صفحة 25 من 39 الأولىالأولى ... 1521222324252627282935 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 361 إلى 375 من 582

الموضوع: جواهر القراءات فى كتاب الله

  1. #361
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    قوله تعالى: { إِنَّا أَخْلَصْناهم } أي: اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين، فأفردناهم بمُفْرَدة من خصال الخير؛ ثم أبان عنها بقوله: { ذكرى الدار }.

    وفي المراد بالدار هاهنا قولان:

    أحدهما: الآخرة.

    والثاني: الجنة.

    وفي الذكرى قولان:

    أحدهما: أنها من الذِّكْر، فعلى هذا يكون المعنى: أَخْلَصْناهم بذِكْر الآخرة، فليس لهم ذِكْر غيرها، قاله مجاهد، وعطاء، والسدي. وكان الفُضَيل ابن عِياض رحمة الله عليه يقول: هو الخوف الدائم في القلب.

    والثاني: أنها التذكير، فالمعنى: أنهم يَدْعُون الناس إِلى الآخرة وإِلى عبادة الله تعالى. قاله قتادة.

    وقرأ نافع { بخالصةِ ذِكْرَى الدَّارِ } فأضاف " خالصة " إِلى " ذِكْرَى الدار ".

    قال أبو علي: تحتمل قراءة من نوَّن وجهين:

    أحدهما: أن تكون " ذكرى " بدلاً من " خالصة " ، والتقدير: أخلصناهم بذكر الدار.

    والثاني: أن يكون المعنى: أخلصناهم بأن يذكُروا الدَّار بالتأهُّب للآخرة، والزُّهد في الدنيا. ومن أضاف فالمعنى: أخْلَصْناهم بإخلاصهم ذِكْرى الدَّار بالخوف منها. وقال ابن زيد: أخلصناهم بأفضل ما في الجنة....

    قال الرازى

    ثم قال تعالى: { هَـظ°ذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: فيه وجهان الأول: أنه على التقديم والتأخير، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني: أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه، ثم يبتدىء فيقول: حميم وغساق. المسألة الثانية: الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه الأول: أنه الذي يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقال ابن عمر هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني: قيل الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده، وذكر الأزهري: أن الغاسق البارد، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث: أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لأنتنت أهل المشرق الرابع: قال كعب: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية. المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف.

    قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسماً أو صفة، فإن كان اسماً فالأسماء لم تجيء على هذا الوزن إلا قليلاً، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك. ثم قال تعالى: { وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوظ°جٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمر { وَأَخَّرَ } بضم الألف على جمع أخرى أي أصناف أخر من العذاب، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أي عذاب آخر، أما على قراءة الأولى فقوله وأخر أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق، أي من مثله في الشدة والفظاعة، أزواج أي أجناس، وأما على القراءة الثانية فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروباً أو صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله. قال صاحب «الكشاف»: وقرىء من شكله بالكسر وهي لغة، وأما الغنج فبالكسر لا غير....

    ثم قالوا: { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ سِخْرِيّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { مّنَ ظ±لأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } بوصل ألف { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } والباقون بفتحها على الاستفهام، قال أبو عبيد وبالوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم في قوله: { مَا لَنَا لاَ نَرَىظ° رِجَالاً } ، ولأن المشركين لا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخرياً، لأنه تعالى قد أخبر عنهم بذلك في قوله:
    { فَظ±تَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىظ° أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى }
    [المؤمنون: 110] فكيف يحسن أن يستفهموا عن شيء علموه؟ أجاب الفراء عنه بأن قال هذا من الاستفهام الذي معناه التعجيب والتوبيخ، ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام أنه لا بد من المصير إليه ليعادل قوله: { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } بأم في قوله: { أَمْ زَاغَتْ عنهُمْ } فإن قيل فما الجملة المعادلة لقوله: { أَمْ زَاغَتْ } على القراءة الأولى؟ قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. المسألة الثانية: قرأ نافع { سِخْرِيّاً } بضم السين والباقون بكسرها، وقيل هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير. المسألة الثالثة: اختلفوا في نظم الآية على قولين بناء على القراءتين المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين لأجل أنهم لحقارتهم تركوا، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار.

    ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ سِخْرِيّاً } وأما القراءة على سبيل الاستفهام، فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخرياً وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار، أم لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة قال إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لا بد وأن يتكلموا به، ثم بين أن الذي حكيناه عنهم ما هو

    سورة ص

  2. #362
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    قوله تعالى: { كَذَّبَ أَصْحَابُ ظ±لأَيْكَةِ ظ±لْمُرْسَلِينَ } الأيك الشجر الملتف الكثير الواحدة أيكة. ومن قرأ: { أَصْحَابُ الأَيْكَةِ } فهي الغيضة. ومن قرأ { لَيْكَةَ } فهو اسم القرية. ويقال: هما مثل بكة ومكة؛ قاله الجوهري. وقال النحاس: وقرأ أبو جعفر ونافع: { كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةَ الْمُرْسَلِينَ } وكذا قرأ في «صغ¤». وأجمع القراء على الخفض في التي في سورة «الحِجرِ» والتي في سورة «قغ¤» فيجب أن يرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحداً. وأما ما حكاه أبو عبيد من أن { ليكة } هي اسم القرية التي كانوا فيها وأن { الأيكة } اسم البلد فشيء لا يثبت ولا يعرف من قاله فيثبت علمه، ولو عرف من قاله لكان فيه نظر؛ لأن أهل العلم جميعاً من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه. وروى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أرسل شعيبٌ عليه السلام إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة؛ قال: والأيكة غيضة من شجر ملتف. وروى سعيد عن قتادة قال: كان أصحاب الأيكة أهل غيضة وشجر وكانت عامّة شجرهم الدوم وهو شجر الْمُقل. وروى ابن جبير عن الضحاك قال: خرج أصحاب الأيكة ـ يعني حين أصابهم الحرّ ـ فانضموا إلى الغيضة والشجر، فأرسل الله عليهم سحابة فاستظلوا تحتها، فلما تكاملوا تحتها أُحرقوا. ولو لم يكن هذا إلا ما روي عن ابن عباس قال: و«الأيكة» الشجر. ولا نعلم بين أهل اللغة اختلافاً أن الأيكة الشجر الملتف، فأما احتجاج بعض من احتج بقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح أنه في السواد { ليكة } فلا حجة له؛ والقول فيه: إن أصله الأيكة ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل؛ لأن اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إلا الخفض؛ كما تقول بالأحمر تحقق الهمزة ثم تخففها فنقول بِلَحْمرِ؛ فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أوّلاً، وإن شئت كتبته بالحذف؛ ولم يجز إلا الخفض؛ قال سيبويه: واعلم أن ما لا ينصرف إذا دخلت عليه الألف واللام أو أضيف انصرف؛ ولا نعلم أحداً خالف سيبويه في هذا. وقال الخليل: { الأيكة } غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر

  3. #363
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } أي هَلُمَّ وأقْبِلْ وتَعالَ؛ ولا مصدر له ولا تصريف. قال النحاس: فيها سبع قراءات؛ فمن أجلّ ما فيها وأصحّه إسناداً ما رواه الأعمش عن أبي وائِل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ «هَيْتَ لَكَ» قال فقلت: إن قوماً يقرؤونها «هِيتَ لك» فقال: إنما أقرأ كما عُلّمت. قال أبو جعفر: وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يبعد ذلك؛ لأن قوله: إنما أقرأ كما علّمت يدلّ على أنه مرفوع، وهذه القراءة بفتح التاء والهاء هي الصحيحة من قراءة ٱبن عباس وسعيد بن جُبير والحسن ومجاهد وعكرمة؛ وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصم والأعمش وحمزة والكسائيّ. قال عبد الله بن مسعود: لا تقطعوا في القرآن؛ فإنما هو مثل قول أحدكم: هَلمّ وتَعالَ. وقرأ ٱبن أبي إسحق النحوي «قَالَتْ هَيْتِ لَكَ» بفتح الهاء وكسر التاء. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميّ وٱبن كثير «هَيْتُ لَكَ» بفتح الهاء وضم التاء؛ قال طَرَفة:
    ليس قوميِ بالأبْعَدِين إذا ما قال داعٍ من العَشيرة هَيْتُ
    فهذه ثلاث قراءات الهاء فيهنّ مفتوحة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع «وَقَالَتْ هِيتَ لَكَ» بكسر الهاء وفتح التاء. وقرأ يحيـى بن وثّاب «وَقَالَت هِيْتُ لَكَ» بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة والتاء مضمومة. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس ومجاهد وعكرمة: «وَقَالَتْ هِئْتُ لَكَ» بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة. وعن ابن عامر وأهل الشام: «وَقَالَتْ هِئْتَ» بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح التاء؛ قال أبو جعفر: «هئْتَ لَكَ» بفتح التاء لالتقاء الساكنين، لأنه صوت نحو مَهْ وصَهْ يجب ألاّ يعرب، والفتح خفيف؛ لأن قبل التاء ياء مثل أيْنَ وكيفَ؛ ومَن كسر التاء فإنما كسرها لأن الأصل الكسر؛ لأن الساكن إذا حرّك حرّك إلى الكسر، ومن ضم فلأن فيه معنى الغاية؛ أي قالت: دعائي لك، فلما حذفت الإضافة بني على الضم؛ مثل حيثُ وبعدُ. وقراءة أهل المدينة فيها قولان: أحدهما ـ أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مرّ.

    والآخر ـ أن يكون فعلاً من هَاءَ يَهِيء مثل جاء يجيء؛ فيكون المعنى في «هِئْتَ» أي حسنت هيئتك، ويكون «لَكَ» من كلام آخر، كما تقول: لكَ أعني. ومن همز وضم التاء فهو فعل بمعنى تهيأتُ لك؛ وكذلك من قرأ «هِيتُ لَكَ». وأنكر أبو عمرو هذه القراءة؛ قال أبو عبيدة ـ مُعْمَر بن المُثَنَّى: سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً فقال أبو عمرو: باطل؛ جعلها من تهيأت! ٱذهب فاستعرِضِ العربَ حتى تنتهي إلى اليمن هل تعرف أحداً يقول هذا؟ٰ وقال الكسائي أيضاً: لم تُحكَ «هِئتُ» عن العرب. قال عِكرمة: «هِئتُ لَكَ» أي تهيأت لك وتزينت وتحسنت، وهي قراءة غير مرضية، لأنها لم تسمع في العربية. قال النحاس: وهي جيِّدة عند البصريين؛ لأنه يقال: هَاءَ الرجلُ يَهاء ويَهِيىء هيأةً فهاء يَهيء مثل جاء يجيء وهِئتُ مثل جئت. وكسر الهاء في «هيت» لغة لقوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها. قال الزجاج: أجود القراءات «هَيْتَ» بفتح الهاء والتاء؛ قال طَرَفة:
    ليس قومي بالأبعدين إذا ما قال داعٍ من العشيرة هَيْتَ
    بفتح الهاء والتاء.

    وقال الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
    أَبلغْ أمير المؤمـ ـنينَ أخا العراقِ إذا أَتيتَا
    إنّ العراقَ وأهلُه سِلْمٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتَا
    قال ابن عباس والحسن: «هيت» كلمة بالسريانية تدعوه إلى نفسها. وقال السُّديّ: معناها بالقبطية هلمّ لك. قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حَوْران وقعت إلى أهل الحجاز معناه تعالَ؛ قال أبو عبيد: فسألت شيخاً عالماً من حَوْرَان فذكر أنها لغتهم؛ وبه قال عِكْرمة. وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها، وهي كلمة حثّ وإقبال على الأشياء؛ قال الجوهريّ: يقال هَوَّتَ به وهَيَّتَ به إذا صاح به ودعاه؛ قال:
    قد رَابَنِي أَنَّ الْكَريَّ أَسْكَتَا لو كان مَعْنِيًّا بها لَهَيَّتَا
    أي صاح؛ وقال آخر:
    يَحْـدو بهـا كـلُّ فتًـى هَيَّـاتِ

    ملحوظة

    تأمل قراءة الهمز من التهيئة والاستعداد

  4. #364
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    وقال أبو البقاء: " كيف نُنْشِزُها في موضِعِ الحالِ من " العظام " ، والعامل في " كيف " ننشِزُها، ولا يجوز أن يعمل فيها " انظر " لأنَّ الاستفهامَ لا يعملُ فيه ما قبلَه، ولكن " كيف " و " نُنْشِزُها " جميعاً حالٌ من " العظام " ، والعاملُ فيها " انظر " تقديره: انظرْ إلى العظامِ مُحْياةً وهذا ليس بشيء، لأن هذه جملة استفهام، والاستفهام لا يقع حالاً، وإنما الذي يقع حالاً وحدَه " كيف " ، ولذلك تُبْدَلُ منه الحالُ بإعادةِ حرفِ الاستفهامِ نحو: " كيف ضَرَبْتَ زيداً أقائماً أم قاعداً "؟

    والذي يقتضيه النظرُ الصحيحُ في هذه المسألةِ وأمثالِها أَنْ تكونَ جملةُ " كيف نُنْشِزُها " بدلاً من " العظام " ، فتكونَ في محلِّ نصبٍ، وذلك أنَّ " نظر " البصرية تتعدَّى بـ " إلى " ، ويجوزُ فيها التعليقُ كقولِهِ تعالى:
    { ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ }
    [هود: 21] فتكونُ الجملةُ في محلِّ نصبٍ؛ لأن ما يتعدى بحرف الجر يكون ما بعده في محل نصب به. ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ لتصِحَّ البدليةُ، والتقديرُ: إلى حالِ العظام، ونظيرُهُ قولُهم: " عَرفْتُ زيداً: أبو مَنْ هو؟ فأبو مَنْ هو بدلٌ من " زيداً " ، على حذفٍ تقديرُهُ: " عَرَفْتُ قصةَ زيد ". والاستفهامُ في بابِ التعليقِ لا يُراد به معناه، بل جرى في لسانِهم مُعَلَّقاً عليه حكمُ اللفظِ دونَ المعنى، و [هو] نظيرُ " أيّ " في الاختصاص نحو: " اللهم اغفر لنا أَيَّتُها العِصابة " فاللفظُ كالنداء في جميعِ أحكامه، وليس معناه عليه.

    وقرأ أبو عمرو والحرميَّان: " نُنْشِرُها " بضم النون وكسر الشين والراءِ المهملةِ، والباقون كذلك إلاَّ أنها بالزاي المعجمة. وابنُ عباس بفتح النونِ وضَمِّ الشين والراء المهملةِ أيضاً/. والنخعي كذلك إلا أنها بالزاي المعجمةِ، ونُقِلَ عنه أيضاً ضَمُّ الياء وفتحِها مع الراءِ والزاي.

    فَأَمَّا قراءة الحرميّين: فَمِنْ " أَنْشَرَ اللَّهُ الموتى " بمعنى أَحْيَاهم، وأمَّا قراءةُ ابنِ عباس فَمِنْ " نَشَر " ثلاثياً، وفيه حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ بمعنى أَفْعَلَ فتتحدَ القراءتان. والثاني: أَنْ يكونَ مِنْ " نَشَرَ " ضِدَّ طَوى أي يَبْسُطها بالإِحياءِ، ويكونُ " نَشَرَ " أيضاً مطاوعَ أَنْشَرَ، نحو: أَنْشَرَ الله الميت فَنَشَرَ، فيكونُ المتعدي واللازمُ بلفظٍ واحد، إلاَّ أنَّ كونَه مطاوعاً لا يُتَصَوَّر في هذه الآيةِ الكريمةِ لتعدِّي الفعل فيها، وإنْ كان في عبارةٍ أبي البقاء في هذا الموضِعِ بعضُ إبهامٍ. ومِنْ مجيء " نشر " لازماً قوله:
    1054 ـ حتى يقولَ الناسُ مِمَّا رَأَوا يا عجباً للميِّت الناشِرِ
    فناشِر مِنْ نَشَر بمعنى حَيِيَ.

    وأمَّا قراءةُ الزاي فَمِنْ " النَّشْز " وهو الارتفاعُ، ومنه: " نَشْزُ الأرضِ " وهو المرتفعُ، ونشوزُ المرأةِ وهو ارتفاعُها عن حالِها إلى حالةٍ أخرى، فالمعنى: يُحَرِّك العظامَ ويرفعُ بعضَها إلى بعضٍ للإحياء.

    قال ابنُ عطية: " وَيَقْلَقُ عندي أن يكونَ النشوزُ رَفْعَ العظامِ بعضِها إلى بعضٍ، وإنما النشوزُ الارتفاعُ قليلاً قليلاً " ، قال: " وانظُر استعمالَ العربِ تجدْه كذلك، ومنه: " نَشَزَ نابُ البعير " و " أَنْشَزُوا فَأَنْشَزوا " ، فالمعنى هنا على التدرُّجِ في الفعلِ فَجَعَل ابنُ عطية النشوزُ ارتفاعاً خاصاً.

    ومَنْ ضَمَّ النونَ فَمِنْ " أَنْشَزَ " ، ومَنْ فَتَحَها فَمِنْ " نَشَزَ " ، يقال: " نَشَزه " و " أَنْشَزَه " بمعنىً. ومَنْ قرأ بالياءِ فالضميرُ لله تعالى. وقر أبُيّ " نُنْشِئُها " من النَّشْأَة. ورجَّح بعضُهم قراءة الزاي على الراء بِأَنْ قال: العِظامُ لا تُحْيَا على الانفرادِ بل بانضمامِ بعضِها إلى بعضٍ، والزايُ أَوْلى بهذا المعنى، إذ هو بمعنى الانضمام دونَ الإِحياءِ، فالموصوفُ بالإِحياءِ الرجلُ دونَ العظامِ، ولا يقال: هذا عَظمٌ حيٌّ، وهذا ليس بشيءٍ لقولِه:
    { مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ }
    [يس: 1].

    ولا بُدَّ من ضميرٍ محذوفٍ من قوله: " العِظام " أي العظامِ منه، أي: من الحمارِ، أو تكونُ " أل " قائمةً مقامَ الإِضافة أي عظامِ حمارِك.....

    قوله: { قَالَ أَعْلَمُ } الجمهورُ على " قال " مبنياً للفاعلِ. وفي فاعلِهِ على قراءةِ حمزة والكسائي: " اعْلَمْ " أمراً من " عَلِمَ " قولان، أظهرِهُما: أنه ضميرٌ يعودُ على اللِّهِ تعالى أو على المَلِكِ، أي: قال اللَّهُ أو المَلِكُ أو المَلِكُ لذلك المارِّ اعْلَمْ. والثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على المارِّ نفسهِ، نَزَّلَ نفسَه منزلَةَ الأجنبي فخاطَبَهَا، ومنه:


    1058 ـ وَدِّعْ هُرَيْرَةَ......... .....................
    [وقوله]:
    1059 ـ ألم تَغْتَمِضْ عيناك... ............................
    [قوله]:
    1060 ـ تطاولَ ليلُك......... ....................
    يعني نفسَه. قال أبو البقاء: " ما تقولُ لنفسِك: اعلمْ يا عبدَ الله، ويُسَمَّى هذا التجريدَ " يعني كأنه جَرَّد من نفسه مخاطباً يخاطِبُه. وأمَّا على قراءةِ غيرهما: " أعلمُ " مضارعاً للمتكلمِ ففاعلُ " قال " ضميرُ المارِّ، أي: قال المارُّ: أعلَمُ أنا.

    وقرأ الأعمش: " قيل " مبنياً للمفعولِ. والقائمُ مقامَ الفاعلِ: إمَّا ضميرُ المصدرِ من الفعلِ، وإمَّا الجملةُ التي بعده، على حَسَبَ ما تقدَّم في أولِ السورة.

    وقرأ حمزة والكسائي: " اعلمْ " على الأمر، والباقون: " أعلمُ " مضارعاً " والجعفي عن أبي بكر: " أَعْلِمُ " أمراً من " أَعْلَمَ " ، والكلامُ فيها كالكلامِ في قراءةِ حمزة والكسائي بالنسبةِ إلى فاعل " قال " ما هو؟ و " أنَّ الله " في محلِّ نصب، سادَّةً مسدَّ المفعولين، أو الأولِ/ والثاني محذوفٌ على ما تقدم من الخلاف.

  5. #365
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    قوله: { مَا كَانَ يَدْعُوۤ } يجوزُ في " ما " هذه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ تكونَ موصولةً بمعنى الذي، مُراداً بها الضُّرُّ أي: نسي الضرَّ الذي يَدْعو إلى كَشْفِه. الثاني: أنها بمعنى الذي/ مُراداً بها الباري تعالى أي: نَسِي اللَّهَ الذي كان يَتَضرَّعُ إليه. وهذا عند مَنْ يُجيزُ " ما " على أُوْلي العلمِ. الثالث: أَنْ تكونَ " ما " مصدريةً أي: نَسِي كونَه داعياً. الرابع: أن تكونَ " ما " نافيةً، وعلى هذا فالكلامُ تامٌّ على قولِه: " نَسِيَ " ثم استأنَفَ إخباراً بجملةٍ منفيةٍ، والتقدير: نَسِيَ ما كان فيه. لم يكنْ دعاءُ هذا الكافرِ خالصاً لله تعالى. و " من قبلُ " أي: من قبلِ الضررِ، على القول الأخير، وأمَّا على الأقوالِ قبلَه فالتقديرُ: مِنْ قبل تخويلِ النِّعمة.

    قوله: " لِيُضِلَّ " قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ " لِيَضِلَّ " بفتح الياء أي: ليفعلَ الضلالَ بنفسه. والباقون بضمِّها أي: لم يقنع بضلالِه في نفسِه حتى يَحْمِلَ غيرَه عليه، فمفعولُه محذوفٌ وله نظائرُ تقدَّمَتْ. واللامُ يجوزُ أن تكونَ للعلةِ، وأن تكونَ للعاقبة.

    الزمر

  6. #366
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ } أي خالصاً لسيد واحد، وهو مَثَل مَن يعبد الله وحده. { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً } هذا الذي يخدم جماعة شركاء، أخلاقهم مختلفة، ونياتهم متباينة، لا يلقاه رجل إلا جرَّه واستخدمه؛ فهو يلقى منهم العناء والنصب والتعب العظيم، وهو مع ذلك كله لا يرضي واحداً منهم بخدمته لكثرة الحقوق في رقبته، والذي يخدم واحداً لا ينازعه فيه أحد، إذا أطاعه وحده عرف ذلك له، وإن أخطأ صفح عن خطئه، فأيهما أقل تعباً أو على هدى مستقيم. وقرأ أهل الكوفة وأهل المدينة «وَرَجُلاً سَلَماً» وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وعاصم الجَحْدَري وأبو عمرو وابن كثير ويعقوب «وَرَجُلاً سَالِماً» واختاره أبو عبيد لصحة التفسير فيه. قال لأن السالم الخالص ضدّ المشترك، والسَّلَم ضدّ الحرب ولا موضع للحرب هنا. النحاس: وهذا الاحتجاج لا يلزم؛ لأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما، فهذا وإن كان السلم ضدّ الحرب فله موضع آخر؛ كما يقال لك في هذا المنزل شركاء فصار سلماً لك. ويلزمه أيضاً في سالم ما ألزم غيره؛ لأنه يقال شيء سالم أي لا عاهة به. والقراءتان حسنتان قرأ بهما الأئمة. واختار أبو حاتم قراءة أهل المدينة «سَلَماً» قال وهذا الذي لا تنازع فيه. وقرأ سعيد بن جبير وعكرمة وأبو العالية ونصر «سِلْماً» بكسر السين وسكون اللام. وسِلْماً وسَلَماً مصدران، والتقدير: ورجلاً ذا سلم فحذف المضاف و«مَثَلاً» صفة على التمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما. وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس.

    الزمر

    { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ }

    قوله: { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ }: العامَّةُ على " مَيِّت ومَيِّتون ". وقرأ ابنُ محيصن وابنُ أبي عبلة واليماني " مائِتٌ ومائتون " ، وهي صفةٌ مُشْعِرَةٌ بحدوثِها دون " مَيِّت ". وقد تقدَّمَ أنَّه لا خلافَ بين القرَّاءِ في تثقيلِ مثلِ هذا. " ثم إنكم " تغليباً للمخاطبِ، وإنْ كان واحداً في قوله: " إنَّك " على الغائبين في " وإنَّهم "

  7. #367
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    وإن تشكروا } أي بالعبادة والإخلاص فيها { يرضه } أي الشكر الدال عليه فعله { لكم } أي الرضى اللائق بجنابه سبحانه بأن يقركم عليه أو يأمركم به ويثيبكم على فعله، والقسمان بإرادته، واختلاف القراء في هائه دال على مراتب الشكر - والله أعلم، فالوصل للواصلين إلى النهاية على اختلاف مراتبهم في الوصول والاختلاس للمتوسطين والإسكان لمن في الدرجة الأولى منه.

    الزمر البقاعى

  8. #368
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    { يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ }

    قوله: { ظَاهِرِينَ }: حالٌ من الضميرِ في " لكم " ، والعاملُ فيها وفي " اليومَ " ما تَعَلَّقَ به " لكم ".

    قوله: " ما أُرِيْكُمْ " هي مِنْ رؤيةِ الاعتقادِ، فتتعدَّى لمفعولَيْن، ثانيهما { إِلاَّ مَآ أَرَىٰ }.

    قوله: " الرَّشادِ " العامَّةُ على تخفيفِ الشينِ مصدرَ رشَدَ يَرْشُدُ. وقرأ معاذ بن جبل بتشديدِها، وخَرَّجها أبو الفتح وغيرُه على أنه صفةُ مبالغةٍ نحو: ضَرَب فهو ضرَّاب، وقد قال النحاس: " هو لحنٌ، وتَوَهَّمه من الرباعي " يعني أَرْشد. ورُدَّ على النحاس قولُه: بأنه يُحْتمل أَنْ يكونَ مِنْ رَشَدَ الثلاثي، وهو الظاهرُ. وقد جاء فَعَّال أيضاً مِنْ أَفْعَل وإنْ كان لا يَنْقاسُ. قالوا: أَدْرَك فهو دَرَّاك وأَجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَر فهو قَصَّار، وأَسْأَر فهو سَآَّر، ويَدُلُّ على أنه صفةُ مبالغةٍ أنَّ معاذاً كان يُفَسِّرها بسبيل الله.

    قال ابنُ عطية: " ويَبْعُدُ عندي على معاذ - رضي الله عنه - وهل كان فرعونُ يَدَّعي إلاَّ الإِلهيَّة؟ ويَقْلَقُ بناءُ اللفظِ على هذا التركيبِ ". قلت: يعني ابنُ عطية أنه كيف يقول فرعونُ ذلك، فيُقِرُّ بأنَّ ثَمَّ مَنْ يهدي إلى الرشادِ غيرُه، مع أنه يَدَّعي أنه إلهٌ؟ وهذا الذي عَزاه ابنُ عطية والزمخشري وابن جُبارة صاحب " الكامل " إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس في " الرشاد " الذي هو في كلامِ فرعونَ كما توهَّموا، وإنما هو في " الرشاد " الثاني الذي مِنْ قول المؤمنِ بعد ذلك. ويَدُلُّ على ذلك ما قاله أبو الفضل الرازي في كتابه " اللوامح ": " معاذ بن جبل " سبيل الرشاد " ، الحرف الثاني بالتشديد، وكذلك الحسنُ، وهو سبيلُ اللَّهِ تعالى الذي أوضحه لعبادِه، كذلك فسَّره معاذ، وهو منقولٌ مِنْ مُرْشِد كدَرَّاك مِنْ مُدْرِك وجَبَّار مِنْ مُجْبر، وقَصَّار مِنْ مُقْصِر عن الأمر، ولها نظائرُ معدودةٌ. فأمَّا " قَصَّار الثوب " مِنْ قَصَر الثوبَ قِصارةً " فعلى هذا يزولُ إشكالُ ابنِ عطية المتقدمُ، وتتضح القراءةُ والتفسيرُ.

    وقال أبو البقاء: " وهو الذي يَكْثُر منه الإِرشادُ أو الرُّشْدُ " يعني يُحْتمل أنه مِنْ أرشدَ الرباعيِّ أو رَشَد الثلاثي. والأَوْلَى أَنْ يكونَ من الثلاثيِّ لِما عَرَفْتَ أنه يَنْقاسُ دونَ الأول.

  9. #369
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    قوله: " قَلْبِ متكبِّرٍ " قرأ أبو عمروٍ وابن ذكوان بتنوين " قلب " ، وَصَفا القلبَ بالتكبُّر والجَبَروتِ؛ لأنهما ناشئان منه، وإنْ كان المرادُ الجملةَ، كما وُصِف بالإِثمِ في قوله:
    { فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ }
    [البقرة: 283]. والباقون بإضافة " قلب " إلى ما بعدَه أي: على كلِّ قَلْبِ شخصٍ متكبِّرٍ. وقد قَدَّرَ الزمخشريُّ مضافاً في القراءةِ الأولى أي: على كلِّ ذي قلب متكبر، تجعلُ الصفةَ لصاحبِ القلب. قال الشيخ: " ولا ضرورةَ تَدْعو إلى اعتقادِ الحذفِ ". قلت: بل ثَمَّ ضرورةٌ إلى ذلك وهو توافُقُ القراءَتَيْن، فإنه يَصيرُ الموصوفُ في القراءتَيْن واحداً، وهو صاحبُ القلب، بخلافِ عَدَم التقديرِ، فإنه يَصيرُ الموصوفُ في إحداهما القلبَ وفي الأخرى صاحبَه.

    غافر

    { أَسْبَابَ ظ±لسَّمَظ°وَظ°تِ فَأَطَّلِعَ إِلَىظ° إِلَـظ°هِ مُوسَىظ° وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَـذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوغ¤ءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ ظ±لسَّبِيلِ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ }

    قوله: { أَسْبَابَ ظ±لسَّمَاوَاتِ }: فيه وجهان، أحدهما: أنه تابعٌ للأسبابِ قبله بدلاً أو عطفَ بيان. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار أَعْني، والأولُ أَوْلَى؛ إذ الأصلُ عدمُ الإِضمارِ.

    قوله: " فَأَطَّلِعَ " العامَّةُ على رفعِه عَطْفاً على " أَبْلُغُ " فهو داخِلٌ في حَيِّزِ الترجِّي. وقرأ حفصٌ في آخرين بنصبِه. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه جوابُ الأمرِ في قولِه: " ابْنِ لي " فنُصِبَ بأَنْ مضمرةً بعد الفاءِ في جوابِه على قاعدة البصريين كقولِه:
    3933 ـ يا ناقُ سِيْري عَنَقاً فَسِيحا إلى سليمانَ فَنَسْتريحا/
    وهذا أَوْفَقُ لمذهب البصريين. الثاني: أنه منصوبٌ. قال الشيخ: " عَطْفاً على التوهُّمِ لأنَّ خبر " لعلَّ " كثيراً جاء مَقْروناً بـ " أن " ، كثيراً في النظمِ وقليلاً في النثر. فمَنْ نَصَبَ تَوَهَّم أنَّ الفعلَ المرفوعَ الواقعَ خبراً منصوبٌ بـ " أنْ " ، والعطفُ على التوهُّمِ كثيرٌ، وإنْ كان لا ينقاسُ " انتهى. الثالث: أن يَنْتَصِبَ على جوابِ الترجِّي في " لعلَّ " ، وهو مذهبٌ كوفي استشهد أصحابُه بهذه القراءةِ وبقراءة عاصم
    { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىظ° أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ }
    [عبس: 3-4] بنصب " فتنفَعَه " جواباً لِقوله: " لعلَّه ". وإلى هذا نحا الزمخشري قال: " تشبيهاً للترجِّي بالتمني " والبصريُّون يأبَوْن ذلك، ويُخَرِّجُون القراءتَيْنِ على ما تقدَّم. وفي سورة عبس يجوز أن [يكون] جواباً للاستفهام في قولِه: " وما يُدْريك " فإنه مترتبٌ عليه معنىً. وقال ابن عطية وابن جُبارة الهُذلي: " على جواب التمني " وفيه نظرٌ؛ إذ ليس في اللفظِ تَمَنٍّ، إنَّما فيه تَرَجٍّ. وقد فَرَّقَ الناسُ بين التمني والترجِّي: بأنَّ الترجِّيَ لا يكونُ إلاَّ في الممكنِ عكسَ التمني، فإنه يكونُ فيه وفي المستحيلِ كقولِه:
    3934 ـ لَيْتَ الشبابَ هو الرَّجيعُ على الفتى والشيبُ كان هو البَدِئُ الأولُ
    وقُرِئ " زَيَّنَ لفرعونَ " مبنياً للفاعلِ وهو الشيطانُ. وتقدَّم الخلافُ في { وَصُدَّ عَنِ ظ±لسَّبِيلِ } في الرعد فمَنْ بناه للفاعلِ حَذَفَ المفعولَ أي: صَدَّ قومَه عن السبيلِ. وابنُ وثَّاب " وصِدَّ " بكسرِ الصادِ، كأنه نَقَل حركةَ الدالِ الأولى إلى فاءِ الكلمة بعد توهُّمِ سَلْبِ حركتِها. وقد تقدَّم ذلك في نحو " رِدَّ " وأنه يجوزُ فيه ثلاثُ اللغاتِ الجائزةِ في قيل وبِيع. وابن أبي إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة " وصَدٌّ " بفتح الصادِ ورفع الدالِ منونةً جعله مصدراً منسوقاً على " سوءُ عملِه " أي: زَيَّن له الشيطانُ سوءَ العملِ والصدَّ. والتَّباب: الخَسارُ.

    وقال الالوسي

    فَأَطَّلِعَ إِلَىظ° إِلَـظ°هِ مُوسَىظ° } بالنصب على جواب الترجي عند الكوفيين فإنهم يجوزون النصب بعد الفاء في جواب الترجي كالتمني؛ ومنع ذلك البصريون وخرجوا النصب هنا على أنه في جواب الأمر وهو { ظ±بْن } كما في قوله:
    يا ناق سيري عنقاً فسيحاً إلى سليمان فنستريحا
    وجوز أن يكون بالعطف على خبر { لَّعَـلِّيغ¤ } بتوهم أن فيه لأنه كثيراً ما جاء مقروناً بها أو على { ظ±لأَسْبَابُ } على حد:
    ولبس عباءة وتقر عيني
    وقال بعض: إن هذا الترجي تمن في الحقيقة لكن أخرجه اللعين هذا المخرج تمويهاً على سامعيه فكان النصب في جواب التمني، والظاهر أن البصريين لا يفرقون بين ترج وترج. وقرأ الجمهور بالرفع عطفاً على
    { أَبْلُغُ }
    [غافر: 36].

  10. #370
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    قوله: { يَغْشَىظ° } قرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء من تحت، وخَرَّجوا قراءةَ حمزة والكسائي على أنها صفةُ لـ " أمَنَة " مراعاةً لها. ولا بُدَّ من تفصيلٍ وهو: إنْ أَعْرَبوا " نُعاساً " بدلاً أو عطفَ بيان أَشْكَلَ قولُهم مِنْ وجهين، أحدُهما: أنَّ النحاةَ نَصُّوا على أنه إذا اجتمع الصفةُ والبدلُ أوعطفُ البيان، قُدِّمتِ الصفةُ وأُخِّر غيرُها. وهنا قد قَدَّموا البدلَ أو عطفَ البيانِ عليها. والثاني: أن المعروفَ في لغة العرب أن تُحَدِّث عن البدل لا عن المبدل منه تقول: " هندٌ حسنُها فاتِنٌ " ولا يجوزُ: " فاتنةٌ " إلا قليلاً، فَجَعْلُهم " نُعاساً " بدلاً من " أمنة " يَضْعُفُ بهذا، فإنْ قيل: قد جاءَ مراعاةُ المبدلِ منه في قوله:

    فقال: " مُعَيَّن " مراعاةً للهاء في " كأنه " ، ولم يراعِ البدلَ وهو " حاجَبْيه " ومثلُه قولُه:
    1472ـ إنَّ السيوفَ غُدُوَّها ورَواحَها تَرَكَتْ هوازنَ مثلَ قَرْن الأعْضَبِ
    فقال: " تَرَكَتْ " مراعاةً للسيوف، ولو راعَى البدلَ لقال: " تركا ". فالجواب: أن هذا ـ وإنْ كان قد قال به بعض النحويين مستنداً إلى هذين البيتين ـ مؤولٌ بأنَّ " مُعَيَّن " خبرٌ عن " حاجبيه " لجريانهما مَجْرى الشيء الواحدِ في كلام العرب، وأنَّ نَصْبَ " غدوها ورواحها " على الظرفِ لا على البدل، وقد تقدَّم لنا شيء من هذا عند قوله:
    { عَلَى ظ±لْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ }
    [البقرة: 102].

    وإنْ أَعربوا " نُعاساً " مفعولاً من أجلِه لَزِم الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بالمفعولِ له، وكذا إنْ أَعْربوا " نعاساً " مفعولاً به، و " أَمَنَةً " حالاً يلزم الفصلُ أيضاً، وفي جوازه نظرٌ. والأحسنُ حينئذٍ أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما حكمُ هذه الأمَنَة؟ فأخبرَ بقوله " تَغْشى " ، ومَنْ قرأ بالياء أعاد الضمير على " نُعاساً " وتكون الجملةُ صفةً له. و " منكم " صفة لـ " طائفة " فيتعلق بمحذوف....

    وقرأ الجماعة " كلَّه " بالنصب، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه تأكيدٌ لاسم " إن ". والثاني ـ حكاه مكي عن الأخفش ـ أنه بدلٌ منه، وليس بواضحٍ. و " لله " خبرُ " إنْ ". وقرأ أبو عمرو: " كلُّه " رفعاً وفيه وجهان، أشهرُهما: أنه رفع بالابتداء، و " لله " خبرُه، والجملةُ خبرُ " إنَّ " نحو: " إنَّ مالَ زيد كلُّه عنده ". والثاني: أنه توكيدٌ على المحلِّ، فـ " إنَّ " اسمُها في الأصل مرفوعٌ بالابتداء، وهذا مذهبُ الزجاج والجرميّ، يُجْرون التوابع كلها مُجْرى عطفِ النسق، فيكونُ " لله " خبراً لـ " إنَّ " أيضاً. و " يُخْفون ": إمَّا خبرُ لـ " طائفة " أو حالٌ مِمَّا قبله كما تقدم. وأما " يقولون " فيحتمل هذين الوجهين، ويحتمل أَنْ يكون تفسيراً لقوله " يُخْفون " فلا محلَّ له حينئذ.

    ال عمران 154


    وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يَغْشاكم النعاسُ ". نافع: " يُغْشِيكم " بضم الياء وكسر الشينِ خفيفةً. " النعاسَ " نصباً. والباقون " يُغَشِّيكم " كالذي قبله، إلا أنه بتشديد الشين فالقراءة الأولى مِنْ غَشِي يَغْشَى، و " النعاس " فاعل. وفي الثانية مِنْ " أغشى " ، وفاعلُه ضميرُ الباري تعالى، وكذا في الثالثة مِنْ " غَشَّى " بالتشديد. و " النعاس " فيهما مفعول به، وأغشى وغشَّى لغتان

    الانفال

  11. #371
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    وقوله - عز وجل -: { إِذِ ظ±لأَغْلاَلُ فِيغ¤ أَعْنَاقِهِمْ وظ±لسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ظ±لْحَمِيم }.

    ذكر أن في السلاسل ثلاث لغات: الرفع والنصب والخفض.

    فمن رفعها يقول: معناه: إذ جعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم يسحبون بها في الحميم.

    ومن قال بالخفض فتأويله: إذ الأغلال في أعناقهم وفي السلاسل، أي: يجعل الأغلال في السلاسل، فيسحبون بها في الحميم.

    ومن قال بالنصب كأنه قرأه: { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسلَ يسحبون * في الحميم } أي: يسحبون السلاسل في الحميم.

    ماتريدى غافر

  12. #372
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    { فَإِن يَصْبِرُواْ فَظ±لنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ظ±لْمُعْتَبِينَ }

    قوله: { يَسْتَعْتِبُواْ }: العامَّةُ على فَتْحِ الياءِ وكسرِ التاءِ الثانيةِ مبنيَّاً للفاعلِ. { فَمَا هُم مِّنَ ظ±لْمُعْتَبِينَ } بفتح التاء اسمَ مفعول، ومعناه: وإنْ طَلبوا العُتْبى وهي الرِّضا فما هم مِمَّنْ يُعْطاها. وقيل: المعنى: وإنْ طَلَبوا زوالَ ما يُعْتَبُون فيه فما هم من المُجابين إلى إزالةِ العَتَبِ.

    وأصلُ العَتَبِ: المكانُ النائِي بنازِلَةٍ، ومنه قيل لأُسْكُفَّةِ الباب والمِرْقاة: عَتَبة، ويُعَبَّر بالعَتَبِ عن الغِلْظَة التي يَجدها الإِنسانُ في صدرِه على صاحبِه. وعَتَبْتُ فلاناً: أبرزْتُ له الغِلْظَة. وأَعْتَبْتُه: أَزَلْتُ عُتْباه كأَشْكَيْتُه. وقيل: حَمَلْتُه على العَتَب.

    وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد " وإن يُسْتَعْتَبوا " مبنيَّاً للمفعولِ. { فَمَا هُم مِّنَ ظ±لْمُعْتَبِينَ } اسمَ فاعلٍ بمعنى: إنْ يُطْلَبْ منهم أن يُرْضُوا فما هم فاعِلون ذلك، لأنهم فارَقوا دارَ التكليف. وقيل معناه: إنْ يُطْلَبْ ما لا يُعْتَبُون عليه فما هم مِمَّنْ يُزيل العُتْبى. وقال أبو ذؤْيبٍ:
    3957 ـ أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِه تَتَوَجَّعُ والدهرُ ليسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ...

    { وَقَالَ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـظ°ذَا ظ±لْقُرْآنِ وَظ±لْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }

    قوله: { وَظ±لْغَوْاْ }: العامَّةُ على فتحِ الغين. وهي تحتملُ وجهين، أحدُهما: أَنْ يكون مِنْ لَغِي بالكسر يَلْغَى. وفيها معنيان، أحدُهما: مِنْ لَغِيَ إذا تكلَّم باللَّغْوِ، وهو ما لا فائدةَ فيه. والثاني: أنه مِنْ لَغِي بكذا، أي: رَمى به فتكونُ " في " بمعنى الباء أي: ارْمُوا به وانبِذُوه. والثاني من الوجهين الأوَّلين: أَنْ تكونَ مِنْ لَغا بالفتح يَلْغَى بالفتحِ أيضاً، حكاه الأخفش، وكان قياسُه الضمَّ كغزا يَغْزو، ولكنه فُتِح لأجلِ حَرْفِ الحلقِ. وقرأ قتادة وأبو حيوة وأبو السَّمَّالِ والزعفراني وابن أبي إسحاق وعيسى بضم الغين، مِنْ لَغا بالفتحِ يَلْغُو كدَعا يَدْعُو. وفي الحديث: " فقد لَغَوْتَ " ، وهذا موافِقٌ لقراءةِ غيرِ الجمهور

  13. #373
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    قوله - عز وجل -: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيغ¤ آيَاتِنَا }.

    قرأ بعضهم: { يُلْحِدُونَ } برفع الياء، وقرأ بعضهم بنصبها:

    فمن قرأ بالرفع، تأويله: إن الذين يميلون عن قبول آياتنا، قال أبو عوسجة: الإلحاد: الميل، وأخذ اللحد من هذا.

    ومن قرأ بالنصب يقول: يعملون في آياتنا، إن الذين يعملون في دفع آياتنا وإبطالها.

    وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَظ±لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيغ¤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـظ°ئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }

    قوله: { ءَاعْجَمِيٌّ }: قرأ الأخوان وأبو بكر بتحقيقِ الهمزة، وهشام بإسقاطِ الأولى. والباقون بتسهيلِ الثانية بينَ بينَ. وأمَّا المدُّ فقد عُرِف حكمُه مِنْ قولِه: " أأنذَرْتَهم " في أولِ هذا الموضوع. فمَنْ استفَهْم قال: معناه أكتابٌ أَعجميٌّ ورسولٌ عربيٌّ. وقيل: ومُرْسَلٌ إليه عَربيٌّ. وقيل: معناه أَبَعْضُهُ أعجميٌّ وبعضُه عربيٌّ. ومَنْ لم يُثْبِتْ همزةَ استفهامٍ فيُحتمل أنه حَذَفها لفظاً وأرادها معنًى. وفيه توافُقُ القراءتين. إلاَّ أنَّ ذلك لا يجوز عند الجمهور، إلاَّ إنْ كان في الكلام " أم " نحو:
    3960 ـ.......................... بسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أم بثمان
    فإنْ لم تكنْ " أم " لم يَجُزْ إلاَّ عند الأخفش. وتقدَّم ما فيه، ويحتمل أَنْ يكونَ جعله خبراً مَحْضاً ويكونُ معناه: هَلاَّ فُصِّلَتْ آياتُه فكان بعضُها أعجمياً تفهمُه العجمُ، وبعضُها عربياً يفهمُه العربُ.

    والأعجميُّ مَنْ لا يُفْصِحُ، وإن كان مِنَ العرب، وهو منسوبٌ إلى صفته كأحمرِيّ ودَوَّاريّ، فالياءُ فيه للمبالغةِ في الوصفِ وليس النسبُ منه حقيقياً. وقال الرازيُّ في لوامحه: " فهو كياء كُرْسِيّ وبُخْتِيّ ". وفَرَّق الشيخُ بينهما فقال: " وليسَتْ كياءِ كُرْسِيّ فإن كرسيّ وبُخْتيّ بُنِيَتِ الكلمةُ عليها بخلافِ ياء " أعجميّ " فإنهم يقولون: رجل أَعْجم وأعْجميّ ".

    وقرأ عمرو بن ميمون " أَعَجَمِيٌّ " بفتح العين وهو منسوبٌ إلى العجم، والياءُ فيه للنسَبِ حقيقةً يُقال: رجل أعجميٌّ وإنْ كان فصيحاً. وقد تقدَّم الكلامُ في الفرقِ بينهما في سورةِ الشعراء.

    وفي رفع " أَعْجميّ " ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مبتدأٌ، والخبرُ محذوف تقديرُه، أعجميٌّ وعربيٌّ يَسْتويان. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوف أي: هو، أي: القرآن أعجميٌّ والمرسلُ به عربيٌّ. والثالث: أنه فاعلُ فعلٍ مضمرٍ أي: أيَسْتوي أعجميٌّ وعربيٌّ. وهذا ضعيفٌ؛ إذ لا يُحذف الفعلُ إلاَّ في مواضعَ بَيَّنْتُها غيرَ مرةٍ.

  14. #374
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    قوله تعالى: { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ }.. الآية { عَلَىظ° قُلُوبِهمْ }: متعلّق بخَتَم، و " على سمعهم " يَحْتمل عطفه على قلوبهم وهو الظاهر للتصريح بذلك، أعني نسبةَ الختم إلى السمع في قوله تعالى:
    { وَخَتَمَ عَلَىظ° سَمْعِهِ }
    [الجاثية: 23] ويَحْتمل أن يكونَ خبراً مقدماً وما بعده عَطْفٌ عليه، و " غِشَاوة " مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خبرها ظرفاً أو حرفَ جر تاماً وقُدِّمَ عليها جاز الابتداء بها، ويكون تقديمُ الخبر حينئذٍ واجباً لتصحيحه الابتداء بالنكرة، والآيةُ من هذا القبيل، وهذا بخلافِ قوله تعالى:
    { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ }
    [الأنعام: 2] لأن في تلك الآية مُسوِّغاً آخر وَهو الوصفُ، فعلى الاحتمال الأول يُوقف على " سمعهم " ويُبتدأ بما بعده وهو " وعلى أبصارهم غشاوةٌ " فعلى أبصارهم خبرٌ مقدم وغشاوة مبتدأ مؤخر، وعلى الاحتمال الثاني يُوقف على " قلوبهم " ، وإنما كُرِّر حرفُ الجر وهو " على " ليفيد التأكيدَ أو ليُشْعِرَ ذلك بتغايرِ الختمين، وهو أنَّ خَتْم القلوبِ غيرُ خَتْمِ الأسماعِ. وقد فرَّق النحويون بين: " مررت بزيد وعمرو " وبين: " مررت بزيد وبعمرو " ، فقالوا: في الأول هو مرورٌ واحدٌ وفي الثاني هما مروران، وهو يؤيِّد ما قلته، إلاَّ أن التعليلَ بالتأكيدِ يَشْمل الإِعرابين، أعني جَعْلَ " وعلى سَمْعِهم " معطوفاً على قوله " على قلوبهم " وجَعْلَه خبراً مقدماً، وأمَّا التعليلُ بتغاير الخَتْمين فلا يَجيء إلا على الاحتمالِ الأولِ، وقد يُقال على الاحتمال الثاني إنَّ تكريرَ الحرفِ يُشْعرُ بتغاير الغِشاوتين، وهو أنَّ الغِشاوة على السمع غيرُ الغشاوةِ على البصرِ كما تَقَدَّم ذلك في الخَتْمين.

    وقُرئ: " غِشاوةً " نصباً، وفيه ثلاثةُ أوجه، الأولُ: على إضمار فعلٍ لائق، أي: وجَعَلَ على أبصارهم غشاوةً، وقد صُرِّح بهذا العامل في قوله تعالى:
    { وَجَعَلَ عَلَىظ° بَصَرِهِ غِشَاوَةً }
    [الجاثية: 23]. والثاني: الانتصابُ على إِسقاط حرف الجر، ويكون " وعلى أبصارهم " معطوفاً على ما قبله، والتقدير: ختم الله على قلوبهم وعلى سَمْعهم وعلى أبصارهم بغشاوة، ثم حُذِفَ حرفُ الجر فانتصب ما بعده كقوله:
    148ـ تَمُرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجوا كلامُكُمُ عليَّ إذاً حَرامُ
    أي تمرون بالديارِ، ولكنه غيرُ مقيسٍ. والثالث: أن يكونَ " غِشاوةً " اسماً وُضِع موضع المصدر الملاقي لَخَتم في المعنى، لأنَّ الخَتْمَ والتَغْشيَة يشتركانِ في معنى السَِّتر، فكأنه قيل: " وخَتَم تغشيةً " على سبيل التأكيد، فهو من باب " قَعَدْتُ جلوساً " وتكونُ قلوبُهم وسمعهُم وأبصارُهم مختوماً عليها مُغَشَّاةً.

    وقال الفارسي: " قراءةُ الرفع أَوْلى لأنَّ النصبَ: إمَّا أَنْ تَحْمِلَه على خَتَم الظاهرِ فَيَعْرِضُ في ذلك أنّك حُلْتَ بين حرفِ العطف والمعطوفِ بِهِ، وهذا عِندنا إنما يجوزُ في الشعر، وإمَّا أن تحمِلَه على فِعْلٍ يَدُلُّ عليه " خَتَم " تقديره: وجَعَلَ على أبصارهم غشاوةً، فيجيء الكلامُ من باب:

    وقوله:
    150ـ عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيْناها
    ولا تكاد تجدُ هذا الاستعمالَ في حالِ سَعَةٍ ولا اختيار ". واستشكل بعضهم هذه العبارةَ، وقال: " لا أَدْري ما معنى قوله: " لأن النصبَ إمَّا أن تحمله على خَتَم الظاهر " ، وكيف تَحْمِل " غشاوةً " المنصوبَ على " ختم " الذي هو فعل وهذا ما لا حَمْلَ فيه؟ ". ثم قال: " اللهم إلا أن يكونَ أراد أنَّ قوله تعالى { خَتَمَ ظ±للَّهُ عَلَىظ° قُلُوبِهمْ } دعاءٌ عليهم لا خبرٌ، ويكون غشاوةً في معنى المصدر المَدْعُوِّ به عليهم القائم مقامَ الفعلِ فكأنه قيل: وغَشَّى الله على أبصارهم، فيكون إذ ذاك معطوفاً على " خَتَم " عَطْفَ المصدر النائبِ منابَ فعلِهِ في الدعاء، نحو: " رَحِمَ الله زيداً وسقياً له " ، فتكونُ إذ ذاكَ قد حُلْتَ بين " غشاوة " المعطوفِ وبين " ختم " المعطوفِ عليه بالجار والمجرور " انتهى، وهو تأويلٌ حسنٌ، إلا أن فيه مناقشةً لفظيةً، لأن الفارسي ما ادَّعى الفصلَ بين المعطوف والمعطوفِ عليه إنما ادَّعى الفصلَ بين حرف العطف والمعطوف به أي بالحرفِ، فتحرير التأويلِ أنْ يقال: فيكونُ قد حُلْتَ بين غشاوة وبين حرفِ العطفِ بالجارِّ والمجرور.

    وقُرئ " غشاوة " بفتح العين وضَمِّها، و " عشاوة " بالمهملة. وأصوبُ القراءاتِ المشهورةُ، لأن الأشياءَ التي تَدُلُّ على الاشتمالِ تجيء أبداً على هذه الزنة كالعِمامة/ والضِمامة والعِصابة.....

    البقرة

    قوله: " مِصْراً " قرأه الجمهورُ منوناً، وهو خَطُّ المصحف، فقيل: إنهم أُمِروا بهبوطِ مصرٍ من الأمصار فلذلك صُرِف، وقيل: أُمِرُوا بمصرَ بعينه وإنما صُرِف لخفَّته، لسكونِ وسطِه كهنْد ودَعْد، وأنشد:
    502ـ لم تَتَلَفَّعْ فَضْلِ مِئْزَرِها دَعْدٌ ولم تُسْقَ دَعْدُ في العُلَبِ
    فَجَمع بين الأمرين، أو صَرَفه ذهاباً به إلى المكان، وقرأ الحسنُ وغيرُه: " مصرَ " وكذلك هي في بعضِ مصاحفِ عثمان ومصحفِ أُبَيّ، كأنهم عَنَوْا مكاناً بعينه.

    البقرة

    قوله " ويقتُلون " في محلِّ نصبٍ عطفاً على خبرِ كان، وقرئ: " تَقْتُلون " بالخطاب التفاتاً إلى الخطاب الأولِ بعد الغَيْبة، و " يُقَتِّلونَ " بالتشديدِ للتكثيرِ.

    قوله: " الأنبياءَ " مفعولٌ به جمع نبيّ، والقُرَّاء على تَرْك الهمز في النُّبُوَّة وما تَصَرَّف منها، ونافعٌ المدنيُّ على الهمزِ في الجميع إلا موضعين: في سورةِ الأحزابِ " للنبيِّ إن أراد " " [لا تَدْخُلوا] بيوتَ النبيِّ إلاَّ " فإنَّ قالون حَكَى عنه في الوصلِ كالجماعةِ وسيأتي. فأمّا مَن هَمَز فإنه جَعَله مشتقاً من النبأ وهو الخبر، فالنبيُّ فعيل بمعنى فاعل، أي: مُنَبِّئٌ عن الله برسالته، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى مَفْعول أي: إنه مُنَبَّأ مِن الله بأوامِره ونواهِيه، واستدلُّوا على ذلك بجَمْعِهِ على نُبَآء، كظريف وظُرَفاء، قال العباس ابن مرداس:
    509ـ يا خاتَم النُّبَآء إنَّك مُرْسَلٌ بالخيرِ، كلُّ هدى السبيلِ هُداكا
    فظهورُ الهمزتين يَدُلُّ على كونِهِ من النبأ، واستضعف بعضُ النحويين هذه القراءةَ، قال أبو علي: " قال سيبويه: " بلغنَا أنّ قوماً من أهل التحقيق يحقِّقون نَبيَّاً وبَريَّة، قال: وهو رديء " ، وإنما استردَأَه لأن الغالبَ التخفيفُ " وقال أبو عبيد: " الجمهورُ الأعظمُ من القُرَّاء والعوام على إسقاط الهمز من النبيّ والأنبياء، وكذلك أكثرُ العرب مع حديث رويناه، فذكر أنَّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا نبيءَ الله " فهمز، فقال: " لست نبيءَ الله " فهمز، " ولكن نبيُّ اللهِ " ولم يهمز، فأنكر عليه الهمز، قال: " وقال لي أبو عبيدة: العربُ تُبْدِل الهمزَ في ثلاثةِ أحرف: النبي والبريَّة والخابية وأصلهنَّ الهمزُ " ، قال أبو عبيدة: " ومنها حرف رابع: الذُّرِّيَّة من ذرأ يذرأ، ويدل على أن الأصلَ الهمزُ قولُ سيبويه: إنهم كلَّهم يقول: تنبَّأ مسيلمة فيهمزون، وبهذا لا ينبغي أن تُرَدَّ به قراءة هذا الإِمامِ الكبير. أمَّا الحديثُ فقد ضَعَّفوه، قال ابنُ عطية: " مِمَّا يُقَوِّيَ ضعفَه أنه لمَّا أَنْشده العباس: " يا خاتم النُّبآء " لم يُنْكِرهْ، ولا فرقَ بين الجمع والواحد " ، ولكنَّ هذا الحديثَ قد ذكره الحاكم في المستدرك، وقال: هو صحيحٌ على شرطِ الشيخين، ولم يُخْرجاه. قلت: فإذا كان ذلك كذلك فَلْيُلْتَمَسْ للحديثِ تخريجٌ يكونُ جواباً عن قراءة نافع، على أن القطعيَّ لا يُعارَضُ بالظني، وإنما نذكرُه زيادةَ فائدةِ والجواب عن الحديث أن أبا زيد حكى: " نَبَأْتُ من أرضِ كذا إلى أَرض كذا " أي: خَرَجْتُ منها إليها، فقوله: " يا نبيءَ الله " بالهمز يُوهم يا طريدَ الله الذي أخرجه من بلدِه إلى غيره، فنهاهُ عن ذلك لإِيهامِهِ ما ذكرنا، لا لسبب يتعلَّق بالقراءةِ.

    ونظيرُ ذلك نَهْيُه للمؤمنين عن قولهم: " راعِنا " ، لَمَّا وَجَدَتِ اليهودُ بذلك طريقاً إلى السبِّ به في لغتهم، أو يكونُ حَضَّاً منه عليه السلام على تحرِّي أفصحِ اللغاتِ في القرآنِ وغيرِه.

    وأمَّا مَنْ لم يَهْمِزْ فإنَّه يَحْتمل وجهين، أحدُهما: أنَّه من المهموزِ ولكِنْ خُفِّفَ، وهذا أَوْلى ليوافِقَ القراءتين ولظهورِ الهمزِ في قولِهم: تَنَبَّأ مُسَيلَمَةُ، وقولِه: " يا خاتَم النُّبآء ". والثاني: أنه أصلٌ آخرُ بنفسِه مشتقٌ من نَبا ينبو إذا ظَهَرَ وارتفع، ولا شك أن رتبة النبيِّ مرتفعةٌ ومنزلتَه ظاهرةٌ بخلاف غيره من الخَلْق، والأصلُ: نَبِيْوٌ وأَنْبِواء، فاجتمع الياءُ والواوُ وسَبَقَتْ إحداهُما بالسكون، فَقُلبت الواوُ ياءً وأُدْغِم، كميِّت في مَيْوِت، وانكسر ما قبلَ الواوِ في الجمعِ فقُلبت ياءً، فصار أنبِياء. والواوُ في النبوَّة بدلٌ من الهمزِ على الأولِ وأصلٌ بنفسِها على الثاني، فهو فَعِيلٌ بمعنى فاعِل أي: ظاهرٌ مرتفعٌ، أو بمعنى مفعول أي: رَفَعه الله على خَلْقه، أو يكونُ مأخوذاً من النبيّ الذي هو الطريق، وذلك أن النبيَّ طريقُ اللهِ إلى خَلْقِه، به يتوصَّلُون إلى معرفةِ خالِقِهم، وقال الشاعر:
    510ـ لمَّا وَرَدْنَ نُبَيَّاً واسْتَتَبَّ بِنا مُسْحَنْفِرٌ كخُطوطِ النَّسْجِ مُنْسَحِلُ
    أي: طريقاً، وقال:
    511ـ لأَصْبَحَ رَتْماً دُقاقُ الحَصَى مكانَ النَّبِيِّ من الكاثِبِ
    الرَّتْمُ بالتاء المثنَّاة والمثلثةِ جميعاً: الكَسْر، والكاثبُ بالمثلثة اسمُ جبلٍ، وقالوا في تحقير نُبُوَّة مُسَيْلَمَةَ: نُبَيِّئَة. وقالوا: جمعُه على أَنْبياء قياس مطَّرد في فَعيل المعتلِّ نحو: وَلِيَّ وأَوْلياء وصَفِيّ وأَصْفِياء. وأمَّا قالون فإنما تَرَك الهمزَ في الموضعين المذكورين لَمَدْركٍ آخرَ، وهو أنه مِنْ أصلِه في اجتماعِ الهمزتين من كلمتين إذا كانتا مكسورَتَيْنِ أَنْ تُسَهَّل الأولى، إلا أنْ يَقَعَ قبلَها حَرفُ مدٍّ فتُبْدَلَ وتُدْغَمَ، فَلَزِمَه أن يفعل هنا ما فَعَل في " بالسوء إلاَّ " مِن الإِبدالِ والإِدغامِ، إلاَّ أنه رُوي عنه خلافٌ في " بالسوء إلاَّ " ولم يُرْوَ عنه هنا خلافٌ، كأنه التزم البدل لكثرةِ الاستعمال في هذه اللفظة وبابها، ففي التحقيق لم يَتْرُكْ همزَ " النبيّ " بل هَمزَهْ وَلمَّا هَمَزَه أدَّاه قياسُ تخفيفِه إلى ذلك، وَيدُلَّ على هذا الاعتبارِ أنَّه إنما يَفْعَلُ ذلك حيث يَصِلُ، أمَّا إذا وَقَفَ فإنَّه يَهْمِزُه في الموضعين لزوالِ السببِ المذكورِ/ فهو تارِكٌ للهمزِ لفظاً آتٍ به تقديراً.

    البقرة

    قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } قرأ الجمهور بلا تنوين، وقرأ الحسن، والأعمش، وابن محيصن بالتنوين، «وراعنا» بلا تنوين من راعيت، وبالتنوين من الرعونة، قال ابن قتيبة: راعناً بالتنوين: هو اسم مأخوذ من [الرعن و] الرعونة، أراد: لا تقولوا جهلاً ولا حمقاً. وقال غيره: كان الرجل إذا أراد استنصات صاحبه، قال أرعني سمعك، فكان المنافقون يقولون: راعنا، يريدون: أنت أرعن. وقوله: { انظرنا } بمعنى: انتظرنا، وقال مجاهد: انظرنا: اسمع منا، وقال ابن زيد: لا تعجل علينا.


    البقرة

    قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إِلا لمن تبِع دينَكم } اختلف العلماء في توجيه هذه الآية على أربعة أقوال.

    أحدها: أن معناه: و لا تصدقوا إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحدٌ مما أوتيتم من العلم، وفلق البحر، والمنِّ، والسلوى، وغير ذلك، ولا تصدقوا أن يجادلوكم عند ربكم، لأنكم أصح ديناً منهم، فيكون هذا كله من كلام اليهود بينهم، وتكون اللام في «لمن» صلة، ويكون قوله تعالى: { قل إِنَّ الهدى هدى الله } كلاماً معترضاً بين كلامين، هذا معنى قول مجاهد، والأخفش.

    والثاني: أن كلام اليهود تام عند قوله: { لمن تبع دينكم } والباقي من قول الله تعالى، لا يعترضه شيءٌ من قولهم، وتقديره: قل يا محمد: إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم يا أمة محمد، إلاّ أن تجادلكم اليهود بالباطل، فيقولون: نحن أفضل منكم، هذا معنى قول الحسن، وسعيد بن جبير. قال الفراء: معنى: «أن يؤتى» أن لا يؤتى.

    والثالث: أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، إلا من تبع دينكم، فأخرت «أن»، وهي مقدمة في النية على مذهب العرب في التقديم والتأخير، ودخلت اللام على جهة التوكيد، كقوله تعالى:
    { عسى أن يكون رَدِفَ لكم }
    [النمل: 72] أي ردفكم.

    وقال الشاعر:
    ما كنتُ أخدعُ للخليل بخلَّة حتى يكون ليَ الخليلُ خَدوعا
    أراد: ما كنت أخدع الخليل.

    وقال الآخر:
    يذمّون للدنيا وهم يحلبونها أفاويقَ حتى ما يَدِرُّ لها ثُعْل
    أراد: يذمون الدنيا، ذكره ابن الأنباري.

    والرابع: أن اللام غير زائدة، والمعنى: لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاء به إلا لليهود، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين، كان عوناً لهم على تصديقه، قاله الزجاج. وقال ابن الأنباري: لا تؤمنوا أن محمداً وأصحابه على حق، إلا لمن تبع دينكم، مخافة أن يطلع على عنادكم الحق، ويحاجوكم به عند ربكم. فعلى هذا يكون معنى الكلام: لا تقروا بأن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وقد ذكر هذا المعنى مكي بن أبي طالب النحوي. وقرأ ابن كثير: أان يؤتى بهمزتين، الأولى مخفّفة، والثانية: مليّنة على الاستفهام، مثل: أانتم أعلم. قال أبو علي: ووجهها أن «أن» في موضع رفع بالابتداء، وخبره: يصدقون به، أو يعترفون به، أو يذكرونه لغيركم، ويجوز أن يكون موضع «أن» نصباً، فيكون المعنى: أتشيعون، أو أتذكرون أن يؤتى أحدٌ، ومثله في المعنى:
    { أتحدِّثونهم بما فتح الله عليكم }
    [البقرة: 76] وقرأ الأعمش، وطلحة بن مصرّف: إن يؤتى، بكسر الهمزة، على معنى: ما يؤتى. وفي قوله تعالى: { أو يحاجوكم عند ربكم } قولان. أحدهما: أن معناه: ولا تصدقوا أنهم يحاجوكم عند ربكم، لأنهم لا حجة لهم، قاله قتادة. والثاني: أن معناه: حتى يحاجوكم عند ربكم على طريق التعبّد، كما يقال: لا يلقاه أو تقوم الساعة، قاله الكسائي.

    البقرة

    قوله تعالى: { تماماً على الذي أحسن } في قوله «تماماً» قولان.

    أحدهما: أنها كلمة متصلة بما بعدها، تقول: أعطيتك كذا تماماً على كذا، وتماما لكذا، وهذا قول الجمهور.

    والثاني: أن قوله «تماماً»: كلمة قائمة بنفسها غير متصلة بما بعدها، والتقدير: آتينا موسى الكتاب تماماً، أي: في دفعة واحدة لم نفرِّق إنزاله كما فُرِّق إنزال القرآن، ذكره أبو سليمان الدمشقي.

    وفي المشار إليه بقوله { أحسن } أربعة أقوال.

    أحدها: أنه الله عز وجل. ثم في معنى الكلام قولان. أحدهما: تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد. والثاني: تماما على إحسان الله تعالى إلى موسى، وعلى هذين القولين، يكون { الذي } بمعنى «ما».

    والقول الثاني: أنه إبراهيم الخليل عليه السلام، فالمعنى: تماماً للنعمة على إبراهيم الذي أحسن في طاعة الله، وكانت نُبُوَّة موسى نعمة على إبراهيم، لأنه من ولده ذكره الماوردي.

    والقول الثالث: أنه كل محسن من الانبياء، وغيرهم. وقال مجاهد: تماماً على المحسنين، أي: تماماً لكل محسن. وعلى هذا القول، يكون «الذي» بمعنى «مَن» و«على» بمعنى لام الجر؛ ومن هذا قول العرب: أتم عليه، وأتم له، قال الراعي:
    رعته أشهرا وخلا عليها
    أي: لها.

    قال ابن قتيبة: ومثل هذا أن تقول: أوصي بمالي للذي غزا وحج؛ تريد: للغازين والحاجِّين.

    والقول الرابع: أنه موسى، ثم في معنى { أحسن } قولان.

    أحدهما: أَحْسَنَ في الدنيا بطاعة الله عز وجل. قال الحسن، وقتادة: تماما لكرامته في الجنة إلى إحسانه في الدنيا. وقال الربيع: هو إحسان موسى بطاعته. وقال ابن جرير: تماماً لنعمنا عنده على إحسانه في قيامه بأمرنا ونهينا.

    والثاني: أحْسَنَ من العلم وكُتُبَ اللهِ القديمةِ؛ وكأنه زيد على ما أحسنه من التوراة؛ ويكون «التمام» بمعنى الزيادة، ذكره ابن الانباري. فعلى هذين القولين يكون «الذي» بمعنى: «ما». وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو رزين، والحسن، وابن يعمر: «على الذي أحسنُ»، بالرفع. قال الزجاج: معناه على الذي هو أحسن الأشياء. وقرأ عبد الله بن عمرو، وأبو المتوكل، وأبو العالية: «على الذي أُحْسِنَ» برفع الهمزة وكسر السين وفتح النون؛ وهي تحتمل الإحسان، وتحتمل العلم.

    الانعام

  15. #375
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    9,736
    طه }

    قد تقدَّم الكلامُ في الحروفِ المُقَطَّعةِ أولَ هذا الموضوعِ، و " طه " مِنْ ذاك، هذا هو الصحيح. وقيل: إنَّ معنى " طه " يا رجلُ في لغةِ عَك، وقيل: عُكْل، وقيل: هي لغة يمانية. وحكى الكلبي أنك لو قلتَ في عَكّ: يا رجلُ، لم يُجِبْ حتى تقولَ: طه.

    وقال الطبري: " طه في عَكّ بمعنى: يا رجلُ " ، وأنشدَ قولَ شاعرهم:
    3269ـ دَعَوْتُ بِطهَ في القتالِ فلم يُجِبْ فَخِفْتُ عليهِ أَنْ يكونَ مُوائِلا
    وقول آخر:
    3270ـ إنَّ السَّفاهةَ طه في خلائِقِكمْ لا قَدَّسَ اللهُ أرواحَ المَلاعينِ
    قال الزمخشري: " وأثرُ الصَّنْعَةِ ظاهرٌ في البيت المستشهدِ به " فذكره، وقال السدي: " معناه: يا فلانُ ". وقال الزمخشري أيضاً: " ولعل عَكَّاً تَصَرَّفوا في " يا هذا " ، كأنهم في لغتهم قالبون الياءَ طاءً، فقالوا: في يا: طا، واختصروا " هذا " فاقتصورا على " ها ". يعني فكأنه قيل في الآية الكريمة: يا هذا. وفيه بُعدٌ كبيرٌ.

    قال الشيخ: " ثم تَخَرَّص وحَزَرَ على عَك ما لم يَقُلْه نحويٌّ: وهو أنهم يقلبون يا التي للنداء طاءً، ويحذفون اسم الإِشارة ويقتصرون منه على " ها " التي للتنبيه ". قلت: وهذا وإن كان قريباً مما قاله عنه إلاَّ أنه أنحىظ° عليه في عبارته بقوله " تَخَرَّص ".

    وقيل: " طه " أصلُه طَأْها بهمزة " طَأْ " أمراً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، و " ها " ضميرُ مفعولٍ يعودُ على الأرض، ثم أبدل الهمزَة لسكونها ألفاً، ولم يَحْذِفْها في الأمرِ نظراً إلى أصلها أي: طَأ الأرضَ بقدمَيْكَ. وقد جاء في التفسير: " أنه قام حتى تَوَرَّمَتْ قدماه ".

    وقرأ الحسنُ وعكرمةُ وأبو حنيفةَ وورشٌ في اختياره/ بإسقاطِ الألفِ بعد الطاء، وهاءٍ ساكنة. وفيها وجهان، أحدهما: أنَّ الأصلَ " طَأْ " بالهمز أمراً أيضاً مِنْ وَطِىء يَطَأُ، ثم أبدلَ الهمزةَ هاءً كإبدالهم لها في " هَرَقْتُ " و " هَرَحْتُ " و " هَبَرْتُ ". والأصلُ: أَرَقْتُ وأَرَحْتُ وأَبَرْت. والثاني: أنه أبدل الهمزةَ ألفاً، كأنه أَخَذه مِنْ وَطِي يَطا بالبدل كقوله:
    3271ـ........................ ........... لا هَنَاكِ المَرْتَعُ
    ثم حَذَفَ الألفَ حَمْلاً للأمرِ على المجزومِ وتناسِياً لأصل الهمز ثم ألحق هاءَ السكتِ، وأجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ. وقد تقدَّم في أولِ يونس الكلامُ على إمالةِ طا وها فأغنى عن أعادتِه هنا

    قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىظ° }

    قوله: { أَن يَفْرُطَ }: " أَنْ يَفْرُطَ " مفعولُ " نخاف ". ويقال: فَرَطَ يَفْرُط: سَبَقَ وَتَقَدَّم، ومنه الفارِطُ. وهو الذي يتقدَّم الورادةَ إلى الماء وفَرَسٌ فَرَطٌ: يسبقُ الخيلَ، أي: نخافُ أَنْ يُعَجِّلَ علينا بالعقوبةِ ويبادِرَنا بها، قاله الزمخشري، ومِنْ وُرودِ الفارط بمعنى المتقدِّم على الواردة قولُ الشاعر:
    3292ـ واسْتعجلونا وكانوا مِنْ صحابَتنا كما تَقَدَّم فُرَّاطُ لوُرَّادِ
    وفي الحديث: " أنا فَرَطُكم على الحَوْضِ " أي: سابقُكم ومتقدِّمُكم.

    وقرأ يحيى بن وثاب وابنُ محيصن وأبو نَوْفلٍ " يُفْرَط " بضمِّ حرف المضارعة وفتح الراء على البناء للمفعول، والمعنىظ°: خافا أن يُسْبَقَ في العقوبةِ. أي: يحملُه حامِلٌ عليها وعلى المعاجلة بها: إمَّا قومُه وإمَّا حُبُ الرئاسةِ، وإمَّا ادِّعاؤه الإِلَهيةَ.

    وقرأ ابن محيصن في روايةٍ والزعفراني " أَن يُفَرِّطَ " بضمِّ حرفِ المضارَعَةِ وكسر الراء مِنْ أفرط. قال الزمخشري: " مِنْ أَفْرَطَه غيرُه إذا حمله على العَجَلة، خافا أَنْ يَحْمِلَه حاملٌ على المُعاجلة بالعقاب ". قال كعب ابن زهير.
    3293ـ تَنْفِي الرياحُ القَذَىظ° عنه وأَفْرَطَه مِنْ صَوْبِ ساريةٍ بِيْضٌ يَعالِيْـلُ
    أي: سَبَقَتْ إليه هذه البِيْضُ لتملأَه. وفاعلُ " يَفْرُطَ " ضميرُ فرعون. وهذا هو الظاهر الذي ينبغي أَنْ لا يُعْدَلَ عنه. وجعله أبو البقاء مضمراً لدلالة الكلامِ عليه فقال " فيجوز أن يكون التقدير: أن يَفْرط علينا منه قولٌ، فأضمر القولَ لدلالة الحالِ عليه كما تقول: فَرَطَ مني قول، وأن يكونَ الفاعلُ ضميرَ فرعون كما كان في " يَطْغىظ° ".

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •