صفحة 17 من 20 الأولىالأولى ... 71314151617181920 الأخيرةالأخيرة
النتائج 241 إلى 255 من 297

الموضوع: جواهر القراءات فى كتاب الله

  1. #241
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    وقرأ ذلك جماعة من قرّاء أهل الكوفة والبصرة: «يَرِثْنِـي ويَرِثْ» بجزم الـحرفـين علـى الـجزاء والشرط، بـمعنى: فهب لـي من لدنك ولـيا فإنه يرثنـي إذا وهبته لـي. وقال الذين قرأوا ذلك كذلك: إنـما حسُن ذلك فـي هذا الـموضع، لأن يرثنـي من آية غير التـي قبلها. قالوا: وإنـما يحسُن أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله:
    { رِدْءاً يُصَدِّقُنِـي }


    قال أبو جعفر: وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأه برفع الـحرفـين علـى الصلة للولـيّ، لأنّ الولـيّ نكرة، وأن زكريا إنـما سأل ربه أن يهب له ولـيا يكون بهذه الصفة، كما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أنه سأله ولـيا، ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته، لأن ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريا دخولاً فـي علـم الغيب الذي قد حجبه الله عن خـلقه.

  2. #242
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    فأما قوله تعالى: { وَرِئْيَاً } فقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: «ورئياً» بهمزة بين الراء والياء في وزن: «رِعيا»؛ قال الزجاج: ومعناها: منظراً، من «رأيت».

    وقرأ نافع، وابن عامر: «رِيّاً» بياء مشددة من غير همز، قال الزجاج: لها تفسيران. أحدهما: أنها بمعنى الأولى. والثاني: أنها من الرِّيّ، فالمعنى: منظرهم مرتوٍ من النعمة، كأن النعيم بَيِّنٌ فيهم.

    وقرأ ابن عباس، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن أبي سريج عن الكسائي: «زيّاً» بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز. قال الزجاج: ومعناها: حسن هيئتهم.

  3. #243
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    قوله تعالى: { لا تخاف } قرأ الأكثرون بألف. وقرأ أبان، وحمزة عن عاصم: «لا تخفْ». قال الزجاج: من قرأ «لا تخاف»، فالمعنى: لست تخاف، ومن قرأ: «لا تخفْ»، فهو نهي عن الخوف. قال الفراء: قرأ حمزة: «لا تخفْ» بالجزم، ورفع «ولا تخشى» على الاستئناف، كقوله تعالى:
    { يُولُّوكم الأدبار ثم لا ينصرون }
    [آل عمران: 111] استأنف بـ «ثم»، فهذا مثله، ولو نوى حمزة بقوله: «ولا تخش» الجزم وإِن كانت فيه الياء، كان صواباً. قال ابن قتيبة: ومعنى { دركاً } لحاقاً. قال المفسرون: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنَا، وهذا البحر بين أيدينا، فأنزل الله على موسى { لا تخاف دركاً } أي: من فرعون { ولا تخشى } غرقاً في البحر.

  4. #244
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    قوله: { حُمِّلْنَآ } قرأ نافعٌ وابنُ كثير وابنُ عامر وحفصٌ بضم الحاء وكسر الميم مشددة. وأبو جعفرٍ كذلك إلاَّ أنه خَفَّف الميم، والباقون بفتحِهما خفيفةَ الميمِ. فالقراءةُ الأولى والثانية نَسَبوا فيهما الفعلَ إلى غيرِهم، وفي الثالثةِ نَسَبُوه إلى أنفسهم.

    طه

    وقرأ الأخَوان " تَبْصُروا " خطاباً لموسىظ° وقومه أو تعظيماً له كقوله:
    { إِذَا طَلَّقْتُمُ ظ±لنِّسَآءَ }
    [الطلاق: 1] و [قوله]:
    3314ـ....... حَرَّمْتُ النساءَ سواكُمُ .......................
    والباقون بالغَيْبة عن قومه.

    والعامَّةُ على فتحِ القافِ من " قَبْضَة " وهي المرَّةُ من قَبَضَ. قال الزمخشري: " وأمَّا القَبْضَةُ فالمَرَّةُ من القَبْض، وإطلاقُها على المقبوضِ مِنْ تسمية المفعولِ بالمصدر " قلت: والنحاة يقولون: إن المصدرَ الواقعَ كذلك لا يُؤَنَّثُ بالتاء تقول: هذه حُلَّةٌ نَسْجُ اليمن " ولا تقول: نَسْجَةُ اليمن. ويعترضون بهذه الآية، ثم يُجيبون بأنَّ الممنوعَ إما هو التاءُ الدالةُ على التحديدِ لا على مجرد التأنيث. وهذه التاءُ دالَّةٌ على مجردِ التأنيث، وكذلك قوله:
    { وَظ±لأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ }
    [الزمر: 67].

    وقرأ الحسن " قُبْضَة " بضم القاف وهي كالغُرْفَة والمُضْغة في معنى المَغْروف والمقبوض. ورُوي عنه " قُبْصَة " بالصاد المهملة. والقَبْضُ بالمعجمة بجميع الكفِّ، وبالمهملة بأطرافِ الأصابع. وله نظائر كالخَضْمِ وهو الأكلُ بجميع الفمِ، والقَضْمِ بمقدَّمِه. والقَصْمُ: قطعٌ بانفصالٍ، والفَصْمُ بالفاء باتصالٍ. وقد تقدم شيءٌ من ذلك في البقرة.....

    وقوله: { لَنُـحَرَقَنَّهُ } اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرْاء الـحجاز والعراق لَنُـحَرّقَنَّهُ بضم النون وتشديد الراء، بـمعنى لنـحرقنه بـالنار قطعة قطعة. ورُوي عن الـحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: «لَنُـحْرِقَنَّهُ» بضم النون، وتـخفـيف الراء، بـمعنى: لنـحرقنه بـالنار إحراقة واحدة، وقرأه أبو وجعفر القارىء: «لَنَـحْرُقَنَّهُ» بفتـح النون وضم الراء بـمعنى: لنبردنه بـالـمبـارد من حرقته أحرقه وأحرّقه، كما قال الشاعر:
    بِذِي فِرْقَـيْنِ يَوْمَ بَنُو حُبَـيْبٍ نُـيُوَبهُمُ عَلَـيْنا يَحْرُقُونا
    والصواب فـي ذلك عندنا من القراءة { لَنُـحَرّقَنَّهُ } بضم النون وتشديد الراء، من الإحراق بـالنار، كما:

    حدثنـي علـيّ قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: { لَنُـحَرّقَنَّهُ } يقول: بـالنار....

    وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ } يعني يوم القيامة. والموعد مصدر؛ أي إن لك وعداً لعذابك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «تُخْلِفَهُ» بكسر اللام وله معنيان: أحدهما: ستأتيه ولن تجده مخلّفاً؛ كما تقول: أحمدته أي وجدته محموداً. والثاني: على التهديد أي لا بد لك من أن تصير إليه. الباقون بفتح اللام؛ بمعنى: إن الله لن يخلفك إياه.

  5. #245
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    { قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ }

    قوله: { وَلاَ يَسْمَعُ }: قرأ ابنُ عامر هنا " ولا تُسْمِعُ " بضمِّ التاءِ للخطابِ وكسر الميم، " الصُّمَّ الدعاءَ " منصوبين. وقرأ ابنُ كثير كذلك في النمل والروم. وقرأ باقي السبعةِ بفتح ياء الغَيْبة والميمِ، " الصُّمُّ " بالرفع، " الدعاءَ " بالنصب في جميع القرآن.

    وقرأ الحسن كقراءة ابن عامر إلاَّ أنه بياءِ الغَيْبة وروى عنه ابنُ خالويه " ولا يُسْمَعُ " بياءٍ الغيبة مبنياً للمفعول، " الصُّمُّ " رفعاً، " الدعاءَ " نصباً. ورُوي عن أبي عمرو بن العلاء " ولا يُسْمِعُ " بضمِّ الياءِ مِنْ تحتُ وكسرِ الميمِ " الصُّمَّ " ، نصباً " الدعاءُ " رفعاً.

    فأمَّا قراءةُ ابنِ عامر وانب كثير فالفاعل فيها ضميرُ المُخاطبِ وهو الرسولُ عليه السلام، فانتصب " الصُّمَّ " و " الدعاءَ " على المفعولين، وأَوَّلُهما هو الفاعلُ المعنوي. وأمَّا قراءةُ الجماعةِ فالفعلُ مسندٌ لـ " الصُّمَّ " فانتصب الدعاء مفعولاً به/ وأمَّا قراءةُ الحسنِ الأولى فَأُسْند الفعلُ فيها إلى ضميرِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم. وهي كقراءةِ ابنِ عامر في المعنى. وأمَّا قراءتُه الثانيةُ فإنه أُسْنِدَ الفعلُ فيها إلى " الصُّمُّ " قائماً مقامَ الفاعلِ، فانتصب الثاني وهو " الدعاء ".

    وأمَّا قراءةُ أبي عمرو فإنه أُسْند الفعلُ فيها إلى الدعاء على سبيل الاتساع، وحُذِف المفعولُ الثاني للعلمِ به. والتقديرُ: ولا يُسْمِعُ الدعاءُ الصمَّ شيئاً البتة. ولمَّا وصل أبو البقاء هنا قال: " ولا يَسْمَعُ " فيه قراءاتٌ وجوهها ظاهرة " ولم يَذْكُرْها

  6. #246
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    والجمهورُ على " رَبَتْ " أي: زادَت، مِنْ رَبا يَرْبُو. وقرأ أبو جعفر وعبد الله ابن جعفر وأبو عمرٍو في رواية " وَرَبَأَت " بالهمزِ أي ارتفَعَتْ. يقال: رَبَأَ بنفسه عن كذا أي: ارتفعَ عنه. ومنه الرَّبِيئَةُ وهو مَنْ يَطْلُعُ على موضعٍ عالٍ لينظر للقوم ما يأتيهم.

    الحج

  7. #247
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    { إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ }


    قوله: { وَلُؤْلُؤاً } قرأ نافعٌ وعاصمٌ بالنصبِ. والباقون بالخفضِ. فأمَّا النصبُ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ تقديرُه: ويُؤْتَوْن لُؤْلؤاً. ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه/، وكذا أبو الفتح حَمَله على إضمار فعلٍ. الثاني: أنَّه منصوبٌ نَسَقاً على موضع " مِنْ أساور " ، وهذا كتخريجِهم " وأرجُلَكُمْ " بالنصب عطفاً على محلِّ { برؤوسكم } [المائدة: 6]، ولأن { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ } في قوة: " يَلْبَسون أساور " فَحُمِل هذا عليه. والثالث: أنه عطفٌ على " أساور "؛ لأنَّ " مِنْ " مزيدةٌ فيها كما تقدَّم تقريرُه. الرابع: أنه معطوفٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ. التقديرُ: يُحَلَّوْن فيها الملبوسَ مِنْ أساور ولؤلؤاً. فـ " لؤلؤاً " عطفٌ على الملبوس.

    وأمَّا الجرُّ فعلى وجهَيْن، أحدُهما: عطفُه على " أساور ". والثاني: عَطْفُه على " مِنْ ذهبٍ " لأنَّ السِّوارَ يُتَّخَذُ من اللؤلؤ أيضاً، يُنْظَمُ بعضُه إلى بعضٍ. وقد منع أبو البقاء العطفَ على " ذهب " قال: " لأنَّ السِّوار لا يكونَ مِنْ لؤلؤ في العادة ويَصِحُّ أن يكونَ حُلِيّاً ".

    واختلف الناسُ في رَسْمِ هذه اللفظةِ في الإِمام: فنقل الأصمعيُّ أنها في الإِمام " لؤلؤ " بغير ألفٍ بعد الواو، ونقل الجحدريُّ أنها ثابتةٌ في الإِمامِ بعد الواو. وهذا الخلافُ بعينه قراءةً وتوجيهاً جارٍ في حَرْف فاطر أيضاً.

    وقرأ أبو بكر في رواية المُعَلّى بن منصور عنه " لؤلوا " بهمزةٍ أولاً وواوٍ آخِراً. وفي روايةِ يحيى عنه عكسُ ذلك.

    وقرأ الفياض " ولُوْلِيا " بواوٍ أولاً وياءٍ أخيراً، والأصل: لُؤْلُؤاً أبدل الهمزتينِ واوَيْن، فبقي في آخرِ الاسم واوٌ بعد ضمةٍ. فَفُعِل فيها ما فُعِل بـ أَدْلٍ جمعَ دَلْو: بأنْ قُلِبَتْ الواوُ ياءً والضمةُ كسرةً.

    وقرأ ابنُ عباس: " وَلِيْلِيا " يياءَيْنِ، فَعَل ما فَعَل الفياض، ثم أتبعَ الواوَ الأولى للثانيةِ في القلبِ. وقرأ طلحة " وَلُوْلٍ " بالجر عطفاً على المجرورِ قبلَه. وقد تقدم، والأصل " ولُوْلُوٍ " بواوين، ثم أُعِلَّ إعلالَ أَدْلٍ.

    واللُّؤْلُؤُ: قيل: كِبارُ الجوهر وقيل صغِارُه.

  8. #248
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ظ±للَّهِ وَظ±لْمَسْجِدِ ظ±لْحَرَامِ ظ±لَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ظ±لْعَاكِفُ فِيهِ وَظ±لْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }

    والعامَّةُ على رفعِ ِ " سواءٌ " وقرأه حفصٌ عن عاصم بالنصبِ هنا وفي الجاثية:
    { سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ }
    [الآية: 21]. ووافق على الذي في الجاثيةِ الأخَوان، وسيأتي توجيهُه. فأمَّا على قراءةِ الرفع فإن قلنا: إنَّ جَعَلَ بمعنى صَيَّر كان في المفعولِ الثاني أوجهٌ، أحدها: ـ وهو الأظهرُ ـ أنَّ الجملةَ مِنْ قولِه { سَوَآءٌ ظ±لْعَاكِفُ فِيهِ } هي المفعولُ الثاني، ثم الأحسنُ في رفع " سواءٌ " أن يكون خبراً مقدماً، والعاكفُ والبادي مبتدأ مؤخر. وإنما وُحِّد الخبرُ وإن كان المبتدأُ اثنين؛ لأنَّ سواء في الأصل مصدرٌ وُصِفَ به. وقد تقدَّم هذا أولَ البقرة. وأجاز بعضُهم أن يكون " سواءٌ " مبتدأ، واما بعدَه الخبر. وفيه ضَعْفٌ أو مَنْعٌ من حيث الابتداءُ بالنكرة من غير مُسَوِّغٍ، ولأنه متى اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ جُعِلت المعرفةُ المبتدأ. وعلى هذا الوجهِ ـ أعني كونَ الجملة مفعولاً ثانياً ـ فقولُه " للناس " يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلق بالجَعْل أي: جَعَلْناه لأجلِ الناسِ كذا. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنَّه حالٌ مِنْ مفعول " جَعَلْناه " ولم يذكر أبو البقاء فيه على هذا الوجهِ غيرَ ذلك وليس معناه متضحاً.

    الوجه الثاني: أنَّ " للناس " هو المفعولُ الثاني. والجملةُ مِنْ قوله { سَوَآءٌ ظ±لْعَاكِفُ } في محلِّ نصب على الحال: إمَّا من الموصول، وإمَّا مِنْ عائِدِه. وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء. وفيه نظرٌ؛ لأنه جعل هذه الجملةَ التي هي محطُّ الفائدةِ فَضْلةً.

    الوجه الثالث: أنَّ المفعولَ الثاني محذوفٌ، قال ابن عطية: " والمعنى: الذي جَعَلْناه للناس قِبْلةً ومتعبَّداً. فتقدير ابنِ عطية هذا مُرْشِدٌ لهذا الوجهِ. إلاَّ أن الشيخ ". قال " ولا يُحتاج إلى هذا التقديرِ، إلاَّ إنْ كان أراد تفسيرَ المعنى لا الإِعراب. فيَسُوغ لأنَّ الجملةَ في موضعِ المفعولِ الثاني، فلا يُحتاج إلى هذا التقديرِ. وإنْ جَعَلْناها متعديةً لواحدٍ كان قولُه " للناس " متعلقاً بالجَعْلِ على العِلَّيَّة. وجَوَّزَ فيه أبو البقاء وجهين آخرين، أحدهما: أنه حالٌ من مفعولِ " جَعَلْناه ". والثاني: أنه مفعولٌ تعدَّى إليه بحرف الجر. وهذا الثاني لا يُتَعَقَّل، كيف يكون " للناس " مفعولاً عُدِّي إليه الفعلُ بالحرف؟ هذا ما لا يعقلُ. فإن أراد أنه مفعولٌ مِنْ أجله فهي عبارةٌ بعيدةٌ من عبارة النحاة.

    وأمَّا على قراءةِ حفصٍ: فإنْ قلنا: " جَعَلَ " يتعدَّىظ° لاثنين كان " سواءً " مفعولاً ثانياً. وإنْ قُلْنا يتعدَّى لواحدٍ كان حالاً من هاءِ " جَعَلْناه " وعلى التقديرين: فالعاكفُ مرفوعٌ به على الفاعليةِ؛ لأنه مصدرٌ وُصِفَ به فهو في قوةِ اسم الفاعل المشتقِّ تقديرُه: جَعَلْناه مُسْتوياً فيه العاكفُ. ويَدُلُّ عليه قولُهم: " مررتُ برجلٍ سواءٍ هو والعَدَمُ ". فـ " هو " تأكيدٌ للضميرِ المستترِ فيه، و " العَدَمُ " نسقٌ على الضميرِ المستترِ ولذلك ارتفعَ.

  9. #249
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: { زُبُراً } فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والعراق: { زُبُراً } بـمعنى جمع الزَّبور. فتأويـل الكلام علـى قراءة هؤلاء: فتفرّق القوم الذين أمرهم الله من أمة الرسول عيسى بـالاجتـماع علـى الدين الواحد والـملة الواحدة، دينهم الذي أمرهم الله بلزومه { زُبُراً } كُتُبـاً، فدان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذين دان به الفريق الآخر، كالـيهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة وكذّبوا بحكم الإنـجيـل والقرآن، وكالنصارى الذين دانوا بـالإنـجيـل بزعمهم وكذّبوا بحكم الفرقان. ذكر من تأوّل ذلك كذلك:

    حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة { زُبُراً } قال: كُتُبـاً.

    حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

    حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { بَـيْنَهُمْ زُبُراً } قال: كُتُب الله فرّقوها قطعاً.

    حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد: { فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ زُبُراً } قال مـجاهد: كُتُبهم فرّقوها قطعاً.

    وقال آخرون من أهل هذه القراءة: إنـما معنى الكلام: فتفرّقوا دينهم بـينهم كُتُبـاً أحدثوها يحتـجّون فـيها لـمذاهبهم. ذكر من قال ذلك:

    حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: { فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حَزْبٍ بِـمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } قال: هذا ما اختلفوا فـيه من الأديان والكتب، كلّ معجبون برأيهم، لـيس أهل هواء إلاَّ وهم معجبون برأيهم وهواهم وصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم.

    وقرأ ذلك عامة قرّاء الشام: «فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَـيْنَهُمْ زُبَراً» بضم الزاء وفتـح البـاء، بـمعنى: فتفرّقوا أمرهم بـينهم قِطَعا كزُبَر الـحديد، وذلك القِطَع منها، واحدتها زُبْرة، من قول الله:
    { آتُونِـي زُبَرَ الـحَدِيد }
    فصار بعضهم يهوداً وبعضهم نصارى.

    والقراءة التـي نـختار فـي ذلك: قراءة من قرأه بضم الزاء والبـاء، لإجماع أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك علـى أنه مراد به الكتب، فذلك يبـين عن صحة ما اخترنا فـي ذلك، لأن الزُّبُر هي الكتب، يقال منه: زَبَرْت الكتاب: إذ كتبته.

    فتأويـل الكلام: فتفرّق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الأمـم دينهم بـينهم كتبـاً، كما بـيَّنا قبل.

  10. #250
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    { وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ }

    قوله: { يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ }: العامَّةُ على أنَّه من الإِتياء أي: يُعْطون ما أَعْطَوا. وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش " يَأْتُون ما أَتَواْ " من الإِتيان أي: يفعلون ما فَعَلوا من الطاعاتِ. واقتصر أبو البقاء في ذكر الخلاف على " أتَوْا " بالقصرِ فقط. وليس بجيدٍ لأنه يُوهم أنَّ مَنْ قرأ " أَتَوْا " بالقَصْرِ قرأ " يُؤْتُون " من الرباعي. وليس كذلك

  11. #251
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    { لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }

    قوله: { لاَ تَحْسَبَنَّ }: قرأ العامَّة " لا تَحْسَبنَّ " بتاءِ الخطابِ. والفاعلُ ضميرُ المخاطبِ أي: لا تَحْسَبَنَّ أيها المخاطبُ. ويمتنعُ أو يَبْعُدُ جَعْلُه للرسولِ عليه السلام؛ لأنَّ/ مِثْلَ هذا الحُسْبانِ لا يُتَصوَّر منه حتىٰ يُنْهىٰ عنه. وقرأ حمزةُ وابن عامرٍ " لا يَحْسَبَنَّ " بياء الغَيْبة وهي قراءةُ حسنةٌ واضحة. فإنَّ الفاعلَ فيها مضمرٌ يعودُ على ما دَلَّ السِّياقُ عليه أي: لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ ـ أو أحدٌ ـ وإمَّا على الرسولِ لتقدُّم ذِكْرِه. ولكنه ضعيفٌ للمعنى المتقدِّم خلافاً لِمَنْ لَحَّن قارىءَ هذه القراءةِ كأبي حاتم وأبي جعفر والفراء. قال النحاس: " ما عَلِمْتُ أحداً مِنْ أهلِ العربية بَصْرياً ولا كوفياً إلاَّ وهو يُلَحِّنُ قراءةَ حمزةَ، فمنهم مَنْ يقولُ: هي لحنٌ لأنه لم يأتِ إلاَّ بمفعولٍ واحدٍ لـ " يَحْسَبَنَّ ".

    وقال الفراء: " هو ضعيفٌ " وأجازه على حَذْفِ المفعولِ الثاني. التقديرُ: " لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنفسَهم مُعْجِزين " قلت: وسببُ تَلْحينِهم هذه القراءةَ أنهم اعتقدوا أنَّ " الذين " فاعلٌ، ولم يكُنْ في اللفظِ إلاَّ مفعولٌ واحدٌ وهو " معجزين " ، فلذلك قالوا ما قالوا. والجوابُ عن ذلك مِنْ وجوهٍ أحدُها: أنَّ الفاعلَ مضمرٌ يعودُ على ما تقدَّم، أو على ما يُفْهَمُ من السياق، كما سَبَقَ تحريرُه. الثاني: أنَّ المفعولَ الأولَ محذوفٌ تقديرُه: لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنفسَهم مُعْجزين. إلاَّ أنَّ حَذْفَ أحدِ المفعولَيْنِ ضعيفٌ عند البصريين. ومنه قولُ عنترةَ:
    3466ـ ولَقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غيرَه مني بمَنزِلَة المُحَبِّ المُكْرَمِ
    أي: لا تظني غيرَه واقعاً. ولمَّا نحا الزمخشريُّ إلى هذا الوجه قال: " وأن يكونَ الأصلُ: لا يَحْسَبَنَّهم الذين كفروا مُعْجِزين، ثم حُذِف الضميرُ الذي هو المفعولُ الأول. وكأنَّ الذي سَوَّغ ذلك أنَّ الفاعلَ والمفعولَيْن لَمَّا كانَتْ لشيءٍ واحدٍ اقْتَنَعَ بذكرِ اثنين عن ذِكْر الثالث " فقَدَّرَ المفعولَ الأول ضميراً متصلاً. قال الشيخ: " وقد رَدَدْنا هذا التخريجَ في أواخرِ آلِ عمران في قولِه: { لاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ } في قراءةِ مَنْ قرأه بالغَيْبة، وجَعَل الفاعلَ " الذين يَفْرحون ". وملخَّصُه: أن هذا ليس من الضمائر التي يُفَسِّرها ما بعدَها فلا يتقدَّر " لا يَحْسَبَنَّهم " إذ لا يجوزُ: " ظَنَّه زيدٌ قائماً " على رَفْعِ " زيدٌ " بـ " ظنَّه " قلت: وقد تقدَّم في الموضعِ المذكورِ رَدُّ هذا الردِّ فعليك بالالتفاتِ إليه.

    الثالث: أنَّ المفعولَيْنِ هما قولُه: { مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ } قاله الكوفيون. ولمَّا نحا إليه الزمخشريُّ قال: " والمعنىٰ: لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أحداً يُعْجِزُ اللهَ في الأرض حتى يَطْمَعوا هم في مثلِ ذلك. وهذا معنىً قويٌّ جيد ".

  12. #252
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأها { فـارِهِينَ } وقراءة من قرأ «فَرِهِينَ» قراءتان معروفتان، مستفـيضة القراءة بكل واحدة منهما فـي علـماء القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. ومعنى قراءة من قرأ { فـارِهِينَ }: حاذقـين بنـحتها، متـخبرين لـمواضع نـحتها، كيسين، من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ «فَرِهِينَ»: مَرِحين أشرين. وقد يجوز أن يكون معنى فَـارِه وفَرِه واحدا، فـيكون فـاره مبنـيا علـى بنائه، وأصله من فعل يفعل، ويكون فره صفة، كما يقال: فلان حاذق بهذا الأمر وحَذِق. ومن الفـاره بـمعنى الـمرح قول الشاعر عديّ بن وادع العوفـي من الأزد:
    لا أسْتَكِينُ إذا ما أزْمَةٌ أزَمَتْ وَلَنْ تَرَانِـي بِخَيْرٍ فـارِهَ الطَّلَبِ
    أي مرح الطلب.

  13. #253
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ } من الرأي؛ وإنما شاوره في ذلك وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله عز وجل فيثبت قدمه إن جزع ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون عليه ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى قبل نزوله وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل: لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة لما فرط منه ذلك.

    وقرأ حمزة والكسائي { ماذا تري } بضم التاء وكسر الراء خالصة أي ما الذي تريني إياه من الصبر وغيره أو أي شيء تريني على أن (ما) مبتدأ وذا موصول خبره ومفعولي تري محذوفان أو ماذا كالشيء الواحد مفعول ثان لترى والمفعول الأول محذوف، وقرىء { ماذا ترى } بضم التاء وفتح الراء على البناء للمفعول أي ماذا تريك نفسك من الرأي. و { انظر } في جميع القراءات معلقة عن العمل وفي { ماذا } الاحتمالان فلا تغفل.

  14. #254
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً }

    قوله تعالى: { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا } وهي البيوت أو المدينة؛ أي من نواحيها وجوانبها، الواحد قُطْر، وهو الجانب والناحية. وكذلك القُتْر لغة في القطر. { ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا } أي لجاؤوها؛ هذا على قراءة نافع وابن كثير بالقصر. وقرأ الباقون بالمدّ؛ أي لأعطوها من أنفسهم، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقد جاء في الحديث: أن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يعذَّبون في الله ويُسألون الشرك، فكلٌّ أعطى ما سألوه إلا بلالاً. وفيه دليل على قراءة المدّ، من الإعطاء. ويدل على قراءة القصر قوله: { وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ }؛ فهذا يدل على «لأَتَوْهَا» مقصوراً

  15. #255
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,138
    وقَرْنَ في بُيوتِكُنَّ } قرأ نافع، وعاصم إِلا أبان، وهبيرة، والوليد بن مسلم عن ابن عامر: { وقََرْنَ } بفتح القاف؛ وقرأ الباقون بكسرها. قال الفراء: من قرأ بالفتح، فهو من قَرَرْتُ في المكان، فخفِّفت، كما قال:
    { ظَلْتَ عليه عاكفاً }
    [طه:97]، ومن قرأ بالكسر، فمن الوَقار، يقال: قِرْ في منزلك. وقال ابن قتيبة: من قرأ بالكسر، فهو من الوقار، يقال: وَقَرَ في منزله يَقِرُ وَقُوراً. ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار. وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو المتوكل { واقْرَرْنَ } باسكان القاف وبراءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة مثله، إِلا أنهما كسرا الراء الأولى.

    قال المفسرون: ومعنى الآية: الأمر لهن بالتوقُّر والسكون في بُيوتهنَّ وأن لا يَخْرُجْنَ.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •