صفحة 34 من 39 الأولىالأولى ... 24303132333435363738 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 496 إلى 510 من 582

الموضوع: جواهر القراءات فى كتاب الله

  1. #496
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ }.

    اختلفت القراءة فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مخففة الذال مفتوحة الـياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون: { يُكَذِّبُونَ } بضم الـياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة. وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الـياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنـما أوجب للـمنافقـين العذاب الألـيـم بتكذيبهم نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد الـيسير من العذاب، فكيف بـالألـيـم منه؟

    ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالوا وذلك أن الله عزّ وجلّ أنبأ عن الـمنافقـين فـي أول النبأ عنهم فـي هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيـمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعاً لله عزّ وجلّ ولرسوله وللـمؤمنـين، فقال:
    { وَمِنَ ظ±لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـظ°دِعُونَ ظ±للَّهَ وَظ±لَّذِينَ ءامَنُوا }
    [البقرة: 8-9] بذلك من قـيـلهم مع استسرارهم الشك، { وَمَا يَخْدَعُونَ } بصنـيعهم ذلك { إِلاَّ أَنْفُسَهُم } دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين، { وَمَا يَشْعُرُونَ } بـموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عزّ وجل إياهم بإملائه لهم فـي قلوبهم شك أي نفـاق وريبة، والله زائدهم شكّاً وريبة بـما كانوا يكذبون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم بألسنتهم:

    ءامَنَّا بِظ±للَّهِ وَبِظ±لْيَوْمِ ظ±لأْخِرِ }
    [البقرة: 8] وهم فـي قـيـلهم ذلك كَذَبة لاستسرارهم الشك والـمرض فـي اعتقادات قلوبهم. فـي أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولـى فـي حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم علـى ما افتتـح به الـخبر عنهم من قبـيح أفعالهم وذميـم أخلاقهم، دون ما لـم يجز له ذكر من أفعالهم إذ كان سائر آيات تنزيـله بذلك نزل. وهو أن يفتتـح ذكر مـحاسن أفعال قوم ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من أفعالهم، ويفتتـح ذكر مساوىء أفعال آخرين ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول فـي الآيات التـي افتتـح فـيها ذكر بعض مساوىء أفعال الـمنافقـين أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من قبـائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى علـى صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويـل ما تأوّلنا من أن وعيد الله الـمنافقـين فـي هذه الآية العذاب الألـيـم علـى الكذب الـجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبـارك وتعالـى:
    { إِذَا جَاءكَ ظ±لْمُنَـظ°فِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ظ±للَّهِ وَظ±للَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ ظ±تَّخَذُواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
    [المنافقون: 1-2] والآية الأخرى فـي الـمـجادلة:
    { ظ±تَّخَذْواْ أَيْمَـظ°نَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }
    [المجادلة: 16] فأخبر جلّ ثناؤه أن الـمنافقـين بقـيـلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فـيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن العذاب الـمهين لهم علـى ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة علـى ما قرأه القارئون فـي سورة البقرة: { وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } لكانت القراءة فـي السورة الأخرى:
    { وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ }
    [المنافقون: 1] لـيكون الوعيد لهم الذي هو عقـيب ذلك وعيداً علـى التكذيب، لا علـى الكذب.

    وفـي إجماع الـمسلـمين علـى أن الصواب من القراءة فـي قوله:
    { وَظ±للَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ظ±لْمُنَـظ°فِقِينَ لَكَـظ°ذِبُونَ }
    [المنافقون: 1] بـمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبـارك وتعالـى فـيه الـمنافقـين العذاب الألـيـم علـى ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة علـى أن الصحيح من القراءة فـي سورة البقرة: { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } بـمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالـى ذكره للـمنافقـين فـيها علـى الكذب حق، لا علـى التكذيب الذي لـم يجز له ذكر نظير الذي فـي سورة الـمنافقـين سواء.....

    الطبري البقرة

  2. #497
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    { قُلْنَا ظ±هْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }


    وقُرِئَ: " فلا خَوْفُ " بالرفعِ مِنْ غيرِ تنوين، والأحسنُ فيه أَنْ تكونَ الإِضافةُ مقدرةً أي: خوفُ شيءٍ، وقيلَ: لأنه على نيةِ الألفِ واللامِ، وقيل: حَذَفَ التنوينَ تخفيفاً. وقرئ: " فلا خوفَ " مبنياً على الفتح، لأنها لا التبرئة وهي أبلغُ في النفي، ولكن الناسَ رجَّحوا قراءةَ الرفع، قال أبو البقاء: " لوجهَيْنِ، أحدُهما: أنه عُطِف عليه ما لا يجوزُ فيه إلا الرفعُ وهو قولُه: " ولا هم " لأنه معرفةٌ، و " لا " لا تعملُ في المعارِفِ، فالأَوْلى أن يُجْعَلَ المعطوفُ عليه كذلك لتتشاكلَ الجملتان " ، ثم نظَّره بقولِهم: " قام زيد وعمراً كلَّمْتُه " يعني في ترجيحِ النصب في جملة الاشتغالِ للتشاكل. ثم قال: " والوجهُ الثاني من جهة المعنى، وذلك أنَّ البناءَ يَدُلُّ على نفي الخوفِ عنهم بالكُلِّيَّة، وليس المراد ذلك، بل المرادُ نفيُه عنهم في الآخرةِ. فإنْ قيل: لِمَ لا يكونُ وجهُ الرفعِ أنَّ هذا الكلامَ مذكورٌ في جزاءِ مَنِ اتَّبع الهُدىظ°، ولا يَليق أن يُنْفَى عنهم الخوفُ اليسيرُ ويُتَوَهَّمَ ثَبوتُ الخوفِ الكثير؟ قيل: الرفعُ يجوزُ أَنْ يُضْمَرَ معه نفيُ الكثيرِ، تقديرُه: لا خوفٌ كثيرٌ عليهم، فيُتَوَهَّمَ ثبوتَ القليلِ، وهو عكسُ ما قُدِّر في السؤال فبانَ أنَّ الوجهَ في الرفعِ ما ذكرنا ". انتهى

    الدر المصون

    وَإِذْ وَظ°عَدْنَا مُوسَىظ° أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ظ±تَّخَذْتُمُ ظ±لْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَظ°لِمُونَ }

    قوله تعالى: { وَاعَدْنَا }. قرأ أبو عمروٍ هنا وما كان مثلَه ثلاثياً، وقرأه الباقون: " واعَدنْا " بألف. واختارَ أبو عُبَيْد قراءةَ أبي عمروٍ، ورجَّحها بأنَّ المواعدةَ إنما تكونُ من البشر، وأمَّا اللهُ تعالى فهو المنفردُ بالوَعْد والوعيد، على هذا وجَدْنَا القرآن، نحو:
    { وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ }
    [النور: 55]
    { وَعَدَكُمُ ظ±للَّهُ مَغَانِمَ }
    [الفتح: 20]
    { وَعَدَكُمْ وَعْدَ ظ±لْحَقِّ }
    [إبراهيم: 22]
    { وَإِذْ يَعِدُكُمُ ظ±للَّهُ }
    [الأنفال: 7]، وقال مكي مُرَجِّحاً لقراءةِ أبي عمرو أيضاً: " وأيضاً فإنَّ ظاهرَ اللفظِ فيه وَعْدٌ من اللهِ لموسى، وليسَ فيه وعدٌ مِنْ موسى فَوَجَبَ حَمْلُهُ على الواحدِ بظاهر النص " ثم ذَكَرَ جماعةً جِلَّةً من القرَّاءِ عليها. وقال أبو حاتم مُرَجِّحاً لها أيضاً: " قراءةُ العامَّة عندَنا: وَعَدْنا ـ بغيرِ ألفٍ ـ لأن المواعَدَةَ أكثرُ ما تكونُ من المخلوقين والمتكافِئين ". وقد أجابَ الناس عن قول أبي عُبَيْد وأبي حاتم ومكي بأن المفاعلةَ هنا صحيحةٌ، بمعنى أنَّ موسى نزَّلَ قبوله لالتزام الوفاءِ لمنزلة الوَعْدِ منه، أو أنَّه وَعَدَ أن يُعْنَى بما كلَّفه ربُّه. وقال مكي: " المواعدة أصلُها من اثنين، وقد تأتي بمعنى فَعَل نحو: طارَقْتُ النَّعْلَ " ، فجعل القراءتين بمعنىً واحد، والأولُ أحسنُ. ورجَّح قوم " واعدنا ". وقال الكسائي: " وليس قولُ الله:
    { وَعَدَ ظ±للَّهُ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ }
    [النور: 55] من هذا البابِ في شيء؛ لأن واعَدْنا موسى إنما هو من بابِ الموافاة، وليس من الوَعْد في شيء، وإنما هو من قولك: مَوْعِدُكَ يومُ كذا وموضعُ كذا، والفصيحُ في هذا " واعَدْنا ". وقال الزجاج: " واعَدْنا " بالألفِ جَيِّدٌ، لأن الطاعةَ في القَبول بمنزلةِ المواعدة، فمِنَ الله وَعْدٌ، ومِنْ موسى قَبولٌ واتِّباعٌ، فجَرى مَجْرَى المواعدة ". وقال مكي أيضاً: " والاختيارُ " واعَدْنا " بالألفِ، لأن بمعنى وَعَدْنَا، في أحدِ مَعْنَيَيْه، وأنه لا بُدَّ لموسى وَعْدٍ أو قبول يقُومُ مقامَ الوعدِ فَصَحَّت المفاعلة ".

    و " وعدَ " يتعدَّى لاثنين، فموسى مفعولٌ أولُ، وأربعين مفعولٌ ثانٍ، ولا بُدَّ من حَذْفِ مضاف، أي: تمامَ أربعين، ولا يجوزُ أن ينتصِبَ على الظرفِ لفسادِ المعنى وعلامةُ نصبه الياءُ لأنه جارٍ مَجْرَىظ° جَمْعِ المذكر السالم، وهو في الأصلِ مفرد اسمُ جمعٍ، سُمِّي به هذا العَقْدُ من العَدَد، ولذلك أَعْربه بعضُهم بالحركاتِ ومنه في أحدِ القولين قولُه:
    459ـ وماذا يَبْتَغِي الشعراءُ مني وقد جاوَزْتُ حَدَّ الأربعينِ
    بكسر النون، و " ليلةً " نصبٌ على التمييز، والعُقود التي هي من عِشْرين إلى تسعين وأحدَ عشرَ إلى تسعةَ عشرَ كلُّها تُمَيَّز بواحدٍ منصوبٍ.....

  3. #498
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    إِنَّ ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ وَظ±لَّذِينَ هَادُواْ وَظ±لنَّصَارَىظ° وَظ±لصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِظ±للَّهِ وَظ±لْيَوْمِ ظ±لآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }

    قال السمين

    والصابئُون: قومٌ عَبدوا الملائكةَ، وقيل: الكواكبَ. والجمهورُ على همزهِ، وقرأه نافعٌ غيرَ مهموز. فمَنْ هَمَزَه جَعَلَه من صَبَأَ نابُ البعير أي: خَرَجَ، وصَبَأَتِ النجومُ: طَلَعت. وقال أبو عليّ: " صَبَأْتُ على القومِ إذا طَرَأْتُ عليهم، فالصابِئُ: التارِكُ لدينِه كالصابىءِ الطارئِ على القومِ فإنه تارِكٌ لأرضِه ومنتقلُ عنها ". ومَنْ لم يَهْمَِزْ فإنه يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونَ مأخوذاً من المهموزِ فَأَبْدَلَ من الهمزةِ حرفَ علة إمَّا ياءً أو واواً، فصارَ من باب المنقوصِ مثل قاضٍ أو غازٍ، والأصل: صابٍ، ثم جُمِع كما يُجْمع القاضي أو الغازي، إلا أنَّ سيبويه لا يرى قلبَ هذه الهمزة إلا في الشعر، والأخفشُ وأبو زيد يَرَيان ذلك مطلقاً. الثاني: أنه من صَبَا يَصْبو إذا مال، فالصابي كالغازي، أصلُه، صابِوٌ فأُعِلَّ كإعلال غازٍ. وأَسْند أبو عُبَيْد إلى ابن عباس: " ما الصابُون إنما هي الصابئون، ما الخاطون إنما هي الخاطِئون ". فقد اجتمع في قراءةِ نافع همزُ النبيين وتَرْكُ همز الصابئين، وقد عَرَفْت أن العكسَ فيهما أَفْصَحُ

  4. #499
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    قوله: { وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىظ° تُفَادُوهُمْ } إنْ شرطيةٌ ويَأْتوكم مجزومٌ بها بحَذْفِ النونِ والمخاطبُ مفعولٌ، و " أُسارى " حالٌ من الفاعل في " يأتوكم ". وقرأ الجماعةُ غيرَ حمزة " أُسارى " ، وقرأ هو أَسْرَى، وقُرئ " أَسارى " بفتح الهمزة. فقراءةُ الجماعة تحتمل أربعة أوجه، أحدُها: أنه جُمِعَ جَمْعَ كَسْلان لِمَا جَمَعَهما مِنْ عدمِ النشاطِ والتصرُّف، فقالوا: أَسير وأُسارى [بصم الهمزة] كَكَسْلان وكُسَالى وسَكْران وسُكارى، كما أنه قد شُّبِّه كَسْلان وسَكْران به فجُمِعا جَمْعَه الأصليَّ الذي هو على فَعْلَى فقالوا: كَسْلان وكَسْلى، وسَكْران وسَكْرى كقولهم: أَسير وأَسْرى. قال سيبويه: " فقالوا في جمع كَسْلان كَسْلَى شبَّهوه بأَسْرى كما قالوا أُسارى شبَّهوه بكُسالى " ، ووجهُ الشبه أن الأَسْر يَدْخُل على المَرْءِ كَرْهاً، كما يَدْخُل الكسل، قال بعضهم: " والدليلُ على اعتبارِ هذا المعنى أنَّهم جَمَعوا مريضاً ومَيِّتاً وهالِكاً على فَعْلَى فقالوا: مَرْضَى ومَوْتَى وهَلْكَى لَمَّا جَمَعَها المعنى الذي في جَرْحَى وقَتْلَى ".

    الثاني: أن أُسارى جمعُ أَسير، وقد وَجَدْنا فَعِيلاً يُجْمع على فُعَالى قالوا: شيخٌ قديم وشيوخٌ قُدامى، وفيه نظرٌ فإن هذا شاذٌّ لا يُقاس عليه.

    الثالث: أنه جَمْعُ أسير أيضاً وإنما ضَمُّوا الهمزةَ من أُسارى وكان أصلُها الفتح كنديم ونَدامى [كما ضُمَّتِ الكافُ والسينُ من كُسَالى وسُكارى] وكان الأصلُ فيهما الفتحَ نحو: عَطْشَان وعَطَاشى.

    الرابع: أنه جَمْعُ أَسْرى الذي [هو] جمعُ أسير فيكونُ جَمْعَ الجمعِ.

    وأمَّا قراءةُ حمزةَ فواضحةٌ؛ لأن فَعْلى ينقاس في فَعيل بمعنى مُمَات أو مُوْجَع نحو: جَريح وجَرْحى وقَتيل وقَتْلى ومَريض ومَرْضى.

    وأما " أَسارَى " بالفتح فلغةٌ ليست بالشاذة، وقد تقدَّم أنها أَصْلُ أُسارى بالضم [عند بعضهم]، ولم يَعْرف أهلُ اللغة فَرْقاً بين أُسارى وأَسْرى إلا ما حكاه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: " ما كان في الوَثاق فهم الأُسارى وما كان في اليدِ فهم الأَسْرَى. ونَقَلَ عنه بعضُهم الفرقَ بمعنى آخر فقال: " ما جاء مُسْتأسِرا فهم الأَسْرى، وما صار في أيديهم فهم الأُسارى، وحكى النقاش عن ثعلب أنَّه لما سَمع هذا الفرقَ قال: " هذا كلامُ المجانين " ، وهي جرأةٌ منه على أبي عمرو، وحُكي عن المبردِ أنه يُقال: " أَسير وأُسَراء كشهيد وشُهَداء ".....

    قوله: { تُفَادُوهُمْ } قرأ نافع وعاصم والكسائي: " تُفادُوهم " ، وهو جوابُ الشرطِ فلذلك حُذِفَت نونُ الرفعِ، وهل القراءتان بمعنىً واحدٍ، ويكونُ معنى فاعَلَ مثلَ معنى فَعَل المجرد نحو: عاقَبْت وسافَرْت، أو بينهما فرقٌ؟ خلافٌ مشهورٌ، ثم اختلف الناسُ في ذلك الفرقِ ما هو؟ فقيل: مَعْنَى فَداه أَعْطى فيه فِداءٍ من مالٍ وفاداه أعطى فيه أسيراً مثلَه وأنشد:
    592ـ ولكنِّني فادَيْت أمِّي بعدما عَلا الرأسَ كَبْرَةٌ ومَشِيبُ
    بِعَبْدَيْن مَرْضِيَّيْنِ لم يَكُ فيهما لَئِنْ عُرِضا للناظِرين مَعِيبُ
    وهذا القول يَرُدُّه قولُ العباس رضي الله عنه: " فادَيْت نفسي وفادَيْتَ عَقيلا " ومعلومٌ أنه لم يُعْطِ أسيرَه في مقابلة نفسِه ولا وَلَدِه، وقيل: " تَفْدُوهم بالصلح وتُفادُوهم بالعِتْقِ ". وقيل: " تَفْدُوهم تُعْطوا " فِدْيَتَهم، وتُفادوهم تَطْلبون من أعدائِكم فِدْيةَ الأسيرِ الذي في أيديكم، ومنه قول الشاعر:
    593ـ قفي فادِي أسيرَكِ إنَّ قومي وقومَك لا أرى لهمُ اجتماعا
    والظاهرُ أن " تُفادهم " على أصله من اثنين، وذلك أن الأسيرَ يعطي المالَ والآسِرَ يعطي الإِطلاقَ، وتَفْدُوهم على بابِه من غيرِ مشاركةٍ، وذلك أنَّ أَحدَ الفريقين يَفْدي صاحبه من الآخر بمالٍ أو غيره، فالفعلُ على الحقيقة من واحدٍ، والفداءُ ما يُفْتَدَى به، وإذا كُسِر أولُه جازَ فيه وجهان: المَدُّ والقَصْرُ فمِن المدِّ قولُ النابغة:
    594ـ مَهْلاً فِداءً لكَ الأقوامُ كلُّهمُ وما أُثَمِّرُ مِنْ مالٍ ومِنْ وَلَدِ
    ومن القَصْرِ قولُه:
    595ـ................................. فِدَىً لَكَ مِنْ رَبٍّ طَريفي وتالدي
    / وإذا فُتِحَ فالقصرُ فقط، ومن العربِ مَنْ يكسِرُ " فِدى " مع لام الجر خاصةً، نحو: فِدَىً لكَ أبي وأمي يريدون الدعاءَ له بذلك، وفَدى وفَادىظ° يتعدَّيان لاثنينِ أحدُهما بنفسِه والآخرُ بحرفِ جر تقول: فَدَيْتُ أو فادَيْتُ الأسير بمال، وهو محذوفٌ في الآية الكريمة. قال ابن عطية: " وحَسُنَ لفظ الإِتيانِ من حيثُ هو في مقابلةِ الإِخراج فيظهرُ التضادُّ المُقْبِحُ لفِعْلِهم في الإِخراج " يعني أنه لا يناسِبُ مَنْ أَسَأْتُمْ إليه بالإِخراجِ مِنْ دارِه أَنْ تُحْسِنُوا إليه بالفِداء....

    البقرة

    السمين

  5. #500
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    { يَظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ظ±نْظُرْنَا وَظ±سْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

    قوله تعالى: { لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا }: الجمهورُ على " راعِنا " أمرٌ من المُراعاة، وهي النظرُ في مصالحِ الإِنسانِ وتَدَبُّرِ أمورِه، و " راعِنا " يقتضي المشاركةَ لأنَّ معناه: ليكن منك رعايةٌ لنا وليكن منا رعايةٌ لك، فَنُهوا عن ذلك لأنَّ فيه مساواتِهم به عليه السلام. وقرأ الحسنُ وأبو حَيْوَة: " راعِناً " بالتنوين، ووجهُه أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قولاً راعناً، وهو على طَريقِ النَسَب كلابن وتامر، والمعنى: لا تقولوا قولاً ذا رُعونة. والرُّعونة: الجَهْل والحُمْق والهَوَج، وأصلُ الرُّعونة: التفرُّقُ، ومنه: " جَيْشٌ أَرْعَنُ " أي: متفرِّقٌ في كل ناحية، ورجلٌ أَرْعَنُ: أي ليس له عَقْلٌ مجتمعٌ، وامرأةٌ رَعْنَاءٌ، وقيل للبَصْرةِ: الرَّعْناء، قال:
    766 ـ لولا ابنُ عُتْبَةَ عمروٌ والرجاءُ له ما كانَتِ البصرةُ الرَّعْناءُ لي وَطَنا
    قيل: سُمِّيت بذلك لأنها أَشْبَهت " رَعْنَ الجبلِ " وهو الناتِيءُ منه، وقال ابن فارس: " يقال: رَعَن الرجلُ يَرْعَنُ رَعَناً ". وقرأ أُبَيّ: راعُونا، وفي مصحف عبد الله كذلك، خاطَبوه بلفظِ الجمعِ تعظيماً، وفي مصحفِ عبدِ الله أيضاً، " ارْعَوْنا " لِما تقدَّم. والجملةُ في محل نصبٍ بالقول، وقَدَّم النهيَ على الأمرِ لأنه من باب التروك فهو أَسْهَلُ.

    قوله: " انظُرْنا " الجملةُ أيضاً في محلِّ نَصْبٍ بالقولِ، والجمهورُ على " انظُرْنا " بوصلِ الهمزةِ وضَمِّ الظاء أمراً من الثلاثي، وهو نظرٌ من النَّظِرَة وهي التأخير، أي: أَخِّرْنا وتأنَّ علينا، قال امرؤ القيس:
    668 ـ فإنَّكما إنْ تَنْظُرانيَ ساعةً من الدَّهْرِ يَنْفَعْني لدى أمِّ جُنْدَبِ
    وقيل: هو من نَظَر أي: أبْصَرَ، ثم اتُّسِعَ فيه فَعُدِّيَ بنفسِه لأنه في الأصلِ يَتَعدَّى بـ " إلى " ، ومنه:
    669 ـ ظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كما يَنْظُرُ الأَراكَ الظباءُ
    أي: إلى الأراك، وقيل: مِنْ نَظَر أي: تفكر ثم اتُّسِعَ فيه أيضاً فإنَّ أصلَه أَنْ يتعدَّى بفي، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ على هذا أي: انظُرْ في أمرنا وقرأ أُبيّ والأعمش: " أَنْظِرْنَا " بفتحِ الهمزةِ وكسرِ الظاءِ أمراً من الرباعي بمعنى: أَمْهِلْنا وأخِّرْنا، قال الشاعر:
    670 ـ أبا هندٍ فلا تَعْجَلْ عَلَيْنا وأَنْظِرْنا نُخْبِّرْكَ اليَقينا
    أي: أَمْهِلْ علينا، وهذا القراءةُ تؤيِّد أنَّ الأولَ من النَّظْرةِ بمعنى التأخير لا من البصرِ ولا من البصيرةِ، وهذه الآيةُ نَظيرُ التي في الحديد::انظُرونا نقتبسْ " فإنها قُرِئَتْ بالوَجْهَيْنِ...

    البقرة

    قوله: { فَيَكُونُ } الجمهورُ على رفعه، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ مستأنفاً أي خَبَراً لمبتدأ محذوفٍ أي: فهو يكونُ، ويُعزْى لسيبويه، وبه قال الزجاج في أحدِ قولَيْه.

    والثاني: أَنْ يكونَ معطوفاً على " يقولُ " وهو قول الزجاج والطبري. وردَّ ابن عطية هذا القولَ وجعله خطأً من جهةِ المعنى؛ لأنَّه يَقْتضي أنَّ القولَ مع التكوينِ والوجودِ " انتهى. يعني أنَّ الأمرَ قديمٌ والتكوينَ حادثُ فكيف يُعْطَفُ عليه بما يقتضي تعقيبَه له؟ وهذا الردُّ إنما يلزم إذا قيل بأنَّ الأمرَ حقيقةٌ، أمَّا إذا قيل بأنَّه على سبيلِ التمثيل - وهو الأصحُّ - فلا، ومثلُه قولُ أبي النجم:
    696 ـ إذا قالَتِ الأَنْسَاعُ للبَطْنِ الحَقي
    الثالث: أن يكونَ معطوفاً على " كُنْ " من حيثُ المعنى، وهو قولُ الفارسي، وضَعَّفَ أن يكونَ عطفاً على " يقولُ " ، لأنَّ من المواضعِ ما ليس فيه " يقولُ " كالموضع الثاني في آل عمران، وهو:
    { ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }
    [آل عمران: 59]، ولم يَرَ عطفَه على " قال " من حيث إنه مضارعٌ فلا يُعْطَف على ماضٍ فَأَوْرد على نفسه:
    697 ـ ولقد أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِيني
    فقال: " أَمُرُّ بمعنى مَرَرْت. قال بعضُهم: " ويكون في هذه الآيةِ - يعني في آيةِ آل عمران - بمعنى كان فَلْيَجُزْ عَطْفُه على " قال ".

    وقَرأَ ابن عامر/ " فيكونَ " نصبأ هنا وفي الأول من آل عمران، وهي:
    { لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ }
    [آل عمران: 47]، تحرُّزاً من قوله:
    { كُن فَيَكُونُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ }
    [آل عمران: 59] وفي مريم:
    { كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي }
    [مريم: 35]، وفي غافر:
    { كُن فيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ }
    [غافر: 68]، ووافقه الكسائي على ما في النحل ويس وهي:
    { أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }
    [يس: 82]. أمَّا آيتا النحلِ ويس فظاهِرتان لأنَّ قبلَ الفعل منصوباً يَصِحُّ عطفُه عليه وسيأتي.

    وأمَّا ما انفرَدَ به ابنُ عامر في هذه المواضع الأربعة فقد اضطرب كلامُ الناس فيها وهي لعمري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل، ولذلك تجرَّأ بعض الناس على هذا الإِمام الكبيرِ، فقال ابن مجاهد: " قرأ ابن عامر " فيكونَ " نصباً وهذا غيرُ جائز في العربية؛ لأنه لا يكونُ الجواب هنا للأمر بالفاء إلا في يس والنحل، فإنه نَسَقٌ لا جوابٌ " ، وقال في آل عمران: " قرأ ابن عامر وحدَه: " كن فيكونَ " بالنصب وهو وهمٌ " قال: " وقال هشام: كان أيوبُ بن تميم يقرأُ: فيكونُ نصباً ثم رَجَع فقرأ: فيكونُ رفعاً " ، وقال الزجاج: " كن فيكونُ: رفعٌ لا غيرُ ".

    وأكثرُ ما أَجابوا بأنَّ هذا مِمَّا رُوعي فيه ظاهرُ اللفظ من غير نظر للمعنى، يريدون أنه قد وُجِد في اللفظ صورةُ أمر فنَصَبْنا في جوابه بالفاء، وأمّا إذا نظرنا إلى جانب المعنى فإن ذلك لا يَصِحُّ لوجهين، أحدهما: أنَّ هذا وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبرُ نحو:

    فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ }
    [مريم: 75] أي: فَيَمُدُّ، وإذا كان معناه الخبرَ لم ينتصِبْ في جوابِه بالفاء إلا ضرورةً كقوله:
    698 ـ سَأَتْرُك منزلي لبني تميمٍ وأَلحَقُ بالحجازِ فأستريحا
    وقول الآخر:
    699 ـ لنا هَضْبةٌ لا يَنْزِلُ الذلُّ وَسْطَها ويَأْوي إليها المُسْتجيرُ فَيُعْصَما
    والثاني: أنَّ مِنْ شرطِ النصبِ بالفاءِ في جوابِ الأمرِ أَنْ يَنْعَقِدَ منهما شرطٌ وجزاءٌ نحو: " ائتني فأكرمك " تقديرُه: إنْ أتيتني أكرمتُك، وههنا لا يَصِحُّ ذلك إذ يَصيرُ التقديرُ: إنْ تَكُنْ تَكُنْ، فيتَّحِدُ فعلا الشرطِ والجزاءِ معنىً وفاعلاً، وقد عَلِمْت أنه لا بُدَّ من تغايرِهما وإلاَّ يلزمْ أن يكونَ الشيءُ شرطاً لنفسه وهو مُحال. قالوا: والمعاملةُ اللفظية واردةُ في كلامهم نحو:
    { قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ }
    [إبراهيم: 31]
    { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ }
    [الجاثية: 14] وقال عمر ابن أبي ربيعة:
    700 ـ فَقُلْتُ لجَنَّادٍ خُذِ السيفَ واشتَمِلْ عليه برفقٍ وارْقُبِ الشمسِ تَغْرُبِ
    وأَسْرِجْ لي الدَّهْماءَ واذهَبْ بمِمْطَري ولا يَعْلَمَنْ خلقٌ من الناسِ مَذْهَبي
    فجعل " تَغْرُبِ " جواباً " ارقب " وهو غير مترتِّب عليه، وكذلك لا يلزمُ من قوله [تعالى] أَنْ يفعلوا، وإنما ذلك مراعاةً لجانبِ اللفظِ.

    أمَّا ما ذكروه في بيتِ عمر فصحيحُ، وأمَّا الآياتُ فلا نُسَلِّم أنه غيرُ مترتِّبٍ [عليه]، لأنه أرادَ بالعبادِ الخُلَّصَ، ولذلك أضافهم إليه، أو تقولُ إن الجزمَ على حَذْفِ لأمِ الأمر وسيأتي تحقيقهُ في موضعه. وقال الشيخ جمال الدين بنُ مالك: " إنَّ " أَنْ " الناصبةَ قد تُضْمر بعد الحَصْر بإنما اختياراً وحكاه عن بعض الكوفيين، قال: " وحَكَوْا عن العرب: " إنما هي ضربةٌ من الأسدِ فَتَحْطِمَ ظهرَه " بنصبِ " تَحْطِمَ " فعلى هذا يكون النصبُ في قراءة ابن عامر محمولاً على ذلك، إلا أنَّ هذا الذي نَصَبوه دليلاً لا دليلَ فيه لاحتمالِ أَنْ يكونَ من بابِ العطفِ على الاسمِ، تقديرُه: إنما هي ضربةٌ فَحَطْم، كقوله:
    701 ـ لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ
    وهذا نهايةُ القول في هذه الآية.

    البقرة

    الدر المصون

  6. #501
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    قوله: { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ظ±لظَّالِمِينَ } الجمهورُ على نصبِ " الظالمين " مفعولاً و " عَهْدي " فاعلٌ، أي: لا يَصِلُ عهدي إلى الظالمين فيدرِكَهم. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء/: " والظالمون " بالفاعلية، و " عهدي " مفعولٌ به، والقراءتان ظاهرتان، إذ الفعلُ يَصِحُّ نسبتُه إلى كلٍّ منهما فإنَّ مَنْ نالَكَ فقد نِلْتَه. والنَّيْلُ: الإدراك وهو العَطاءُ أيضاً، نال ينال نَيْلاً فهو نائل.

  7. #502
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    وقراءةُ الجمهور " أَنْ يَطَّوَّفَ " بغير لا. وقرأ أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر بن حوشب: " أَنْ لا يَطَّوَّفَ " قالوا: وكذلك في مُصْحَفي أُبَيّ وعبدِ الله. وفي هذه القراءةِ احتمالان، أحدُهما: أنَّها زائدة كهي في قولِه:
    { أَلاَّ تَسْجُدَ }
    [الأعراف: 12] وقوله:
    782 ـ وما أَلومُ البيضَ ألاَّ تَسْخَرا لَمَّا رَأَيْنَ الشَّمَطَ القَفَنْدَرا
    وحينئذٍ يتَّحِدُ معنى القراءتين. والثاني: أنها غيرُ زائدةٍ بمعنى أَنَّ رَفْعَ الجُناحِ في فِعْلِ الشيء هو رفعٌ في تَرْكِه، إذ هو تخييرٌ بين الفعلِ والتركِ نحو:
    { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ }
    [البقرة: 230]، فتكونُ قراءةُ الجمهورِ فيها رفعُ الجناحِ في فعلِ الطوافِ نَصَّاً وفي هذه رفعُ الجناحِ في الترك نَصَّاً.

    قوله: { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً } قرأ حمزةُ والكسائي " تَطَوعَّ " هنا وفي الآية الآتية بعدها: يَطَّوَّعْ بالياء فعلاً مضارعاً، وقرأه الباقون: " تَطَوَّع " فعلاً ماضياً. فأمَّا على قراءتهما فتكونُ " مَنْ " شرطيةً ليس إلاَّ، لعملِها الجزمَ. وأصل يَطَّوَّع. يَتَطَوَّع فأُدْغِم على نحو ما تقدّم في " يطّوّف " وهي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، والخبرُ فعلُ الشرطِ على ما هو الصحيحُ كما تقدَّم تحقيقُه. وقولُه: " فإنَّ الله " جملةٌ في محلِّ جزمٍ لأنَّها جوابُ الشرطِ، ولا بُدَّ مِنْ عائدٍ مقدَّرٍ أي: فإنَّ الله شاكرٌ له. وقال أبو البقاء: " وإذا جَعَلْتَ " مَنْ " شرطاً لم يكنْ في الكلامِ حَذْفُ ضميرٍ لأنَّ ضميرَ " مَنْ " في تطوَّع " وهذا يخالِفُ ما قَدَّمْتُ لك نَقْلَه عن النحويين من أنه إذا كان أداةُ الشرطِ اسماً لَزِمَ أن يكونَ في الجوابِ ضميرٌ يعودُ عليهِ وتقدَّم تحقيقُ ذلك.

    وأمَّا على قراءة الجمهورِ فتحتمل وَجْهَيْنِ، أحدُهما: أن تكونَ شرطيةً، والكلامُ فيها كما تقدَّم. والثاني: أن تكونَ موصولةً و " تَطَوَّعَ " صلتَها فلا محلَّ له مِنْ الإِعراب حينئذٍ، وتكونُ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ أيضاً و " فإنَّ الله " خبرُه، ودَخَلَت الفاءُ لِما تضمَّن مِنْ معنى الشرط، والعائدُ محذوفُ كما تقدَّم أي: شاكرٌ له، وانتصابُ " خيراً " على أحدِ أوجهِ: إمَّا على إسقاطِ حرفِ الجرِّ أي: تَطَوَّع بخيرٍ، فلمَّا حُذِفَ الحرفُ انتصَبَ نحو قولِه:
    783 ـ تَمُرُّونَ الدِّيار ولم تَعُوجُوا .....................
    وهو غيرُ مقيسٍ. الثاني: أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ أي: تطُّوعاً خيراً. والثالثُ: أن يكونَ حالاً من ذلك المصدر المقدَّر معرفةً، وهذا مذهبُ سيبويه وقد تقدَّم غيرَ مرةٍ، أو على تضمينِ " تَطَوَّعَ " ، فعلاً يتعدَّى، أي: مَنْ فَعَلَ [خيراً متطوِّعاً به]. وقد تلخَّص مِمَّا تقدَّم أنَّ في قولِه: { فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } وجهين، أحدُهما: الجزمُ على القولِ بكونِ " مَنْ " شرطيةً والثاني: الرفعُ على القولِ بكونِها موصولةً.

    ملحوظة

    للسيدة عائشة قصة مشهورة فى الاية واحتجت بقراءة الجمهور

  8. #503
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    قوله: { وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ } قرأ الجمهورُ الأفعالَ الثلاثة: " ولا تُقاتلوهم حتى يقاتِلوكم، فإنْ قاتلوكم " بالألف من القتال، وقرأها حمزة والكسائي من غير ألف من القتل. فأما قراءة الجمهور فهي واضحةٌ لأنها نَهْيٌ عن مقدِّمات القتل، فدلالتها على النهي عن القتل بطريقِ الأوْلى. وأمّا قراءةُ الأخوين ففيها تأويلان، أحدُهما: أن يكونَ المجازُ في الفعل، أي: ولا تأخذوا في قتلهم حتى يأخذوا في قَتْلكم. ومنه { قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ } [آل عمران: 146] ثم قال: " فما وَهَنوا " أي ما وَهَن مَنْ بقيَ منهم، وقال الشاعر:
    869 ـ فإنْ تَقْتُلونا نُقَتِّلْكُمُ وإنْ تَفْصِدوا الدَّمَ نَفْصِدِ
    أي: فإنْ تقتلوا بعضنا. وأَجْمَعوا على " فاقتلوهم " أنَّه من القتل، وفيه بشارةٌ بأنهم إذا فعلوا ذلك فإنهم مُتَمَكِّنون منهم بحيثُ إنكم أَمَرْتُم بقتلِهم لا بقتالِهم لنصرتِكم عليهم وخُذْلانِهم، وهي تؤيِّد قراءةَ الأخوينِ، ويؤيِّدُ قراءةَ الجمهورِ: { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }

    البقرة

  9. #504
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    قوله تعالى: { فلا رفث } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: { فلا رفثٌ ولا فسوقٌ } بالضم والتنوين. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بغير تنوين، ولم يرفع أحد منهم لام «جدال» إلا أبو جعفر. قال أبو علي: حجة من فتح أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود، لأنه بالفتح قد نفى جميع الرفث والفسوق، كقوله: { لا ريب فيه } فاذا رفع ونون؛ كان النفي لواحد منه، وإنما فتحوا لام الجدال، ليتناول النفي جميع جنسه، فكذلك ينبغي أن يكون جمع الاسمين قبله. وحجة من رفع أنه قد علم من فحوى الكلام نفي جميع الرفث، وقد يكون اللفظ واحداً، والمراد بالمعنى: الجميع.

    زاد المسير

    وقال السمين

    وأمَّا مَنْ رفع الأوَّلَيْن وفتحَ الثالث: فالرفعُ على ما تقدَّم، وكذلك الفتحُ، إلا أنه ينبغي أَنْ يُتَنَبَّه لشيءٍ: وهو أنَّا إذا قلنا بمذهبِ سيبويه من كونِ " لا " وما بُني معها في موضعِ المبتدأ يكونُ " في الحج " خبراً عن الجميع، إذ ليس فيه إلا عَطْفُ مبتدأٍ على مبتدأ. وأمَّا على مذهبِ الأخفشِ فلا يجوز أن يكونَ " في الحج " إلا خبراً للمبتدأيْنِ أو خبراً لـ " لا ". ولا يجوزُ أن يكونَ خبراً للكلِّ لاختلافِ الطالبِ، لأنَّ المبتدأ يَطْلُبه خبراً له ولا يطلبُه خبراً له.

    وإنما قُرِىء كذلك، قال الزمخشري: " لأنهما حَمَلا الأوَّلَيْنِ على معنى النهي، كأنه قيل: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والثالِثُ على معنى الإِخبار بانتفاءِ الجدال، كأنه قيل: ولا شكَّ ولا خلافَ في الحج " واستدلَّ على أنّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوقُ دونَ الجدالِ بقولِه عليه السلام: " مَنْ حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ " وأنه لم يَذْكُرِ الجدالَ. وهذا الذي ذكره الزمخشري سبقه إليه صاحبُ هذه القراءة، إلا أنه أفصحَ عن مرادِه، قال أبو عمرو بن العلاء - أحد قارئيها -: الرفعُ بمعنى فلا يكونُ رفثٌ ولا فسوقٌ؛ أَيْ شيءٌ يَخْرُج من الحَجِّ، ثم ابتدأ النفيَ فقال: " ولا جدالَ " ، فأبو عمرو لم يجعل النفيَيْن الأوَّلَيْن نهياً، بل تركهما على النفي الحقيقي؛ فمِنْ ثَمَّ كان في قولِه هذا نظرٌ؛ فإنَّ جملة النفيِ بلا التبرئةِ قد يرادُ بها النهيُ أيضاً، وقيل ذلك في قوله:
    { لاَ رَيْبَ فِيهِ }
    [البقرة: 2]. والذين يظهر في الجوابِ عن ذلك ما نقله أبو عبد الله الفاسي عن بعضهم فقال: " وقيل: الحُجَّةُ لمَنْ رفعهما أنَّ النفي فيهما ليس بعامٍّ، إذ قد يقع الرفث والفسوق في الحج من بعضِ الناسِ بخلاف نفي الجدال في أمر الحج فإنه عامٌّ... " وهذا يتمشَّى على عُرْفِ النحويين فإنهم يقولون: لا العاملةُ عملَ " ليس " لنفي الوَحْدة، والعاملةُ عملَ " إنَّ " لنفي الجنس، قالوا: ولذلك يُقال: لا رجلَ فيها بل رجلان أو رجال إذا رفعت، ولا يَحْسُن ذلك إذا بَنَيْتَ اسمَها أو نَصَبْتَ بها. وتوسَّط بعضُهم فقال: التي للتبرئة نصٌّ في العمومِ، وتلك ليست نَصَّاً، والظاهرُ أنَّ النكرةَ في سياق النفي مطلقاً للعموم.......

    قوله: { وَيُشْهِدُ ظ±للَّهَ } في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنها عطفٌ على " يُعْجِبَك " ، فهي صلةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب أو صفةٌ، فتكونُ في محلِّ رفعٍ على حَسَبِ القول في " مَنْ ". والثاني: أن تكونَ حاليةً، وفي صاحبِها حينئذٍ وجهان، أحدهُما: أنه الضميرُ المرفوعُ المستكنُّ في " يعجبك " ، والثاني: أنه الضميرُ المجرُور في " قوله " تقديرُه: يُعْجِبُك أَنْ يقولَ في أمر الدنيا، مُقْسِماً على ذلك. وفي جَعْلها حالاً نظرٌ من وجهين، أحدهُما: من جهةِ المعنى، والثاني من جهةِ الصناعة، وأمَّا الأول فلأنه يَلْزَمُ منه أن يكونَ الإعجابُ والقولُ مقيدين بحالٍ والظاهرُ خلافهُ. وأمَّا الثاني فلأنه مضارع مثبتٌ فلا يَقَعُ حالاً إلا في شذوذٍ، نحو: " قُمْتُ وأصُكُّ عينه، أو ضرورةً نحو:
    894 ـ....................... نَجَوْتُ وأَرْهُنُهم مالِكا
    وتقديرُه مبتدأً قبلَه على خلافِ الأصلِ، أي: وهو يُشْهِدُ.

    والجمهورُ على ضَمِّ حرفِ المضارعة وكسرِ الهاء، مأخوذاً من أَشْهَدَ ونصبِ الجلالة مفعولاً به. وقرأ أبو حيوة وابن محيصن بفتحهِما ورفعِ الجلالةِ فاعلاً، وقرأ أُبيّ: " يستشهد الله ". فأمَّا قراءةُ الجمهور وتفسيرُهم فإن المعنى: يَحْلف بالله ويُشْهده إنه صادق، وقد جاءَتِ الشهادةُ بمعنى القَسَم في آية اللِّعان، قيل: فيكونُ اسمُ الله منتصباً على حَذْفِ حرفِ الجر أي: يُقْسِمُ بالله، وهذا سهوٌ من قائِله، لأنَّ المستعملَ بمعنى القسَم " شَهِد " الثلاثي لا " أَشْهَد " الرباعي، لا تقولُ: أُشْهِد بالله، بل: أَشْهَدُ بالله، فمعنى قراءةِ الجمهور: يَطَّلِعُ الله على ما في قلبه، ولا يَعْلَمُ به أحدٌ لشدةِ تكتُّمِه

    وأمَّا تفسيرُ الجمهورِ فيحتاجُ إلى حَذْفِ ما يَصِحُّ به المعنى، تقديرُه: وَيْحْلِفُ بالله على خِلافِ ما في قلبه، لأنَّ الذي في قلبه هو الكفرُ، وهو لا يَحْلِفُ عليه، إنما يَحْلِفُ على ضدِّه وهو الذي يُعْجِبُ سامعَه، ويُقَوِّي هذا التأويلَ قراءةُ أبي حيوة؛ إذ معناها: وَيطَّلِعُ الله على ما في قلبه من الكفر....

    يظ°أَيُّهَا ظ±لَّذِينَ آمَنُواْ ظ±دْخُلُواْ فِي ظ±لسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ظ±لشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }

    قولُه تعالى: { ظ±لسِّلْمِ }: قرأ هنا " السَّلْم " بالفتحِ نافعُ والكسائي وابن كثير، والباقون بالكَسْر، وأمَّا التي في الأنفال فلم يَقْرَأها بالكسر إلا أبو بكر وحدَه عن عاصم، والتي في القتال فلم يَقْرأْها بالكسر إلا حمزةُ وأبو بكر وحدَه عن عاصم، والتي في القتال فلم يَقْرَأْها بالكسر إلا حمزةُ وأبو بكر أيضاً، وسيأتي. فقيل: هما بمعنىً وهو الصلحُ، ويُذَكَّر ويُؤَنَّث، قال تعالى:
    { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَظ±جْنَحْ لَهَا }
    ، وحَكَوْا: " بنو فلان سِلْمٌ وسَلْمٌ " ، وأصلُه من الاستسلام وهو الانقيادُ، ويُطْلَقُ على الإِسلامِ، قاله الكسائي وجماعة، وأنشدوا:
    906 ـ دَعَوْتُ عشيرتي للسِّلْمِ لَمَّا رأيُتُهمُ تَوَلَّوا مُدْبِرِينا
    يُنْشَد بالكسر، وقال آخر في المفتوح:
    907 ـ شرائِعُ السَّلْم قد بانَتْ معالِمُها فما يَرى الكفرَ إلا مَنْ بِه خَبَلُ
    فالسِّلْمُ والسَّلْمُ في هذين البيتين بمعنى الإِسلام، إلاَّ أنَّ الفَتْح فيما هو بمعنى الإِسلام قليلٌ. وقرىء " السَّلَم " بفتحِهِما، وقيل: بل هما مختلفا المعنى: فبالكسر الإِسلامُ وبالفتحِ الصلحُ.


    الدر المصون

    قوله: { مِّنَ ظ±لْغَمَامِ } فيه وجهانِ، أحدُهما: أنه متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه صفةٌ لـ " ظُلَل " التقدير: ظُلَلٍ كائنةٍ من الغَمام. و " مِنْ " على هذا للتبعيضِ.

    والثاني: أنها متعلقةٌ بـ " يأتيهم " ، وهي على هذا لابتداءِ الغاية،/ أي: من ناحيةِ الغمام.

    والجمهور: " الملائكةُ " رفعاً عطفاً على اسم " الله ". وقرأ الحسن وأبو جعفر: " والملائكةِ " جراً وفيه وجهان، أحدُهما: الجر عطفاً على " ظُلَلٍ " ، أي: إلا أن يأتيهم في ظللٍ وفي الملائكة؛ والثاني: الجر عطفاً على " الغمام " أي: من الغمام ومن الملائكة، فتوصفُ الملائكة بكونِهَا ظُللاً على التشبيه.....

    البقرة

  10. #505
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    قوله: { حَتَّىظ° يَقُولَ } قرأ الجمهورُ: " يقولُ " نصباً، وله وجهان، أحدُهما: أنَّ " حتى " بمعنى " إلى " ، أي: إلى أن يقولَ، فهو غايةٌ لما تقدَّم من المسِّ والزلزالِ، و " حتى " إنما يُنْصَبُ بعدها المضارعُ المستقبلُ، وهذا قد وقع ومَضَى. فالجوابُ: أنه على حكايةِ الحالِ، حكى تلك الحالَ. والثاني: أنَّ " حتى " بمعنى " كي " ، فتفيدُ العِلَّةَ، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ قولَ الرسول والمؤمنين ليس علةً للمسِّ والزلزالِ، وإن كان ظاهرُ كلامِ أبي البقاء على ذلك فإنه قال: " ويُقْرَأ بالرفعِ على أن يكونَ التقديرُ: زُلْزِلُوا فقالوا: فالزَّلْزَلَةُ سببُ القولِ " و " أَنْ " بعد " حتى " مضمرةٌ على كِلا التقديرين. وقرأ نافع برفِعِهِ على أنَّه حالٌ، والحالُ لا يُنْصَبُ بعد " حتى " ولا غيرِها، لأنَّ الناصبَ يُخَلِّصُ للاستقبالِ فتَنَافيا.

    واعلم أنَّ " حتى " إذا وَقَعَ بعدها فعلٌ: فإمَّا أن يكونَ حالاً أو مستقبلاً أو ماضياً، فإنْ كان حالاً رُفِعَ نحو: " مَرِض حتى لا يَرْجونه " أي في الحال. وإن كان مستقبلاً نُصِبَ، تقول: سِرْتُ حتى أدخلَ البلدَ وأنت لم تدخُلْ بعدُ. وإن كان ماضياً فتحكيه، ثم حكايتُك له: إمَّا أَنْ تَكونَ بحسَب كونِهِ مستقبلاً، فتنصبَه على حكايةِ هذه الحالِ، وإمَّا أن يكونَ بحسَبِ كونِهِ حالاً، فترفَعَهُ على حكايةِ هذه الحالِ، فيصدُقُ أن تقولَ في قراءةِ الجماعةِ: حكايةُ حالٍ، وفي قراءةِ نافع أيضاً: حكايةُ حالٍ. وإنَّما نَبَّهْتُ على ذلك لأنَّ عبارةَ بعضِهم تَخُصُّ حكايةً الحالِ بقراءةِ الجمهورِ، وعبارَةَ آخرين تَخُصُّها بقراءةِ نافع. قال أبو البقاء في قراءةِ الجمهور: " والفعلُ هنا مستقبلٌ حُكِيت به حالُهم والمعنى على المُضِيِّ " وكان قد تقدَّم أنه وجَّه الرفعَ بأنَّ " حتى " للتعليلِ.

    البقرة الدر المصون

    قوله: { فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ } الجارُّ خبرٌ مقدمٌ، و " إثمٌ " مبتدأٌ مؤخر، وتقديمُ الخبرِ هنا ليس بواجبٍ وإن كان المبتدأُ نكرةً، لأنَّ هنا مسوغاً آخر، وهو الوصفُ أو العطفُ، ولا بد من حَذْفِ مضافٍ أيضاً، أي: في تعاطِيهما إثمٌ، لأنَّ الإِثمَ ليس في ذاتِهما.

    وقرأ حمزةُ الكسائي: " كثيرٌ " بالثاء المثلثة، والباقونَ بالباء ثانيةِ الحروفِ. ووجهُ قراءةِ الجمهور واضح، وهو أن الإِثمَ يُوصف بالكِبرَ، ومنه آية
    { حُوباً كَبِيراً }
    [النساء: 2]. وسُمِّيت الموبِقات: " الكبائر " ، ومنه قولُه تعالى:
    { يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ظ±لإِثْمِ }
    [الشورى: 37]، وشربُ الخمرِ والقمارُ من الكبائرِ، فناسب وصفُ إثمهما بالكِبَر، وقد أجمعَتِ السبعةُ على قوله: " وإثْمهما أكبرُ " بالباء الموحَّدة، وهذه توافقها لفظاً.

    وأمَّا وجهُ قراءة الأَخَوَين: فإمَّا باعتبارِ الآثمين من الشاربين والمقامرين فلكلِّ واحدٍ إثمٌ، وإما باعتبارِ ما يترتب على تعاطيهما من توالي العقابِ وتضعيفه، وإمّا باعتبارِ ما يترتَّبُ على شُرْبها مِمَّا يصدُر من شاربها من الأقوال السيئة والأفعال القبيحةِ، وإمَّا باعتبار مَنْ يزاولها من لَدُنْ كانت عِنباً إلى أن شُربَتْ، فقد لَعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمر، ولعن معها عشرةً: بائِعَها ومُبتاعَها، فناسَب ذلك أن يُوصَف إثمُها بالكثرةِ. وأيضاً فإن قوله: " إثم " مقابلٌ لـ " منافع " و " منافع " جمعٌ، فناسَبَ أن تُوصفَ مقابلةً بمعنى الجمعية وهو الكَثْرَةُ. وهذا الذي ينبغي أن يفعله الإِنسانُ في القرآن، وهو أن يَذْكر لكلِّ قراءةٍ توجيهاً من غير تعرُّضٍ لتضعيفِ القراءة الأخرى كما فعل بعضهُم، وقد تقدَّم فصلٌ صالحٌ من ذلك في قراءَتَيْ: " مَلِكَ " و " مالِك ".

    وقال أبو البقاء: " الأحسنُ القراءةُ بالباء لأنه يُقال: إثمٌ كبير وصغير، ويُقال في الفواحش العظامِ " الكَبائرُ " ، وفيما دونَ ذلك " الصغائرُ " وقد قُرىء بالثاءِ وهو جَيدٌ في المعنى، لأن الكثرةَ كِبر، والكثيرَ كبيرٌ، كما أنَّ الصغيرَ حقيرٌ ويَسيرٌ.....

  11. #506
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    قوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي: هذا التقدير بالحولين لمريدي إتمام الرضاعة. وقرأ مجاهد بتاءين «أن تتم الرضاعةُ» وبالرفع، وهي رواية الحلبي عن عبد الوارث. وقد نبّه ذكر التمام على نفي حكم الرضاع بعد الحولين، وأكثر القراء على فتح راء «الرضاعة»، وقرأ طلحة بن مُصرِّف، وابن أبي عبلة، وأبو رجاء، بكسرها، قال الزجاج: يقال: الرضاعة بفتح الراء وكسرها، والفتح أكثر، ويقال: ما حمله على ذلك إلا اللؤم والرضاعة بالفتح هاهنا لا غير.

    قوله تعالى: { لا تكلَّف نفس إِلا وسعها } أي: إلا ما تطيقه. { لا تُضارَّ والدةٌ بولدها } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبان عن عاصم { لا تضارُّ } برفع الراء، وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي بنصبها، قال أبو عليّ: من رفع، فلأجل المرفوع قبله، وهو «لا تكلفُ» فأتبعه بما قبله ليقع تشابه اللفظ، ومن نَصب جعله أمراً، وفتح الراء لتكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف، قال ابن قتيبة: معناه: لا تضارر، فأدغمت الراء في الراء. وقال سعيد بن جبير: لا يحملنّ المطلقة مضارة الزوج أن تلقي إليه ولده. وقال مجاهد: لا تأبى أن ترضعه ضراراً بأبيه، ولا يضارّ الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه، ليحزنها بذلك. وقال عطاء، وقتادة، والزهري، وسفيان، والسدي في آخرين. إذا رضيت بما يرضى به غيرها، فهي أحق به، وقرأ أبو جعفر «لا تضار» بتخفيفها وإسكانها......

    وفي قوله تعالى: { إِذا سلّمتم ما آتيتم بالمعروف } قولان. أحدهما: إذا سلَّمتم أيها الآباء إِلى أمهات الأولاد أُجور ما أرضعن قبل امتناعهن، قاله مجاهد، والسدي. والثاني: إذا سلمتم إلى الظئر أجرها بالمعروف، قاله سعيد بن جبير، ومقاتل. وقرأ ابن كثير { ما أتيتم } بالقصر، قال أبو علي: وجهه أن يقدر فيه: ما أتيتم نقده أو سوقه، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه [فكأن التقدير: ما آتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة] كما تقول: أتيت جميلاً، أي: فعلته.

    زاد المسير

    قوله: { عَلَى ظ±لْمُوسِعِ قَدَرُهُ } ، جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وفيها قولان، أحدُهما: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب، بل هي استئنافيَّةٌ بَيَّنَتْ حالَ المُطَلِّقِ بالنسبةِ إلى إيسارِهِ وإقتارِهِ. والثاني: أنها في موضعِ نصبٍ على الحالِ، وذو الحال/ فاعل " متِّعوهن ". قال أبو البقاء: " تقديرُهُ: بقَدر الوُسْع " ، وهذا تفسير معنىً. وعلى جَعْلِهَا حاليةً فلا بُدَّ من رابطٍ بينها وبين صاحبها، وهو محذوفٌ تقديرهُ: على الموسِع منكم. ويجوزُ على مذهبِ الكوفيين ومَنْ تابعهم أن تكونَ الألفُ واللامُ قامَتْ مقامَ الضميرِ المضافِ إليه تقديرُهُ: " على مُوْسِعِكُم قَدَرُه ".

    وقرأ الجمهورُ: " المُوسِعِ " بسكونِ الواو وكسرِ السينِ اسمَ فاعِلٍ من أَوْسع يُوسع. وقرأ أبو حيوة بفتح الواو والسين مشددة، اسمَ مفعولٍ من " وسَّعَ ". وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وحفص: " قَدَرَه " بفتحِ الدالِ في الموضعين، والباقون بسكونِها.

    واختلفوا: هل هما بمعنىً واحدٍ أو مختلفان؟ فذهب أبو زيد والأخفش وأكبرُ أئمةِ العربيةِ إلى أنهما بمعنىً واحدٍ، حكى أبو زيد: " خُذْ قَدَر كذا وقَدْر كذا " ، بمعنى واحدٍ، قال: " ويُقْرَأُ في كتابِ اللَّهِ: " فسالتْ أوديةٌ بقدَرها " و " قَدْرها " ، وقال:
    { وَمَا قَدَرُواْ ظ±للَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }
    [الرعد: 17] ولو حُرِّكَت الدالُ لكان جائزاً. وذهبَ جماعةٌ إلى أنهما مختلفانِ، فالساكنُ مصدرٌ والمتحركُ اسمٌ كالعَدِّ والعَدَدِ والمَدِّ والمَدَد، وكأنَّ القَدْر بالتسكين الوُسْعُ، يقال: " هو يُنفق على قَدْرِهِ " أي وُسْعِهِ. وقيل: بالتسكين الطاقةُ، وبالتحريك المقدارُ. قال أبو جعفر: " وأكثرُ ما يُسْتَعْمَل بالتحريكِ إذا كان مساوياً للشيءِ، يُقال: " هذا على قدَر هذا ".

    وقرأ بعضهم بفتحِ الراء، وفي نصبِه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ منصوباً على المعنى، قال أبو البقاء: " وهو مفعولٌ على المعنى، لأنَّ معنى " مَتِّعوهن " لِيُؤَدِّ كلٌّ منكم قدَرَ وُسْعِهِ " وشَرْحُ ما قاله أن يكونَ من باب التضمين، ضَمَّنَ " مَتِّعوهنَّ " معنى " أدُّوا ". والثاني: أن يكونَ منصوباً بإضمارِ فعلٍ تقديرُهُ: فَأَوْجِبوا على الموسِعِ قَدَره. وجعله أبو البقاء أجودَ من الأول. وفي السجاوندي: " وقال ابن أبي عبلة: " قَدَرَه أي قَدَرَه الله " انتهى. وظاهِرُ هذا أنه قرأ بفتحِ الدالِ والراءِ، فيكونُ " قَدَرَه " فعلاً ماضياً، وجَعَلَ فيه ضميراً فاعلاً يعودُ على اللِّهِ تعالى، والضميرُ المنصوبُ يعود على المصدرِ المفهومِ من " مَتِّعوهن ". والمعنى: أنَّ الله قَدَرَ وكَتَبَ الإِمتاعَ على المُوسِعِ وعلى المُقْتِرِ.

    السمين

    قوله تعالى: { وَظ±لَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ } فيه ثمانية أوجهٍ، أحدُها: أنه مبتدأ، و " وصيةًٌ " مبتدأٌ ثانٍ، وسَوَّغَ الابتداءَ بها كونُها موصوفةً تقديراً، إذ التقديرُ: " وصيةٌ من الله " أو " منهم " على حَسَبِ الخلافِ فيها: أهي واجبةٌ من الله أو مندوبةٌ للأزواج؟ و " لأزواجِهم " خبرُ المبتدأ الثاني فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، والمبتدأُ الثاني وخبرُهُ خبرُ الأولِ. وفي هذه الجملةِ ضميرُ الأولِ. وهذه نظيرُ قولِهِم: " السمنُ مَنَوانِ بدرهمٍ " تقديرُهُ: مَنَوانِ منه، وجَعَلَ ابنُ عطية المسوِّغَ للابتداء بها كونَها في موضِعِ تخصيصٍ. قال: " كما حَسُنَ أَنْ يرتفعَ: " سلامٌ عليك " و " خيرٌ بين يديك " لأنها موضعُ دعاءٍ " وفيه نظرٌ.

    والثاني: أن تكونَ " وصيةٌ " مبتدأٌ، و " لأزواجِهم " صفتَها، والخبرُ محذوفٌ، تقديرُهُ: فعليهم وصيةٌ لأزواجِهم، والجملةُ خبرُ الأول.

    والثالث: أنها مرفوعةٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: كُتِبَ عليهم وصيةٌ، و " لأزواجهم " صفةٌ، والجملةُ خبرُ الأولِ أيضاً. ويؤيِّد هذا قراءةُ عبدِ الله: " كُتِبَ عليهم وصيةٌ " وهذا من تفسيرِ المعنى لا الإِعرابِ، إذ ليس هذا من المواضعِ التي يُضْمَرُ فيها الفعْلُ.

    الرابع: " أن " الذينَ " مبتدأٌ على حَذْفِ مضافٍ من الأولِ تقديرُهُ: ووصيةُ الذين.

    والخامسُ: أنه كذلك إلا أنه على حَذْفِ مضاف من الثاني: تقديرُهُ: " والذين يُتَوَفَّوْنَ أهلُ وصية " ذكر هذين الوجهين الزمخشري. قال الشيخ: " ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك ".

    وهذه الأوجُهُ الخمسةُ فيمنَ رَفَع " وصيةٌ " ، وهم ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم، والباقونَ يَنْصِبُونها، وارتفاعُ " الذين " على قراءتهم فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه فاعلُ فعلٍ محذوفٍ تقديرُهُ: وَلْيُوصِ الذين، ويكون نصبُ " وصية " على المصدر. والثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مبني للمفعولِ يتعدَّى لاثنين، تقديرُه: وأُلْزِم الذين يُتَوَفَّوْنَ/ ويكونُ نصبُ " وصية " على أنها مفعولٌ ثانٍ لألْزِمَ، ذكره الزمخشري. وهو والذي قبلَه ضعيفان؛ لأنه ليس من مواضع إضمار الفعل. والثالث: أنه مبتدأٌ وخبرُهُ محذوفٌ، وهو الناصبُ لوصية تقديرُهُ: والذين يُتَوَفَّوْنَ يُوصُون وصيةً، وقَدَّرَهُ ابنُ عطية: " لِيوصوا " ، و " وصيةً " منصوبةٌ على المصدرِ أيضاً. وفي حرفِ عبد الله: " الوصيةُ " رفعاً بالابتداء والخبرُ الجارُّ بعدها، أو مضمرٌ أي: فعليهم الوصيةُ: والجارُّ بعدَها حالٌ أو خبرٌ ثانٍ أو بيان.

  12. #507
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ظ±للَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَظ°لِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ }

    قوله تعالى: { فَأْذَنُواْ }: قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصمٍ: " فآذِنوا " بألف بعد الهمزةِ، والباقون بدونِ ألف، ساكنَ الهمزةِ.

    فالأُولى من آذَنَه بكذا أي: أَعْلمه كقولِهِ:
    { فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىظ° سَوَآءٍ }
    [الأنبياء: 109] والمعنى: أَعْلِمُوا غيرَكم. أُمِرَ المخاطبون بتركِ الربا أَنْ يُعْلِمُوا غيرَهم مِمَّنْ هو على حالهم في المَقامِ بالرِّبا بمحاربةِ اللِّهِ ورسولِهِ، فالمفعولُ هنا محذوفٌ، وقد صَرَّحَ به الشاعرُ في قولِهِ:
    1114 - آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
    وفي قولِهِ تعالى: { آذَنتُكُمْ }. وقيل: الهمزةُ في " فَأْذَنُوا " للصيرورةِ لا للتعديةِ، والمعنى: صِيروا عالِمين بالحربِ، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ كبير.

    وقراءةُ الباقين أَمْرٌ من: أَذِنَ يَأْذَنُ أي عَلِمَ يَعْلَمُ أي: فاعلَموا يُقال: أَذِن به فهو أَذِين، أي: عَلِمَ به فهو عليم.

    ورجَّح جماعةٌ قراءةَ حمزةَ. قال مكيّ: " لولا أَنَّ الجماعَةَ على القصرِ لكان الاختيارُ المدَّ. ووجَّه ذلك أن آذَنَ بالمدِّ أَعَمُّ من أَذِنَ بالقصر، لأنهم إذا أَعلمُوا غيرَهم فقد عَلِموا هم ضرورةً، من غيرِ عكسٍ، أو يَعْلَمُون هم بأنفسِهم ولا يَعْلَمُ غيرُهُم ". قال: " وبالقصرِ قرأ علي بن أبي طالب وجماعةٌ ".

    وعَكَسَ أبو حاتمٍ فرجَّح قراءةَ القصرِ، واستبعدَ قراءةَ المَدِّ قال: " إذ الأمرُ فيه بالحربِ لغيرِهم والمرادُ هم؛ لأنهم المخاطَبون بتركِ الربا " وهذا الذي قالَه غيرُ لازمٍ؛ لأنك إذا كنتَ على حالةٍ فقلتُ لك يا فلان: " أعلِمْ فلاناً أنه مرتكبُ قبيحاً " وهو شيءٌ مماثِلٌ لِما أنت عليه عِلِمْتَ قطعاً أنك مأمورٌ به أيضاً، بل هو أَبْلَغُ من أمري لك مواجهةً. وكذلك قال ثعلب، قال: " الاختيارُ قراءةُ العامة من الإِذن لأنه يُفَسِّر كونوا على إذْنٍ وعِلْمٍ، ولأنَّ الكلامَ يَجْرى به على وجهٍ واحدٍ وهو أَدَلُّ على المرادِ، وأقربُ في الأفهام ". وقال أبو عبيدة: " يقال: أَذِنْتُه بالشيء فَأَذِنَ به " ، أي: عَلِمَ، مثل: أَنْذَرْتُهُ بالشيء فَنَذِرَ به، فجعله مطاوعاً لأفْعَلَ.

    وقال أبو عليّ: " وإذا أُمرِوا بإعلامِ غيرِهم عَلِموا هم لا محالَةَ، ففي إعلامِهِم علمُهم، ليس في علمِهم إعلامُهم غيرَهم، فقراءةُ المدِّ أرجحُ لأنها أبلغُ وأكدُ.

    وقال الطبري: " قراءةُ القصرِ أَرْجَحُ لأنها تختصُّ بهم، وإنما أُمِرُوا على قراءةِ المدِّ بإعلام غيرِهم ".

    وقال الزمخشري: " وقُرِىء فآذِنُوا: فَأَعْلِموا بها غيرَكم، وهو من الإِذْن وهو الإِسماع، لأنه من طرق العلمِ. وقرأ الحسنُ: " فَأَيْقِنُوا " وهو دليلٌ لقراءةِ العامةِ " يعني بالقصرِ، لأنها نصٌّ في العلمِ لا في الإِعلام.

    وقال ابنُ عطية: " والقراءتان عندي سواءٌ، لأنَّ المخاطَبَ محصورٌ، لأنه كلُّ مَنْ لا يَذَرُ ما بقي من الربا.....

    وقرأ الجمهورُ الأولَ مبنياً للفاعلِ والثاني مبنياً للمفعولِ. ورَوَى أبان والمفضَّلُ عن عاصم بالعكسِ. ورجَّح الفارسي قراءةَ العامةِ بأنها تناسِبُ قولَه: { وَإِنْ تُبْتُمْ } في إسنادِ الفعلين إلى الفاعلِ، فَتَظْلِمُون مبنياً للفاعل أَشْكَلُ بما قبله. وقال أبو البقاء: " يُقْرَأُ بتسمية الفاعل في الأول وتَرْكِ التسميةِ في الثاني. ووجهُه أنَّ مَنْعَهم من الظلمِ أهمُّ فبُدِىءَ به، ويُقرأ بالعكسِ، والوجهُ فيه أنه قَدَّمَ ما تطمئِنُّ به نفوسُهم من نفيِ الظلمِ عنهم، ثم مَنَعَهم من الظلمِ، ويجوزُ أن تكونَ القراءتان بمعنى واحدٍ لأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ......

    سمين

    وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " فَتُذِكِرَ " بتخفيفِ الكافِ ونصبِ الراءِ من أَذْكَرْتُه أي: جَعَلْتُه ذاكراً للشيءِ بعدَ نِسْيانِه، فإنَّ المرادَ بالضلالِ هنا النسيانُ كقولِه تعالى:
    { فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ظ±لضَّالِّينَ }
    [الشعراء: 20] وأنشدوا الفرزدق:
    1126 ـ ولقد ضَلَلْتَ أباكَ يَدْعُو دارمِاً كضلالِ ملتمسٍ طريقَ وِبارِ
    فالهمزةُ في " أَذْكَرْتُه " للنقلِ والتعديةِ، والفعلُ قبلَها متعدٍّ لواحدٍ، فلا بُدَّ من آخرَ، وليسَ في الآية إلا مفعولٌ واحدٌ فلا بُدَّ من اعتقادِ حذفِ الثاني، والتقديرُ فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى الشهادةَ بعد نِسْيانِها إن نَسِيَتْهَا، وهذا التفسيرُ هو المشهورُ.

    وقد شَذَّ بعضُهم فقال: " معنى فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى أي: فتجعلَها ذَكَراً، أي: تُصَيِّرُ حكمَها حكمَ الذَّكَرِ في قَبولِ الشهادةِ. وروى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: " فَتُذَكِّر إحداهما الأخرى بالتشديدِ فهو من طريقِ التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تَذْكُرين إذ شَهِدْنا كذا يومَ كذا في مكان كذا على فلانٍ أو فلانة، ومَنْ قرأ " فَتُذْكِرَ " بالتخفيف فقال: إذا شَهِدَتِ المرأةُ ثم جاءَتِ الأخرى فَشَهِدَتْ معها فقد أَذْكَرَتْها لقيامِهما مقامَ ذَكَر " ولم يَرْتَضِ هذا من أبي عمرو المفسرون وأهلُ اللسان، بل لم يُصَحِّحوا روايةَ ذلك عنه لمعرفتِهم بمكانتِه من العلمِ، ورَدُّوه على قائله من وجوهٍ منها: أنَّ الفصاحةَ تقتضي مقابلةَ الضلالِ المرادِ به النسيانُ بالإِذكار والتذكيرِ، ولا تناسُبَ في المقابلةِ بالمعنى المنقولِ عنه. ومنها: أنَّ النساءَ لو بَلَغْنَ ما بلغْنَ من العَدَدِ لا بد معهنَّ مِنْ رجلٍ يَشْهَدُ معهم، فلو كان ذلك المعنى صحيحاً لذكَّرَتْها بنفسِها من غيرِ انضمامِ رجلٍ، هكذا ذَكَروا، وينبغي أَنْ يكونَ ذلك فيما يُقْبَلُ فيه الرجلُ مع المرأتينِ، وإلاَّ فقد نَجِدُ النساءَ يَتَمَحَّضْنَ في شهاداتٍ من غيرِ انضمامِ رجلٍ إليهنَّ، ومنها: أنها لو صَيَّرَتْها ذَكَراً لكان ينبغي أَنْ يكونَ ذلك في سائرِ الأحكامِ، ولا يُقْتَصرُ به على ما فيه.....

    وقرأ عاصم هنا " تجارةً " بالنصب، وكذلك " حاضرةً " لأنها صفتُها، وفي النساء وافقه الأخوان، والباقون قرؤوا بالرفعِ فيهما. فالرفعُ فيه وجهان، أحدُهما: أنها التامةُ أي: إلا أَنْ تَحْدُثَ أو تقعَ تجارةً، وعلى هذا فتكونُ " تُديرونها " في محلِّ رفعٍ صفةً لتجارةً أيضاً، وجاء هنا على الفصيحِ، حيث قَدَّم الوصفَ الصريحَ على المؤول....

    والثاني: ان تكونَ الناقصةَ، واسمُها " تجارةٌ " والخبرُ هو الجملةُ من قوله: " تُديرونها " كأنه قيل: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ مدارةً، وسَوَّغ مجيءَ اسمِ كان نكرةً وصفُه، وهذا مذهبُ الفراء وتابعه آخرون.

    وأمَّا قراءةُ عاصم فاسمُها مضمرٌ فيها، فقيل: تقديرُه: إلا أَنْ تكونَ المعاملةُ أو المبايَعَةُ أو التجارةُ. وقَدَّره الزجاج إلاَّ أَنْ تكونَ المداينةُ، وهو أحسنُ. وقال الفارسي: " ولا يجوزُ أن يكونَ التداينُ اسمَ كان لأنَّ التداينَ معنىً، والتجارةُ الحاضرةُ يُراد بها العينُ، وحكمُ الاسمِ أن يكونَ الخبرَ في المعنى، والتدايُن حَقٌّ في ذمةِ المستدينِ، للمدين المطالبةُ به، وإذا كان كذلك لم يَجُزْ أن يكونَ اسمَ كان لاختلافِ التداينِ والتجارةِ الحاضرةِ " وهذا الذي قاله الفارسي لا يَظْهَرُ رداً على أبي إسحاق، لأن التجارةَ أيضاً مصدرٌ، فهي معنىً من المعاني لا عينٌ من الأعيان، وبين الفارسي والزجاج محاورةٌ لأمرٍ ما.

    وقال الفارسيّ أيضاً: " ولا يجوزُ أيضاً أَنْ يكونَ اسمَها " الحقُّ " الذي في قوله: " فإن كان الذي عليه الحق " للمعنى الذي ذكرنا في التداين، لأنَّ ذلك الحقَّ دَيْنٌ، وإذا لم يَجُزْ هذا لم يَخْلُ اسمُ كان من أحدِ شيئين، أحدُهما: أنَّ هذه الأشياءَ التي اقتضَتْ من الإِشهادِ والارتهانِ قد عُلِم من فحواها التَبايعُ، فأضمرَ التبايعَ لدلالةِ الحالِ عليه كما أضمرَ لدلالةِ الحال فيما حكى سيبويه: " إذا كان غداً فأتني " ويُنْشَدُ على هذا ":
    1132 ـ أعينيَّ هَلاَّ تبكِيان عِفاقا إذا كان طَعْناً بينهم وعِناقا
    أي: إذا كان الأمر. والثاني: أن يكونَ أضمرَ التجارة كأنه قيل: إلا أن تكونَ التجارةُ تجارةً، ومثلُه ما أنشدَه الفراء:
    1133 ـ فَدىً لبني ذُهْلِ بن شيبانَ ناقتي إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْهَبَا
    وأنشد الزمخشري:
    1134 ـ بني أسدٍ هل تَعْلَمُون بلاءنا إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْنَعا
    أي: إذا كان اليومُ يوماً. و " بينكم " ظرفٌ لتُديرونها.

    البقرة 282

    قوله: { فَرِهَانٌ } فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ، أي: فيكفي [عن] ذلك رُهُنٌ مقبوضةٌ. الثاني: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ أي: فرُهُن مقبوضة تكفي. الثالث: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه: فالوثيقةُ أو فالقائمُ مقامُ ذلك رُهُنٌّ مقبوضةٌ.

    وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: " فَرُهُنٌّ " بضم الراء والهاء، والباقون " فَرِهَانٌ " بكسر الراء وألف بعد الهاء، رُوي عن ابن كثير وأبي عمرو تسكينُ الهاءِ في رواية.

    فأمَّا قراءةُ ابن كثير فجمع رَهْن، وفَعل يُجْمع على فُعل نحو: سَقْف وسُقُف. ووقع في أبي البقاء بعد قوله: " وسَقْف وسُقُف، وأَسَد وأُسُد، وهو [وهم] " ولكنهم قالوا: إن فُعُلاً جَمعُ فَعْل قليل، وقد أورد منه الأخفش ألفاظاً منها: رَهْن ورُهُن، ولَحْد القبر ولُحُد، وقَلْب النخلة وقُلُب، ورجلٌ ثَطٌّ وقومٌ ثُطٌّ، وفرس وَرْدٌ وخيلٌ وُرُدٌ، وسهم حَشْر وسهام حُشُر. وأنشد أبو عمرو حجةً لقراءتهِ قولَ قعنب:
    1135 ـ بانَتْ سعادُ وأمسى دونَها عدنُ وَغلَّقَتْ عندَها مِنْ قبلِك الرُّهُنُ
    وقال أبو عمرو: " وإنما قَرَأت فَرُهُن للفصلِ بين الرهانِ في الخيلِ وبين جمع " رَهْن " في غيرها " ومعنى هذا الكلام أنما اخترتُ هذه القراءةَ على قراءة " رهان " ، لأنه لا يجوزُ له أَنْ يفعلَ ذلك كما ذَكَر دونَ اتِّباع روايةٍ.

    واختار الزجاجِ قراءتَه هذه قال: " وهذه القراءة وافَقَت المصحفَ، وما وافقَ المصحفَ وصَحَّ معناه، وقَرَأت به القُرَّاء فهو المختارُ ". قلت: إن الرسم الكريم " فرهن " دون ألفٍ بعد الهاء، مع أنَّ الزجاج يقول: " إنَّ فُعُلاً جمعَ فَعْلٍ قليلٌ " ، وحُكي عن أبي عمرو أنه قال: " لا أعرفُ الرِّهان إلا في الخيل لا غير ". وقال يونس: " الرَّهْنُ والرِّهان عربيان، والرُّهُنْ في الرَّهْنِ أكثرُ، والرِّهان في الخيلِ أكثرُ "

  13. #508
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    قوله تعالى: { يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ظ±لْعَيْنِ وَظ±للَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذظ°لِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ظ±لأَبْصَارِ } قال أبو عليّ: الرؤية في هذه الآية رؤية عين؛ ولذلك تعدّت إلى مفعول واحد. قال مكيّ والمهدويّ: يدل عليه { رَأْيَ الْعَيْنِ }. وقرأ نافع «تَرَوْنَهُم» بالتاء والباقون بالياء. { مِّثْلَيْهِمْ } نصب على الحال من الهاء والميم في «ترونهم». والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار. وأنكر أبو عمرو أن يقرأ «ترونهم» بالتاء؛ قال: ولو كان كذلك لكان مِثليكم. قال النحاس: وذا لا يلزم، ولكن يجوز أن يكون مِثلى أصحابكم. قال مكيّ: «تَرَوْنَهُم» بالتاء جرى على الخطاب في { لَكُم } فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط؛ ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى:
    { حَتَّىظ° إِذَا كُنتُمْ فِي ظ±لْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }
    [يونس: 22]، وقوله تعالى:
    { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ }
    [الروم: 39] فخاطب ثم قال:
    { فَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لْمُضْعِفُونَ }
    [الروم: 39] فرجع إلى الغيبة. فالهاء والميم في { مِثْلَيْهِم } يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثليْ ما هم عليه من العدد؛ وهو بعيد في المعنى؛ لأن الله تعالى لم يُكْثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قلَّلَهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مِثليْكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلَّلَ الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مِثَليْ عِدّتهم لتقوى أنفُسهم ويقع التجاسُر، وقد كانوا أُعلِموا أنّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وقلّل المسلمين في أعين المشركين ليجْتَرئوا عليهم فينْفُذ حكم الله فيهم.

    ويحتمل أن يكون الضمير في { مِثليْهِم } للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مِثليْ ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم مثليْ عددكم؛ فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. والتأويل الأوّل أولى؛ يدل عليه قوله تعالى:
    { إِذْ يُرِيكَهُمُ ظ±للَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً }
    [الأنفال: 43] وقوله:
    { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ظ±لْتَقَيْتُمْ فِيغ¤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً }
    [الأنفال: 44]. وروى عن ظ±بن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة. فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً. وحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضِعفيْهم. وضعَّف الطبري هذا القول. قال ظ±بن عطية: وكذلك هو مردود من جهات. بل قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدّم. وعلى هذا التأويل كان يكون «ترون» للكافرين، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، على ما تقدّم. وزعم الفرّاء أنّ المعنى تروْنَهم مثلَيْهم ثلاثةَ أمثالهم. وهو بعيدٌ غير معروف في اللغة. وقال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس؛ لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساوياً له، ونعقِل مثليْه ما يساويه مرتين. قال ظ±بن كَيْسان: وقد بين الفرّاء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبدٌ: أحتاج إلى مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله. وتقول: أحتاج إلى مثليه، فأنت محتاج إلى ثلاثة. والمعنى على خلاف ما قال، واللغةُ. والذي أوقع الفرّاء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر؛ فتوهّم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عِدّتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه. وإنما أراهم الله على غير عِدّتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك. والأخرى أنه آية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى. وأمّا قراءة الياء فقال ظ±بن كيسان: الهاء والميم في { يرونهم } عائدة على { وَأُخْرَى كَافِرَةٌ } والهاء والميم في { مثليْهم } عائدة على { فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ } وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: { يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ }. فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مِثْلَي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤية هنا لليهود. وقال مكيّ: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية الفئة الكافرة؛ أي ترى الفئةُ المقاتلة في سبيل الله الفئةَ الكافرة مثْلَي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقلّلهم الله فى أعينهم على ما تقدّم. والخطاب في { لكم } لليهود. وقرأ ظ±بن عباس وطلحة «تُرَوْنَهم» بِضم التاء، والسلميّ بالتاء مضمومة على ما لم يسم فاعله.

    القرطبي

    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ظ±للَّهِ وَيَقْتُلُونَ ظ±لنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ظ±لَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِظ±لْقِسْطِ مِنَ ظ±لنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }

    قوله تعالى: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يَكْفُرُونَ }: لَمَّا ضُمِّن هذا الموصولُ معنى الشرطِ دَخَلَتِ الفاءُ في خبرِه، وهو قولُه: فبشِّرْهُم، وهذا هو الصحيحُ، أعني أنه إذا نُسِخَ المبتدأُ بـ " إنَّ " فجوازُ دخولِ الفاءِ باقٍ، لأن المعنى لم يتغيَّرْ، بل ازدادَ تأكيداً، وخَالَف الأخفشُ فمنعَ دخولَها مع نَسْخِة بـ " إنَّ " ، والسماعُ حُجَّةٌ عليه كهذِه الآية، وكقوله:
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ فَتَنُواْ ظ±لْمُؤْمِنِينَ وَظ±لْمُؤْمِنَاتِ }
    [البروج: 10] الآية، وكذلك إذا نُسِخَ ب " لكنَّ " كقوله:
    1210ـ فوالله ما فَارَقْتُكُمْ عن مَلالةٍ ولكنَّ ما يُقْضَى فسوف يكون
    وكذلك إذا نُسِخَ بـ " أنَّ " المفتوحة كقوله تعالى:
    { وَظ±عْلَمُوغ¤ا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ [خُمُسَهُ] }
    [الأنفال: 41]، أمَّا إذا نُسِخَ بليت ولعل وكان امتنعتِ الفاءُ عند الجميعِ لتغيُّرِ المعنى.

    قوله: { وَيَقْتُلُونَ } قرأ حمزة " ويُقاتلِون " من المقاتلة، والباقون: " ويَقْتُلون " كالأولِ، فأمَّا قراءةُ حمزةَ فإنه غايَرَ فيها بين الفعلين وهي موافقةٌ لقراءةِ عبد الله: " وقاتِلوا " من المقاتلة، إلاَّ أنَّه أتى بصيغةِ الماضي، وحمزةُ يُحْتمل أن يكونَ المضارعُ في قراءتِه لحكاية الحالِ ومعناه المضيُّ. وأمَّا الباقون فقيل في قراءتهم: إنما كَرَّر الفعلَ لاختلافِ متعلَّقه، أو كُرِّر تأكيداً، وقيل: المرادُ بأحدِ القَتْلين تفويتُ الروحِ وبالآخرِ الإِهانةُ، فلذلك ذَكَر كلَّ واحدٍ على حِدَتِه، ولولا ذلك لكان التركيبُ " ويقتلون النبيين والذين يَأْمُرون ".

    وقرأ الحسن: " ويُقَتِّلون " بالتشديد ومعناه التكثيرُ،

    السمين

  14. #509
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    قوله تعالى: { بما كنتم تعلِّمون الكتاب } قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو: تعْلَمون، باسكان العين، ونصب اللام. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: تعلِّمون مثقلاً، وكلهم قرؤوا: «تدرسون» خفيفة. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، وسعيد بن جبير، وطلحة بن مصرِّف، وأبو حيوه: تُدرِّسون، بضم التاء مع التشديد. والدراسة: القراءة. قال الزجاج: ومعنى الكلام: ليكن هديكم ونيتكم في التعليم هدي العلماء والحكماء، لأن العالم إنما يستحق هذا الاسم إذا عمل بعلمه....

    { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ }

    قوله تعالى: { ولا يأمركم أن } قرأ ابن عامر، وحمزة، وخلف، ويعقوب، وعاصم في بعض الروايات عنه، وعبد الوارث، عن أبي عمرو، واليزيدي في اختياره، بنصب الراء. وقرأ الباقون برفع الراء، فمن نصب كان المعنى: وما كان لبشر أن يأمركم، ومن رفع قطعه مما قبله. قال ابن جريج: ولا يأمركم محمد...

    واختلف العلماء في لام «لما» فقرأ الأكثرون «لما» بفتح اللام والتخفيف، وقرأ حمزة مثلها، إلا أنه كسر اللام، وقرأ سعيد بن جبير «لما» مشدَّدة الميم، فقراءة ابن جبير، معناها: حين آتيتكم. وقال الفراء في قراءة حمزة: يريد أخذ الميثاق للذي آتاهم، ثم جعل قوله: { لتؤمنن به } من الأخذ. قال الفراء: ومن نصب اللام جعلها زائدة. و «ما» هاهنا بمعنى الشرط والجزاء، فالمعنى: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم شيئاً من كتاب وحكمة. قال ابن الأنباري: اللام في قوله تعالى: { لما آتيتكم } على قراءة من شدَّد أو كسر: جواب لأخذ الميثاق، قال: لأن أخذ الميثاق يمين، وعلى قراءة من خففها، معناها: القسم، وجواب القسم اللام في قوله: { لتؤمنن به }. وإنما خاطب، فقال: آتيتكم. بعد أن ذكر النبيين وهم غيَّب، لأن في الكلام معنى قول وحكاية، فقال مخاطباً لهم: لما آتيتكم وقرأ نافع «آتيناكم» بالنون والألف.

    زاد المسير ال عمران

  15. #510
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,783
    { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ }

    قوله تعالى: { وَمَا يَفْعَلُواْ }: قرأ الأخوان وحفص: " يفعلوا " و " يُكْفَروه " بالغيبة، والباقون بالخطاب، فالغيبةُ مراعاةٌ لقوله: { مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } فَجَرى على لفظِ الغَيْبة، أَخْبَرَنَا تعالى أنَّ " ما يفعلوا " مِنْ خير بَقِي لهم غيرَ مكفورٍ. والخطابُ على الرجوعِ إلى خطاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قولِه: " كنتم ". ويجوزُ أَنْ يكون التفاتاً من الغَيْبة في قوله { أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } إلى آخره إلى خطابهم، وذلك أنه آنَسَهم بهذا الخطابِ، ويؤيِّد ذلك أنه اقتَصَر على ذِكْر الخير دونَ الشرِّ ليزيدَ في التأنيسِ، ويدلُّ على ذلك قراءةُ الأَخَوين، فإنها كالنص في أنَّ المرادَ قولُه { أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ }.

    و " كَفَر " يتعدَّى لواحد، فكيف تعدَّى هنا لاثنين، أولُهما قام مقامَ الفاعل، والثاني: الهاءُ في " يُكْفروه "؟ فقيل: إنه ضُمِّنَ معنى فعلٍ يتعدَّى لاثنين وهو " حَرَم " فكأنه قِيل: فَلَنْ تُحْرَمُوه، و " حَرَم " يتعدَّى لاثنين.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •