النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: مدلول العام وإشكال العلامة القرافي

  1. #1

    مدلول العام وإشكال العلامة القرافي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    مدلول العامّ


    هذه المسألة قد اشتهر الكلام فيها في علم الأصول، وتنازع العلماء الجواب عن إيرادات العلامة القرافي ومن ووافقه في ذلك. وهي مسألة حقيقة بالدراسة والاهتمام.

    وسأبين هنا أصول هذه المسألة بطريقة ترضي الباحثين عن الدقائق في هذه المباحث.

    تمهيد يشتمل على تعريف ألفاظ:

    هناك ألفاظ ثلاث مهمة في هذا الباب، يحسن أن نذكر معانيها قبل الشروع في المسألة، لأن الكلام في الأحكام يترتب بلا ريب على التصور.

    وهذه الألفاظ الثلاثة هي: الكليُّ، والكلُّ، والكلية.

    الكليُّ: هو القدر المشترك بين الأفراد واللفظ الدالُّ عليه يسمى مطلقاً، فهو مدلول المطلق، يصدق بفرد واحد في سياق الثبوت، نحو: رجلٌ.

    الكلُّ: هو المجموع بحيث لا يبقى فردٌ، فالحكم يكون ثابتاً لمجموع الأفراد، ولا يتناول الأفراد بعينها في سياق النفي، بل يتعين نفي المجموع بفرد لا بعينه، ولا يلزم منفي جميع الأفراد، وهذا وضع له أسماء الأعداد، وكل لفظ موضوع لنوع مركب من الجنس والفصل، فإذا قلنا ليس عنده عشرة، لا يلزم نفي جميع أفرادها، فجاز أن يكون عنده تسعة، أو ليس عنده إنسان، جاز أن يكون عنده حيوان ليس بإنسان، بخلاف الثبوت، نحو عنده عشرة أو إنسان، فإنه يدلُّ على ثبوت التسعة وغيرها من أجزاء العشرة بالتضمن، وعلى ثبوت الناطق والحيوان بالتضمن.

    الكلية: هي ثبوت الحكم لكل واحد، بحيث لا يبقى واحد، ويكون الحكم ثابتاً للكل بطريق الالتزام، وهذا كصيغ العموم كلها، فإذا قلنا كل إنسان يشبعه وغيفان غالبا، صدق باعتبار الكلية دون الكلّ، أو كل رجل يشيل الصخرة العظيمة، صدق باعتبار الكل دون الكلية([1]).

    ولنشرع الآن في تقديم أصل المشكلة وبيان جهاتها.

    عرفوا العامَّ بأنه لفظ يستغرق الصالح له من غير حصرٍ([2]). وشرح الإمام المحلي هذا التعريف فقال:"أي يتناوله دفعة، خرج به النكرة في الإثبات، مفردةً أو مثناةً أو مجموعةً أو اسم عدد لا من حيث الآحاد فإنها تناول ما تصلح له على سبيل البدل، لا الاستغراق، نحو أكرم رجلاً، وتصدق بخمسة دراهم([3])".

    فالعامُّ لفظ يدل دفعةً على ما يستغرقه بلا حصر، ومن ضروريات دلالة العام على أفراده أنه لا يدلُّ على فرد بشرط اجتماعه مع غيره من الأفراد المندرجين تت العام، بل إن الحكم المحكوم على العام يسري إلى جميع أفراد العام ما لم يخصص، فدلالة العام إذن على افراده هي لعى نحو آخر لا يشترط فيه الجمعية بين الأفراد. ومن البين أن هذا صحيح لأنا إذا قلنا: يا أيها الطلاب احفظوا الدرس. فإن الخطاب هنا للطلاب خطاب عام، وهو سارٍ على كل فرد فرد من أفراد الطلاب لا بشرط أداء غيره من أفراد العام ما طلب منهم، بل إذا أدى ذلك المطلوب واحد منهم، ولم يؤده غيره، فإن هذا يكون محكوما عليه بانه اندرج تحت العام وحقق بعض ما يصدق عليه أو يدلُّ عليه.

    ولو قيل: صلوا الصلوات الخمس مثلا، فإنَّ أداء بعض الصلوات تحقيق لبعض ما اندرج تحت المطلوب من العام، وهذا يعني أن من ادى بعض ما يعمه اللفظ، ولم يؤد جميع ما يندرج تحته، ويستغرقه، فإنه يكون قد خرج من ربقة التكليف فيما أداه، وبقي عليه تأديه ما سواه.

    ولذلك فإن المعنى الموضوع له العام هو بقوة قضية كلية بعدد أفراد العام، فإذا قلت : أيها الطلاب احفظوا الدرس. فهذا الكلام بقوة قضايا متعددة بعدد الطلاب أنفسهم، وكأنك قلت لكل واحد منهم، يا طالب احفظ الدرس. وهكذا فإن تأدية بعض الطلاب يخرجهم عن التكليف والطلب، ولا يتوقف خروجهم عن ذلك بأداء باقيهم لما طلب منهم.

    ولو كان العام موضوعا بإزاء ما يستغرقه بشرط الجمعية أي الكلّ، لكان لا يخرج الطلاب عن ربقة الطلب إلا إذا أدوا جميعا ما طلب منهم، أي لو حفظ بعضه الدرس ولم يحفظه باقيهم لم يخرجوا عن التكليف ولجاز لمن طلب منهم كالأستاذ ان يعنفهم، لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه. قال العطار في حاشيته على شرح جمع الجوامع الأصوليِّ:"وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي النَّهْيِ كَلَا كَمَا فِي {لَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمَعْنَى: لَا يَقْتُلْ مَجْمُوعُكُمْ النَّفْسَ، فَإِذَا ارْتَكَبَ بَعْضُ الْمُخَاطَبِينَ قَتْلَ النَّفْسِ، لَا يَحْصُلُ الْإِثْمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ الْمَجْمُوعُ، وَانْتِهَاءُ وَاحِدٍ عَنْ الْفِعْلِ دُونَ الْمَجْمُوعِ كَافٍ فِي تَحَقُّقِ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْ أَنَّ الْمَجْمُوعَ قَتَلَ، وَهَذَا فَاسِدٌ.

    ثُمَّ إنَّ تَخْصِيصَ الشَّارِحِ الْكَلَامَ بِالنَّهْيِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي الْأَمْرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ فِي الْأَمْرِ كُلٌّ لَا كُلِّيَّةٌ لَا يَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْلَال فَإِنْ قَوْلَهُ {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ: لِتُقِمْ هَيْئَتُكُمْ الِاجْتِمَاعِيَّةُ الصَّلَاةَ، فَإِذَا لَمْ يُقِمْهَا وَاحِدٌ مِنْ الْمَجْمُوعِ، لَمْ يَتَحَقَّقْ الْأَمْرُ، لِأَنَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ مِنْ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ لَمْ تُقِمْهَا لِخُرُوجِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ مِنْهَا".

    ولو قيل لواحد: يا فلان أدِّ الصلوات، فأدى ثنتين فقط، وترك ثلاثة، فإنه يعنف ويحاسب على الثلاثة لا على الخمس. ولو كان العام دالا على جميع ما يستغرقه بشرط الجمعية، لكان يحق لمن يكلفه أن يعاقبه على عدم أداء الخمس إذا أدى صلاتين فقط.

    ولذلك فإنَّ العامَّ غير موضوع للكلِّ بشرط الجمعية.

    وكذلك فإنه غير موضوع للمفهوم المطلق من المشترك بين الأفراد، فليس لفظا كليا، بل هو عام، والعموم يستلزم أن الدلاة بالأصالة متسلطة على الأفراد المندرجين تحت كليٍّ، لا على الكلي أصالة وعلى الأفارد بالعرض، ولو كان العام متسلطاً على الكلي أصالةً، لكفى واحدٌ من أفراده، ولصار مطلقاً لا عاماً، وقد نصَّ صدر الشريعة على أن الأفراد مقصودة في العامّ فقال:"دَلَالَة الْعَامِّ عَلَى الْأَفْرَادِ فَوْقَ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى الْأَفْرَادِ قَصْدِيَّةٌ ، وَدَلَالَةَ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا ضِمْنِيَّةٌ".

    إشكال القرافي:

    استشكل القرافي رحمه الله دلالة العام، وقال إنها خارجة عن الدلالات الثلاث، وهي المطابقة والتضمن والالتزام، وقد أجاب العلماء عن إشكاله، وسنورد ما فيه مقنع هنا، أما التفاصيل فلطالب العلم همة يقتنصها بها.

    وقد ذكر الإمام القرافي هذا الإشكال في عدة مواضع من كتابه شرح التنقيح، فقال في ص26:"فإن قلتَ: فصيغة العموم مسماها كلية، ودلالتها على فرد منها خارجة عن الثلاث وهي وضعية، فإن صيغة المشركين تدل على زيد المشرك، وليس بالمطابقة، لأنه ليس كمال مسمى اللفظ، ولا بالتضمن لأن التضمن دلالة اللفظ على جزء مسماه والجزء إنما يقابله الكلُّ، ومسمى صيغة العموم ليس كلاً، وإلا لتعذر الاستدلال بها على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في النفي أو النهي، فإنه لا يلزم من نفي المجموع نفي جزئه ولا من النهي عن المجموع النهي عن جزئه، بخلاف الأمر لثبوت، وخبر الثبوت، فحينئذ مسمى العام كلية لا كل، والذي يقابل الكلية الجزئية لا الجزء، لكنهم قالوا في دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء مسماه، وهذا ليس جزءا، فلا يدل عليه تضمناً، ولا التزاماً، لأن الفرد إذا كان لازم المسمى وبقية الأفراد مثله، فأين المسمى حينئذ؟ فلا يدلُّ اللفظ عليه التزاما، فبطلت الدلالات الثلاث، مع أن الصيغة تدل بالوضع، فما انحصرت دلالات الوضع في الثلاث.

    قلتُ: هذا سؤال صعب، وقد أوردته في شرح المحصول، وأجبت عنه بشيء في نكادة، وفي النفس منه شيء".

    قال الإمام القرافي في شرح تنقيح الفصول ص37:"[ص]والعام هو الموضوع لمعنى كلي بقيد تتبعه في محاله نحو المشركين. [ش] المراد بالتتبع في المحال أي بالحكم كان وجوبا أو تحريما أو إباحة أو خبرا أو استفهاما، أيَّ شيء كان الحكم.

    وسبب هذه العبارة إشكال كبير، عادتي أورده ولم أرَ أحدا قط أجاب عنه، وهو: أن صيغة العموم بين أفرادها قدر مشترك ولها خصوصيات، فاللفظ إما أن يكون موضوعا للمشترك كمطلق المشرك في المشركين، أو الخصوصات أو المجموع المركب منهما، والكل باطل، فلا يتحقق مسمى العموم ولا وضعه.

    بيانه: أن اللفظ إن كان وضع للمشترك فقط، يلزم أن يكون مطلقا، والمطلق ليس بعام. وإن وضع للخصوصات وهي مختلفة فيلزم أن يكون لفظ العموم مشتركا مجملاً لوضعه بين مختلفات، وصيغة العموم مسماها واحد، ولا إجمال فيها. ولأن الخصوصات غير متناهية، ووضع لفظ مشترك بين أمور غير متناهية محال، لأن الوضع فرع التصور، وتصور ما لا يتناهى على التفصيل محال. وإن كان موضوعا للمجموع المركب من كل خصوصية مع المشترك في كل فرد فرد على حياله لزم الاشتراك بين ما لا يتناهى وهو محال لما تقدم. أو لمجموع الأفراد بحيث يكون المسمى واحدا وهو المجموع من حيث هو مجموع، فيصير نسبته إلى مسماه كنسبة لفظ العشرة لمسماها، فحينئذ يتعذر الاستدلال بصيغة العموم على ثبوت حكمها لمفرد من أفرادها في النهي أو النفي، لأنه لا يلزم من النهي عن المجموع أو الإخبار عن نفيه، نفي أجزائه، ولا اجتناب جميع أجزائه، لأن المجموع يكفي في صدق اجتنابه ترك جزء. وكذلك يصدق نفيه بنفي جزء، لكن لفظ العموم هو الذي يحسن الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد حالة النفي أو النهي، فلا يكون لفظ العموم للعموم على هذا التقدير، فهذا هو الإشكال.

    وأجاب بعضهم بأنه موضوع للمشترك بقيد العدد، فلا يكون مطلقا لحصول العدد، ولا مشتركا لأن المسماه واحد، وهو المشترك ومفهوم العدد.

    فقلتُ له: مفهوم العدد كلي، والمشترك كلي، والكلي إذا أضيف إلى الكلي صار المجموع كليا، والموضوع للكلي مطلق، فلا يكون عاما، بل يكتفي بما يصدق فيه المشترك والعدد، وذلك يصدق بثلاثة، فعلى هذا إذا قلنا هو اللفظ الموضوع للقدر المشترك بقيد تتبعه في محاله بحكمه، اندفعت الأسئلة، لأن قيد التتبع في جميع المحال ينفي الإطلاق، فإن المطلق لا يتتبع بل يقتصر فيه على فرد، ويكون مجموع القيدين هو المسمى، وهما المشترك وقيد التتبع، فيكون المسمى واحدا فلا يكون مشتركاً، فحصل العموم من غير إشكال، فهذا هو الملجئ لهذا الحدِّ الغريب"اهـ.

    وخلاصة إشكال الإمام القرافي:

    إن مدلول العام ليس مطابقة ولا التزاما ولا تضمنا، والدليل على ذلك كما يأتي:

    وسنعتمد المثال الذي ذكره القرافي وهو (فاقتلوا المشركين)، وعلى فرض أن زيداً مشرك، فالبحث عن كيفية ندراج زيد تحت هذا الحكم. وقد قرر القرافي طريقتين لشرح إشكاله تعودان إلى المعاني نفسها، ولكنهما تفيدان في توضيح الإشكال، ولذلك نعيد ذكرهما هنا:

    الطريقة الأولى في تقرير الإشكال:

    اللفظ إما أن يدلَّ على مدلوله بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام، والعام لا يدل على فرد من أفراده بأي من هذه الطرق، فيوجد إشكال إذن إما في طريقة دلالة العام، أو في حصر الدلالة في هذه الثلاثة.

    أولا: بيان أن دلالة العام على أفراده ليست بالمطابقة

    صيغة المشركين تدل على زيد المشرك، وليس بالمطابقة، لأنه ليس كمال مسمى اللفظ، فإن المقصود بالمطابقة، دلالة اللفظ على تمام ما وضع له. والقرافي يفرض أن تمام ما وضع له لفظ العام هو دلالته على جميع الأفراد الممكنة، لا الدلالة على بعضها كزيد.وزيد ليس جميع مدلولات العام.

    ثانيا: بيان أن دلالة العام على أفراده ليست بالتضمن

    دلالتها على زيد ليس بالتضمن لأن التضمن الدلالة على جزء المسمى، والجزء يقابله الكلُّ، ولو كان الأمر كذلك للزم أن دلالة العام وما وضع له اللفظ العام هو كلُّ الأفراد بقيد الكل والجمعية، ولكن ذلك ليس صحيحاً، فإنه لو كان اللفظ العام موضوعا للكلّ بهذا القيد لتعذر الاستدلال به على ثبوت حكمها لفرد من أفرادها في حالتي النفي والنهي، لأنا لو قلنا لا تقتلوا المشركين، وكان المدلول من العام الكل، للزم أنه لو قتل واحد من المسلمين المشركين لم يترتب عليه ذمُّ، ولم يحكم عليه بمخالفة الأمر، وليس الأمر كذلك للعلم بأنه في هذه الحالة مخالف للأمر قطعا. وفي حالة نفي المجموع يكفي نفي بعضه، ولكن نفي بعض العام لا يستلزم نفيه كله كما مضى بيانه.

    فمدلول العام إذن كلية لا كلٌّ، والذي يقابل الكلية الجزئية لا الجزء، ودلالة التضمن على الجزء لا الجزئي، وزيد جزئي لا جزء.

    ثالثا: بيان أن دلالة العام على أفراده ليست بالالتزام

    أما بيان عدم كون دلالة العام التزاماً، فلأن الفرد المدلول وهو زيد هنا، إن كان لازما، فبقية الأفراد كعمرو وعبدالله، مثله في هذا الحكم، لا فرق، فكل منهم يكون لازما للعام، ومدلولا له، فلو دل العام على زيد التزاما لدل على غيره بنفس قوة دلالته عليه، وبطل عندئذ معرفة مدلول العام بالفعل.

    الطريقة الثانية في بيان الإشكال:

    واللفظ العام يدل على أفراد بينها قدر مشترك بالضرورة، ولكل فرد منها خصوصية معينة تميزه عن غيره،:

    فإما أن يكون العامُّ موضوعا للدلالة على هذا القدر المشترك، فيلزم أن يكون العام مطلقا لا عاما.

    وإما أن يكون موضوعا للخصوصيات وهي مختلفة كما مرّ لتمايز أفراد العام خارجا، فيلزم أن يكون العام لفظا مجملاً لوضعه للدلالة على مختلفات. وأيضا فهذه الخصوصيات والأفراد غير متناهية، ويستحيل تصور ما لا نهاية له، فيستحيل وضع لفظ لما لا يُتَصوَّرُ تفصيلاً.

    ولكنا نعلم أن مدلول العام لا مطلق ولا مجملٌ.

    وأما إن قيل إنه موضوع للمجموع المركب من كل خصوصية مع المشترك في كل فرد فرد على حياله، يلزم الاشتراك بين ما لا يتناهى، وهذا يشترط فيه تصور ما لا يتناهى وهو محال كما قلنا.

    وإذا قيل إن لفظ العام موضوع لمجموع الأفراد بحيث يصير كأسماء الأعداد، كلفظ العشرة مثلا لمسماها، فيترتب على ذلك أن يستحيل الاستدلال بصيغة العموم على ثبوت حكمها لفرد من افرادها في النهي أو النفي، لأنه لا يلزم من النهي عن المجموع أن الإخبار عن نفيه نفي أجزائه، ولا اجتناب جميع أجزائه، لأنه يكفي في صدق اجتنابه ترك جزء، كما يصدق في صدق نفيه نفي جزء، لما ذكرنا أن نفي الكل يكفي فيه نفي جزء منه.

    وهذا اللازم وهو استحالة الاستدلال به في حالتي النهي والنفي، باطل، لأنا نعلم أن العام يحسن الاستدلال به في هاتين الحالتين.

    وقرر الشيخ زكريا الأنصاري في شرح (لبّ الأصول) كلاماً في بيان دلالة العام، وفيه إشارة لحلِّ إشكال القرافي المذكور:"فمعنى كونه عاما أنه يشترك في معناه كثيرون، لا أنه يكون مشتركا لفظيا فمدلوله معنى واحد مشترك بين الجزئيات.

    (ومدلوله) أي العام في التركيب من حيث الحكم عليه (كلية أي محكوم فيه على كل فرد) فرد (مطابقة إثباتا) خبرا أو أمرا (أو سلبا) نفيا أو نهياً، نحو: جاء عبيدي وما خالفوا فأكرمهم، ولا تهنهم، لأنه في قوّة قضايا بعدد أفراده أي جاء فلان وجاء فلان وهكذا فيما مرّ إلى آخره، وكلٌّ منها محكوم فيه على فرده، دالٌّ عليه مطابقةً، فما هو في قوتها محكوم فيه على كل فردٍ فردٍ، دالّ عليه مطابقة([4])".

    وقال الشيخ زكرياء في حاشيته على شرح المحلي لجمع الجوامع:"قوله (لأنه في قوة قضايا بعدد أفراده) بين به قول المصنف (مطابقة) ولخص به جواب الشمس الأصفهاني في شرح المحصول عن سؤال عصريه القرافي: وهو أن دلالة اللفظ منحصرة في المطابقة والتضمن والالتزام، ودلالة العام على فرد من أفراده كدلالة المشركين من (فاقتلوا المشركين) على وجوب قتل زيد، خارجة عن الثلاثة، لأن المطابقة: دلالة اللفظ على تمام معناه، والتضمن دلالته على جزء معناه، والالتزام دلالته على خارج عن معناه لازم له، ودلالة العام على فرد من أفراده ليست كذلك، ووجهه في التضمن أن الجزء إنما يصدق إذا كان المعنى كلا، ومدلول لفظ العموم ليس كلاً، بل كلية كما عرف من كلام المصنف.

    وحاصل الجواب: أن الثلاثة المذكورة إنما هي في لفظ مفرد خالٍ عن الحكم، وذلك لا يتأتى هنا، فلا تدلُّ الصيغة المذكورة على وجوب قتل زيد المشرك، لكنها تتضمن ما يدلُّ عليه، لا بخصوص كونه زيداً، بل بعموم كونه مشركاً، فدلالتها عليه إنما هو لتضمنها ما يدلُّ عليه، وذلك الدالُّ دالٌّ عليه مطابقة، كما بينه الشارح بقوله (وكل منها)الخ، مع تصريحه بمراد الأصفهاني بقوله (فما هو في قوتها) أي القضايا المذكورة الخ.

    وحاصله أن العام دالٌّ على ما ذكر مطابقة، فيرجع جوابه إلى منع أن دلالة العام ليست داخلة في الدلالات الثلاث، بل هي داخلة في المطابقة بواسطة ما تضمنته القضية المندرجة تحت العامّ، وحصره الدلالات الثلاث في المفرد لا يساعده عليه كلام المناطقة، وبتقدير تسليمه يجب حمله على أنها في المفرد حقيقة، أو مباشرة، ليصح استدراكه المذكور، لاشتماله على أن المطابقة تكون في المركب أيضاً، فتكون مجازاً أو بواسطة.

    هذا وقد جرى شيخنا الكمال ابن الهمام على أن دلالة العام تضمينية، ونقله شيخنا الشهاب الأبدي، عن شيخه أبي حفص القلشاني، وأنه وجهه بإلحاق الجزئية بالجزء، وبأن كلا من أفراد العام باعتبار أنه بعض ما صدق عليه العامُّ، وإن كان جزئياً باعتبار دلالة العام، على كل فرد فرد، وهو أقرب، والأول أدق وأنسب بكلام المصنف([5])".

    ويحسن أن نذكر هنا أن القرافيَّ قرر في كتاب شرح التنقيح أن مدلول العام كلية لا كلٌّ، فقال ص195:"وهو كل واحد واحد لا الكلّ من حيث هو كل، فهو كلية لا كلٌّ، وإلا لتعذر الاستدلال به حالة النهي أو النفي".

    وقال في ص196:"فلو كان مدلول العموم كلا لما لزم ثبوت حكمه لفرد معين من أفراده إذا كان في سياق النفي أو النهي، لأنه لا يلزم من النهي عن المجموع إلا ترك ذلك المجموع من حيث هو مجموع، وذلك يكفي في تحققه جزء منه، لكن العام هو الذي يقتضي ثبوت حكمه لكل فرد منه في النفي والنهي، وذلك إنما يتحقق إذا كان مسماه كلية لا كلا".

    ويبدو أن الإمام القرافيَّ مشى هنا على المشهور بغض النظر عن تقرير إشكاله ومفاده، أو لعله يشير إلى الجواب عن الإشكال بأنَّ مدلول العامِّ كلية لا كلٌّ ولا غيره.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1] ) ليراجع في تفسير هذه الكلمات شرح تنقيح الفصول، للإمام القرافي، دار الفكر، ص195-196.

    ([2] ) انظر جمع الجوامع لابن السبكي فهذا التعريف تعريفه، وللعام تعاريفات أخرى لا يلزمنا هنا حصرها ولا مناقشتها مع وضوح المفهوم، مع شرح المحلي وحاشية الشيخ زكريا، مكتبة الرشد، (2/261).

    ([3] ) المرجع السابق، (2/261).

    ([4] ) وأصل هذا الكلام مأخوذ من جمع الجوامع مع شرحه للعلامة المحليِّ كما هو معلوم أن الشيخ زكرياء لخص هذا الكتاب ونقحه بحسب ما بدا له.

    ([5] ) حاشية الشيخ زكريا على شرح المحلي على جمع الجوامع، مرجع سابق، (2/275-276).


    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2
    العام حال الإفراد وحال التركيب


    - هل المستفاد من العام حال الإفراد غيره حال التركيب؟

    - اللفظ العام: هل يتناول حال إفراده أي ملاحظته بلا تركيب معنى، ويتناول في حال التركيب معنى آخر، أم إن ما يتناوله في الحالتين واحد؟

    يُستفاد من كلام بعض العلماء أنَّ ما يتناوله العام حال التركيب غير ما يتناوله حال الإفراد.

    قال العلامة العطار في حاشيته على جمع الجوامع:"(قَوْلُهُ: فِي التَّرْكِيبِ) عَائِدٌ لِلْمَدْلُولِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَاصَدَقَ وَهُوَ الْأَفْرَادُ فَالْمَعْنَى كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ الْوَاقِعَةِ فِي التَّرْكِيبِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ كَجَاءَ عَبِيدِي كُلِّيَّةً وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ فَإِنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ الْقَضِيَّةُ الْوَاقِعَةُ فِي التَّرْكِيبِ دُونَ اللَّفْظِ الْعَامِّ؛ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّاتِ.

    وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ بِمَعْنَى الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ الْمُفَادِ بِالتَّعْرِيفِ السَّابِقِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلِّيَّةً بَلْ هُوَ مَعْنًى بَسِيطٌ كُلِّيٌّ كَبَقِيَّةِ الْكُلِّيَّاتِ لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِيهِ.

    وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ الْحَيْثِيَّةُ لِلتَّقْيِيدِ أَيْ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُهُ مَعَ الْمَحْكُومِ بِهِ مَرْكَبًا لَا مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهُ، وَأَنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ كُلِّيَّةٍ لِعَدَمِ الْحُكْمِ، وَلِذَلِكَ أَتَى بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي التَّرْكِيبِ، وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهَذَا عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَحْكُومًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ وَاقِعًا فِي التَّرْكِيبِ، نَحْو: الْعَامُّ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَاصَدَقَاتِهِ، وَهِيَ غَيْرُ وَاقِعَةٍ فِي التَّرْكِيبِ، وَالْمُرَادُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَلَوْ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِهِ، فَدَخَلَ نَحْوُ الْمَفْعُولِ نَحْوُ الْمُشْرِكِينَ فِي {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}([1])".

    وقال العلامة البناني:"أي يتحصل منه مع ما حكم به عليه قضية كلية، وجعل في كلام التاج السبكي مسامحة، وعلل المسامحة قائلا:"إذ الكلية مدلول القضية لا مدلول العام" وقال أيضا:"وكذا قوله أي محكوم فيه على كل فرد، إذ المحكوم فيه على كل فرد هو القضية لا اللفظ المذكور موضوعا ومحكوما عليه، وجعل غيره محكوما به عليه. وحاصل ما أشار إليه أن العام إذا وقع في التركيب محكوماً عليه، فإنَّ الحكم يتعلق بكل فرد فرد من افراد معناه([2])".

    والمستفاد من كلام العطار أن مدلول العام حال الإفراد هو الكليُّ، وفي حال التركيب الكلية، أما البناني فقد نصَّ على أنَّ إطلاق الكلية على العام وحدَه دون اعتبار التركيب في قضية مسامحة لفظية، ولم ينصَّ على أن مدلول العامّ حال الإفراد المعنى الكليّ.

    ولو تأملنا في ذلك، فإنا نميل إلى أن العامَّ في حال الإفراد اللفظيِّ هو في قوة ألفاظ بعدد أفراد العام في الوجود الخارجي، فهو مفرد لفظاً مركب معنى، ووأن هذا الأمر يستصحب معه حال التركيب، فلا يزيد التركيب على أن يكون به نسبة حكمٍ إلى كل فرد فرد مما يتناوله العام، ولا يقال إن العام حال الإفراد يدلُّ على الكليِّ، وفي حال التركيب يدلُّ على الكلية، لأن الكلي مطلقٌّ ودلالة العام ليست مساوية لدلالة المطلق. ولا يصح أن يستفاد من مجرد التركيب، الذي هو ههنا نسبة المحمول إلى الموضوع مثلاً، وما في معناه، نحو: (اقتلوا المشركين) أن تناول الأفراد المستغرقة تحت العام إنما حصل عند التركيب، لأن هذا يستلزم أن إفادته ذلك تكون بالاستعمال ولا يكون موضوعا لها، وقد اتفق على أنه موضوع لذلك، وأن الاستعمال مسبوق بالوضع قطعا، فدلَّ على ما قلناه.

    غاية الأمر أن ما حكم عليه العلماء كالبناني بالتسامح إنما هو إطلاق الكلية على العام مفرداً، فقالوا إن الكلية يراد بها نسبة حكم إلى أفراد العام، والعام مفرداً لا حكم فيه، وها هنا حصل التسامح، فلا يستفاد من ذلك أن العام يفيد حال إفراده معنى الكليّ، بل هو حال إفراده في قوة ألفاظ كثيرة بعدد أفراده التي يتناولها، وهو المراد من كلام النحويين أن الجمع نحو العلماء، في قوة قولنا: عالم وعالم وعالم وعالم..الخ.

    لطيفة:

    قال العلامة البناني في حاشيته:"وأورد الأصفهاني هنا إشكالاً وهو أن قوله تعالى(اقتلوا المشركين) يكون أمرا لكل واحد من أفراد المسلمين بقتل كل واحد من أفراد المشركين، وهو محال لاستحالة أن يقتل كل واحد من المسلمين كل واحد من المشركين. ثم أجاب بأن الآية الشريفة مدلولها التكليف بالمحال، فمن قال بوقوعه فلا إشكال عليه، وأما من قال بخلافه، فجوابه أنه ظاهر دلَّ العقل على خلافه، فيحمل على الممكن دون المستحيل.اهـ

    قال المصنف نقلا عن والده: وعندي أن السؤال لا يستحق جواباً لأن الفرد الواحد من المسلمين يقدر أن يقتل جميع المشركين.اهـ، كلام المصنف. أي ولا ينافي ذلك أن الواحد إذا قتل جميع المشركين أو بعضهم استحال قتل غيره جميع المشركين وذلك لسقوط التكليف حينئذ عن الغير بالنسبة للمقتول من الكل أو البعض.

    نعم لقائل أن يقول إن الفرد الواحد من المسلمين الممتنع عادى حياته في جميع الأزمان يمتنع أن يقتل جميع المشركين في جميع الأزمان، كما هو قضية العموم، إلا أن يقال العموم في هذه الآية عموم عرفي، فالمأمور بقتلهم مشركو زمان القاتل فقط.سم([3])".

    فائدة:

    يستفاد مما مضى أن لفظ العام يدل أفراده على وجه الكلية كما هو اختيار الجمهور، وعلى وجه التضمن كما نقله الشيخ زكرياء عن بعض المشايخ، وله طريقة دلالة خارجة عن الثلاث على تسليم إشكال القرافي.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1] ) حاشية العطار على جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، (1/512).

    ([2] ) انظر النقول كلها في: حاشية البناني على جمع الجوامع مع شرح المحلي، دار الفكر، (1/405).

    ([3] ) انظر حاشية البناني على شرح المحلي على جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، (1/405). والمراد بـ"سم" العلامة ابن قاسم في حاشيته على جمع الجوامع وشرح المحلي.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2003
    المشاركات
    3,998
    مقالات المدونة
    2
    بارك الله فيكم سيدي أبا الفداء .. وأنقل لكم تحقيقاً للشيخ جعيط .. وفيه فوائد في تحقيق معنى العام، وتفريق بين بعض أنواعه ..

    قال الشيخ جعيط في حواشيه على شرح التنقيح ما نصه:

    لما أبطل المصنف رحمه الله تعالى أن يكون العام موضوعاً لأحد الاحتمالات السابقة، لما يلزم عليه من الإشكال الدائر بين أن يكون العام إما مشتركاً أو مطلقاً، أو بحيث يتعذر الاستدلال به..إلخ، وعيَّن أن مدلول العام هو القدر المشترك بقيد التتبع، ومجموع هذين القيدين هو المسمى، وباعتبار كون المجموع هو المسمى ينتفي الاشتراك، وبالتتبع ينتفي الإطلاق، وتعذر الاستدلال لصيرورته كلية، ظهر قول المصنف: اندفعت هذه الأسئلة.

    ثم إن هذا الكلام بعد ما نقله المحقق المطلع الشيخ أحمد بن المبارك في رسالته المسماة بـ"إنارة الأفهام في تحقيق ما قيل في دلالة العام"، قال:

    وفيه أمور:

    الأول: أنا نختار في الجواب الاحتمال الرابع، وهو أن يكون مدلول العام مجموع الأفراد من حيث هو مجموع.

    وقوله في اعتراضه: (أنه لو كان مدلول العام مجموع الأفراد لتعذر الاستدلال.. إلخ).
    قلنا: ممنوع، وسند المنع ما تقدم من أن العام مفرد، والمفرد لا حكم فيه حتى يستدل به، والحكم الثابت لجميع الأفراد الذي وقع به الاستدلال إنما جاء من وصف المحمول، فإذاً ما به الاستدلال ليس من باب عموم الألفاظ في شيء، وما فيه العموم لا حكم فيه حتى يعول بحكمه.

    وإن شئت قلت: العموم عمومان: فالعموم الذي نسب للألفاظ الذي وضعت له الصيغ مفرد من المفردات، ولم يقع به الاستدلال، والعموم المنسوب للأحكام به وقع الاستدلال ولا صيغ له.
    فقوله: (لو كان ذلك مدلول العام لتعذر الاستدلال به) يقال عليه: ما تعني بالعام الذي وقع الاستدلال به، فإن عنيتَ عموم الأحكام فهو مسلم، ولا يفيد؛ لأنه ليس هو مراد الأصوليين، وإن عنيتَ عموم الألفاظ المفردة فهو لا استدلال فيه.

    الثاني: اعتراضه جواب بعضهم: فإن إضافة الكلي إلى الكل تصير المجموع كلياً، إنما يلزم إذا اعتبرنا من العدد مفهومه، وهو ليس بصحيح، فالواجب اعتبار مصدوقه، إذ هو المطابق لقاعدة أن المراد بالموضوع الأفراد.

    فإذا نقول في تصحيح ذلك الجواب: العام موضوع للقدر المشترك بقيد مصدوق العدد المستغرق، ولا شك أن هذا المصدوق ليس بكلي، فلا يكون العام مطلقاً، ولم يتعدد الوضع حتى يكون مشتركاً، وحكمه ثابت لكل فرد، فلا يتعذر الاستدلال.

    الثالث في رد التتبع الذي اعتبره قيداً في مدلول العام: وقد فسره بتتبع الحكم في جميع المحال، ولا شك أن الحكم يستلزم التركيب، وحينئذ فيسأل الإمام القرافي رضي الله عنه عن العام الذي تكلم عليه الأصوليون وذكروا له صيغاً وأمثلة لا تحصر: هل هو مفرد عنده أو مركب، فإن قال: إنه مركب خالف كلام الأصوليين والنحاة والبيانيين أجمعين، وإن قال: إنه مفرد قيل له: فكيف يسعك أن تأخذ الحكم وتتبعه قيداً في مدلوله، فقد جمعت في حقيقة واحدة بين متنافيين، الإفراد والتركيب، والصواب أن هذا القيد يستحيل اعتباره في عموم الألفاظ المفردة.

    الرابع مما ينقض به دليل القرافي رضي الله عنه: قول أرباب الخصوص وأرباب الوقف، فإنهم وسائر الأئمة متفقون على الاستدلال، مع أنهم يرون لا عموم يستفاد من الصيغ، قالوا: والأحكام العامة استفيدت من أدلة منفصلة عن الصيغ، زائدة عليها، قائمة بذات المتكلم، فإن حركات المتكلم وأخلاقه وغير ذلك من أحواله وأفعاله ليست تابعة إلى اللفظ، بل هي دالة مستقلة بنفسها، تفيد علوماً ضرورية، فإذاً لا ارتباط بين عموم الصيغ وبين الاستدلال الذي أشار إليه الشهاب، وعول في زيادة قيد التتبع في مدلول العام، فإن الأمة متفقة على الاستدلال، مختلفة في عموم الصيغ، وانظر المستصفى لأبي حامد، فقد أطال في ذلك، والعبدري شارحه، والأبياري في شرح البرهان.

    الخامس: في قوله: إن العام القدر المشترك وقيد التتبع، فإنه يوهم أن كل عام لا بد فيه من قدر مشترك بين أفراده، وليس كذلك، فإن صيغ العموم تنقسم ثلاثة أقسام:
    الأول: ما كان متواطئاً في الأصل، كأسماء الأجناس التي كانت قبل كليات، كالإنسان، فإنه نوع، وحيوان فإنه جنس، ورجل فإنه صنف، والصنف خاصة غير شاملة، فإذا دخلت عليه أداة العموم ككل فهذا يعم لفظاً ومعنى.
    الثاني: ما يعم لفظاً ولا يعم معنى، وهو كل صيغة ليس بين أفرادها قدر مشترك فيه، وذلك مثل صيغة (التي)، تعم العقلاء، و(ما) التي تعم غيرهم، ومثل (الذي) و(التي) وتثنيتهما وجمعهما وجموع الأعلام، نحو الزيدون ونحو ذلك لما يعلم بتتبع الصيغ.
    الثالث: ما ليس بين أفراده قدر مشترك معنوي ولا لفظي، وإنما اللفظ العام جاء إلى الأفراد وجامَعَها حتى صيرها جملة واحدة، وهذا مثل أسماء الجموع إذا عرفت بـ(ال) الاستغراقية، مثل الرهط والفرقة والقوم ونحو ذلك، فإذا قلتَ: جاء القوم إلا زيداً وإلا عمراً، فإنك لا تجد بين زيد وعمرو وغيرهما من سائر أفراد القوم اشتراكاً في لفظ القوم، إذ لا يقال في زيد: إنه قوم، سواء كان القوم عاماً أو غير عام، وكذا الاشتراك بينهما في معنى القوم، إذ لا معنى له إلا الإفراد، والإفراد لا يشترك بعضها في بعض.

    فيخرج من هذا التقسيم أن الأفراد في العام تارة تشترك في المعنى، وتارة تشترك في اللفظ، وتارة لا تشترك في واحد منهما، فمن قال والحالة هذه: إن القدر المشترك يدخل في مسمى العام مطلقاً فقد جزأ الماهية أخص منها، وأبطل أقسام العام، وكلاهما باطل، ومن قال: إن مدلول العام هو الأفراد المجموعة المضموم بعضها إلى بعض التي صارت باللفظ المستغرق شيئاً واحداً يعبر عنه بقولنا: مجموع الأفراد، فقد أتى بالمدلول على وجهه، ووفى بمقتضى كلام الأصوليين والنحاة والبيانيين.

    انتهى كلام الشيخ جعيط رحمه الله ..
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا

  4. #4
    جزاك الله خيرا أيها الشخ الفاضل على هذه الإضافة المفيدة
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. جزاكم الله خيرا مشايخنا الكرام

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •