صفحة 29 من 39 الأولىالأولى ... 19252627282930313233 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 421 إلى 435 من 582

الموضوع: جواهر القراءات فى كتاب الله

  1. #421
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    قوله تعالى: { يُبَصَّرُونَهم } أي: يُعَرَّفُ الحميم حميمَه حتى يَعْرِفَه، وهو مع ذلك لا يسأل عن شأنه. ولا يكلِّمه اشتغالاً بنفسه. يقال: بَصَّرْتُ زيداً كذا: إذا عَرَّفْتَهُ إيَّاه. قال ابن قتيبة: معنى الآية لا يَسْأَلُ ذو قرابة عن قرابته، ولكنهم يُبَصَّرُونَهم، أي: يُعَرَّفُونَهم. وقرأ قتادة، وأبو المتوكل، وأبو عمران: «يُبْصِرُونَهم» بإسكان الباء، وتخفيف الصاد، وكسرها.....

    نَزَّاعةً لِلشَّوى } قرأ الجمهور «نَزَّاعةٌ للشوى» بالرفع على معنى: هي نزَّاعة. وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي عبلة، وحفص عن عاصم «نَزَّاعةً» بالنصب.

    قال الزجاج: وهذا على أنها حال مؤكدة، كما قال تعالى:
    { هو الحق مصدقاً }
    [فاطر: 31] ويجوز أن ينصب على معنى «إنها تتلظى نزاعة»...

    زاد مسير

    قوله: { إِلَىظ° نُصُبٍ } متعلِّقٌ بالخبرِ. والعامَّةُ على " نَصْبٍ " بالفتح والإِسكان، وابنُ عامر وحفصٌ بضمتين، وأبو عمران الجوني ومجاهد بفتحتَيْن، والحسنُ وقتادةُ بضمةٍ وسكون. فالأُولى هو اسمٌ مفردٌ بمعنى العَلَم المنصوبِ الذي يُسْرِع الشخصُ نحوَه. وقال أبو عمروٍ: " هو شَبَكَةُ الصائدِ يُسْرِع إليها عند وقوعِِ الصيدِ فيها مخافةَ انفلاتِه ". وأمَّا الثانيةُ فتحتمل ثلاثَة أوجهٍ. أحدها:/ أنه اسمٌ مفردٌ بمعنى الصَّنَمِ المنصوبِ للعبادة، وأنشد للأعشى:
    4337ـ وذا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَعْبُدَنَّه لعاقبةٍ واللَّهَ ربَّك فاعْبُدَا
    الثاني: أنه جمعُ نِصاب ككُتُب في كِتاب. الثالث: أنه جمعُ نَصْبٍ نحو: رَهْن في رُهُن، وسَقْف في سُقُف، وهذا قولُ أبي الحسن. وجَمْعُ الجمعِ أَنْصاب. وأمَّا الثالثةُ فَفَعَل بمعنى مَفْعول، أي: مَنْصوب كالقَبَضِ والنَّقَضِ. والرابعةُ تخفيفٌ من الثانية

    در مصون

  2. #422
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    { وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً }

    قوله: { وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً }: يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ عَطْفِ الخاص على العام إنْ قيل: إنَّ هذه الأسماءَ لأصنامٍ، وأن لا يكونَ إنْ قيل: إنها أسماءُ رجالٍ صالحينَ على ما ذُكر في التفسير. وقرأ نافع " وُدّاً " بضم الواوِ، والباقون بفتحها، وأُنْشِدَ بالوَجْهَيْن قولُ الشاعر:
    4344ـ حَيَّاكَ وَدٌّ فإنَّا لا يَحِلُّ لنا لَهْوُ النساءِ وإنَّ الدين قد عزما
    وقول الآخر:
    4345ـ فحيَّاكِ وَدٌّ مِنْ هُداكِ لفِتْيَةٍ وخُوْصٍ بأعلى ذي فُضالةَ مُنْجِدِ
    قوله: { وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ } قرأهما العامَّةُ بغير تنوين. فإن كانا عربيَّيْن فالمنعُ من الصَرْف للعلميَّةِ والوزن، وإن كانا أعجميَّيْن فللعلميَّةِ والعُجْمة. وقرأ الأعمش: " ولا يَغُوْثاً ويَعُوْقاً " مصورفَيْن. قال ابن عطية: " وذلك وهمٌ: لأنَّ التعريفَ لازمٌ ووزنَ الفعل " انتهى. وليس بوهمٍ لأمرَيْن، أحدهما: أنه صَرَفَهما للتناسُبِ، إذ قبله اسمان منصرفان، وبعده اسمٌ منصرفٌ، كما صُرِفَ " سلاسل ". والثاني: أنه جاء على لغةِ مَنْ يَصْرِفُ غيرَ المنصرِف مطلقاً. وهي لغةٌ حكاها الكسائيُّ.

    ونقل أبو الفضل الصَّرْفَ فيهما عن الأشهبِ العُقَيْليِّ ثم قال: " جَعَلهما فَعُولاً؛ فلذلك صرفهما، فأمَّا في العامَّة فإنهما صفتان من الغَوْث والعَوْق ". قلت: وهذا كلامٌ مُشْكِلٌ. أمَّا قولُه: " فَعُولاً " فليس بصحيحٍ، إذ مادةُ " يغث " و " يعق " مفقودةٌ. وأمَّا قولُه: " صفتان من الغَوْث والعَوْق " فليس في الصفاتِ ولا في الأسماءِ " يَفْعُل " والصحيحُ ما قَدَّمْتُه. وقال الزمخشري: " وهذه قراءةٌ مُشْكِلة؛ لأنهما إنْ كانا عربيَّيْنِ أو أعجميَّيْنِ ففيهما مَنْعُ الصَّرْفِ، ولعله قَصَدَ الازدواجَ فصرَفهما. لمصادفتِه أخواتِهما منصرفاتٍ: وَدَّاً وسُوعاً ونَسْراً ". قال الشيخ: " كأنه لم يَطَّلعْ على أنَّ صَرْفَ ما لا ينصرفُ لغةٌ ".

  3. #423
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    قوله تعالى:

    { مِّمَّا خَطَايَاهُمْ أُغْرِقُواْ } «ما» صلة مؤكدة، والمعنى من خطاياهم. وقال الفرّاء: المعنى من أجل خطاياهم، فأدّت «ما» هذا المعنى. قال: و«ما» تدل على المجازاة. وقراءة أبي عمرو «خَطَايَاهُمْ» على جمع التكسير، الواحدة خطيّة. وكان الأصل في الجمع خطائيّ على فعائل، فلما اجتمعت الهمزتان قلبت الثانية ياء، لأن قبلها كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل، وهو معتلّ مع ذلك، فقلبت الياء ألفاً ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين. الباقون «خَطيئَاتِهِمْ» على جمع السلامة. قال أبو عمرو: قوم كفروا ألف سنة فلم يكن لهم إلا خطيّات، يريد أن الخطايا أكثر من الخطيّات. وقال قوم: خطايا وخطيّات واحد، جمعان مستعملان في الكثرة والقلّة، واستدلّوا بقوله تعالى:
    { مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ظ±للَّهِ }
    [لقمان:71] وقال الشاعر:
    لنا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يلمعْنَ بِالضّحَى وأسيافُنا يَقْطُرْنَ مِن نَجْدةٍ دَمَا
    وقرىء «خطيئاتهم» و«خطِيّاتِهم» بقلب الهمزة ياء وإدغامها. وعن الجَحْدَرِيّ وعمرو بن عبيد والأعمش وأبي حَيْوة وأشهب العقيلي «خطيئتِهِم» على التوحيد، والمراد الشرك

    قرطبي

  4. #424
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    { وَأَنَّهُ تَعَالَىظ° جَدُّ رَبِّنَا مَا ظ±تَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً }

    { وَأَنَّهُ تَعَـظ°لَىظ° جَدُّ رَبّنَا } اختلفوا في قراءة (أن) هذه وما بعدها إلى
    { وَأَنَّا مِنَّا ظ±لْمُسْلِمُونَ }
    [الجن: 14] وتلك اثنتا عشرة، فقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص بفتح الهمزة فيهن ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة: ما هنا
    { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ }
    [الجن: 4]
    { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ }
    [الجن: 6] وقرأ الباقون بكسرها في الجميع. واتفقوا على الفتح في
    { أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ }
    [الجن: 1]
    { وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ }
    [الجن: 18] لأن ذلك لا يصح أن يكون من قول الجن بل هو مما أوحى بخلاف الباقي فإنه يصح أن يكون من قولهم ومما أوحي. واختلفوا في
    { أَنَّهُ لَمَّا قَامَ }
    [الجن: 19] فقرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة والباقون بفتحها كذا فصله بعض الأجلة وهو المعول عليه. ووجه الكسر في (أن) هذه وما بعدها إلى
    { وَأَنَّا مِنَّا ظ±لْمُسْلِمُونَ }
    [الجن: 14] ظاهر كالكسر في
    { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً }
    [الجن: 1] لظهور عطف الجمل على المحكي بعد القول ووضوح اندراجها تحته، وأما وجه الفتح ففيه خفاء ولذا اختلف فيه فقال الفراء والزجاج والزمخشري: هو العطف على محل الجار والمجرور فى
    { فَآمَنَّا بِهِ }
    [الجن: 2] كأنه قيل صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا وأنه كان يقول سفيهنا وكذلك البواقي ويكفي في إظهاره المحل إظهار مع المرادف وليس من العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار الممنوع عند البصريين في شيء وإن قيل به هنا بناء على مذهب الكوفيين المجوزين له ولو قيل إنه بتقدير الجار لاطراد حذفه قبل أن وإن لكان سديداً كما في «الكشف».

    وضعف مكي العطف على ما في حيز { آمَنَّا } فقال: فيه بعد في المعنى لأنهم لم يخبروا أنهم آمنوا بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به ولا أنهم آمنوا بأنه كان رجال إنما حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين عن أنفسهم لأصحابهم. وأجيب عن الذاهبين إليه بأن الإيمان والتصديق يحسن في بعض تلك المعطوفات بلا شبهة فيمضي في البواقي ويحمل على المعنى على حد قوله:
    وزججن الحواجب والعيونا
    فيخرج على ما خرج عليه أمثاله فيؤول صدقنا بما يشمل الجميع أو يقدر مع كل ما يناسبه. وقال أبو حاتم هو العطف على نائب فاعل { أُوحِيَ } أعني { أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ } كما في { أَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ } على أن الموحى عين عبارة الجن بطريق الحكاية كأنه قيل قل أوحي إليَّ كيت وكيت وهذه العبارات. وتعقب بأن حكاية عباراتهم تقتضي أن تكون (أن) في كلامهم مفتوحة الهمزة ولا يظهر ذلك إلا أن يكون في كلامهم ما يقتضي الفتح كاسمعوا أو اعلموا أو نخبركم لكنه أسقط وقت الحكاية، ولا يظهر لإسقاطه وجه وعلى تقدير الظهور فالفتح ليس لأجل العطف فإن النائب عن الفاعل عليه مجموع كل جملة على إرادة اللفظ دون المنسبك من (أن) وما بعدها وإلا لما صح أن يقال الموحى كيت وكيت وهذه العبارات فإن كانت (أن) في كلامهم مكسورة الهمزة وصحت دعوى أن الحكاية اقتضت فتحها مع صحة إرادة هذه العبارات معه فذاك وإلا فالأمر كما ترى فافهم وتأمل.

    الوسي

    وقال السمين

    قوله: { وَأَنَّهُ تَعَالَىظ° جَدُّ رَبِّنَا }: قرأ الأخَوان وابن عامر وحفص بفتح " أنَّ " وما عُطِف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمةً، والباقون بالكسرة. وقرأ ابنُ عامر وأبو بكرٍ " وإنه لَمَّا قام " بالكسرة، والباقون بالفتح، واتفقوا على الفتحِ في قوله: { وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } وتلخيص هذا: أن " أنَّ " المشددةَ في هذه السورةِ على ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ ليس معه واوُ العطفِ، فهذا لا خلاف بين القُرَّاءِ في فتحِه أو كسرِه. على حسبِ ما جاءَتْ به التلاوةُ واقْتَضَتْه العربيةُ، كقولِه: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ } لا خلافَ في فتحِه لوقوعِه موقعَ المصدرِ وكقوله:
    { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً }
    [الجن: 1] لا خلافَ في كسرِه لأنه محكيٌّ بالقول.

    القسم الثاني أَن يقترنَ بالواوِ، وهو أربعَ عشرةَ كلمةً، إحداها: لا خلاف في فتحِها وهي: قولُه تعالى:
    { وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ لِلَّهِ }
    [الجن: 18] ـ وهذا هو القسم الثالث ـ والثانية:
    { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ }
    [الجن: 19] كَسَرَها ابنُ عامرٍ وأبو بكر، وفتحها الباقون. والاثنتا عشرةَ الباقيةُ: فَتَحها الأخوان وابن عامرٍ وحفص، وكسرها الباقون، كما تقدَّم تحريرُ ذلك كلِّه. والاثنتا عشرةَ هي قولُه: { وَأَنَّهُ تَعَالَىظ° جَدُّ رَبِّنَا } ،
    { وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ }
    [الجن: 4]
    { وَأَنَّا ظَنَنَّآ }
    [الجن: 5]
    { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ }
    [الجن: 6]
    { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ }
    [الجن: 7]
    { وَأَنَّا لَمَسْنَا }
    [الجن: 8]
    { وَأَنَّا كُنَّا }
    [الجن: 9]
    { وَأَنَّا لاَ نَدْرِيغ¤ }
    [الجن: 10]
    { وَأَنَّا مِنَّا ظ±لصَّالِحُونَ }
    [الجن: 11]
    { وَأَنَّا ظَنَنَّآ }
    [الجن: 12]
    { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا }
    [الجن: 13]
    { وَأَنَّا مِنَّا ظ±لْمُسْلِمُونَ }
    [الجن: 14]. وإذا عَرَفْتَ ضَبْطَها من حيث القراءاتُ فالتفِتْ إلى توجيهِ ذلك.

    وقد اختلف الناسُ/ في ذلك فقال أبو حاتم في الفتح: " هو معطوفٌ على مرفوعِ " أُوْحِيَ " فتكونُ كلُّها في موضعِ رفعٍ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه ". وهذا الذي قاله قد رَدَّه الناسُ عليه: مِنْ حيث إنَّ أَكثرَها لا يَصِحُّ دخولُه تحت معمولِ " أُوْحِي " ألا ترى أنه لو قيل: أوُحي إليِّ أنَّا لَمَسْنا السماءَ، وأنَّا كُنَّا، وأنَّا لا نَدْري، وأنَّا منَّا الصالحون، وأنَّا لمَّا سَمِعْنا، وأنَّا مِنَّا المسلمون لم يَسْتَقِمْ معناه. وقال مكي: " وعَطْفُ " أنَّ " على
    { آمَنَّا بِهِ }
    [الجن: 2] أتَمُّ في المعنى مِنْ العطفِ على " أنَّه استمعَ " لأنك لو عَطَفْتَ
    { وَأَنَّا ظَنَنَّآ }
    [الجن: 5]
    { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا }
    [الجن: 13]
    { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ظ±لإِنسِ }
    [الجن: 6]
    { وَأَنَّا لَمَسْنَا }
    [الجن: 8]، وشِبْهَ ذلك على
    { أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ }
    [الجن: 1] لم يَجُزْ؛ لأنه ليس مِمَّا أُوْحِي، إليه، إنما هو أمرٌ أو خبر، وأنه عن أنفسهم، والكسرُ في هذا أَبْينُ، وعليه جماعة مِنْ القُراءِ.

    الثاني: أنَّ الفتحَ في ذلك عَطْفٌ على مَحَلِّ " به " مِنْ " آمَنَّا به ". قال الزمخشري: " كأنه قال: صَدَّقْناه وصَدَّقْناه أنه تعالى جَدُّ رَبَّنا، وأنَّه كان يقولُ سفيهُنا، وكذلك البواقي " ، إلاَّ أنَّ مكيَّاً ضَعَّفَ هذا الوجهَ فقال: والفتحُ في ذلك على الحَمْلِ على معنى " آمَنَّا به " وفيه بُعْدٌ في المعنى؛ لأنهم لم يُخْبِروا أنهم آمنوا بأنَّهم لَمَّا سَمِعوا الهدى آمنوا به، ولم يُخْبِروا أنهم آمنوا أنه كان رجالٌ، إنما حكى اللَّهُ عنهم أنهم قالوا ذلك مُخْبِرين به عن أنفسِهم لأصحابِهم، فالكسرُ أَوْلى بذلك " وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ؛ فإنَّ المعنى على ذلك صحيحٌ.


    وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ. إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال: " فُتِحَتْ " أنَّ " لوقوع الإِيمانِ عليها، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ " أنَّ " نحو: صَدَقْنا وشَهِدْنا، كما قالت العربُ:
    4347ـ....................... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
    فنصَبَ " العيونَ " لإِتباعِها الحواجبَ، وهي لا تُزَجَّجُ. إنما تُكَحَّلُ، فأضمر لها الكُحْلَ " انتهى. فأشار إلى شيءٍ مِمَّا ذكرَه مكيٌّ وأجاب عنه. وقال الزجَّاج: " لكنَّ وجهَه أَنْ يكونَ محمولاً على معنى " آمنَّا به "؛ لأنَّ معنى " آمَنَّا به " صَدَّقْناه وعَلِمْناه، فيكون المعنى: صَدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ ربِّنا ".

    الثالث: أنه معطوفٌ على الهاء به " به " ، أي: آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا، وبأنه كان يقولُ، إلى آخره، وهو مذهب الكوفيين. وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه:
    { وَكُفْرٌ بِهِ وَظ±لْمَسْجِدِ ظ±لْحَرَامِ }
    [البقرة: 217] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً، قال رحمه الله: " وهو ـ يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ ـ في " أنَّ " أجوَدُ منه في غيرها، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع " أنَّ ".

    ووجهُ الكسرِ العطفُ على قوله:
    { إِنَّا سَمِعْنَا }
    [الجن: 1] فيكون الجميعُ معمولاً للقولِ، أي: فقالوا: إنَّا سَمِعْنا، وقالوا: إنَّه تعالى جَدُّ ربِّنا إلى آخرِه. وقال بعضُهم: الجملتان مِنْ قولِه تعالى:
    { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ }
    [الجن: 6]
    { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ }
    [الجن: 7] معترضتان بين قولِ الجنِّ، وهما مِنْ كلامِ الباري تعالى، والظاهرُ أنَّهما مِنْ كلامِهم، قاله بعضُهم لبعضٍ. ووجهُ الكسرِ والفتحِ في قولِه:
    { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ظ±للَّهِ }
    [الجن: 19] ما تقدَّم. ووَجْهُ إجماعِهم على فتح
    { وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ }
    [الجن: 18] وجهان، أحدُهما: أنَّه معطوفٌ على
    { أَنَّهُ ظ±سْتَمَعَ }
    [الجن: 1] فيكونُ مُوْحى أيضاً. والثاني: أنه على حَذْفِ حرفِ الجرِّ، وذلك الحرفُ متعلِّقٌ بفعل النهي، أي: فلا تَدْعوا مع اللَّهِ أحداً؛ لأنَّ المساجدَ للَّهِ، ذكرهما أبو البقاء.

    قال الزمخشري: " أنه استمع " بالفتح؛ لأنَّه فاعلُ " أُوْحي " و

    { إِنَّا سَمِعْنَا }
    [الجن: 1] بالكسرِ؛ لأنَّه مبتدأٌ مَحْكِيٌّ بعد القولِ، ثم تحملُ عليهما البواقي، فما كان مِنَ الوحي فُتِحَ، وما كان مِنْ قَوْل الجِنِّ كُسِرَ، وكلُّهُنَّ مِنْ قولِهم إلاَّ/ الثِّنْتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ وهما:
    { وَأَنَّ ظ±لْمَسَاجِدَ }
    [الجن: 18]
    { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ظ±للَّهِ }
    [الجن: 19]. ومَنْ فتح كلَّهن فعَطْفاً على مَحَلِّ الجارِّ والمجرور في
    { آمَنَّا بِهِ }
    [الجن: 2]، أي: صَدَّقْناه، وصَدَّقْنا أنه ".

    وقرأ العامَّةُ: { جَدُّ رَبِّنَا } بالفتح مضافاً لـ " رَبِّنا " ، والمرادُ به هنا العظمةُ. وقيل: قُدْرتُه وأمرُه. وقيل: ذِكْرُه. والجَدُّ أيضاً: الحَظُّ، ومنه قولُه عليه السلام: " ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ " والجَدُّ أيضاً: أبو الأبِ، والجِدُّ بالكسرِ ضِدُّ التَّواني في الأمر.

    وقرأ عكرمةُ بضمِّ باءِ " رَبُّنا " وتنوينِ " جَدٌّ " على أَنْ يكون " ربُّنا " بدلاً مِنْ " جَدٌّ " ، والجَدُّ: العظيم. كأنه قيل: وأنَّه تعالى عظيمٌ ربُّنا، فأبدل المعرفة من النكرةِ، وعنه أيضاً " جَدَّاً " منصوباً منوَّناً، " رَبُّنا " مرفوعٌ. ووجْهُ ذلك أَنْ ينتصِبَ " جَدَّاً " على التمييز، و " ورَبُّنا " فاعلٌ بـ " تعالى " وهو المنقولُ مِنْ الفاعليةِ، إذ التقديرُ: تعالى جَدُّ رَبِّنا، ثم صار تعالى ربُّنا جَدَّاً، أي: عَظَمةً نحو: تَصَبَّبَ زيدٌ عَرَقاً، أي: عَرَقُ زيدٍ. وعنه أيضاً وعن قتادةَ كذلك، إلاَّ أنَّه بكسرِ الجيم، وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، و " رَبُّنا " فاعلٌ بـ " تعالى " والتقدير: تعالى ربُّنا تعالِياً جدَّاً، أي: حقاً لا باطلاً. والثاني: أنَّه مصنوبٌ على الحالِ، أي: تعالى ربُّنا حقيقةً ومتمكِّناً قاله ابنُ عطية.

    وقرأ حميد بن قيس " جُدُّ ربِّنا " بضم الجيم مضافاً لـ " ربِّنا " وهو بمعنى العظيم، حكاه سيبويه، وهو في الأصل من إضافةِ الصفةِ لموصوفِها؛ إذ الأصلُ: ربُّنا العظيمُ نحو: " جَرْدُ قَطِيفة " الأصل قطيفة جَرْدٌ، وهو مُؤَول عند البَصْريين وقرأ ابن السَّمَيْفَع " جَدَى رَبِّنا " بألفٍ بعد الدال مضافاً لـ " ربِّنا ". والجَدى والجَدْوى: النَّفْعُ والعَطاء، أي: تعالى عَطاءُ ربِّنا ونَفْعُه.

    وقال ابن الجوزى

    وله تعالى: { وأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا } اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه السورة، وهي: «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنا ظننا»، «وأنه كان رجال»، «وأنهم ظنوا»، «وأنا لمسنا»، «وأنا كنا»، «وأنا لا ندري»، «وأنا منا»، «وأنا ظننا أن لن نعجز الله»، «وأنا لما سمعنا»، «وأنا منا»، ففتح الهمزة في هذه المواضع ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع «وأنه تعالى»،«وأنه كان يقول»، «وأنه كان رجال»،وكسر الباقيات. وقرأ الباقون بكسرهن. وقال الزجاج: والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه «أن» بالفتح، وما كان من قول الجن قيل «إن» بالكسر. معطوف على قوله تعالى: { إنا سمعنا قرآناً عجباً } وعلى هذا يكون المعنى: وقالوا: إنه تعالى جَدُّ ربنا، وقالوا: إنه كان يقول سفيهنا. فأما من فتح، فذكر بعض النحويين: يعني الفراء، أنه معطوف على الهاء في قوله تعالى: { فآمنا به } وبأنه تعالى جَدُّ رَبِّنا. وكذلك ما بعد هذا. وهذا رديء في القياس، لا يعطف على الهاء المتمكّنة المخفوضة إلا بإظهار الخافض. ولكن وجهه أن يكون محمولاً على معنى أمنَّا به، فيكون المعنى: وصدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ رَبِّنا

  5. #425
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    كادوا يكونون عليه لِبَداً } قرأ الأكثرون: «لبداً» بكسر اللام، وفتح الباء. وقرأ هشام عن ابن عامر، وابن محيصن «لُبَداً» بضم اللام، وفتح الباء مع تخفيفها. قال الفراء: ومعنى القراءتين واحد. يقال: لِبَدة، ولُبَدة. قال الزجاج: والمعنى: كاد يركب بعضهم بعضاً. ومنه اشتقاق اللبد الذي يفترش. وكل شيء أضفته إلى شيء فقد لَبَّدته. وقرأ قوم منهم الحسن، والجحدري: «لُبَّداً» بضم اللام مع تشديد الباء. قال الفراء: فعلى هذه القراءة يكون صفة للرجال، كقولك: رُكَّعاً وركوعاً، وسُجَّداً وسجوداً. قال الزجاج: هو جمع لابد، مثل راكع، وركَّع. وفي معنى الآية ثلاثة أقوال.

    أحدها: أنه إخبار الله تعالى عن الجن يحكي حالهم. والمعنى: أنه لما قام يصلي كاد الجن لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضاً، حِرْصاً على سماع القرآن، رواه عطية عن ابن عباس.

    والثاني: أنه من قول الجن لقومهم لما رجعوا إليهم، فوصفوا لهم طاعة أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع، والسجود، فكأنهم قالوا: لما قام يصلي كاد أصحابه يكونون عليه لبداً. وهذا المعنى في رواية ابن جبير، عن ابن عباس.

    والثالث: أن المعنى: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدَّعوة تلبَّدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه، ليبطلوا الحق الذي جاء به، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد.

    قوله تعالى: { قل إنما أدعوا ربي } قرأ عاصم، وحمزة: «قل إنما أدعو ربي» بغير ألف. وقرأ الباقون «قال» على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال مقاتل: إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك جئت بأمر عظيم، لم يسمع بمثله فارجع عنه، فنزلت هذه الآية.

    ابن الجوزى

  6. #426
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    لما ذكروا ما هدوا إليه من الحق في الله وفيمن كان يحملهم على الباطل، ذكروا عذرهم في اتباعهم للسفيه وفي وقوعهم في مواقع التهم، فقالوا مؤكدين لأن ما كانوا عليه من الكفر جدير بأن يظن أنه لا يخفى على أحد لشدة وضوح بطلانه: { وأنا } أي معشر المسلمين من الجن { ظننا } أي بما لنا من سلامة الفطر المقتضية لتحسين الظن بشهادة حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند أحمد " المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم " { أن } أي أنه، وزادوا في التأكيد لما مضى فقالوا: { لن تقول } وبدأوا بأفضل الجنسين فقالوا: { الإنس } وأتبعوهم قرناءهم فقالوا: { والجن } أي متخرصين { على الله } أي الملك الأعلى الذي بيده النفع والضر { كذباً * } أي قولاً هو لعراقته في مخالفة الواقع نفس الكذب، وهو في قراءة أبي جعفر بفتح القاف والواو المشددة المفتوحة مصدر من غير اللفظ، وإنما ظننا ذلك لما طبع عليه المجبول على الشهوات من تصديق الأشكال لا سيما إذا كان قولهم جازماً وعظيماً لا يقال مثله إلا بعد تثبت لا سيما إذا كان على ملك الملوك لا سيما إذا كان القائل كثيراً لا سيما إذا تأيدوا بجنس آخر، فصاروا لا يحصون كثرة، ولا تطيق العقول مخالفة جمع بهذه الصفة إلا بتأييد إلهي بقاطع نقلي، والآية على قراءة أبي جعفر من الاحتباك: فعل التقول أولاً دليل على فعل الكذب ثانياً، ومصدر الكذب ثانياً دليل على مصدر التقول أولاً، وسره أن التقول دال على التعمد فهو أفحش معنى والكذب أفحش لفظاً، وهذا مرشد إلى أنه لا ينبغي التقليد في شيء لأن الثقة بكل أحد عجز، وإنما ينكشف ذلك بالتجربة، والتقليد قد يجر إلى الكفر المهلك هلاكاً أبدياً، وإليه أرشد النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن النعمان ابن بشير رضي الله عنه بأن " من اتقى الشبهات استبرأ لديه وعرضه " وفي ذلك غاية الحث على أن الإنسان لا يقدم ولا يحجم في أصول الدين إلا بقاطع.

  7. #427
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة { لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـظ°لَـظ°تِ رَبِّهِمْ } قال ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلّغت عن الله، وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها، وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، واختاره ابن جرير، وقيل غير ذلك، كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله { إِلاَّ مَنِ ظ±رْتَضَىظ° مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } قال هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد { لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـظ°لَـظ°تِ رَبِّهِمْ } قال ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم، وفي هذا نظر. وقال البغوي قرأ يعقوب { لِيُعْلَمَ } بالضم، أي ليعلم الناس أن الرسل قد بلغوا. ويحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الله عز وجل،

  8. #428
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    قوله: { لاَّ تَخَافُ } العامَّةُ على " لا تَخاف " مرفوعاً، وفيه أوجهٌ، أحدها: أنه مستأنفٌ فلا محلَّ له من الإِعراب. الثاني: أنه في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل " اضرِبْ " أي: اضرب غيرَ خائفٍ. والثالث: أنه صفةٌ لـ " طريقاً " ، والعائدُ محذوفٌ أي لا تخافُ فيه.

    [وقرأ] حمزةُ وحدَه من السبعة " لا تَخَفْ " بالجزم على النهي. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ نَهْياً مستأنِفاً. الثاني: أنه نهيٌ أيضاً في محلِّ نصب على الحال من فاعل " اضرِبْ " أو صفةٌ لطريقاً، كما تقدَّم في قراءةِ العامَّةِ، إلاَّ أن ذلك يحتاج إلى إضمار قول أي: مقولاً لك، أو طريقاً مقولاً فيها: لا تخف. كقوله:
    3308ـ جاؤوا بمَذْقٍ هل رَأَيْتَ الذئبَ قَطّ
    الثالث: مجزومٌ على جوابِ الأمر أي: إن تضربْ طريقاً يَبَساً لا تَخَفْ.

    قوله: { وَلاَ تَخْشَىظ° } لم يُقْرأ إلاَّ ثابتَ الألفِ. وكان مِنْ حَقِّ مَنْ قرأ " لا تَخَفْ " جزماً أن يَقْرأ " لا تَخْشَ " بحذفِها، كذا قال بعضُهم. وليس بشيءٍ لأنَّ القراءةَ سُنَّةٌ. وفيها أوجه أحدها: أن تكونَ حالاً. وفيه إشكالٌ: وهو أنَّ المضارعَ المنفيَّ بـ " لا " كالمُثْبَتِ في عدمِ مباشرةِ الواو له. وتأويلُه على حذف مبتدأ أي: وأنت لا تَخْشَىظ° كقولِه:
    3309ـ........................ نَجَوْتُ وأَرْهَنُهـــم مالِكــا
    والثاني: أنه مستأنفٌ. أخبره تعالىظ° أنه لا يَحْصُل له خوفٌ.

    والثالث: أنه مجزومٌ بحذفِ الحركةِ تقديراً كقولِه:
    3310ـ إذا العَجوْزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ
    وقولِ الآخر:
    3311ـ........................ كَأَنْ لم تَرَى قبلي أسيراً يمانيا
    ومنه
    { فَلاَ تَنسَىظ° }
    [الأعلى: 6] في أحد القولين، إجراءً لحرفِ العلة مُجْرى الحرفِ الصحيح. وقد تقدَّم لك من هذا جملةٌ صالحة في سورةِ يوسف عند
    { مَن يَتَّقِ }
    [الآية: 90]. والرابع: أنه مجزومٌ أيضاً بحذفِ حرفِ العلةِ. وهذه الألفُ ليسَتْ تلك، أعني لامَ الكلمة، إنما هي ألفُ إشباع أُتِيَ بها موافقةً للفواصلِ ورؤوسِ الآي، فهي كالألفِ في قولِه:
    { ظ±لرَّسُولاَ }
    [الأحزاب: 66] و
    { ظ±لسَّبِيلاْ }
    [الأحزاب: 67] و
    { ظ±لظُّنُونَاْ }
    [الأحزاب: 10] وهذه الأوجهُ إنما يحتاجُ إليها في قراءةِ جزمِ " لا تَخَفْ ". وأمَّا من قرأه مرفوعاً فهذا معطوفٌ عليه.

    طه سمين

  9. #429
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    { إِنَّ لَكَ فِي ظ±لنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً }

    قوله: { سَبْحَاً }: العامَّةُ على الحاء المهملة وهو مصدرُ سَبَحَ، وهو استعارةٌ، استعارَ للتصرُّفِ في الحوائجِ السِّباحةَ في الماءِ، وهي البُعْدُ فيه. وقرأ يحيى بن يعمر وعكرمة وابنُ أبي عبلة سَبْخاً " بالخاء المعجمةِ. واختلفوا في تفسيرِها، فقال الزمخشري: " استعارةً مِنْ سَبْخِ الصُّوفِ: وهو نَفْشُه ونَشْرُ أجزائِه لانتشارِ الهَمِّ وتفرُّقِ القلبِ بالشواغل. وقيل: التَّسبيخُ: التخفيفُ، حكى الأصمعيُّ: سَبَخَ الله عَنَك الحُمَّى، أي: خَفَّفَها عنك. قال الشاعر:
    4366ـ فَسَبِّخْ عليكَ الهَمَّ واعلمْ بأنَّه إذا قَدَّرَ الرحمنُ شيئاً فكائِنُ
    أي: خَفِّفَ. ومنه " لا تُسَبِّخي بدُعائِك " ، أي: لا تُخَفِّفي. وقيل: التَّسْبيخ: المَدُّ. يقال: سَبِّخي قُطْنَكِ، أي: مُدِّيه، والسَّبيخة: قطعة من القطن. والجمعُ سبائخُ. قال الأخطل يصف صائِداً وكلاباً:
    4367ـ فأَرْسَلوهُنَّ يُذْرِيْنَ الترابَ كما يُذْرِيْ سبائخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوتارِ
    وقال أبو الفضل الرازي: " وقرأ ابن يعمرَ وعكرمة " سَبْخاً " بالخاء معجمةَ وقالا: معناه نَوْماً، أي: يَنامُ بالنهار ليَسْتعينَ به على قيام الليل. وقد تحتمِلُ هذه القراءةُ غيرَ هذا المعنى، لكنهما فَسَّراها فلا تَجاوُزَ عنه ". قلت: في هذا نظرٌ؛ لأنهما غايةُ ما في البابِ أنَّهما نقلا هذه القراءةَ، وظَهَرَ لهما تفسيرُها بما ذكرا، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذلك أنَّه لا يجوزُ غيرُ ما ذَكَرا مِنْ تفسيرِ اللفظة.

    قوله: { وَطْأً } قرأ أبو عمروٍ وابنُ عامر بكسرِ الواو وفتح الطاءِ بعدَها ألفٌ. والباقون بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادةُ وشبلٌ عن أهل مكة " وِطْئاً ". وظاهرُ كلامِ أبي البقاءِ يُؤْذِنُ أنه قُرِىء بفتحِ الواو مع المدِّ فإنه قال: " وِطاء ـ بكسرِ الواو ـ بمعنى: مُواطَأَة، وبفتحها اسمٌ للمصدر، و " وَطْئاً " على فَعْل، وهو مصدرٌ وَطِىءَ " فالوِطاءُ مصدرُ واطَأَ كقِتال مصدرِ قاتَل. والمعنى: أنها أشدُّ مواطَأةً، أي: يُواطِىءُ قلبُها لسانَها، إنْ أَرَدْتَ النفسَ، أو يُواطىء فيها قَلْبُ القائمِ لسانَه، إنْ أَرَدْتَ القيامَ أو العبادةَ أو الساعاتِ، أو أشدُّ موافقةً لِما يُراد من الخُشوعِ والإِخلاصِ، والوَطْءُ ـ بالفتح أو الكسرِ ـ على معنى: أشدُّ ثَباتَ قَدَمٍ وأَبْعدُ مِن الزّلَلِ، أو أثقلُ وأغلظُ مِنْ صلاةِ النهارِ على المصلِّي، من قولِه عليه السلام: " اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ " وعلى كلِّ تقدير فانتصابُه على التمييز.

    وقال الماتريدى

    قرئ: { وطاء } و { وَطْأً } ، فمن قرأ: { وطاء } بالمد، فتأويله من المواطأة، وهي الموافقة، أي: موافق للسمع، والبصر، والفؤاد؛ لأن القلب يكون أفرغ بالليالي عن الأشغال التي تحول المرء عن الوصول إلى حقيقة درك [معاني الأشياء]، وكذلك السمع والبصر يكون أحفظ للقرآن، وأشد استدراكا لمعانيه.

    ومن قرأه: { وَطْأً } ، فهو من الوطء بالأقدام؛ فتأويله: أنه أشد على البدن وأصعب؛ لأن المرء قد اعتاد التقلب والانتشار في الأرض بالنهار، ولم يعتد ذلك بالليل، بل اعتاد الراحة فيه، فإذا كلف القيام والانتصاب برجليه في الوقت الذي لم يعتد فيه القيام، كان ذلك أشد عليه وأصعب على بدنه...

    قوله: { وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } قرأ الكوفيون وابن كثير بنصبِهما، والباقون بجرِّهما. وفي الجرِّ إشكالٌ كما سيأتي. فالنصبُ نَسَقٌ على " أَدْنى " لأنه بمعنى: وَقْتٌ أَدْنى، أي: أقربُ. اسْتُعير الدنُوُّ لقُرْبِ المسافةِ في الزمانِ وهذا مطابقٌ لِما في أولِ السورةِ من التقسيمِ: وذلك أنَّه إذا قام أَدْنَى مِنْ ثُلُثي الليلِ صَدَقَ عليه أنه قام الليلَ إلاَّ قليلاً؛ لأنَّ الزمانَ الذي لم يَقُمْ فيه يكون الثلث وشيئاً من الثلثَيْن، فيَصْدُقُ عليه قولُه: " إلاَّ قليلاً ". وأمَّا قولُه " ونِصْفَه " فهو مطابقٌ لقولِه أولاً " نِصْفَه " وأمَّا قولُه: " وثُلُثَه " فإنَّ قولَه: { أَوِ ظ±نقُصْ مِنْهُ } قد ينتهي النَّقْصُ في القليل إلى أن يكونَ الوقتُ ثلثي الليلِ. وأمَّا قولُه: { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } فإنَّه إذا زاد على النصفِ قليلاً كان الوقتُ أقلَّ مِنَ الثلثَيْن. فيكونُ قد طابق أدْنى مِنْ ثلثي الليل، ويكون قولُه تعالى: { نِّصْفَهُ أَوِ ظ±نقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً } شَرْحاً لمُبْهَمِ ما دَلَّ عليه قولُه: { قُمِ ظ±لْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً }. وعلى قراءةِ النصبِ فَسَّر الحسنُ " تُحْصُوه " بمعنى تُطيقوه.

    وأمَّا قراءةُ الجرِّ فمعناها: أنه قيامٌ مُخْتَلِفٌ: مرةً أدنى من الثلثين، ومرةً أَدْنى من النصفِ، ومرةً أَدْنى من الثلثِ؛ وذلك لتعذُّرِ معرفةِ البشرِ بمقدارِ الزمانِ مع عُذْر النومِ. وقد أوضح هذا كلَّه الزمخشريُّ فقال: " وقُرِىء نصفَه وثلثَه بالنصبِ على أنك تقومُ أقلَّ من الثلثين، وتقومُ النصفَ والثلثَ وهذا مطابِقٌ لِما مَرَّ في أولِ السورةِ من التخيير: بين قيامِ النصفِ بتامِه، وين قيام الناقصِ منه، وهو الثلثُ، وبين قيامِ الزائدِ عليه، وهو الأَدْنَى من الثلثَيْن. وقُرِىء بالجرِّ، أي: تقومُ أقلَّ من الثلثَيْن وأقلَّ من النصفِ والثلثِ، وهو مطابقٌ للتخييرِ بين النَّصْفِ ـ وهو أَدْنى من الثلثين ـ والثلثِ ـ وهو أَدْنى من النصفِ ـ والرُّبُع ـ وهو أَدْنى من الثلثين ـ والثلثِ ـ وهو أَدْنى من النصفِ ـ والرُّبُع ـ وهو أدنى من الثلث ـ وهو الوجهُ الأخيرُ " انتهى. يعني بالوجهِ الأخير ما قَدَّمه أولَ السورة من التأويلات

    سمين

  10. #430
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    { وَظ±لرُّجْزَ فَظ±هْجُرْ }

    وقرأ حفص " والرُّجْزَ " بضمِّ الراء، والباقون بكسرِها، فقيل: لغتان بمعنىً. وعن أبي عبيدةَ: " الضمُّ أفشَى اللغتَيْن، وأكثرُهما ". وقال مجاهد: " هو بالضمِّ اسمُ صَنَمٍ، ويُعزَى للحسنِ البصري أيضاً، وبالكسر اسمٌ للعذابِ. وعلى تقديرِ كونِه العذابَ فلا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ أي: اهُجرْ أسبابَ العذابِ المؤدِّيةِ إليه، أو لإِقامةِ المُسَبَّبِ مُقامَ سببِه، وهو مجازٌ شائع.

    وقال الالوسي

    وقرأ الأكثرون (الرجز) بكسر الراء وهي لغة قريش ومعنى المكسور والمضموم واحد عند جمع، وعن مجاهد أن المضموم بمعنى الصنم والمكسور بمعنى العذاب وقيل المكسور النقائص والفجور والمضموم إساف ونائلة وفي «كتاب الخليل» الرجز بضم الراء عبادة الأوثان وبكسرها العذاب.

  11. #431
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    وَظ±للَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } * { وَظ±لصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ }

    قوله: { إِذْ أَدْبَرَ }: قرأ نافعٌ وحمزةُ وحفصٌ " إذ " ظرفاً لِما مضى مِنْ الزمانِ، " أَدْبَرَ " بزنةِ أَكْرَمَ. والباقون " إذا " ظرفاً لِما يُسْتقبل، " دَبَرَ " بزنةِ ضَرَبَ، والرسمُ محتملٌ لكلتَيْهما، فالصورةُ الخطيَّةُ لا تختلفُ. واختار أبو عبيد قراءةَ " إذا " قال: لأنَّ بعدَه " إذا أَسْفَرَ " قال: " وكذلك هي في حرفِ عبدِ الله " قلت: يعني أنَّه مكتوبٌ بألفَيْنِ بعد الذالِ أحدُهما ألفُ " إذا " والأخرى همزةُ " أَدْبَرَ ". واختار ابنُ عباس أيضاً " إذا " ويُحْكى أنَّه لَمَّا سَمِعَ " أَدْبَرَ " قال: " إنما يُدْبِر ظهرُ البعير ".

    واختلفوا: هل دَبَر وأَدْبَر، بمعنى أم لا؟ فقيل: هما بمعنىً واحدٍ/ يقال: دَبَر الليلُ والنهارُ وأَدْبَرَ، وقَبَلَ وأَقْبل. ومنه قولُهم " أمسٌ الدابرُ " فهذا مِنْ دَبَرَ، وأمسٌ المُدْبر قال:
    4394ـ........................... ............. ذهبوا كأمس الدابِر
    وأمَّا أَدْبَرَ الراكبُ وأَقْبل فرباعيٌّ لا غيرُ. هذا قولُ الفراء والزجاج. وقال يونس: " دَبَرَ انقضى، وأَدْبَرَ تَوَلَّى ففرَّق بينهما. وقال الزمخشري: " ودَبَرَ بمعنى أَدْبَرَ كقَبَل بمعنى أَقْبَلَ. قيل: ومنه صاروا كأمسٍ الدابرِ، وقيل: هو من دَبَرَ الليلُ النهارَ إذا خَلَفَه...


    { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ }

    قوله: { كَأَنَّهُمْ } هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً من الضمير في الجارِّ، وتكون بدلاً مِنْ " مُعْرِضِيْنَ " قاله أبو البقاء، يعني أنَّها كالمشتملة عيلها، وأنْ تكونَ حالاً من الضميرِ في " مُعْرِضِين " ، فتكونَ حالاً متداخلةً.

    وقرأ العامَّةُ " حُمُرٌ " بضمِّ الميم، والأعمش بإسكانِها. وقرأ نافعٌ وابنُ عامر بفتح الفاء مِنْ " مُسْتَنْفَرة " على أنه اسمُ مفعولٍ، أي: نَفَّرها القُنَّاص. والباقون بالكسرِ بمعنى: نافِرة: يُقال: استنفر ونَفَر بمعنى نحو: عَجِب واستعجب، وسخِر واسْتَسْخر. قال الشاعر:
    4398ـ أَمْسِكْ حِمارَكَ إنَّه مُسْتَنْفِرُ في إثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لغُرَّبِ
    وقال الزمخشري: " كأنها تطلُبُ النِّفار مِنْ نفوسِها في جَمْعِها له وحَمْلِها عليه " انتهى. فأبقى السينَ على بابِها من الطَّلَبِ، وهو معنى حسن.

    ورجَّحَ بعضُهم الكسرَ لقولِه " فَرَّتْ " للتناسُبِ. وحكى محمدُ ابنُ سَلاَّم قال: " سألتُ أبا سَوَّار الغَنَويَّ وكان عربياً فصيحاً، فقلت: كأنهم/ حُمُرٌ ماذا؟ فقال: مُسْتَنْفَرَة طَرَدَها قَسْورة. فقلت: إنما هو { فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } فقال: أفرَّتْ؟ قلت: نعم. قال: " فمُسْتَنْفِرة إذن " انتهى. يعني أنها مع قولِه " طَرَدها " تُناسِبُ الفتحَ لأنَّها اسمُ مفعولٍ فلما أُخْبر بأنَّ التلاوةَ { فَرَّتْ مِن قسْورة } رَجَعَ إلى الكسرِ للتناسُبِ، إلاَّ أنَ بمثلِ هذه الحكاية لا تُرَدُّ القراءةُ المتواترةُ

  12. #432
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    { فَإِذَا بَرِقَ ظ±لْبَصَرُ }

    تحير فزعاً وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره ومنه قول ذي الرمة:
    ولو أن لقمان الحكيم تعرضت لعينيه مي سافراً كاد يبرق
    ونظيره قمر الرجل إذا نظر إلى القمر فدهش بصره، وكذلك ذهب وبقر للدهش من النظر إلى الذهب والبقر فهو استعارة أو مجاز مرسل لاستعماله في لازمه أو في المطلق.

    وقرأ نافع وزيد بن ثابت وزيد بن علي وأبان عن عاصم وهارون ومحبوب كلاهما عن أبـي عمرو وخلق آخرون (برق) بفتح الراء فقيل هي لغة في (برق) بالكسر، وقيل هو من البريق بمعنى لمع من شدة شخوصه. وقرأ أبو السمال (بلق) باللام عوض الراء أي انفتح وانفرج يقال بلق الباب أبلقته وبلقته فتحته هذا قول أهل اللغة إلا الفراء فإنه يقول بلقه وأبلقه إذا أغلقه وخطأه ثعلب، وزعم بعضهم أنه من الأضداد. والظاهر أن اللام فيه أصلية، وجوز أن تكون بدلاً من الراء فهما يتعاقبان في بعض الكلم نحو نثر ونثل ووجر ووجل.

  13. #433
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    وقرأ الحسن (ألم تك) بتاء الخطاب على سبيل الالتفات، وقرأ الأكثر { تمنى } بالتاء الفوقية فالضمير للنطفة أي يمنيها الرجل ويصبها في الرحم وعلى قراءة الياء وهي قراءة حفص وأبـي / عمرو بخلاف عنه ويعقوب وسلام والجحدري وابن محيصن للمني

    الوسي

    { لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ظ±لْقِيَامَةِ }

    وقرأ قنبل والبزي بخلافٍ عنه " لأُقْسِمُ بيوم " بلامٍ بعدَها همزةٌ دونَ ألفٍ. وفيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها جوابٌ لقسمٍ مقدرٍ، تقديرُه: واللَّهِ لأُقْسِمُ، والفعلُ للحالِ؛ فلذلك لم تَأْتِ نونُ التوكيدِ، وهذا مذهبُ الكوفيين. وأمَّا البصريُّون فلا يُجيزون أَنْ يقعَ فعلُ الحالِ جواباً للقسم، فإنْ وَرَدَ ما ظاهرُه ذلك جُعل الفعل خبراً لمبتدأ مضمرٍ، فيعودُ الجوابُ جملةً اسميةً قُدِّرَ أحدُ جزأَيْها، وهذا عند بعضِهم من ذلك، التقديرُ واللَّهِ لأنا أُقْسِمُ. الثاني: أنه فعلٌ مستقبلٌ، وإنما لم يُؤْتَ بنونِ التوكيدِ؛ لأنَّ أفعالَ اللَّهِ حقٌّ وصدقٌ فهي غنية عن التأكيدِ بخلاف أفعالِ غيره. على أنَّ سيبويهِ حكى حَذْفَ النونِ إلاَّ أنَّه قليلٌ، والكوفيون يُجيزون ذلك مِنْ غير قلةٍ إذ مِنْ مذهبهم جوازُ تعاقُبِ اللامِ والنونِ فمِنْ حَذْفِ اللامِ قولُ الشاعر:
    4405ـ وقتيلِ مَرَّةَ أَثْأَرَنَّ فإنَّه فَرْغٌ وإنَّ أخاكم لم يُثْأَرِ
    أي: لأَثْأَرَنَّ. ومِنْ حَذْفِ النونِ ـ وهو نظيرُ الآية ـ قولُه:
    4406ـ لَئِنْ تَكُ قد ضاقَتْ عليكم بيوتُكُمْ لَيَعْلَمُ ربي أنَّ بيتيَ واسعٌ
    الثالث: أنها لامُ الابتداءِ، وليسَتْ بلامِ القسمِ. قال أبو البقاء: " نحو:
    { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ }
    [النحل: 124] والمعروفُ أنَّ لامَ الابتداءِ لا تَدْخُل على المضارع إلاَّ في خبر " إنَّ " نحو: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ } وهذه الآيةُ نظيرُ الآيةِ التي في يونس [الآية: 16]
    { وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ }
    فإنهما قرآها. بقصر الألف، والكلامُ فيها قد تقدَّم. ولم يُخْتَلَفْ في قولِه: " ولا أُقْسِم " أنه بألفٍ بعد " لا "؛ لأنه لم يُرْسَمْ إلاَّ كذا، بخلاف الأولِ فإنه رُسِمَ بدون ألفٍ بعد " لا " ، وكذلك في قولِه: { لاَ أُقْسِمُ بِهَـظ°ذَا ظ±لْبَلَدِ } لم يُختلَفْ فيه أنَّه بألفٍ بعد " لا ".

    وجوابُ القسمِ محذوفٌ تقديرُه: لتُبْعَثُنَّ، دلَّ عليه قولُه: " أيحسَبُ الإِنسانُ ". وقيل: الجوابُ أَيَحْسَبُ. وقيل: هو " بلى قادِرين " ويُرْوَى عن الحسن البصري. وقيل: المعنى على نَفْيِ القسم، والمعنى: إني لا أُقْسِم على شيء، ولكن أسألُك: أيحسَبُ الإِنسانُ. وهذه الأقوالُ شاذَّةٌ مُنْكَرةٌ لا تَصِحُّ عن قائليها لخروجِها عن لسانِ العرب، وإنما ذكرْتُها للتنبيهِ على ضَعْفها كعادتي.

  14. #434
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    قوله تعالى: { عَالِيَهُم } قرأ أهل المدينة، وحمزة، والمفضل عن عاصم بإسكان الياء، وكسر الهاء. وقرأ الباقون بفتح الياء، إلا أن الجعفي، عن أبي بكر قرأ «عَالِيَتُهُم» بزيادة تاء مضمومة. وقرأ أنس بن مالك، ومجاهد، وقتادة، «عَلَيْهِم» بفتح اللام، وإسكان الياء من غير تاءٍ، ولا ألف.

    قال الزجاج: فأما تفسير إعراب «عالِيْهم» بإسكان الياء، فيكون رفعه بالابتداء. ويكون الخبر { ثيابُ سُنْدُسٍ } وأما «عَالِيَهم» بفتح الياء فنصبه على الحال من شيئين، أحدهما من الهاء والميم. والمعنى: يطوف على الأبرار وِلْدَانٌ مُخَلَّدُون عَالِيَاً للأبرار ثيابُ سندس، لأنه وصف أحوالهم في الجنة، فيكون المعنى: يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء. ويجوز أن يكون حالاً من الوِلْدان. المعنى إذا رأيتَهم حَسِبْتَهم لؤلؤاً منثوراً في حال عُلُوِّ الثياب. وأما «عَالِيَتُهُم» فقد قرئت بالرفع وبالنصب. وهما وجهان جَيِّدان في العربية، إلا أنهما يخالفان المصحف.

    فلا أرى القراءة بهما، وتفسيرها كتفسير «عاليهم».

    قوله تعالى: { ثيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ } قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، «خضر» رفعا «وإِسْتَبْرقٍ» خفضاً. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم «خُضْرٍ» خفضاً «وإستبرقٌ» رفعا. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم «خُضْرٌ وإستبرقٌ» كلاهما بالرفع. وقرأ حمزة، والكسائي، «خضْرٍ وإسْتَبْرقٍ» كلاهما بالخفض. قال الزجاج: من قرأ «خُضْرٌ» بالرفع فهو نعت الثياب، ولفظ الثياب لفظ الجمع. ومن قرأ «خُضْرٍ» فهو من نعت السندس، والسندسُ في المعنى راجع إلى الثياب. ومن قرأ «وإستَبْرَقٌ» فهو نسق على «ثيابٌ» المعنى: وعليهم إستبرق. ومن خفض، عطفه على السندس، فيكون المعنى: عليهم ثياب من هذين النوعين وقد بَيّنَّا في [الكهف: 31] معنى السندس، والإستبرق، والأساور.

    الانسان ابن الجوزى

    وقال السمين

    وقرأ ابنُ مُحيصنٍ " وإستبرقَ " بفتحِ القافِ. ثم اضطرب النَّقْلُ عنه في الهمزة: فبعضُهم يَنْقُل عنه أنه قَطَعها، وبعضهم ينقُلُ عنه أنه وَصَلَها.

    فقال الزمخشري: " وقُرِىءَ " وإسْتبرقَ " نصباً في موضعِ الجرِّ على مَنْعِ الصرفِ؛ لأنَّه أعجميٌّ وهو غَلَطٌ؛ لأنَّه نكرةٌ يَدْخُلُهُ حرفُ التعريف. تقول: " الإِستبرق " إلاَّ أَنْ يَزْعُمَ ابن مُحيصن أنه يُجْعَلُ عَلَماً لهذا الضَّرْبِ من الثيابِ. وقُرِىءَ " واستبرقَ " بوصْل الهمزةِ والفتح، على أنَّه مُسَمَّى باسْتَفْعل من البَريق، ليس بصحيحٍ أيضاً؛ لأنَّه مُعَرَّب مشهورٌ تعريبُه، وأنَّ أصلَه اسْتَبْرَه. وقال الشيخ: " ودلَّ قولُه " إلاَّ أَنْ يزعمَ ابنُ محيصن " وقولُه بعدُ: " وقُرىء " واسْتبرق " بوَصْلِ الألفِ والفتح أنَّ قراءةَ ابنِ محيصن هي بقَطْعِ الهمزةِ مع فتحِ القافِ. والمنقولُ عنه في كتبِ القراءاتِ أنَّه قرأ بوَصْل الألفِ وفتح القافِ ". قلت: قد سَبَقَ الزمخشريُّ إلى هذا مكيٌّ فقال: " وقد قرأ ابنُ محيصن بغيرِ صَرْفٍ، وهو وهمٌ إنْ جعلَه اسماً لأنه نكرةٌ منصرفةٌ. وقيل: بل جَعَله فعلاً ماضياً مِنْ بَرِقَ فهو جائزٌ في اللفظِ، بعيدٌ في المعنى.

    وقيل: إنَّه في الأصلِ فعلٌ ماضٍ على اسْتَفْعل مِنْ بَرِقَ، فهو عربيٌّ من البريق، لمَّا سُمِّي به قُطِعَتْ ألفُه؛ لأنه ليس مِنْ أصلِ الأسماءِ أَنْ يدخلَها ألفُ الوصلِ، وإنما دَخَلَتْ في أسماءٍ معتلةٍ مُغَيَّرَةٍ عن أصلِها معدودةٍ لا يُقاسُ عليها " انتهى. فدلَّ قولُه: " قُطِعَتْ ألفُه " / إلى آخرِه أنه قرأ بقطعِ الهمزةِ وفتحِ القافِ. ودلَّ قولُه أولاً: " وقيل: بل جعله فعلاً ماضياً مِنْ بَرِقَ " أنه قرأ بوَصْلِ الألفِ؛ لأنَّه لا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْكَمَ عليه بالفعليةِ غيرَ منقولٍ إلى الأسماءِ، وبتَرْكِ ألفِه ألفَ قطع البتةَ، فهذا جَهْلٌ باللغةِ، فيكونُ قد رُوِي عنه قراءتان: قَطْعُ الألفِ ووَصْلُها. فظهر أنَّ الزمخشريَّ لم ينفَرِدْ بالنقل عن ابنِ محصين بقَطْع الهمزة.

    وقال أبو حاتم في قراءة ابن محيصن: " لا يجوز. والصوابُ أنه اسمُ جنسٍ لا ينبغي أَنْ يَحْمِلَ ضميراً، ويؤيِّد ذلك دخولُ المعرفةِ عليه. والثوابُ قَطْعُ الألفِ وإجراؤُه على قراءةِ الجماعةِ ". قال الشيخ: " ونقولُ: إنَّ ابن محيصن قارىءٌ جليلٌ مشهورٌ بمعرفةِ العربيةِ، وقد أَخَذَ عن أكابرِ العلماءِ فيُتَطَلَّبُ لقراءته وَجْهٌ، وذلك أنه يَجْعَلُ استفعل من البريق تقول: بَرِقَ واسْتَبْرَق كعَجِبَ واستعجب، ولمَّا كان قولُه: " خُضْر " يدل على الخُضْرة، وهي لَوْنُ ذلك السُّنْدُسِ، وكانت الخُضْرَةُ مِمَّا يكونُ فيها لشدتها دُهْمة وغَبَش أخبرَ أنَّ في ذلك بَريقاً وحُسْناً يُزيل غُبْشَتَه فاستبرق فعلٌ ماضٍ، والضميرُ فيه عائدٌ على السندسِ، أو على الأخضرِ الدالِّ عليه " خُضْر ". وهذا التخريجُ أَوْلَى مِنْ تَلْحين مَنْ يعرِفُ العربية وتوهيمِ ضابطٍ ثقةٍ ". قلت: هذا هو الذي ذكره مكيٌّ كما حَكَيْتُه عنه، وهذه القراءةُ قد تقدَّمَتْ في سورة الكهف، وإنما أَعَدْتُ ذلك لزيادةِ هذه الفائدةِ.

  15. #435
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,794
    { إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ }

    قوله: { إِنَّهَا }: أي: إنَّ جهنَّم؛ لأنَّ السياقَ كلَّه لأجلها. وقرأ العامَّةُ: " بَشرَرٍ " بفتح الشينِ وعَدَمِ الألفِ بين الراءَيْن. وورش يُرَقِّقُ الراءَ الأولى لكسرِ التي بعدها. وقرأ ابن عباس وابن مقسم بكسرِ الشين وألفٍ بين الراءَيْنِ. وعيسى كذلك، إلاَّ أنَّه فتح الشين. فقراءةُ ابنِ عباس يجوزُ أَنْ تكونَ جمعاً لشَرَرَة، وفَعَلة تُجْمَعُ على فِعال نحو: رَقَبة ورِقاب ورَحَبة ورِحاب، وأَنْ تكونَ جمعاً لشَرِّ، لا يُراد به أَفْعَلُ التفضيلِ. يقال: رجلٌ شَرٌّ ورجالٌ شِرارٌ، ورجلٌ خيرٌ ورجالٌ خِيار، ويؤنثان فيقال: امرأة شَرَّةٌ، وامرأةٌ خَيْرةٌ. فإن أُريد بهما التفضيلُ امتنعَ ذلك فيهما، واختصَّا بأحكامٍ مذكورةٍ في كتبِ النحْويين أي: تَرمي بشِرارٍ من العذابِ أو بشِرار من الخَلْق.

    وأمَّا قراءةُ عيسى/ فهي جمعُ شَرارَةٍ بالألفِ وهي لغةُ تميمٍ. والشَّرَرَةُ والشَّرارَة: ما تطايَرَ من النارِ متفرِّقاً.

    قوله: { كَٱلْقَصْرِ } العامَّةُ على فتح القافِ وسكونِ الصادِ، وهو القَصْرُ المعروف، شُبِّهَتْ به في كِبَرِه وعِظَمِه. وابن عباس وتلميذاه ابن جُبَيْر وابنُ جَبْر، والحسن، بفتحِ القافِ والصادِ، وهي جمعُ قَصَرة بالفتح والقَصَرَةُ: أَعْناقُ الإِبلِ والنخلِ، وأصولُ الشجرِ. وقرأ ابن جبير والحسن أيضاً بكسرِ القافِ وفتحِ الصاد جمع " قَصَرة " يعني بفتح القافِ. قال الزمخشريُّ: " كحاجةٍ وحِوَج " وقال الشيخ: " كحَلَقة من الحديدِ وحِلَق ". وقُرىء " كالقَصِرِ " بفتح القاف وكسرِ الصادِ، ولم أَرَ لها توجيهاً. ويظهرُ أنَّ ذلك مِنْ بابِ الإِتباعِ، والأصلُ: كالقَصْرِ بسكونِ الصادِ، ثم أتبعَ الصادَ حركةَ الراءِ فكسَرها، وإذا كانوا قد فَعَلُوا ذلك في المشغولِ بحركة نحو: كَتِف وكَبِد، فلأَنْ يَفْعلوه في الخالي منها أَوْلَى. ويجوزُ أَنْ يكون ذلك للنقل بمعنى: أنه وَقَفَ على الكلمةِ فَنَقَل كسرةَ الراءِ إلى الساكنِ قبلَها. ثم أَجْرَى الوَصْلَ مُجْرَى الوقفِ، وهو بابٌ شائِعٌ عند القُرَّاءِ والنحاة. وقرأ عبدُ الله بضمِّهما. وفيها وجهان، أحدُهما: أنَّه جمعُ قَصْرٍ كرَهْن وَرُهُن، قاله الزمخشريُّ. والثاني: أنَّه مقصورٌ من قُصور كقولِه:
    4458ـ فيها عيايِيْلُ أُسودٍ ونُمُرْ
    يريد: ونُمور. فقصَر وكقوله: " النُّجُم " يريد النجوم. وتخريجُ الزمخشريِّ أَوْلَى؛ لأنَّ محلَّ الثاني: إمَّا الضرورةُ، وإمَّا النُّدُور.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •