صفحة 15 من 23 الأولىالأولى ... 5111213141516171819 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 211 إلى 225 من 343

الموضوع: جواهر القراءات فى كتاب الله

  1. #211
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ظ±لنَّفْسَ بِظ±لنَّفْسِ وَظ±لْعَيْنَ بِظ±لْعَيْنِ وَظ±لأَنْفَ بِظ±لأَنْفِ وَظ±لأُذُنَ بِظ±لأُذُنِ وَظ±لسِّنَّ بِظ±لسِّنِّ وَظ±لْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ظ±للَّهُ فَأُوْلَـظ°ئِكَ هُمُ ظ±لظَّالِمُونَ }

    وأمَّا قراءةُ نافع ومَنْ معه فالنصبُ على اسم " أَنَّ " لفظاً وهي النفس والجارُّ بعدَه خبرُه، و " قصاصٌ " خبر " الجروح " أي: وأنَّ الجروحَ قصاص، وهذا من عطفِ الجملِ، عَطَفنا الاسمَ على الاسم والخبرَ على الخبر، كقولك " إنَّ زيداً قائمٌ وعمراً منطلق " عطفْتَ " عمراً " على " زيداً " و " منطلق " على " قائم " ويكون الكَتْبُ شاملاً للجميع، إلاَّ أنَّ في كلام ابن عطية ما يقتضي أن يكونَ " قصاص " خبراً على المنصوباتِ أجمعَ فإنه قال: " وقرأ نافع وحمزة وعاصم بنصبِ ذلك كلِّه، و " قصاص " خبرُ أَنَّ " وهذا وإنْ كان يَصْدُقُ أنَّ أَخْذَ النفسِ بالنفسِ والعينَ بالعينِ قصاص، إلا أنه صار هنا بقرينة المقابلة مختصاً بالجروح، وهو محلُّ نظر.

    وأمَّا قراءة أبي عمرو ومَنْ معه فالمنصوبُ كما تقدَّم في قراءة نافع، لكنهم لم يَنْصِبُوا " الجروح " قطعاً له عَمَّا قبله، وفيه أربعة أوجه: الثلاثة المذكورة في توجيهِ قراءة الكسائي، وقد تقدَّم إيضاحُه.

    والرابع: أنه مبتدأ وخبره " قصاص " يعني أنه ابتداءُ تشريعٍ، وتعريفُ حكمٍ جديد، قال أبو عليّ " فأمَّا والجروحُ قصاص: فمن رفعه يَقْطَعْه عما قبله، فإنه يحتمل هذه الأوجهَ الثلاثةَ التي ذكرناها في قراءة مَنْ رفع " والعينُ بالعين " ويجوز أن يُستأنف: " والجروحُ قصاص " ليس على أنه مما كُتِب عليهم في التوراة، ولكنه على الاستئناف وابتداءِ تشريع " انتهى. إلا أنَّ أبا شامة قال: قبل أن يَحْكي عن الفارسي هذ الكلامَ - " ولا يستقيم في رفع الجروح الوجهُ الثالث وهو أنه عطفٌ على الضمير الذي في خبر " النفس " وإنْ جاز فيما قبلها، وسببُه استقامةُ المعنى في قولك: مأخوذةٌ هي بالنفس، والعينُ هي مأخوذة بالعين، ولا يَسْتقيم: والجروحُ مأخوذةٌ قصاص، وهذا معنى قولي " لَمَّا خلا قولُه " الجروح قصاص " عن الباءِ في الخبر خالَف الأسماءَ التي قبلها فخولِفَ بينهما في الاعراب " قلت: وهذا الذي قاله واضح، ولم يتنبَّه لم كثيرٌ من المُعْرِبين.

    وقال بعضُهم: " إنما رُفِع " الجروح " ولم يُنْصَبْ تَبَعاً لِما قبله فرقاً بين المجملِ والمفسرِ " يعني أنَّ قَولَه " النفس بالنفس والعينَ بالعين " مفسَّرٌ غيرُ مجملٍ، بخلاف " الجروح " فإنها مجملةٌ؛ إذ ليس كلُّ جرح يَجْرَي فيه قصاصٌ: بل ما كان يُعْرَفُ فيه المساواةُ وأمكن ذلك فيه، على تفصيل معروف ....

    وقال الطوفى فى شرح مختصر الروضة لابن قدامة


    الْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ:
    أَحَدُهَا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخُهُ - شَرْعٌ لَنَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالثَّانِي: لَا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ كَالْقَوْلَيْنِ.
    الْمُثْبَتُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ} الْآيَةَ، وَدِلَالَتُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، {اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ، {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ: السِّنُّ بِالسِّنِّ إِلَّا مَا حُكِيَ فِيهِ عَنِ التَّوْرَاةِ، وَرَاجَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّوْرَاةَ فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ بِـ {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} عَلَى قَضَاءِ الْمَنْسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِهَا.
    وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ: التَّوْحِيدُ وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ، وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الشَّرَائِعِ، وَ «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» إِشَارَةٌ إِلَى عُمُومِ: {فَمَنِ اعْتَدَى} ، أَوِ {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ، وَمُرَاجَعَتُهُ التَّوْرَاةَ تَحْقِيْقًا لِكَذِبِهِمْ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقُرْآنِ، {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} قِيَاسٌ أَوْ تَأْكِيدٌ لِدَلِيلِهِ بِهِ، أَوْ عَلِمَ عُمُومَهُ لَهُ، لَا حُكْمٌ بِشَرْعِ مُوسَى.

  2. #212
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    وأولـى هاتـين القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ: { وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الـمَسْجِدِ الـحَرَامِ حَّتـى يُقاتِلُوكُمْ فِـيهِ فإنْ قاتَلُوكُمْ فـاقْتُلُوهُمْ } لأن الله تعالـى ذكره لـم يأمر نبـيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي حال إذا قاتلهم الـمشركون بـالاستسلام لهم حتـى يقتلوا منهم قتـيلاً بعد ما أذن له ولهم بقتالهم، فتكون القراءة بـالإذن بقتلهم بعد أن يقتلوا منهم أولـى من القراءة بـما اخترنا.

    وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه قد كان تعالـى ذكره أذن لهم بقتالهم إذا كان ابتداء القتال من الـمشركين قبل أن يقتلوا منهم قتـيلاً، وبعد أن يقتلوا منهم قتـيلاً.

    وقد نسخ الله تعالـى ذكره هذه الآية بقوله:
    { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىظ° لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ }
    [البقرة: 193] وقوله:
    { فَظ±قْتُلُواْ ظ±لْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }
    [التوبة: 5] ونـحو ذلك من الآيات.

  3. #213
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    وقوله: { لاَ تُضَآرَّ } / ابنُ كثير وأبو عمرو: " لا تضارُّ " برفع الراء مشددةً، وتوجيهُها واضحٌ، لأنه فعلٌ مضارعٌ لم يَدْخُلْ عليه ناصبٌ ولا جازمٌ فَرُفِعَ، وهذه القراءةُ مناسِبَةٌ لِما قبلِهَا من حيث إنه عَطَفَ جملةً خبريةً على خبريةً لفظاً نَهْيِيَّةٌ معنى، ويدل عليه قراءةُ الباقين كما سيأتي. وقرأ باقي السبعة بفتح الراءِ مشددةً، وتوجيهُها أنَّ " لا " ناهيةٌ فهي جازمةٌ، فَسَكَنَتِ الراء الأخيرةُ للجزمِ وقبلَها راءٌ ساكنةٌ مدغمةٌ فيها، فالتقى ساكنان فَحَرَّكْنا الثانيةَ لا الأولى، وإنْ كان الأصلُ الإِدغامَ، وكانَتِ الحركةُ فتحةً وإنْ كانَ أصلُ التقاءِ الساكنينِ الكسرَ لأجلِ الألفِ إذ هي أختُ الفتحةِ، ولذلك لَمَّا رَخَّمَتِ العربُ " إسحارّ " وهو اسمُ نباتٍ قالوا: " إسحارَ " بفتح الراء خفيفةً، لأنهم لمَّا حَذَفوا الراءَ الأخيرةَ بقيتِ الراءُ الأولى ساكنةً والألفُ قبلَها ساكنةٌ فالتقى ساكنان، والألفُ لا تقبلُ الحركَةَ فحَرَّكوا الثاني وهو الراءُ، وكانَتِ الحركةُ فتحةً لأجلِ الألفِ قبلَها، ولم يَكْسِروا وإنْ كان الأصلَ، لما ذكرْتُ لك من مراعاةِ الألف.

    وقرأ الحسن بكسرِها مشددةً، على أصلِ التقاءِ الساكنين، ولم يُراعِ الألفَ، وقرأ أبو جعفرٍ بسكونِها مشددةً كأنه أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ فسكَّنَ، ورُوِي عنه وعن ابن هرمز بسكونِهَا مخففةً، وتَحْتمل هذه وجهين، أحدهما: أن يكونَ من ضارَ يَضير، ويكونُ السكونُ لإِجراءِ الوصلِ مُجْرى الوقف.

    والثاني: أن يكونَ من ضارَّ يُضارُّ بتشديد الراءِ، وإنما استثقل تكريرَ حرفٍ هو مكررٌ في نفسِه فَحَذَفَ الثانيَ منهما، وَجَمَع بين الساكنين - أعني الألفَ والراء - إمَّا إجراءً للوصلِ مُجْرى الوقفِ، وإمَّا لأنَّ الألفَ قائمةٌ مقامَ الحركةِ لكونِها حرفَ مَدٍّ.

    وزعم الزمخشري " أن أبا جعفر إنما اختلس الضمة فتَوَهَّم الراوي أنه سَكَّنَ، وليس كذلك " انتهى. وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك عند
    { يَأْمُرُكُمْ }
    [البقرة: 67] ونحوه.

    ثم قراءةُ تسكينِ الراء تحتملُ أَنْ تكونَ مِنْ رفعٍ فتكونَ كقراءةِ ابن كثير وأبي عمرو، وأن تكونَ من فَتْح فتكونَ كقراءةِ الباقين، والأولُ أَوْلى، إِذ التسكينُ من الضمةِ أكثرُ من التسكينِ من الفتحةِ لخفتها.

    وقرأ ابن عباس بكسر الراءِ الأولى والفكِّ، ورُوي عن عمر ابن الخطاب: " لا تضارَرْ " بفتح الراء الأولى والفك، وهذه لغةُ الحجاز أعني [فكَّ] المِثْلين فيما سَكَنَ ثانيهما للجزمِ أو للوقفِ نحو: لم تَمْرُرْ، وامرُرْ، وبنو تميم يُدْغِمون، والتنزيلُ جاء باللغتين نحو: { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ } [المائدة: 54] في المائدةِ، قُرىء في السبعِ بالوجهين وسيأتي بيانُه واضحاً.

    ثم قراءةُ مَنْ شَدَّد الراءَ مضمومةً أو مفتوحةً أو مكسورةً أو مُسْكَّنةُ أو خَفَّفها تحتملُ أن تكونَ الراءُ الأولى مفتوحةً، فيكونُ الفعلُ مبنياً للمفعول، وتكونُ " والدةٌ " مفعولاً لم يُسَمَّ فاعله، وحُذِفَ الفاعلُ للعِلْمِ به، ويؤيده قراءةُ عمرَ رضي الله عنه. وأَنْ تكونَ مكسورةً فيكونُ الفعلُ مبنياً للفاعلِ، وتكونُ " والدةٌ " حينئذ فاعلاً به، ويؤيده قراءةُ ابنِ عباس.

    وفي المفعولِ على هذا الاحتمالِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدهما - وهو الظاهر - أنه محذوفٌ تقديرُه: " لا تُضَارِرْ والدةٌ زوجَها بسسبِ ولدِها بما لا يَقْدِرُ عليه من رزقٍ وكِسْوةٍ ونحو ذلك، ولا يضارِرْ مولودٌ له زوجتَه بسبب ولدِه بما وَجَبَ لها من رزقٍ وكسوةٍ، فالباءُ للسببيةِ. والثاني: - قاله الزمخشري - أن يكونَ " تُضارَّ " بمعنى تَضُرُّ، وأن تكونَ الباءُ من صلتِه أي: لا تضرُّ والدةٌ بولِدها فلا تسيءُ غذاءه وتعهُّدَه ولا يَضُرُّ الوالدُ به بأن ينزِعه منها بعدما ألِفَها. " انتهى. ويعني بقولِه " الباءُ من صلته " أي: تكونَ متعلقةً به ومُعَدِّيةً له إلى المفعول، كهي في " ذهبت بزيدٍ " ويكونُ ضارَّ بمعنى أضرَّ فاعَلَ بمعنى أَفْعَل، ومثلُه: ضاعفْتُ الحِسابَ وأَضْعَفْتُه، وباعَدْته وأبعدْتُه، وقد تقدَّم أن " فاعَلَ " يأتي بمعنى أَفْعَل فيما تقدَّم، فعلى هذا نفسُ المجرور بهذه الباءِ هو المفعول به في المعنى، والباءُ على هذا للتعديةِ، كما ذكرْتُ في التنظيرِ بذَهَبْتُ بزيدٍ، فإنه بمعنى أَذْهبته.

    والثالث: أن الباءَ مزيدةٌ، وأنَّ " ضارَّ " بمعنى ضَرَّ، فيكون " فاعَلَ " بمعنى " فعَلَ " المجردِ، والتقديرُ: لا تَضُرُّ والدةٌ ولدَها بسوءِ غذائِه وعَدَم تعهُّدِه، ولا يَضُرُّ والدٌ ولدَه بانتزاعِه من أمه بعدما أَلِفهَا ونحوِ ذلك. وقد جاء " فاعَل " بمعنى فَعَل المجرد نحو: واعَدْته ووعَدْتُه، وجاوَزْته وجُزْته، إلا أنَّ الكثيرَ في فاعَل الدلالةُ على المشاركةِ بين مرفوعِه ومنصوبِه، ولذلك كان مرفوعهُ منصوباً في التقدير، ومنصوبُه مرفوعاً في التقدير، فمن ثَمَّ كانَ التوجيهُ الأولُ أرجحَ مِنْ توجيهِ الزمخشري وما بعدَه، وتوجيهُ الزمخشري أَوْجَهَ مِمَّا بعدَه.

    و " له " في محلِّ رفعٍ لقيامِه مَقامَ الفاعلِ.

  4. #214
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    { وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }

    قوله تعالى: { وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ } فيه ثمانية أوجهٍ، أحدُها: أنه مبتدأ، و " وصيةًٌ " مبتدأٌ ثانٍ، وسَوَّغَ الابتداءَ بها كونُها موصوفةً تقديراً، إذ التقديرُ: " وصيةٌ من الله " أو " منهم " على حَسَبِ الخلافِ فيها: أهي واجبةٌ من الله أو مندوبةٌ للأزواج؟ و " لأزواجِهم " خبرُ المبتدأ الثاني فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، والمبتدأُ الثاني وخبرُهُ خبرُ الأولِ. وفي هذه الجملةِ ضميرُ الأولِ. وهذه نظيرُ قولِهِم: " السمنُ مَنَوانِ بدرهمٍ " تقديرُهُ: مَنَوانِ منه، وجَعَلَ ابنُ عطية المسوِّغَ للابتداء بها كونَها في موضِعِ تخصيصٍ. قال: " كما حَسُنَ أَنْ يرتفعَ: " سلامٌ عليك " و " خيرٌ بين يديك " لأنها موضعُ دعاءٍ " وفيه نظرٌ.

    والثاني: أن تكونَ " وصيةٌ " مبتدأٌ، و " لأزواجِهم " صفتَها، والخبرُ محذوفٌ، تقديرُهُ: فعليهم وصيةٌ لأزواجِهم، والجملةُ خبرُ الأول.

    والثالث: أنها مرفوعةٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: كُتِبَ عليهم وصيةٌ، و " لأزواجهم " صفةٌ، والجملةُ خبرُ الأولِ أيضاً. ويؤيِّد هذا قراءةُ عبدِ الله: " كُتِبَ عليهم وصيةٌ " وهذا من تفسيرِ المعنى لا الإِعرابِ، إذ ليس هذا من المواضعِ التي يُضْمَرُ فيها الفعْلُ.

    الرابع: " أن " الذينَ " مبتدأٌ على حَذْفِ مضافٍ من الأولِ تقديرُهُ: ووصيةُ الذين.

    والخامسُ: أنه كذلك إلا أنه على حَذْفِ مضاف من الثاني: تقديرُهُ: " والذين يُتَوَفَّوْنَ أهلُ وصية " ذكر هذين الوجهين الزمخشري. قال الشيخ: " ولا ضرورةَ تدعو إلى ذلك ".

    وهذه الأوجُهُ الخمسةُ فيمنَ رَفَع " وصيةٌ " ، وهم ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم، والباقونَ يَنْصِبُونها، وارتفاعُ " الذين " على قراءتهم فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه فاعلُ فعلٍ محذوفٍ تقديرُهُ: وَلْيُوصِ الذين، ويكون نصبُ " وصية " على المصدر. والثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مبني للمفعولِ يتعدَّى لاثنين، تقديرُه: وأُلْزِم الذين يُتَوَفَّوْنَ/ ويكونُ نصبُ " وصية " على أنها مفعولٌ ثانٍ لألْزِمَ، ذكره الزمخشري. وهو والذي قبلَه ضعيفان؛ لأنه ليس من مواضع إضمار الفعل. والثالث: أنه مبتدأٌ وخبرُهُ محذوفٌ، وهو الناصبُ لوصية تقديرُهُ: والذين يُتَوَفَّوْنَ يُوصُون وصيةً، وقَدَّرَهُ ابنُ عطية: " لِيوصوا " ، و " وصيةً " منصوبةٌ على المصدرِ أيضاً. وفي حرفِ عبد الله: " الوصيةُ " رفعاً بالابتداء والخبرُ الجارُّ بعدها، أو مضمرٌ أي: فعليهم الوصيةُ: والجارُّ بعدَها حالٌ أو خبرٌ ثانٍ أو بيان.

  5. #215
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ }

    قوله تعالى: { فَأْذَنُواْ }: قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصمٍ: " فآذِنوا " بألف بعد الهمزةِ، والباقون بدونِ ألف، ساكنَ الهمزةِ.

    فالأُولى من آذَنَه بكذا أي: أَعْلمه كقولِهِ:
    { فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ }
    [الأنبياء: 109] والمعنى: أَعْلِمُوا غيرَكم. أُمِرَ المخاطبون بتركِ الربا أَنْ يُعْلِمُوا غيرَهم مِمَّنْ هو على حالهم في المَقامِ بالرِّبا بمحاربةِ اللِّهِ ورسولِهِ، فالمفعولُ هنا محذوفٌ، وقد صَرَّحَ به الشاعرُ في قولِهِ:
    1114 - آذَنَتْنَا بِبَيْنِها أسماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ
    وفي قولِهِ تعالى: { آذَنتُكُمْ }. وقيل: الهمزةُ في " فَأْذَنُوا " للصيرورةِ لا للتعديةِ، والمعنى: صِيروا عالِمين بالحربِ، قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ كبير.

    وقراءةُ الباقين أَمْرٌ من: أَذِنَ يَأْذَنُ أي عَلِمَ يَعْلَمُ أي: فاعلَموا يُقال: أَذِن به فهو أَذِين، أي: عَلِمَ به فهو عليم.

    ورجَّح جماعةٌ قراءةَ حمزةَ. قال مكيّ: " لولا أَنَّ الجماعَةَ على القصرِ لكان الاختيارُ المدَّ. ووجَّه ذلك أن آذَنَ بالمدِّ أَعَمُّ من أَذِنَ بالقصر، لأنهم إذا أَعلمُوا غيرَهم فقد عَلِموا هم ضرورةً، من غيرِ عكسٍ، أو يَعْلَمُون هم بأنفسِهم ولا يَعْلَمُ غيرُهُم ". قال: " وبالقصرِ قرأ علي بن أبي طالب وجماعةٌ ".

    وعَكَسَ أبو حاتمٍ فرجَّح قراءةَ القصرِ، واستبعدَ قراءةَ المَدِّ قال: " إذ الأمرُ فيه بالحربِ لغيرِهم والمرادُ هم؛ لأنهم المخاطَبون بتركِ الربا " وهذا الذي قالَه غيرُ لازمٍ؛ لأنك إذا كنتَ على حالةٍ فقلتُ لك يا فلان: " أعلِمْ فلاناً أنه مرتكبُ قبيحاً " وهو شيءٌ مماثِلٌ لِما أنت عليه عِلِمْتَ قطعاً أنك مأمورٌ به أيضاً، بل هو أَبْلَغُ من أمري لك مواجهةً. وكذلك قال ثعلب، قال: " الاختيارُ قراءةُ العامة من الإِذن لأنه يُفَسِّر كونوا على إذْنٍ وعِلْمٍ، ولأنَّ الكلامَ يَجْرى به على وجهٍ واحدٍ وهو أَدَلُّ على المرادِ، وأقربُ في الأفهام ". وقال أبو عبيدة: " يقال: أَذِنْتُه بالشيء فَأَذِنَ به " ، أي: عَلِمَ، مثل: أَنْذَرْتُهُ بالشيء فَنَذِرَ به، فجعله مطاوعاً لأفْعَلَ.

    وقال أبو عليّ: " وإذا أُمرِوا بإعلامِ غيرِهم عَلِموا هم لا محالَةَ، ففي إعلامِهِم علمُهم، ليس في علمِهم إعلامُهم غيرَهم، فقراءةُ المدِّ أرجحُ لأنها أبلغُ وأكدُ.

    وقال الطبري: " قراءةُ القصرِ أَرْجَحُ لأنها تختصُّ بهم، وإنما أُمِرُوا على قراءةِ المدِّ بإعلام غيرِهم ".

    وقال الزمخشري: " وقُرِىء فآذِنُوا: فَأَعْلِموا بها غيرَكم، وهو من الإِذْن وهو الإِسماع، لأنه من طرق العلمِ. وقرأ الحسنُ: " فَأَيْقِنُوا " وهو دليلٌ لقراءةِ العامةِ " يعني بالقصرِ، لأنها نصٌّ في العلمِ لا في الإِعلام.

    وقال ابنُ عطية: " والقراءتان عندي سواءٌ، لأنَّ المخاطَبَ محصورٌ، لأنه كلُّ مَنْ لا يَذَرُ ما بقي من الربا.

  6. #216
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    { وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }

    وقرأ ابن كثير: " أأن يؤتى " بهمزة استفهام وهو على قاعدتِهِ في كونه يُسَهِّل الثانية بينَ بينَ من غير مدٍّ بينهما. وخُرِّجَتْ هذه القراءةُ على أوجه، أحدها: أن يكون " أن يُؤتى " على حَذْفِ حرف الجر وهو لام العلة والمُعَلَّلُ محذوف، تقديره: أَلأنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودَبَّرتموه

  7. #217
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    قوله تعالى: { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } فيه أربعة أقوال.

    أحدها: أن معناه: فلا تتبعوا الهوى، واتقوا الله أن تعدِلوا عن الحق، قاله مقاتل.

    والثاني: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، قاله الزجاج.

    والثالث: فلا تتبعوا الهوى كراهية أن تعدلوا عن الحق.

    والرابع: فلا تتبعوا الهوى فتعدلوا، ذكرهما الماوردي.

    قوله تعالى: { وإِن تلووا } قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، والكسائي: تلووا، بواوين، الأولى مضمومة، واللام ساكنة.

    وفي معنى هذه القراءة ثلاثة أقوال.

    أحدها: أن يلوي الشاهد لسانه بالشهادة إِلى غير الحق. قال ابن عباس: يلوي لسانه بغير الحق، ولا يقيم الشهادة على وجهها، أو يعرض عنها ويتركها. وهذا قول مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد.

    والثاني: أن يلوي الحاكم وجهه إِلى بعض الخصوم، أو يُعرِضَ عن بعضهم، روي عن ابن عباس أيضاً.

    والثالث: أن يلوي الإِنسان عنقه إِعراضاً عن أمر الله لكبره وعتوِّه.

    ويكون: «أو تعرضوا» بمعنى: وتعرضوا، ذكره الماوردي. وقرأ الأعمش، وحمزة، وابن عامر: «تلوا» بواو واحدة، واللاّم مضمومة. والمعنى: أن تلوا أمور الناس، أو تتركوا فيكون الخطاب للحكام.

  8. #218
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـمدينة وعامة قرّاء الكوفـيـين: { أَنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أَن» بـمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم بصدّهم إياكم عن الـمسجد الـحرام أن تعتدوا. وكان بعض قرّاء الـحجاز والبصرة يقرأ ذلك: { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إنْ يَصُدُّوئكُمْ } بكسر الألف من «إن» بـمعنى: ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا. فزعموا أنها فـي قراءة ابن مسعود: { إنْ يَصُدُّوكُمْ } فقرءوا ذلك كذلك اعتبـاراً بقراءته.

    والصواب من القول فـي ذلك عندي، أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان فـي قراءة الأمصار، صحيح معنى كلّ واحدة منهما. وذلك أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم صدّ عن البـيت هو وأصحابه يوم الـحديبـية، وأنزلت علـيه سورة الـمائدة بعد ذلك. فمن قرأ: { أنْ صَدُّوكُمْ } بفتـح الألف من «أن» فمعناه: لا يحملنكم بغض قوم أنها الناس من أجل أن صدوكم يوم الـحديبـية عن الـمسجد الـحرام، أن تعتدوا علـيهم. ومن قرأ: { إنْ صَدُّوكُمْ } بكسر الألف، فمعناه: لا يجرمنكم شنآن قوم إن صَدوكم عن الـمسجد الـحرام إذا أردتـم دخوله، لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتـح مكة قد حاولوا صَدّهم عن الـمسجد الـحرام فتقدم اللّه إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسرإن بالنهي عن الإعتداءعليهم إن هم صَدّوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصَّادّين

    غير أن الأمر وإن كان كما وصفت، فإن قراءة ذلك بفتـح الألف أبـين معنى، لأن هذه السورة لا تَدَافُع بـين أهل العلـم فـي أنها نزلت بعد يوم الـحُدَيْبِـيَة. وإذ كان ذلك كذلك، فـالصدّ قد كان تقدّم من الـمشركين، فنهى الله الـمؤمنـين عن الاعتداء علـى الصادين من أجل صدّهم إياهم عن الـمسجد الـحرام

  9. #219
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } أي صُلبة لا تَعِي خيراً ولا تفعله؛ والقاسية والعاتية بمعنى واحد. وقرأ الكِسائي وحمزة: «قَسِيَّة» بتشديد الياء من غير ألف؛ وهي قراءة ظ±بن مسعود والنَّخَعِيّ ويحيى بن وثّاب. والعام القَسِيّ الشديد الذي لا مطر فيه. وقيل: هو من الدّراهم القَسِيّات أي الفاسدة الرديئة؛ فمعنى «قَسِيَّة» على هذا ليست بخالصة الإيمان، أي فيها نِفاق. قال النحاس: وهذا قول حسن؛ لأنه يقال: درهم قَسِيّ إذا كان مغشوشاً بنُحاس أو غيره. يقال: درهم قَسِيّ (مخفف السين مشدّد الياء) مثال شقِيّ أي زائف؛ ذكر ذلك أبو عبيد وأنشد:
    لها صَوَاهِلُ في صُمِّ السِّلامِ كما صاح القَسِيَّاتُ في أيدِي الصيارِيفِ
    يصف وقع المساحي في الحجارة. وقال الأصمعيّ وأبو عُبيد: درهم قَسِيّ كأنه معرّب قاشيّ. قال القُشَيْري: وهذا بعيد؛ لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب، بل الدرهم القَسيّ من القسوة والشدّة أيضاً؛ لأن ما قلت نَقْرته يقسو ويصلب. وقرأ الأعمش: «قَسِيةَ» بتخفيف الياء على وزن فَعِلة نحو عَمِية وشَجِية؛ من قَسِيَ يَقْسَى لا من قسا يقسو. وقرأ الباقون على وزن فاعِلة؛ وهو ظ±ختيار أبي عبيد؛ وهما لغتان مثل العَلِيّة والعالية، والزّكِية والزاكية. قال أبو جعفر النّحاس: أولى ما فيه أن تكون قَسِيّة بمعنى قاسية، إلا أن فَعِيلة أبلغ من فاعلة. فالمعنى: جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الإيمان والتوفيق لطاعتي؛ لأن القوم لم يوصفوا بشيء من الإيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه كفر، كالدراهم القَسِيّة التي خالطها غِش. قال الراجز:
    قد قسوت وقست لِداتي

    قرطبي

    قوله تعالى: { مِنَ ظ±لَّذِينَ يَخَافُونَ }: هذا الجارُّ والمجرور في محل رفعٍ صفةً لـ " رجلان " ، ومفعولُ " يخافون " محذوفٌ، تقديرُه: يخافون اللَّهَ أو يخافون العدوَّ، ولكن ثَبَّتهما الله تعالى بالإِيمان والثقة به حتى قالوا هذه المقالةَ، ويؤِّيد التقديرَ الأول التصريحُ بالمفعول في قراءة ابن مسعود: { يخافون الله } ، وهذان التأويلانِ بناءً على ما هو المشهور عند الجمهور مِنْ كَوْنِ الرجلين القائلَيْن ذلك مِنْ قومَ موسى وهما يُوشع وكالب، وقيل: الرجلان من الجبارين، ولكن أنعم الله عليهما بالإِيمان حتى قالا هذه المقالة يُحَرِّضهم على قومهم لمعاداتهم لهم في الدين، وعلى هذا القول فيحتمل أن يكونَ مفعولُ " يخافون " كما تقدَّم، أي: يخافون الله أو العدو، والمعنى كما تقدَّم، ويحتمل أن يكون المفعول ضميراً عائداً على الموصول ويكونُ الضميرُ المرفوع في " يخافون " ضميرَ بني اسرائيل، والتقدير: من الذين يخافهم بنو اسرائيل، وأيَّد الزمخشري هذا التأويل بقراءة مَنْ قرأ " يُخافون " مبنياً للمفعول، وبقوله أيضاً: { أَنْعَمَ ظ±للَّهُ عَلَيْهِمَا } فإنه قال: " وقراءةُ مَنْ قرأ " يُخافون " بالضم شاهدة له، ولذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل: مِنْ المُخَوَّفين " انتهى. والقراءة المذكورة مرويةٌ عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد، وأبدى الزمخشري أيضاً في هذه القراءةِ احتمالاً آخرَ وهو أن تكون من الإِخافة، ومعناه: من الذين يُخَوَّفُون من الله بالتذكرة والموعظةِ أو يُخَوِّفهم وعيدُ الله بالعقاب. وتحتملُ القراءةُ أيضاً وجهاً آخر: وهو أن يكونَ المعنى: " يُخافون " أي: يُهابون ويُوَقَّرون، ويُرْجَعُ إليهم لفضلِهم وخيرِهم، ومع هذين الاحتمالين الأخيرين فلا ترجيحَ في هذه القراءة لكونِ الرجيلن من الجبارين. وأما قوله: وكذلك " أنعم الله عليهما " أي: في كونه مرجِّحاً أيضاً لكونهما من الجبارين فغيرُ ظاهرٍ، لكون هذه الصفةِ مشتركةً بين يوشع وكالب وبين غيرِهما مِمَّن أنعمَ الله عليه.

  10. #220
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    { وقَرْنَ في بُيوتِكُنَّ } قرأ نافع، وعاصم إِلا أبان، وهبيرة، والوليد بن مسلم عن ابن عامر: { وقََرْنَ } بفتح القاف؛ وقرأ الباقون بكسرها. قال الفراء: من قرأ بالفتح، فهو من قَرَرْتُ في المكان، فخفِّفت، كما قال:
    { ظَلْتَ عليه عاكفاً }
    [طه:97]، ومن قرأ بالكسر، فمن الوَقار، يقال: قِرْ في منزلك. وقال ابن قتيبة: من قرأ بالكسر، فهو من الوقار، يقال: وَقَرَ في منزله يَقِرُ وَقُوراً. ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار. وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو المتوكل { واقْرَرْنَ } باسكان القاف وبراءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة مثله، إِلا أنهما كسرا الراء الأولى.

    قال المفسرون: ومعنى الآية: الأمر لهن بالتوقُّر والسكون في بُيوتهنَّ وأن لا يَخْرُجْنَ.

  11. #221
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز وبعض البصريـين: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِـمَا عَقَّدْتُـمُ الأَيْـمَانَ } بتشديد القاف، بـمعنى: وكدتـم الأيـمان وردّدتـموها وقرّاء الكوفـيـين: «بِـمَا عَقَدْتُـمُ الأَيـمَانَ» بتـخفـيف القاف، بـمعنى: أوجبتـموها علـى أنفسكم، وعزمت علـيها قلوبكم.

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ بتـخفـيف القاف، وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت فـي الكلام، إلا فـيـما يكون فـيه تردّد مرّة بعد مرّة، مثل قولهم: شدّدت علـى فلان فـي كذا إذا كرّر علـيه الشدّ مرّة بعد أخرى، فإذا أرادوا الـخبر عن فعل مرّة واحدة قـيـل: شَدَّدت علـيه بـالتـخفـيف. وقد أجمع الـجميع لا خلاف بـينهم أن الـيـمين التـي تـجب بـالـحنث فـيها الكفـارة تلزم بـالـحنث فـي حلف مرّة واحدة وإن لـم يكرّرها الـحالف مرّات، وكان معلوماً بذلك أن الله مؤاخذ الـحالف العاقد قلبه علـى حلفه وإن لـم يكرّره ولـم يردّده وإذا كان ذلك كذلك لـم يكن لتشديد القاف من عقَّدتـم وجه مفهوم. فتأويـل الكلام إذن: لا يؤاخذكم الله أيها الـمؤمنون من أيـمانكم بـما لغوتـم فـيه، ولكن يؤاخذكم بـما أوجبتـموه علـى أنفسكم منها وعقدت علـيه قلوبكم. وقد بـينا الـيـمين التـي هي لغو والتـي الله مؤاخذ العبد بها، والتـي فـيها الـحنث والتـي لا حنث فـيها، فـيـما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك فـي هذا الـموضع....

  12. #222
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    ـ قوله تعالى: { فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ظ±لنَّعَمِ } فيه أربع قراءات؛ «فَجَزَاءٌ مِثْلُ» برفع جزاء وتنوينه، و «مِثْلُ» على الصفة. والخبر مضمر، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النَّعم. وهذه القراءة تقتضي أن يكون المِثل هو الجزاء بعينه. و «جَزَاءُ» بالرفع غير منون و «مِثْلِ» بالإضافة أي فعليه جزاءُ مثل ما قتل، و «مثل» مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك، وأنت تقصد أنا أكرمك. ونظير هذا قوله تعالى:
    { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ظ±لنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ظ±لظُّلُمَاتِ }
    [الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات، وقوله:
    { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }
    [الشورى: 11] أي ليس كهو شيء. وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل؛ إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. وقال أبو علي: إنما يجب عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثل المقتول، والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول. وهو قول الشافعي على ما يأتي. وقوله: «مِنَ النَّعَمِ» صفة لجزاء على القراءتين جميعاً

    قرطبي

  13. #223
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    { فآخران يقومان مقامهما } أي: مقام هذين الخائنين { من الذين استحق عليهم الأولَيان }.

    قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: «استُحِق» بضم التاء، «الأولَيان» على التثنية. وفي قوله { من الذين استحق عليهم } قولان.

    أحدهما: أنهما الذمّيان.

    والثاني: الوليّان فعلى الأول في معنى { استحق عليهم } أربعة أقوال.

    أحدها: استحق عليهم الإِيصاء، قال ابن الأنباري: المعنى: من القوم الذين استحق فيهم الإِيصاء، استحقه الأوليان بالميت، وكذلك قال الزجاج: المعنى: من الذين استحقت الوصية أو الإِيصاء عليهم.

    والثاني: أنه الظلم، والمعنى: من الذين استحق عليهم ظلم الأولَيان، فحذف الظلم، وأقام الأوليين مقامه، ذكره ابن القاسم أيضاً.

    والثالث: أنه الخروج مما قاما به من الشهادة، لظهور خيانتهما.

    والرابع: أنه الإثم، والمعنى: استحق منهم الإثم، ونابت «على» عن «مِن» كقوله:
    { على الناس يستوفون }
    [المطففين: 2] أي: منهم. وقال الفراء: «على» بمعنى «في» كقوله:
    { على مُلك سليمان }
    [البقرة: 102] أي: في ملكه، ذكر القولين أبو علي الفارسي. وعلى هذه الأقوال مفعول «استُحق» محذوف مُقدّر. وعلى القول الثاني في معنى { استحق عليهم } قولان.

    أحدهما: استحق منهم الأوليان، وهو اختيار ابن قتيبة.

    والثاني: جني عليهم الإثم، ذكره الزجاج.

    فأما «الأوليان» فقال الأخفش: الأوليان: اثنان، واحدهما: الأولى، والجمع: الأولون. ثم للمفسرين فيهما قولان.

    أحدهما: أنهما أولياء الميت، قاله الجمهور. قال الزجاج: «الأوليان» في قول أكثر البصريين يرتفعان على البَدَلِ مما في «يقومان» والمعنى: فليقم الأوليان بالميت مقام هذين الخائنين. وقال أبو علي: لا يخلو الأوليان أن يكون ارتفاعهما على الابتداء، أو يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: فآخران يقومان مقامهما، هما الأوليان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في «يقومان». والتقدير: فيقوم الأوليان.

    والقول الثاني: أن الأوليان: هما الذّميان، والمعنى: أنهما الأوليان بالخيانة، فعلى هذا يكون المعنى: يقومان، إِلا من الذين استحق عليهم. قال الشاعر:
    فليت لنا مِنْ ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ على طهيان
    أي: بدلاً من ماء زمزم. وروى قُرَّة عن ابن كثيرٍ، وحفصٍ وعاصمٍ: «استحق» بفتح التاء والحاء «الأوليان» على التثنية، والمعنى: استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها، فحذف المفعول.

    وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: «استحق» برفع التاء، وكسر الحاء، «الأولين» بكسر اللام، وفتح النون على الجمع، والتقدير: من الأولين الذين استحق فيهم الإِثم، أي: جني عليهم، لأنهم كانوا أولين في الذكر. ألا ترى أنه قد تقدم { ذوا عدلٍ منكم } على قوله: { أو آخران من غيركم }. وروى الحلبي عن عبد الوارث «الأوَّلَين» بفتح الواو وتشديدها، وفتح اللام، وسكون الياء، وكسر النون، وهي تثنية: أوَّل. وقرأ الحسن البصري: «استحق» بفتح التاء والحاء، «الأولون» تثنية «أوَّل» على البدل من قوله: «فآخران»

    ابن الجوزى

  14. #224
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    قوله تعالىٰ: { فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالرفع في الأفعال الثلاثة عطفاً قراءة أهل المدينة والكسائيّ؛ وأبو عمرو أبو بكر عن عاصم بالضم. ابن عامر على رفع «نكذّبُ» ونصب «ونكونَ» وكله داخل في معنى التمني؛ أي تَمَنُّوا الردّ وَأَلاّ يُكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. واختار سيبويه القطع في «وَلا نكذّبُ» فيكون غير داخل في التمني؛ المعنى: ونحن لا نُكذّبُ على معنى الثبات على ترك التكذيب؛ أي لا نكذبُ رُدِدنا أو لم نُردّ؛ قال سيبويه: وهو مثل قوله دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. وٱستدل أبو عمرو على خروجه من التمني بقوله: { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } لأن الكذب لا يكون في التمني إنما يكون في الخبر. وقال من جعله داخلاً في التمني: المعنى وإنهم لكاذبون في الدنيا في إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل. وقرأ حمزة وحفص بنصب { نُكَذِّبَ } و { وَنَكُونَ } جواباً للتمني؛ لأنه غير واجب، وهما داخلان في التمني على معنى أنهم تمَنَّوا الرد وترك التكذيب والكون مع المؤمنين. قال أبو إسحاق: معنى { وَلاَ نُكَذِّبَ } أي إن رُدِدنا لم نكذب. والنصب في «نكذب» و «نكون» بإضمار «أَنْ» كما ينصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعَرْض؛ لأن جميعه غير واجب ولا واقع بعد، فينصب الجواب مع الواو كأنه عطف على مصدر الأوّل؛ كأنهم قالوا: يا ليتنا يكون لنا رَدٌّ، وانتفاءٌ من الكذِب، وكَونٌ من المؤمنين؛ فحملا على مصدر { نُرَدُّ } لانقلاب المعنى إلى الرفع، ولم يكن بدّ من إضمار «أَنْ» فيه يتم النصب في الفعلين. وقرأ ابن عامر «وَنَكُونَ» بالنصب على جواب التمني كقولك: ليتك تصير إلينا ونكرمك، أي ليت مصيرك يقع وإكرامنا يقع، وأدخل الفعلين الأوّلين في التمني، أو أراد: ونحن لا نكرمك على القطع على ما تقدّم؛ يحتمل. وقرأ أبيّ «وَلاَ نكذب بِآيَاتِ ربنا أبداً». وعنه وابن مسعود { يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ } بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في الجواب كما ينصب بالواو؛ عن الزجاج. وأكثر البصريين لا يجيزون الجواب إلاَّ بالفاء.

  15. #225
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    مصر.القاهرة
    المشاركات
    8,744
    واختلفت القرّاء فِي قراءة قوله: { لَيُضِلُّونَ } فقرأته عامة أهل الكوفة: { لَيُضِلُّونَ } بمعنى: أنهم يضلون غيرهم. وقرأ ذلك بعض البصريين والحجازيين: «لَيَضِلُّونَ» بمعنى: أنهم هم الذين يضلون عن الحقّ فيجورون عنه.

    وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءة من قرأ: { وإنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بأهْوَائِهِمْ } بمعنى: أنهم يضلون غيرهم وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن إضلالهم من تبعهم ونهاه عن طاعتهم واتباعهم إلى ما يدعونه إليه، فقال: { وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ } ثم أخبر أصحابه عنهم بمثل الذي أخبره عنهم، ونهاهم من قبول قولهم عن مثل الذي نهاه عنه، فقال لهم: { وَإنَّ كَثِيراً } منهم { لَيُضِلُّونَ } كم { بأهْوَائِهمْ بغيرِ عِلْمِ } نظير الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ }.

    طبري

صفحة 15 من 23 الأولىالأولى ... 5111213141516171819 ... الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •