كثير من المسائل في النصوص.
    فمثلاً هنا نقول: الأصل في الصلاة الميل، ميل الله نحو فلان، استُعمل في مصداق معين، وهو أن يرحم الله فلاناً، أي أن يخلق له فعلاً فيه منفعة لهذا الشخص.
    فالله يرحم فلاناً أو يصلي على فلانٍ إذا أكرمه ونعّمه ورفع من درجته، فحين تقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، فهذا معناه: اللهم مِلْ عليه واحنُ عليه واعطف عليه، ما معنى: مِلْ إليه؟ معناه: أنعِم عليه نعماً عظيمة تليق بمقامه. إذن أصل الميل والعطف أُطلق على المصداق وهو خلق النعمة.
    الصلاة من الملائكة تعني الاستغفار، فالملائكة يصلون على الناس أو على سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمعنى يميلون إليهم، أي يستغفرون.
    فأُطلقت الصلاة وأُريد الميل على مصداق الاستغفار، والمؤمنون يصلون لله، وهذه الصلاة ميل نحو الله عبادةً له ودعاءً، فكلٌّ له انعطاف يناسبه، ولاختلاف هذه المصاديق تتعدى كلمة الصلاة بحروف جرّ مختلفة.
    (صليتُ على فلان) تختلف عن (صليت لله)، فالميلُ (على) فلان دعاءٌ، والميلٌ (لـ) الله عبادةٌ، فتتعدى بأحرف جرّ مختلفة بناء على المعنى الذي تريده. ويزداد هذا رسوخاً بدراسة علم النحو والمعاني.
    يتبع في الدرس القادم.[/ALIGN]

  2. شرح منظومة جوهرة التوحيد للأستاذ سعيد فودة/ الدرس الثاني

    الصلاةُ من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفارُ ومن الناس الدعاءُ أو العبادةُ .. المشهور عند العلماء أن هذا ما اختاره ابن هشام، ولكنَّ التحقيقَ أن الذي قرر هذا الإمامُ السهيليُّ في كتابِ (نتائج الفِكَر)، وهو من الكتب الرصينةِ والعميقة جداً في النحو، وهو صاحبُ (الروض الأنف) في السيرة، وهو من أعظم العلماءِ ومن المتقدمين، ومن المحققين في النحو، وفي علمِ الكلام، وفي السيرة، وفي غيرها من العلوم، وهو أولُ من رأيته يذكر هذا الكلام، ومنه أخذ ابنُ هشام هذا، ولكنّ المتأخرين نسبوه لابن هشام، ولم يذكر ابنُ هشام في كتابه مصدرَ هذا الكلام، ولكن اشتُهرت نسبةُ هذا الإرجاع ـ إرجاعِ لفظ الصلاة إلى معنى واحد ـ إلى ابنِ هشام عند المتأخرين، وممَّن نَسَبَ هذا الكلام إلى نفسه ابنُ قيّم الجوزية في كتابِهِ (بدائع الفوائد)، نَسَبَه إلى نفسه، وفي الحقيقة فإن هذا الكتاب (بدائع الفوائد) القسم الأول منه أخذه من الإمام السهيلي، وفي الحقيقة كل هذا الكتاب هو كتابُ الإمامِ السهيلي المسمى بـ(نتائج الفكر) في النحو، وهو من أعمق وأجمل وأقوى ما كُتِبَ في علم النحو، سمّاه (نتائج الفكر): الأفكار التي هي نتائج لكل خلاصة علمه وتعلّمه وتعليمه في النحو أودعها في هذا الكتاب، جاء بعضُ مَن بعده مثل ابن قيم الجوزية ونسبه لنفسه !!
    ومن كتاب (بدائع الفوائد) ـ المجلد الأول منه ـ اشتُهر عند الناس أن ابن القيم من أعظم النحاة مع أنه لم يذكر شيئاً في النحو إلا وهو ـ أصلاً ـ للسهيلي، واكتشف هذا الاكتشاف أحدُ الدكاترة في الأزهر، أظن أنه د. عبد الوهاب النجار، والله أعلم، عند رجوعه إلى المصادر وتحقيقه النسخةَ الأصلية من نتائج الفكر رجع فقال: إن بدائع الفوائد هو نسخة عن كتاب السهيلي، وللأسف أنه لم يعزُ إلى السهيلي، وكان نادراً ما يقول: "قال السهيلي" في بعض الدقائق التي ابتكرها السهيلي، مع أن كلَّ الكلامِ الذي قبله وبعده كان للسهيلي.
    حتى إن السهيلي كان حين يقول: "وكنَّا في سنة كذا وكذا .." ويذكر السنوات التي كان يعيش فيها، فإن ابن القيم يغيّر تلك السنة بما يناسب الفترةَ التي عاش فيها، وحين يقولُ السهيلي: "سألت الشيخ فلان"، فإن ابن القيم يغير الاسم ويسمّي شيخاً له.

    قال الناظمُ:

    على نبيٍّ جاء بالتوحيدِ
    وقد خلا الدينُ عن التوحيدِ


    (نبيّ) هنا نكرة؛ لأنه معروفٌ ومشهور، فأنت في بعض الأحيان تستخدم النكرة لأنه مقصود: نكرة مقصودة، أنت نكّرت وأنت تقصد أن تُنَكِّر لأنه معلوم.
    النبي: على وزن فعيل، وهي أصلاً: نبيء من النبأ، وفعيل إما أن تأتي بمعنى الفاعل، أو بمعنى المفعول. فإذا كانت (فعيل) بمعنى (فاعل) هنا، نبيء بمعنى الفاعل، يصبح المعنى: (منبئ) بمعنى المخبِر، المخبِر للناس ما أوحي إليه من ربه. وإذا كانت بمعنى (المفعول) فهو منبَّأ، بمعنى مخبَر من الله بما بما أُوحيَ إليه.
    اختار العلماء أنه بمعنى النبأ والإعلام، بعض العلماء لا يشتقون كلمة (النبي) من أنبأ، وإنما من (النَّبْوَة) أي المرتفع، هذا الاشتقاق يعتمده بعض المعتزلة وبعض المخالفين.
    أصل الاشتقاق مبني على أصل في علم التوحيد، أهل السنة اختاروا أن النبيء أصلها من (النبأ)، والبعض اختار أن الأصل من (النَّبْوَة)، وسيأتي تفصيل هذا فيما بعد.
    (وقد خلا الدين عن التوحيد): جاء بالتوحيد وقد خلا .... ، أي حال خلوّ الدين (أي أديان الناس) عن التوحيد، جاء النبي في حال خلوّ الزمان عن جنس التوحيد على الأغلب، معنى هذا الكلام أنه حال مجيء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان أغلب الناس عارين عن معرفة الله بما يليق به من الصفات.
    جاءت كلمة (الدين) على المعنى اللغوي، وهو: ما يدين به الناس، وليس على المعنى العُرفي الشائع وهو الإسلام.
    سيأتي الكلام على تعريف النبي والرسول في محله، ونكتفي الآن بالتعريف الذي ذكره العلامة البيجوري، قال: "وعرّفوا النبيَّ بأنه إنسانٌ ذكرٌ حرٌّ من بني آدمَ سليمٌ عن منفِّرٍ طبعاً، أُوحيَ إليه بشرعٍ يعملُ به، وإنْ لم يؤمر بتبليغه، وأمَّا الرسولُ فيُعَرَّف بما ذُكر لكن مع التقييد بقولنا: وأُمِرَ بتبليغه".
    ما هو الأعم وما هو الأخصّ؟
    النبيُّ أعمُّ من حيث إنه يمكن أن يؤمَر أو لا يُؤمَر، ولكن أَمْرُ أيِّ نبي بالتبليغ ليس جزءاً من نبوته، يتم كونه نبياً بمجرد تبليغه، أي بمجرد الإيحاء إليه.
    وهذه من المسائل التي كثُر الكلام عليها، الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ صار نبياً لمّا أُوحي إليه .. أول ما نزل عليه جبريل وأخبره بالآيات: [اقرأ باسم ربك] .. أول ما أُوحي إليه هذا الكلام صار نبياً، حتى قبل أن يصل إلى خديجة ويخبرها كان نبياً؛ لأنه أُنبئ إليه بأمر وإنْ لم يؤمر بتبليغه.
    بعد ذلك أُمر بتبليغ نفس ما أُنرل إليه، ولكنه كان نبياً قبل أن يؤمر بتبليغه، فثبت كونه نبياً بمجرد الإيحاء ولكن الرسالة تكون من حال صدور الأمر الإلهي له بتبليغ ما أُوحي إليه، حتى وإن لم يؤمر بالتبليغ فهو نبي، فإنْ أُمرَ فهو نبيٌّ قطعاً؛ لأنه حين يؤمر بالتبليغ فهو رسول، ويستحيل أن يكون رسولاً وليس نبياً.
    أقلّ قدر مما يحقق مصداق ومفهوم النبوة هو (وإنْ لم يؤمر بتبليغه) فليس شرطاً للنبي أن لا يؤمر بالتبليغ، ولكن حتى لو لم يؤمر بالتبليغ، فمجرد الإيحاء إليه بشرع فهو نبي.
    قولنا هنا: (بشرع) أي بأمرٍ ما من أمور الغيب، وليس المقصود بـ(شرع) صلاة وصوم وأحكام، فكلمة (شرع) أعم من أن يكون المرادُ أمراً عملياً.

    فكلمة (شرع) بالمعنى الأعم، أي أمر من أمور الغيب، فيُطلق على الإسلام (الشريعة) ويندرج في هذا الإيمان والإسلام أي الأحكام، ويندرج كل شيء حتى الأخلاق.
    الذي أوحيَ إلى سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند نزول جبريل: [اقرأ باسم ربك الذي خلق]، فهذا تعليم له بحقيقته، يعلّمه أموراً غيبية وعقائدية، وهذا يصدق عليه اسم (الشريعة)، فهذا الذي أوحيَ إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر عقائدي.
    قوله تعالى: [اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم] ليس فيه أمور عملية، بل هي أمور عقائدية، ومع ذلك فهي مقصود بقولنا (بشرع) هنا.
    فلا يجوز أن يقال إن العلماء قالوا: إن النبي لا يبلِّغ، ولكن قصدهم بالتعريف هو أن الإنسان يكون نبياً بمجرد الإيحاء حتى وإنْ لم يؤمر بالتبليغ، هذا هو محل كلام العلماء، فإن أُمِر بالتبليغ فهو قطعاً نبي ورسول.
    ثم قال العلامة البيجوري: "لأن كل رسول نبي ولا عكس"، هذا بناء على التعريف الذي ذكرناه، وهو تعريف جيد.
    قال: "وجعل بعضهم الرسول أعم"، المسألة ليست مسألة قطعية، ولم ينزل فيها نصّ قرآني بأن تعريف الرسول كذا وكذا، وتعريف النبي كذا وكذا، فهذا مبني على استقراء العلماء وفهمهم لما ورد في الشريعة.
    قال: "لأن الرسل تكون من الملائكة"، هذا وجه حجة لمن قال بأن الرسول أعم، فالملائكة يطلق عليهم بأنهم رسل، ولكن هذا طبعاً إدراج شيء خارج عن محل التعريف؛ لأن المقصود من تعريف الأنبياء والرسل أنهم من البشر لا من الملائكة.
    قال العلامة سعد الدين التفتازاني ـ وكان علامة عظيماً، وأهم ما كُتب في أهم العلوم من تأليفه ـ : "هما متساويان"، إذن يُحتمل القول إنهما متساويان من حيث الصدق، من حيث إنه يصدق على كل رسول أنه نبي، وعلى كل نبي أنه رسول، ولكن الحقيقة أنه يوجد بينهما تغاير في المفهوم على النسق الذي ذكرناه أولاً.
    هذا الذي أراه، وسوف نزيد البيان على هذا في محله.
    إذا قصد الإمام التفتازاني التساوي في المصداق ـ وهذا هو المشهور ـ فيكون كلامه غير مخالف لكلام العلماء المتقدمين، وإذا قصد التساوي في المفهوم فيكون هناك خلاف.
    كل نبي رسول وكل رسول نبي: هذا تساوٍ في المصداق، وإذا قلنا إنه يريد به التساوي في المفهوم ـ وهو محتمل هنا ـ فيكون أيضاً هناك خلاف.
    ولكن التحقيق ـ والله أعلم ـ أنه يوجد فرق بين النبي والرسول في المفهوم ومتساويان في المصداق على المعنى الذي ذكرناه، بأن كل نبي مأمور بالتبليغ حتى وإنْ كان متبعاً لشرع رسول قبله؛ لأن كل مؤمن ليس نبياً فهو مأمور بالتبليغ، فكيف يصحّ لنا أن نتصوّر أن هناك بعض الأنبياء لم يبلغوا، ولكن غاية ما نقوله إن التبليغ ليس جزءاً من ماهية النبي.
    وإلا فكل نبي فهو مبلِّغ، ولكن هذا التبليغ ليس جزءاً من نبوّته ولا يجعله رسولاً، لأن هذا التبليغ يكون تبليغاً لشريعة من قبله، على الخلافات التي سوف نذكرها.
    سؤال: هل يجوز القول بأن الفرق بين الرسول والنبي أن الرسول يكون قد أُيِّد بشريعة تكون مختلفة عن الشريعة السابقة، بينما النبي يدعو إلى التوحيد على الشريعة السابقة نفسها؟
    الجواب: هذا بعض ما ذكره العلماء، أحد التعريفات، وقلنا إن المسألة محل اجتهاد وليست قطعية، ولكن يُكتفى هنا بذكر ما هو المشهور بين العلماء.
    من المعلوم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُرسل إلى الناس اتفاقاً عند جميع المسلمين.
    اليهود يشككون بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هل أُرسل إلى جميع الناس أم إلى أُرسل إلى العرب، فيُخرجون أنفسَهم بأن يكونوا مأمورين بهذه الشريعة، فيقولون إنه قد أُرسل إلى الأميين، والأميون عندهم هم العرب أو غيرهم من الأمم الأمية، ولكن الحق أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُرسل إلى جميع الأمم، فقول اليهود مردود، ويقرب من قول اليهود قول من أقرّ أن يبقى كلُّ إنسان على دينه.
    كل إنسان أُقِرَّ أن يبقى على دينه ولا يتبع دين الإسلام، بأن يقال للنصراني مثلاً: ابقَ على النصرانية ... هذا قريب من قول اليهود الذي أُجمع على فساده.
    وكل إنسان يقول قولاً قريباً من هذا فقوله مردود، واليهود يحاولون أن ينشروا هذا الكلام بين الناس، وهو (حوار الأديان).
    (حوار الأديان) عبارة عن أمر سياسي كبير جداً تابع للعلمانية والدول الرأسمالية وغيرها، يريدون منه أن يخلخلوا إيمان المسلمين بدينهم، وللأسف هناك كثير من الناس يحملون هذه الدعوة من قواعدها التي برزت منها وهي الغرب وغيره، ويحمّلونها للمسلمين.
    هل الإسلام أنكر علينا التحاور مع الأديان أم هو الذي أمرنا بالتحاور مع الأديان؟
    أمرنا أمراً بالتحاور مع الأديان، ولكن ليس بإقرارهم على ما هم عليه، ولكن أمرنا بمجادلتهم بالتي هي أحسن للوصول إلى الحق ودعوتهم إلى الدين، فهو من باب الدعوة وليس لمجرد الحوار فقط وأن يبقى كلٌّ على دينه.
    الدين أمرنا أن نخاطب الآخرين سواء أكانوا نصارى أم يهوداً أم مجوساً أم شيوعيين، يجب علينا أن نتكلم معهم، فهو من باب الوجوب لا التفضل، لأنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو من باب تبليغ الدين، وإقامة الحجة على الناس، هذا أوجب واجب علينا، نتكلم مع المخالف قبل الموافق.
    إذن حوار الأديان يكون بشرط أن لا يعتقد المسلم بإقرار صاحب الدين الآخر على دينه، فلو أقره على ذلك لكفر بنص الفقهاء.
    إذن اتفق العلماء على أن النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرسل إلى الناس أجمعين، لا إلى أمة دون أمة، واتفقوا أيضاً على أنه مرسل إلى الجنّ.
    أما الملائكة فقد اختلف العلماء: هل هو مرسل إليهم أم لا؟ مَن قال إنه مرسل إليهم قال: على سبيل التشريف، بمعنى أنه تشريف لهم، أو أنه يجب عليهم أن يصدقوه.
    ولكن اتفاقاً لا يجب على الملائكة أن يلتزموا بالأوامر الشرعية التي نلتزم بها نحن، لأنه لكل نوع من الملائكة عبادة خاصة.
    بعض الرسل ممن هو قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسلوا إلى الجن، وبعضهم لم يُرسل إلى الجن، فخاصية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن أُرسل إلى الإنس والجن، فبعض الرسل مثل سيدنا سليمان وغيره كان قد أُمِرَ أن يبلغ الجن، وأُمِرَ الجن أن يلتزموا أوامره ونواهيه، هذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة، وفيها خلاف.

    [ALIGN=CENTER]* * *[/ALIGN]

    دعا الناظمُ الله سبحانه وتعالى بالصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووصف النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه النبي الذي جاء بالتوحيد وقد خلا الدين عن التوحيد.
    (التوحيد) اسم مشتق، مصدر، من وَحَّدَ يوحِّدُ توحيداً، فهو اسم مشتق من وَحَّدَ، ووَحَّدَ فعلٌ متعدٍ، يعني يأخذ مفعولاً.
    وَحَّدَ معناه: عَلِمَ الشيء واحداً، وَحَّدْتُ الشيءَ بمعنى اعتقدتُه واحداً أو جعلتُه واحداً، بمعنى الاعتقاد أي العلم.
    حين تقول: وحِّدْ اللهَ، فهذا طلب بأن تقول: لا إله إلا الله، قولك: لا إله إلا الله هو شهادة منك بأنك تعلم أنه لا إله إلا الله، فـ(وَحِّدْ الله)، أي اذكر علمك بأن الله سبحانه واحد. فهنا قول الناظم (بالتوحيد): إعلام بأنك تعتقد وحدة الله سبحانه وتعالى، أي أنه لا إله إلا الله.
    إذن خاصية دعوة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والسِّمة التي تتسم بها دعوته كما نصّ عليها الناظم هنا هو أنه جاء بالتوحيد.
    الباء هنا في (بالتوحيد) للمصاحبة: جاء بمصاحبة التوحيد، إذن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جاء بدين التوحيد، وهو يتضمن العلم بأن الله سبحانه وتعالى واحد.
    هذا يُفهم منه بمفهوم المخالفة أن الناس الذين جاء لهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكونوا يعتقدون بهذه العقيدة، أي أن أبرز سِمة في هؤلاء الناس المُرسَل إليهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانت هي أنهم كانوا يعتقدون بأن الإله متعدد، وهذا قول الناظم: (وقد خلا ...)، فجاء إليهم النبي بالتوحيد، وقد ذكرنا سابقاً أنه صلى الله عليه وسلم لم يُرسل إليهم خاصة، بل جاء للناس كافة.
    المطلوب منك أصالة هو أن تعتقد بأن الإسلام ـ أي الدين الذي أُرسل به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو دين يطلب من الناس توحيد الله.
    كلمة (التوحيد) هذه هل هي صفة لله أم فعل من الناس؟
    التوحيد فعل من الناس، طلبه الشارع منهم، أي طلب منك أن تمتلك فعلاً أو صفة اسمه (التوحيد)، قلنا هذا لأن كلمة (التوحيد) مصدر، والمصدر يدلّ على الفعل، وأيضاً أنت كُلِّفت بالتوحيد، ولا تكليف إلا بفعل.
    ما هي صفة الله تعالى؟
    الوحدانية.
    إذن أنت مأمور بأن تفعل فعل التوحيد، وفعل التوحيد هو العلم بأن الله سبحانه واحد، أي أنك مأمور بأن تفعل فعلاً يلزم منه إثبات صفة الوحدانية لله سبحانه وتعالى.
    إثبات الوحدانية لله يعني حصر الألوهية في الله تعالى، لذلك قال العلامة البيجوري هنا: "التوحيد (لغة): العلم بأن الشيء واحد". معنى أن الله سبحانه وتعالى واحد هو موضوع دراستنا هنا، وهو موضوع هذا الكتاب: ما هي متعلقات هذا العلم، وما هي لوازمه؟ وما هي أجزاء هذا العلم؟
    ثم قال: "وشرعاً بمعنى الفن المدوّن فيما سيأتي"، إذن اسم التوحيد هو من ناحية اسم دالٌّ على الفعل الذي تقوم به، وأيضاً استعمله العلماء ليدلّ على علم معين سمّوه (علم التوحيد).
    ثم قال: "وهو علم يُقتدر به على إثبات العقائد الدينية مكتسب من أدلتها اليقينية"، كلمة (مكتسب) هنا صفة لـ(علم)، إذن شرط العلم هنا أن يكون مكتسباً من أدلته اليقينية.
    نتكلم الآن ببعض التفصيل عن مفهوم علم التوحيد، ليزداد رسوخاً في النفوس بإذن الله تعالى:
    قول العلامة البيجوري: (علم) هذه الكلمة عبارة عن لفظ أُطلق على ما دوّنه العلماء في الكتب والصحف، الذي يحتوي على مسائل ومواضيع كما سيأتي تفصيله بعد قليل.
    إذا أنت قلتَ: في أيِّ موضوع يبحث هذا الكتاب؟
    هو كتاب يبحث في علم التوحيد، فمجموعة المسائل والأحكام والقوانين هذه بجملتها تشكّل علماً، ومحل دراستنا هنا دراسة علم التوحيد، هذه نقطة مهمة ينبغي لنا أن نلتفت إليها، فليست غايتنا أن ندرِّس مسائل متفرقة، بل هدفنا هنا هو دراسة (علم).
    (العلم) بمفهومه الإجمالي عبارة عن آليات معينة، أي أسباب معرفية، ثم نتائج لهذه الأسباب. نحن مأمورون أن نتعلم علم التوحيد، وليس مسائل من علم التوحيد، فليست هي المقصودة بالأصالة وإنْ كان مأمورٌ بها.
    المقصود بالأصالة هو أن تمتلك في نفسك مَلَكَةً نفسانية تكون متأهلاً بها أن يصدر عنك مثل هذه المعلومات، أو أن تقبل مثل هذه المعلومات، ليس المطلوب فقط هو أن تمتلك مثل هذه المعلومات، بل يجب أن تمتلك في نفسك صفة راسخة تكون ـ باتصافك بها ـ متصفاً بالتوحيد.
    فمقصدنا أن ندرس مسائل يجمع بينها رابط، بحيث نكتسب بعد ذلك علماً إجمالياً مكوّناً من أمرين، الأول: عبارة عن فهم وسائل استدلال وطرق معرفة وأسباب للعلم، والأمر الثاني: أحكام ونتائج نتجت عن هذه الأسباب.
    مطلوب منك أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى واحد، ومطلوب كذلك كيف علمتَ أن الله تعالى واحد، فمطلوب منك أن تمتلك وسيلة المعرفة، فهذا محل دراستنا هنا، لهذا اهتم العلماء سابقاً بتعليم العلوم لا بتعليم المسائل، لذلك بنوا العلوم على درجات، فهناك المختصرات والمطولات .. حتى إن الطالب الذي يدرس هذا العلم يبدأ به من حيث ما هو كلٌّ .. أمر كلي، ليس المطلوب أن تعلّم هذا الطالب مسائل متفرقة، فالمطلوب أن تكون أَعَنْتَ هذا الطالب على اكتساب منهجية كاملة في نفسه، بحيث يصبح قادراً على اكتساب هذه المسائل أيضاً والبحث عنها.
    نحن ننبه هنا إلى أن هذا الكتاب ليس خلاصة لهذا العلم، بل هو عبارة عن مقدمة ابتدائية للتدرج بعد ذلك في هذا العلم، فهو يفتح الأبواب ويوجِّه الطالب إلى أين يتجه إنْ أحبَّ أن يطلب المزيد من هذا العلم.
    قول البيجوري: (علم يُقتدر به على إثبات العقائد الدينية مكتسب من أدلتها اليقينية) يعني أن مطلوب دراستنا لهذا العلم هو تحصيل المَلَكة التي يتم بها الاقتدار على إثبات ... إلخ. يُقتدر به (أي بالاستعانة به)، إذن هو يُكسِبُك مَلَكَة.
    أول أهداف دراستنا لهذا العلم أن نكتسب ملكة، هذا أولاً، وثانياً أن تكون غاية الملكة هي إثبات العقائد الدينية.
    من صفة هذا العلم أن يكون مكتسباً من أدلة هذه العقائد اليقينية، لماذا قال: (اليقينية)؟
    لأن اليقين هو المطلوب في هذا العلم، فليس المطلوب في هذا العلم الترجيح ولا التوهم ولا مجرد احتمالات، فالمطلوب هو تحصيل اليقين في العقائد الدينية، وهذه العقائد تكون مكتسبة من أدلتها اليقينية.
    أُطلق اليقين هنا لكي يشمل الدليل العقلي، والدليل النقلي، أو أيّ دليل يمكن أن يُكتسب به يقين.
    قال: "والمرادُ به هنا الشرعيُّ، لا بمعنى الفنِّ المدونِ فيما سيأتي، وهو إفرادُ المعبودِ بالعبادةِ مع اعتقادِ وحدتِه والتصديقِ بها ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً، فليس هناك ذاتٌ تشبه ذاتَه تعالى، ولا تقبل ذاتُه الانقسامَ لا فعلاً ولا وهماً ولا فرضاً مطابقاً للواقع".
    هذه كلها مسائل لا نريد أن نشرحها هنا؛ لأنها عبارة عن مسائل في نفس هذا العلم ستأتي.
    "ولا تشبه صفاتُه الصفاتِ، ولا تعددَّ فيها من جنسٍ واحدٍ، بأن يكون له تعالى قدرتان مثلاً، ولا يدخل أفعالَه الاشتراكُ إلا فعلٌ لغيره سبحانه خلقاً، وإنْ نُسِب إلى غيره كسباً". هذا إشارة إلى مواضيع مختلفة هي مسائل لهذا العلم، كل هذه المسائل سيأتي عليها الكلام تفصيلاً بإذن الله سبحانه وتعالى.
    "وقيل: هو إثباتُ ذاتٍ غير مشبهةٍ للذوات ولا معطَّلةٍ عن الصفات، خلافاً للمعتزلة المعطِّلين للذات عن الصفاتِ الوجودية، فإن قيل: جاء صلى الله عليه وسلم بغير التوحيد فلِمَ اقتصر الناظمُ على التوحيد؟ أُجيب بأنه خصَّه لأنه أشرفُ العباداتِ ويليه الصلاة ... إلخ".
    طبعاً التوحيد هو الأكثر ظهوراً في هذا الدين، فسُمّيَ الدين بأبرز شيء فيه وهو التوحيد، فهو أشرف الأشياء وأهم المطلوبات، وبناء على التوحيد تصحّ سائر العبادات وسائر العقائد الأخرى .. لا يمكنك أن تصلي إلا إذا كنتَ موحِّداً ومعتقداً بأن الله سبحانه واحد.
    ما معنى التوحيد؟
    حصر الألوهية في الله سبحانه وتعالى، بمعنى نفي الألوهية عن أيّ شيء سواه.
    هل يعني التوحيد نفي كل شيء سوى الله سبحانه وتعالى؟
    طبعاً لا، فلا يلزم من التوحيد أن تعتقد أننا عدمٌ وفناء، فمعنى التوحيد إثبات الله سبحانه وتعالى وإثبات العالَم، ثم حصر صفات الألوهية بالله ونفيها عن كلِّ ما سواه جلَّ شأنه.
    بل إنه لا يتم لك التوحيد إلا إذا أثبتَّ المخلوقات، لأن التوحيد هو فعل من غير الله، ولا يتم إلا بوجود غير الله سبحانه، فهو فعل مأمور به غير الله.
    إذن شرط التوحيد هو إثبات المخلوقات بأن تثبت أنك موجود.
    بعض الناس يقول: أنا عبارة عن حلم من الأحلام، وهذه عبارة عن فلسفة كبيرة جداً، تسمى (الفلسفة المثالية)، والفلسفة المثالية تنقسم إلى قسمين: فلسفة مثالية موضوعية، وفلسفة مثالية ذاتية.
    أكبر فلاسفة (الفلسفة المثالية الموضوعية) هو (هيجل)، خلاصة فلسفته أنه يقول: لا وجود إلا للوعي الكلي، فكل هذا الوجود الذي نحن فيه وكل العالم والأفلاك والسموات هي كلها في الحقيقة عبارة عن وعي واحد، أي عبارة عن الوجود المطلق عن كل قيد، وهذه الأشكال التي نراها هي عبارة عن تجليات لوعي هذا الموجود الموضوعي، أي أنت عبارة عن أفكار لهذا الوعي الموضوعي، وأنت عبارة عن نِسَب عدمية ليس لك وجودٌ في نفس الأمر.
    هذا يقارب قولَ من يقول إننا عبارةٌ عن أحلامٍ ورؤيا، والرؤيا تكون ـ في اعتقاد هذا المعتَقِد ـ لله سبحانه وتعالى، تعالى الله عن مثل هذا القول.
    [ALIGN=CENTER]هذا الذي يُسمّى بـ(وحدة الوجود).[/ALIGN] هل نحن مأمورون أن نعتقد الوحدة: وحدة الوجود أم توحيد الله سبحانه بالألوهية؟
    نحن مأمورون أن نثبت الألوهية لله سبحانه وتعالى لا أن ننفي وجودَ غيرِ الله .. فهذا هو دين التوحيد.
    سؤال: الله تعالى واحد قبل أن يخلقنا .... ؟
    الجواب: أنت الآن مأمور بأن تحصِّل فعل التوحيد في نفسك، لا أن تحصِّل الوحدة لله، هذا الفعل الذي أُمرت به يستلزم علمك بوحدة الله، أنت لستَ مأموراً بأن تحصِّل وحدة الله؛ لأن وحدة الله ثابتة في نفس الأمر، حتى بسواك، الله سبحانه واحد قبلك وواحد بعدك، ولكن حال وجودك مطلوب منك أن تمتلك صفة أو فعلاً اسمه التوحيد.
    سؤال: ما معنى إثبات العقائد؟ قد يتوهَّم متوهِّم أن العالِم هو الذي يثبت العقائد؟
    الجواب: هذا سؤال مهم، قولك: "الله واحد"، هذه عقيدة لها مفهوم ولها مصداق، مصداق هذه العقيدة هو ما تنطبق عليه، وهو الله سبحانه وتعالى.
    القول بأن الله واحد نسبةٌ خبرية، أي جملة تامة، يوجد بينك وبين هذه الجملة نسبة تُسمّى (نسبة تصديقية)، بمعنى أنك تصدق بهذه النسبة الخبرية.
    هناك فرق بين (النسبة الخبرية) و(النسبة التصديقية)، فالنسبة الخبرية هي الثابت بين طرفي هذه الجملة، مطلوب منك أن تحصِّل تصديقاً بهذه النسبة.
    وظيفة هذا العلم ليس هو اختراع النسب الخبرية، لأنها ثابتة في نفس الأمر، ولكن مطلوب هذا العلم هو تحصيل النسب التصديقية بينك وبين هذه النسب الخبرية.
    فالنسب الخبرية ثابتة في نفس الأمر، بمعنى أن العالِم ليس مطلوباً منه أن يخترع عقائد للناس ليست موجودة، بل المطلوب منه أن يدل الناس على النسب الخبرية، أي على العقائد الثابتة في نفس الأمر، فهو يكشف للناس عن الأمر في نفسه. مطلوب من العالِم أن يجعل العلاقة بينك وبين هذه النسب الخبرية يقيناً لا شكّاً ولا ظنّاً.
    إذن العلماء يثبتون هذه العقائد في نفسك لا في نفس الأمر، هذا سؤال مهم جداً، لأنه في الحقيقة هناك مذاهب فلسفية معاصرة وقديمة تجعل العقائد التي يعلِّقون الناس بها مجرد اختراعات تابعة لاختيار بعض الناس، وهذا مذهب خطير جداً، وهذا هو أحد الفروع التي نشأت عنها الرأسمالية، فهم يختارون بعض الاختيارات، ويعلّقون أذهان الناس بها لمصالح لهم...
    يتبع

  3. تابع الدرس الثاني

    تابع الدرس الثاني..
    فبعض الناس يقولون إن العقائد لا يُشترط أن تكون مطابقة لنفس الأمر، بل يُشترط بها أن تكون دافعة لك لفعل ما، فقط للغاية التي يريدونها أو أنت تريدها، بمعنى أنك يمكن أن تخترع أي عقيدة تريد بشرط أن تكون هذه العقيدة موصلة لك إلى غايتك العملية، فصارت العقيدة تابعة وليست متبوعة.
    نحن يجب أن نكون تابعين للعقائد، فعندنا يجب أن تكون العقائد متبوعة لا تابعة.
    المذهب البراغماتي (مذهب النفعية) أصله قائم على اختراع العقائد حتى توصل إلى منفعة، فهو مذهب ذرائعي أو مصلحي تابع للمصلحة فقط، فهذا المذهب يبرر للإنسان أي عقيدة كانت بشرط أن تنفع صاحب المذهب لا أن تنفعك أنت.
    هذه هي علة الخلل في أصل هذا المذهب، ولكن الذي ينصر هذا المذهب هم الغربيون وخاصة أمريكا، وهم يوجِّهون الناس إلى اعتقاد عقائد معينة تكون غاية هذه العقائد منفعة أمريكا نفسها، وهم الآن يحاولون تغيير العقائد الإسلامية وما نشأ عليه المسلمون، بحيث يكون في ذلك منفعة لهم، مثل نظرة الإنسان المسلم نحو المرأة، فجعلوها نظرة تستلزم التساوي بين الرجل والمرأة،بمعنى أن ما يصلح للرجل يصلح للمرأة، وبالتالي فالأعمال التي يمكن أن يعملها الرجل يمكن أن تعملها المرأة. هذا تمهيد لأفعال هم يريدونها ليعود بالنفع المادي عليهم.
    أيضاً تغيير مناهج التعليم، ومنها أنه لا بدّ أن يتم التغيير في بعض الأحكام الشرعية مثل الجهاد، وهذه الأحكام لو بقيت لأصبحت عائقاً أمام الغزو الاقتصادي والهيمنة السياسية لأمريكا، لأنه ما دام هناك أناس يعتقدون في أمر حق في نفسه، فهذا الحق في نفسه يتعارض مع مصالح أمريكا.. ما دام هناك أناس يعتقدون عقائد ثابتة في نفسها ليست تابعة لاختيارات المسلمين لا غيرهم، فهذا يتعارض مع مصالح أمريكا، فأصل منشأ ومفهوم الأديان هو وجود عقائد ثابتة في نفسها.

  4. هلا أتممت تفريغ باقي الدروس؟؟
    بارك الله فيكم

  5. نعم الرجاء تفريغ باقي الدروس ...

  6. #6
    الإخوة الأفاضل
    أنتم يبدو أنكم لم تنتبهوا إلى أن هذا الأخ الفاضل الذي قام بتفريغ بعض الدروس من شرح الجوهرة، قام بذلك في سنة 2004 وهو نفسه قام بتفريغ قسم لا بأس به من دروس شرح (شرح الدردير على الخريدة البهية) ونشرها على المنتدى...
    وأنتم تطالبونه الآن أي في سنة 2010 بإكمال تفريغ الدروس!! بعد ست سنوات!

    ويبدو أنه قد أعاقته بعض العوائق منعته من إتمام العمل...
    ألم يفكر واحد منكم في إكمال ما بدأ به هذا الفاضل...؟؟
    فالدروس موجودة على الشبكة ويمكنكم سماعها وتفريغ ما تقدرون عليه من الدروس...
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  7. السلام عليكم
    بعد العديل الأخير على موقع الأصلين لم أعد أجد المحاضرات والشروح التي كانت موجودة كشرح الخريدة والاقتصاد وغيرها
    فهل تفضلتم بأن ترشدوني إلى مكانها؟

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •