صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 25

الموضوع: علاقة الصفات بالذات وأقوال الفرق الإسلامية

  1. #1

    علاقة الصفات بالذات وأقوال الفرق الإسلامية

    علاقة الصفات بالذات
    وأقوال الفرق الإسلامية





    كتبه
    سعيد فودة



    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
    وبعد،
    فإنَّ مما كثر النزاع فيه من مسائل الاعتقاد الصفات وعلاقتها بالذات: هل هي غير الذات أو زائدة عنها، وهل المجموع يستلزم التركيب المستلزم للافتقار والإمكان، أو لا؟ وهل كون الصفات زائدة على الذات يستلزم افتقار الذات إلىها؟ وهل تعدد الصفات يستلزم تكثر القدماء أو لا؟ وهل الصفات أجزاء للذات أو لا؟ إلى غير ذلك من مسائل اهتمَّ بها المسملمون جانبا من الاهتمام، وحصل بينهم الخلاف فيها.
    وسوف أبين في هذه الصفحات باختصار أهمَّ ما دار في هذه المسائل، وألحق في آخر هذا البحث الموجز كلمات لبعض العلماء من الإسلاميين من الفرق المختلفة ليكون أمام طالب العلم مادة لدراسة المسألة من كلامهم.
    تحرير محل النزاع
    لقد ثبت عند أهل الإسلام بلا اختلاف بينهم، أن الله تعالى وهو واجب الوجود وهو خالق العالم، له ذات، أي إنه قائم بنفسه غير محتاج إلى محل ليقوم فيه، ووجوده غير متوقف على غيره في التحقق، وهذا هو المقصود من إثبات الذات لواجب الوجود، فلو كان غير ذات لما كان واجب الوجود، ولما كان خالقا ولا إلها.
    ثم اتفق أهل الإسلام على أن هذه الذات لا بدَّ أن تكون قديمة لا أول لوجودها، ولا يجوز أن يكون وجودها مستمدا من غيرها، فهي ليست ممكنة ولا مفتقرة إلى غيرها في الوجود.
    وليس في هذا الموضع مجال للنزاع أصلاً!
    ولكنهم اختلفوا في جهات أخرى:
    أولا: فريق منهم قال إن الذات هي عين وجود الله تعالى، وهي غير متصفة بصفات وجودية زائدة عليها لا معانٍ ولا أبعاض ولا أجزاء. فقالوا بتجرد الذات عن الصفات الوجودية مطلقاً، ولم يصفوا الله تعالى إلا بالسلوب والاعتبارات والإضافات، ولذلك أرجعوا نحوَ العلم والقدرة إلى اعتبارات للذات وإضافات ، أو إلى سلوب كسلب الجهل وسلب العجز، وهكذا. وزعموا أنَّ إثبات صفات معانٍ زائدة على الذات يستلزم إثبات قدماء كثيرين، فيكفر من أثبتها كما كفرنا النصارى، أو يلزمه التشبيه. وأحالوا أيضاً اتصافه تعالى بصفات معانٍ حادثة. وهؤلاء هم المعتزلة.
    ثانيا: وقال فريق من أهل الإسلام إن الله تعالى له ذات وله صفات معانٍ زائدة على الذات، وهذه الصفات وجودية، ويتصف بالصفات الوجودية الحادثة التي لم تكن قائمة به ثم تقوم، ولذلك أجازوا اتصافه بالصفات الحادثة، وأجازوا أيضا اتصاف الله تعالى بالأبعاض والأجزاء، وسمَّوا هذه صفات أعيانٍ. فصار عندهم قسمان من الصفات
    القسم الأول: صفات معانٍ، أي صفات هي معانٍ في نفسها، وهذه زائدة على الذات، وبعضها قديم كالقدرة وبعضها حادث كالإرادة والغضب والرضا وغيرها، فاتصاف الله تعالى بالغضب معناه عندهم أن هناك معنى وجوديا يقوم بالله تعالى وهذا المعنى الوجودي حادث، لم يكن الله تعالى متصفا به ثم اتصف. فالمعاني عندهم قسمان حادث وقديم.
    القسم الثاني: صفات أعيان، أي صفات هي أعيان في نفسها، وهذه الصفات أبعاضٌ للذات وليست مجرد معانٍ كالعلم والقدرة، بل لها محلٌّ ولها حيز معين وليست عين الذات بل زائدة عليها ولكنها لا تنفك عنها، ونسبتها إلى الذات كنسبة الجزء إلى الكل، وقالوا إن يدّ الله تعالى ووجهه وأصابعه وعينيه من هذا القسم.
    وبعضهم يصرح بذلك، وبعضهم يتهرب في ألفاظه وكلماته ويخاف تشنيع أهل السنة وغيرهم، فلا يصرح! وكأنَّ الأمر متوقف على تصريحه فقط! ولكنَّ هذا المعنى هو المفهوم من حاصل كلامهم ومجموعه ومن مواضع كثيرة على منفردة دالة على ما يريدون.
    وهذه الفرقة هي المجسمة على اختلاف أقسامهم ومذاهبهم.
    ثالثا: أهل السنة (الأشاعرة والماتريدية) الذين قالوا إن لله ذاتا وصفات، والصفات إما وجودية وإما غيرها (كالسلبية والنفسية)، وقد يشتق لله تعالى صفات من تعلقات وإضافات للصفات أو للذات من حيثيات معينة، كالـ(ـخالق)؛ فهو مشتق من تعلق القدرة الصلوحي أو التنجيزي بالممكنات، والعالم: مِنْ تعلُّق العلم التنجيزي بالمعلوم، والمنتقم من تعلق القدرة التنجيزي بخلق عذاب من استحق العذاب، أو القادر على ذلك، والمصور من تعلق القدرة التنجيزي بخلق صورة في الذات الممكن المخلوق، أو القادر على ذلك، أي من التعلق الصلوحيّ، وهكذا.
    وأما الصفات الوجودية التي أثبتوها للذات فإنما هي معانٍ زائدة على الذات ولكنها ليس بغير الذات ولا عينها، وعرفوا المتغايرين بأنهما اللذان يمكن استقلال وجود أحدهما بمعزل عن الآخر، ولذلك قالوا نحن لم نثبت قدماء كما أثبتت النصارى، فلا يلزمنا ما لزمهم، فالنصارى أثبتوا قدماء ثلاثة كل واحد منهم مستقل بالوجود في نفسه، فصار كل واحد منهم جوهراً، فلزمهم التثليث كما نصَّ القرآن، أي تثليث القدماء، فكفروا لأنهم أثبتوا قدماء مع الله تعالى، والقديم يستحيل أن يكون مخلوقا لله، فهو معه في قدمه، فهو مستغن حقيقة عنه، وإن حاول بعضهم عدم التزام ذلك. فالعبرة في المذاهب باللازم الواضح لا باعتراف صاحب المذهب به.
    وأما الصفات العينية أو صفات الأعيان التي أثبتها المجسمة (ومعنى هذا المصطلح: صفات هي في حقيقتها أعيان، أو أعيان يسميها هؤلاء بالصفات!) ، فقد اتفق أهل السنة على نفيها عن الله تعالى، وقالوا إن إثباتها يستلزم تجسيم الله تعالى، وتحديده، وهذا يستلزم كونه ممكنا، كما استلزمه في حق العالم المخلوق، فإننا استدللنا على إمكان العالم الموجب لافتقاره بمحدوديته أو تركبه من أعيان يقوم كل واحد منها بنفسه، ولا يتمُّ الكلُّ إلا بالجزء فثبت الافتقار.
    ولذلك خالف أهلُ السنة قاطبة المجسمةَ في هذا الباب.
    وأمَّا الصفات المعاني الحادثة التي أثبتها المجسمة كما ذكرنا، فقد وقف منها أهل السنة موقفا راسخاً فاتفقوا على نفيها، وحكموا على من أثبتها أنه أثبت التغير المستلزم للإمكان على الله تعالى ذاتا وصفاتٍ.
    أهمُّ ما احتج به المعتزلة على نفي صفات المعاني:
    احتجوا بأمور:
    أولا: الإلزام بتكثر القدماء
    إثبات الصفات الوجودية القديمة يستلزم تكثر القدماء، والقِدَمُ أخصّ صفات الإله، فهذا يستلزم تكثر الآلهة، فيكفر من أثبته كما كفر النصارى لما أثبتوا الآب والابن والروح القدس.
    ثانيا: الإلزام بالتركيب المستلزم للافتقار
    القول بزيادة الصفة على الذات يستلزم التركيب المستلزم للافتقار والإمكان. وهذا منافٍ للألوهية.
    ثالثا: إلزام بافتقار الذات إلى الصفات والعكس
    القول بأن الذات متصفة بالصفات يستلزم افتقار الذات إلى الصفة، لأن الصفة إما كمال أو نقص، ويستحيل أن تكون نقصا، فهي كمال للذات، فالذات إذن تكملت بغيرها الذي هوا لصفة.
    وردَّ أهل السنة على سبيل الاختصار فقالوا:

    أولا: أما ما زعمتموه من إلزامنا بتكثر القدماء، فما أثبتناه لا يستلزم تكثر القدماء، لأنا لا نثبت التغاير بين الصفات ولا بيها وبين الذات، والتغاير معنى لا يتمُّ إلا بتحقق وجود كل منفكا عن الآخر أو مستقلا عنه، ونحن نحيل ذلك، فبطل ما ألزمتمونا به من التكثر للقدماء. فبطل أيضا تشبيهنا بالنصارى، لأن النصارى لما أثبتوا الثلاثة نسبوا لكل واحد منها ما يحقِّق كونه جوهرا قائما بنفسه، وأثبتوا له القدم، فلزم بالضرورة إثبات تكثر الآلهة بخلافنا، والفرق بين واضح، وما ذكرتموه أيها المعتزلة إنما هو من باب التشنيع والإلزام بما لا يلزم، فلا يلتفت إليه ولا يعتدُّ به إلا الغافلون.
    ثانياً: وأما التركيب الموجب للافتقار، فلا يتمُّ إلزامنا به إلا إذا قلنا إن الصفات مغايرة للذات في الوجود مستقلة عنها في القيام، ونحن نفينا ذلك، فلا يتحقق مفهوم الاحتياج إلا بين اثنين، ولا اثنينية إلا بين المتغايرين على الوجه الذي ذكرنا، ونحن لم نقل به بل نفيناه. فلا يلزمنا ما ألزمتمونا به من أصله.
    ثالثا: وأما افتقار الذات للصفة أو العكس، فإن أردتم الاحتياج في الوجود والتحقق، فلا نسلمه لكم، وما أثبتناه لا يستلزم ذلك، وهذا هو الافتقار المستلزم للإمكان المنافي للألوهية، أما إن عبرتم عن قيام الصفة بالذات بأنها مفتقرة إليها في القيام لا في الوجود، فلا يضرُّ إثباته، مع تحرزنا عن إطلاقه من جهة الشرع لما يوهمه لفظ الافتقار، على حسب القاعدة المطردة عندنا في باب إطلاق الألفاظ الموهمة على الله تعالى. وعلى الجملة فالافتقار المستلزم للإمكان لا يثبت إلا مع التغاير، ونحن لم نثبت التغاير فلا يلزمنا ما ألزمتمونا به.
    رابعا: ثم زاد أهل السنة فقالوا: قد ورد إثبات كون الله تعالى عالما وقديرا وحيا ...الخ، في الكتاب والسنة، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن نحتاج إلى إيرادها، وهذه مشتقات، وبحسب قانون اللغة فلا يثبت المشتق لذات إلا إذا قام بالذات ما به أصل الاشتقاق، فإن قلنا إن الله تعالى قدير، فالقدرة ثابتة له، والقدرة ليست سلبا ولا مجرد إضافة كما زعمتم، بل هي معنى زائد على المعنى المفهوم من الذات، وليس عين المعنى المفهوم منها، ولكن هذا التغاير في المعنى لا يستلزم التركيب الخارجي علىا لنحو الذي ذكرتموه.
    فتبين لنا أنَّ ما تمسكتم به من نفي الصفات مجرد سرابٍ بقيعة، زيادة على أن ظواهر الشريعة معنا، ولا موجب لصرفها عن ظاهرها لعدم استلزام ذلك الظاهر محالاً على الله تعالى.
    وزيادة على ذلك ألزم أهل السنة من نفى الصفات بالإيجاب على الله تعالى إما تصريحا كالفلاسفة منهم أو إلزاما بما يلزمهم تحقيقاً كالمعتزلة والشيعة ومن تبعهم، ولذلك أثبت المعتزلة وغيرهم الأفعال الواجبات على الله تعالى، ونفاها أهل السنة قاطبة، فلم يوجبوا عليه شيئاً، ولا شكَّ أنَّ الإيجاب على الله تعالى يستلزم نفي الاختيار فيما تم به الإيجاب، ولذلك اتفق نفاة الصفات المعاني على نفي الإرادة القديمة، وأثبتوا الإرادة حادثة أو نفوها من أصلها، أو أرجعوها إما إلى العلم أو الكلام، وهو نفي لها في الحقيقة.

    وأما المجسمة فخلافهم في أمرين:

    الأمر الأول: إثبات الصفات المعاني الوجودية الحادثة القائمة في ذات الله تعالى.
    واحتجوا على ذلك ببعض ظواهر النصوص الشرعية وتمسكوا بها زاعمين أنها صريحة في إثبات ما توهموه، فقالوا: لما قال الله تعالى في كتابه العزيز إنه يغضب ويفرح وينتقم ويتكلم ونحو ذلك، فلا معنى لذلك إلا أنه لم يكن متكلما، ثم تكلم، ولم يكن غاضبا ثم غضب، ولم يكن فرحا ثم فرِحَ! ولا معنى للفرح إلا قيام معنى وجودي لا مجرد اعتبار بالله تعالى. وتعلقوا أيضا بما ورد من نسبة النزول لله تعالى في الثلث الأخير من الليل ونحو ذلك.

    وأجاب أهل السنة:

    بأن ما تعلقتم به من نصوص لا تفيد بالضرورة ما زعمتموه، فالانتقام قد يطلق ويراد به مجرد إنزال العذاب بمستحقه من العاصين المجرمين، والفرح يطلق ويراد به رضا الله تعالى عن عباده الطائعين له، والنزول قد يطلق ويراد به القرب المعنوي أو قرب الإجابة للدعاء وذلك لما يضفيه الليلعلى الإنسان لا على الله تعالى من إخلاص إذا قام في نصفه وتعبد لله تعالى فيكون عمله أقرب إلى القبول، فعبر بالنزول عنه لما في النزول من القرب، وأما الحديث الشريف فقد ورد في روايات أخرى أن الله يأمر ملكا فينزل في الثلث الأخير من الليل وينادي ألا من مستغفر فيغفر له نداء عن الله تعالى، فنسب النزول لله مجازا قريبا إلا على أذهان من تغلغل التجسيم والتشبيه في نفوسهم.
    والخلاصة أنَّ أهل السنة لم يسلموا تعين النصوص التي تمسك بها المجسمة والمشبهة في المعاني التي حملوها عليها، بل قال أهل السنة إن تلك الاستعمالات الواردة في القرآن والسنة تحتمل معاني أخرى لائقة بالله تعالى، فيجب حملها عليها، وذلك لأن ما حمله المجسمة عليها من معانٍ لا تليق بالله تعالى، لأنَّ الإله كامل في ذاته، واتصاف بصفات معان وجودية حادثة لم تكن ثم كانت، ولمكن متصفا بها ثم اتصف بعد خلقه المخلوق، يستلزم بالضرورة أنه لو لم يخلق المخلوق لم يتصف بها أبدا، ولم تقم به، ولما زعم المجسمة والمشبهة أن هذه الصفات الحادثة كمالات، وأنها موقوفة على وجود المخلوقات بالضرورة، لزمهم بالضرورة افتقار الخالق إلى المخلوق لاتصافه بتلك الصفات، وهذا ما يجب تنزيه الله تعالى عنه ضرورة عند العقلاء.
    والأمر الثاني: إثبات الصفات الأعيان للذات، كاليد والوجه ونحوهما
    فاحتج المجسمة والمشبهة على إثبات اليد والوجه صفات هي أعيان وأبعاض لله تعالى، بأنَّ المتعارف عليه بيننا أنا نطلق اليد على ذلك العضو الذي هو جزء وعين متصل بالذات، وكذلك الوجه، ولم نعرف الوجه صفة معنى ولا اليد كذلك، فوجب أنْ نثبتها أعيانا، غاية الأمر أنّ أجزاء الإنسان والمخلوق التي هي اليد والوجه والعين ونحوها، يمكن أن تنفصل عن الإنسان، وأما يد الله تعالى ووجهه فلا يمكن أن تنفصل عنه مع كونها أعياناً كالذات، واعتبروا عدم الانفصال بالفعل كافيا في التفريق بين الخالق والمخلوق!
    وأيضا: فقد قالوا: إنا عندما نثبت اليد والوجه ونحوهما لله فإننا لا نقول إن صورة يد الله ووجهه كصورة وجه الإنسان ويده، وبذلك ننفكُّ عن التشبيه.
    وزعموا أنَّ نفي ما أثبتوه نفي للصفات! فوصفوا النافين لما أثبتوه بأنهم نفاة للصفات ومعارضين لما ورد في القرآن صريحا.
    وبعض المجسمة صرَّح بهذه المعاني، وبعضهم لوَّح بها ولم يجرؤ لاختلاطه بأهل السنة على التصريح فتلعثم وبعثر كلامه لكي لا يكشفوا حقيقة اعتقاده!

    وأجاب أهل السنة:

    بأن هذا الذي تقولونه عين التجسيم سواء اعترفتم بأنه تجسيم وتشبيه أم لم تعترفوا.
    أما كون المعنى المراد من اليد بيننا متبادراً شائعاً في العضو المعروف، فقد نسلم بذلك، ولا ننفيه، ولكن من أين يستلزم ذلك أن اليد إذا أضيفت إلى الله تعالى فإنه يجب علينا أن نثبت لها نفس هذا المعنى المتبادر إطلاقه على الإنسان أو المخلوقات إلا إذا كان القائل بذلك يضمر في نفسه أن الله تعالى في نفسه وحقيقته يشابه الإنسان! ومن هنا أصل تعلقهم بمقولتهم.
    ولو أنهم التفتا إلى محكم ما أتى في القرآن من أن الله تعالى (ليس كمثله شيء)، و(لم يكن له كفوا أحد) وما ورد في السنة (ليس له شبه ولا عدل) ونحو ذلك، لبادروا إلى صرف أذهانهم عن هذه المعاني اللائقة بالإنسان غير اللائقة بالرحمن الملك الديان. فإنما اليد آلة يتوصل بها الإنسان إلى أفعاله، وكذلك العين والأصابع، ولكن الله تعالى لا يتوقف في أفعاله على آلات ولا على جوارج، بل إنه جل وعزَّ بقدرته وإرادته قادر على خلق ما يريد، فلذلك نقول إذا نسبت اليد إلى الله تعالى فإنا ننفي أن يكون المراد باليد ذلك العضو المتبادر –سواء بنفس الصورة والهيئة او بغيرهما فإثبات أصل الصورة والهيئة تشبيه لا يصح نسبته إلى الله تعالى-، ونقول: إن الله تعالى أطلق اليد واراد لازمها، كالقدرة أو عنايته بالمخلوق بما يودعه فيه من خصائص خاصة تميز المخلوق عن غيره، ولذلك أضيف خلق آدم عليه السلام إلى يد الله، وإنما خلقه الله تعالى بقدرته، ولكنه عبر عن ذلك باليد لما أودعه في آدم أورثها لأولاده، وكذلك أضيف خلق السموات وغيرها ليد الله تعالى، لما فيها من خصائص تميزها هذه المخلوقات عن غيرها.
    فهذا إذن أسلوب بلاغيٌّ يجب حمل كلام ربِّ العزة عليه، لئلا يلزمنا التشبيه والتجسيم.
    وهكذا نقول في غيرها من مواضع.
    وفضلا عن ذلك: فلو قلنا إن الله تعالى خلق آدم بيد، وقلنا إن اليد غير قدرته، للزم من ذلك أن يصح القول: إن الله تعالى خلق آدم بيده لا بقدرته! وهذا شنيع جدا، فكل المخلوقات خلقها الله تعالى بقدرته، وهذا أدل دليل على أن اليد ليست أمرا غي القدرة أو راجعة إليها مع ملاحظة صفات أخرى.
    وقد يلتزم بعض المجسمة ذلك بجهلهم، فيقولون: خلق الله تعالى بعض مخلوقاته بيده لا بقدرته، وخلق بعضها بقدرته لا بيده، وهذا إلحاد ونفي لعموم تعلقات القدرة.

    الصفات الإضافية والتعلقات

    قال أهل السنة بأنَّ لصفات الله تعالى تعلقات، فالقدرة متعلقة بالممكنات، والإرادة بالممكنات، والعلم بالممكنات والواجبات والمستحيلات، وهكذا، وهو مبحث معروف عند أهل السنة، وأنَّ هذه التعلقات تنقسم إلى تعلقات صلوحية ثابتة لنفس الصفة قديمة بقدم الذات والصفات، ولا تثبت تعلقات صلوحية لله تعالى حادثة، فإن كل التعلقات الصلوحية كمال لله، ولا يصح أن يكون كمال الله تعالى حادثا.
    وأما التعلقات التنجيزية، فبعضها قديم كتعلق العلم، وبعضها حادث كتعلق القدرة التنجيزي.
    وإنما قال أهل السنة إن تعلق القدرة التنجيزي حادث لأنه لو كان التعلق التنجيزية قديما للزم قدم مخلوق الله تعالى، وهذا محال، لأن الشيء في نفسه لا يكون قديما مخلوقا، لأنَّ المخلوقية تنافي القدم. ولأنَّ الممكن لا يقبل في نفسه الوجود في القدم لأن معنى إمكانه يستلزم مسبوقيته بالعدم على قواعد أهل السنة.
    وقال أهل السنة إن تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة، تفيد كمالا للمخلوق، ولا يستفيد الله تعالى بها كمالا، لأنها عبارة عن إيجاد للمخلوق، والله تعالى لا يستفيد بخلقه الخلقَ صفة ولا كمالا لم يكن قبلهم من صفته كما صرح بذلك الإمام الطحاويُّ في متنه المشهور.
    والتعلق التنجيزيُّ ليس أمراً وجودياً بل هو نسبة واعتبار بين الصفة الوجودية والمتعلَّق، وإنما يوصف بالحدوث لأنَّ أحد طرفيه وهو المخلوق الممكن الذي وجد بقدرة الله تعالى حادث، أي لم يكن ثم كان، وهو معنى الحدوث. فلحدوث هذا الطرف سمينا التعلق حادثاً، ويسميه العلماء المحققون تجدُّداً.
    وقد تعلق بعض المجسمة بهذا الأمر الذي قرره أهل السنة فقالوا: يلزمكم قيام الصفات الحادثة بالله تعالى، ويلزمكم وصف الله تعالى بالصفات الحادثة، معتمدين على كون التعلقات التنجديزية حادثة.
    والجواب بعد التوضيح السابق صار بينا: وخلاصته أنَّ التعلق أمر اعتباريٌّ وليس صفة وجودية قائمة بالله تعالى، فالقائم بالله تعالى إنما هو الصفة القديمة، وحدوث التعلق التنجيزي لا يستلزم حدوث الصفةا لقديمة كما هو واضح، فلا معنى لإلزامكم إيانا بقيام الصفات الحادثة بالله تعالى.
    وأما قولنا إن الله تعالى خالق، فهذا وصف مشتقٌّ، لا يستلزم إلا ثبوت منشأ الاشتقاق لله تعالى. فعلى طريقة الماتريدية منشأ الاشتقاق له إنما هو صفة التكوين الثابتة لله تعالى، وهي صة قديمة لا حادثة، فلذلك يقولون إن إطلاقنا اسم الخالق على الله تعالى قبل أن يخلق الخلقَ إطلاق حقيقيٌّ لأن منشأ الإطلاق وهو الصفة القديمة ثابتة لله تعالى وليس حادثة، وأما على طريقة الأشاعرة فقد قالوا: إن أصل إطلاق هذا المشتق هو ثبوت التعلق الحادث، الذي ليس بأمر وجود قائم بالله تعالى، واشتقاق اسم لله تعالى من هذا التعلق إنما هو باعتبار أن التعلق راجع إلى الصفة القديمة وليس بعينها لحدوثه وقدمها، ولذلك يقولون إن إطلاق اسم الخالق على الله تعالى قبل الخلق يكون إطلاقا مجازيا، ومعناه أنه القادر على الخلق، لا الخالق بالفعل، لأنَّ الخالق هو الذي خلق مخلوقا عندهم، لا مجرد القادر على ذلك خلافا للماتريدية، وأمَّا إطلاق اسم الخالق على الله تعالى بعد الخلق فهو إطلاق حقيقيٌّ لا مجازيٌّ، فالخلاف بينهما خلاف في أمر لغوي إذن لا في أمر عقائديٍّ، ولا يستلزم ذلك على أيٍّ من طريقتيهما قيام صفة حادثة بالذات القديمة ولا اتصاف الله تعالى بكمال لم يكن متصفا به قبل خلقه المخلوقات كما يقول به المجسمة والمشبهة لله تعالى.
    وبذلك تبين أنَّ ما يُلزِمُ المجسمةُ به الأشاعرةَ لا يلزمهم مطلقا، وإنما هي تهويشات وتشنيعات لا يهش بها إلا منحرف العقل، ولا يتأثر بها إلا واحد غير راسخ في المعارف والعلوم ومصطلحات العلماء، فيتمسك بجهله أو بجهالة الناس لترويج مثل ذلك.
    وبذلك أكون قد قمت ببيان أهمِّ ما يقال في هذه المسألة، بتلخيص وتحرير واضحين، راجياً أنْ يكون ذلك مفيداً لطالب العلم.
    والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الأنبياء والمرسلين.
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. Post سلام الله تعالى على فضيلتكم



    الشيخ الفاضل سعيد : لو تكرمت فعندي بعض الإستفسارات وأرجوا أن يتسع صدرك لي :

    تقول : وقد يشتق لله تعالى صفات من تعلقات وإضافات للصفات أو للذات من حيثيات معينة، كالـ(ـخالق)؛ فهو مشتق من تعلق القدرة الصلوحي أو التنجيزي بالممكنات، والعالم: مِنْ تعلُّق العلم التنجيزي بالمعلوم، والمنتقم من تعلق القدرة التنجيزي بخلق عذاب من استحق العذاب، أو القادر على ذلك، والمصور من تعلق القدرة التنجيزي بخلق صورة في الذات الممكن المخلوق، أو القادر على ذلك، أي من التعلق الصلوحيّ، وهكذا. انتهى
    وتقول : وبحسب قانون اللغة فلا يثبت المشتق لذات إلا إذا قام بالذات ما به أصل الاشتقاق، انتهى .

    هل أفهم من كلام فضيلتكم أنكم قد قستم الشاهد على الغائب في الفقرتين السابقتين ؟

    وتقول : وأما الصفات العينية أو صفات الأعيان التي أثبتها المجسمة (ومعنى هذا المصطلح: صفات هي في حقيقتها أعيان، أو أعيان يسميها هؤلاء بالصفات!) انتهى
    ألم يُسطلق السادة الأشاعرة على اسماء المعاني ( العلم ، القدرة ، الحياة ....) وقالوا عنها أنها صفات ؟ ثم ألا يُعد هذا مخافة التشنيع كما قاتَ عن المجسمة (وبعضهم يصرح بذلك، وبعضهم يتهرب في ألفاظه وكلماته ويخاف تشنيع أهل السنة وغيرهم ) .

    وتقول : ولذلك أثبت المعتزلة وغيرهم الأفعال الواجبات على الله تعالى، ونفاها أهل السنة قاطبة، فلم يوجبوا عليه شيئاً، ولا شكَّ أنَّ الإيجاب على الله تعالى يستلزم نفي الاختيار فيما تم به الإيجاب ز
    فماذا يقول فضيلتكم عن قوله تعالى " وكان حق علينا نصر المؤمنين
    ) وأشباهها
    وتقول عن المجسمة : فقالوا: لما قال الله تعالى في كتابه العزيز إنه يغضب ويفرح وينتقم ويتكلم ونحو ذلك، فلا معنى لذلك إلا أنه لم يكن متكلما، ثم تكلم، ولم يكن غاضبا ثم غضب، ولم يكن فرحا ثم فرِحَ! ولا معنى للفرح إلا قيام معنى وجودي لا مجرد اعتبار بالله تعالى.

    وتُتابع : وأجاب أهل السنة على ذلك : بأن ما تعلقتم به من نصوص لا تفيد بالضرورة ما زعمتموه، فالانتقام قد يطلق ويراد به مجرد إنزال العذاب بمستحقه من العاصين المجرمين، والفرح يطلق ويراد به رضا الله تعالى عن عباده الطائعين له، والنزول قد يطلق ويراد به القرب المعنوي أو قرب الإجابة للدعاء وذلك لما يضفيه الليل على الإنسان لا على الله تعالى من إخلاص إذا قام في نصفه وتعبد لله تعالى فيكون عمله أقرب إلى القبول .....الى أن قلتَ : بل قال أهل السنة إن تلك الاستعمالات الواردة في القرآن والسنة تحتمل معاني أخرى لائقة بالله تعالى، فيجب حملها عليها، وذلك لأن ما حمله المجسمة عليها من معانٍ لا تليق بالله تعالى، لأنَّ الإله كامل في ذاته، واتصاف بصفات معان وجودية حادثة لم تكن ثم كانت، ولمكن متصفا بها ثم اتصف بعد خلقه المخلوق، يستلزم بالضرورة أنه لو لم يخلق المخلوق لم يتصف بها أبدا،

    أستفسرُ فأقول : قمت يا فضيلة الشيخ بتأويل الانتقام بأنه يطلق ويراد به مجرد إنزال العذاب بمستحقه من العاصين المجرمين، وتأولت والفرح بأنه يطلق ويراد به رضا الله تعالى عن عباده الطائعين له واظنك لو أكملت لأولت غضب الله ولكن هل تؤل الكلام كما أوّلت الإنتقام والفرح والنزوح ؟ وجحة التأويل كانت بقولك : والخلاصة أنَّ أهل السنة لم يسلموا تعين النصوص التي تمسك بها المجسمة والمشبهة في المعاني التي حملوها عليها، بل قال أهل السنة إن تلك الاستعمالات الواردة في القرآن والسنة تحتمل معاني أخرى لائقة بالله تعالى، فيجب حملها عليها، وذلك لأن ما حمله المجسمة عليها من معانٍ لا تليق بالله تعالى . انتهى
    فلماذا لا نقوم بتأويل كلام الله تعالى كما أوّلته المعتزلة كي يليق بجلال الله كما قالت أي المعتزلة وكما قلتم من قبل . هذا أولا
    ثانيا : هل أفهم منك ان تقول بأن إنتقام الله - والذي أولته بأنه إنزال العذاب بمستحقه من العاصين المجرمين – هو قديم أو ماذا؟ خصوصا

    بعدما ذكرتَ فضيلتكم : لأنَّ الإله كامل في ذاته، واتصاف بصفات معان وجودية حادثة لم تكن ثم كانت، ولمكن متصفا بها ثم اتصف بعد خلقه المخلوق، يستلزم بالضرورة أنه لو لم يخلق المخلوق لم يتصف بها أبدا، ولم تقم به.
    فهذا يعني أن انتقام الله – حسب قولكم - غير حادث ، وإذا كان كذلك فهل فعل الله بإنزال العذاب بمستحقه وهذا المستحق ، معدوم لم يوجد بعد ، غير حادث ؟ وإذا كان غير حادث فهل هو قديم أم هو لا هو غيره ولا هو هو ؟
    وما قلته فضيلتكم " هو باعتبار أن التعلق راجع إلى الصفة القديمة وليس بعينها لحدوثه وقدمها، ولذلك يقولون- أي الأشاعرة - إن إطلاق اسم الخالق على الله تعالى قبل الخلق يكون إطلاقا مجازيا "

    ألا يعد هذا التفسير فيه نوع من التهرب – سامحني على هذه اللفظة ولكني أضفتها لأفهم أكثر – حتى تخرجوا من إلزامكم قيام الصفات الحادثة بالله تعالى، وإلزامكم وصف الله تعالى بالصفات الحادثة . ؟



    وتقول فضيلتكم : وفضلا عن ذلك: فلو قلنا إن الله تعالى خلق آدم بيد، وقلنا إن اليد غير قدرته، للزم من ذلك أن يصح القول: إن الله تعالى خلق آدم بيده لا بقدرته! وهذا شنيع جدا . انتهى
    أقول : ولكني قرأت في الإبانة للأشعري رحمه الله : " ونَفًى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين، ووافقوا النصارى .
    وحينا آخر نراه يقول بالتأويل كما قالت المعتزلة ومن وصفهم بالجهميين فيقول : وجاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده) أي بيد قدرته سبحانه ) . بينما يقول بعدها : وقد اعتل معتل بقول الله تعالى (2/ 130) : (والسماء بنيناها بأيد) من الآية (47 /51) قالوا: الأيد القوة، فوجب أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) بقدرتي، قيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه
    أقول : ألا يعد ذلك تناقضا من الأشعري رحمه الله مع نفسه من جهة ومخالفتكم للأشعري من جهة أخرى .
    أرجوا من فضيلتكم بيان ذلك وشكرا .

  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أخي قاسم الدجاني... جميع ما قلت أنك قد فهمته من كلام الشيخ سعيد غير مفهوم منه ولا بأي نوع من أنواع الدلالة المبحوثة في علمي الأصول والمنطق ولا بأي مرتبة من مراتب الوضوح المبحوثة في علم البيان، فلهذا لا تتوقع أن يرد الشيخ سعيد على أي استفسار منك.

    أخي قاسم... هل هان مقام الله في قلوبنا حتى صرنا نبحث في أسمائه وصفاته وأفعاله من دون أن يكون عندنا القدر الأقل من العلوم اللازمة لذلك، يا أخي إن كنت محبا للعلم والبحث في مسائله مع هذا القدر المتواضع من العلم فأنصحك ونفسي أن تبحث في علم إن أخطأت به يقال: أخطأت، وأما في هذا المباحث فإنه قد يقال: كفرت، ولكن الطريق الصحيح للخوض في هذا المباحث هو أن تشمر عن ساعد الجد في طلب العلوم ودقائقها وبجميع أنواعها بحيث لا تقل ساعات طلبك للعلم في اليوم عن ثمان ساعات على مدى عدة سنوات، وإنك لو درست مباحث العقائد متدرجا من الادنى إلى الأعلى على أي مذهب كان ولو على مذهب المعتزلة فإن كلامك فيها سيكون أضبط وأقعد وعن الطامات أبعد، أما البحث بهذه الطريقة التي تنتهجها فإنه لا يوصلك إلى المطلوب عادة وسيؤول أمرك إلى مآل أبو طربوش وأضرابه سواء كان مآلك إلى المعتزلة أو إلى مذهب أهل الحق أهل السنة والجماعة، فأي مذهب لا يتشرف بالمنتسبين إليه إلا إذا كانوا من الراسخين، أو على الأقل غير مشوشين وحشويين، وبغير هذا السبيل لا ينصر هذا الدين العظيم، أسأل الله العظيم أن نكون جميعا من أنصاره بالحق لا بما نتوهم أنه منه وليسَ، وإنك إن لم تقبل نصيحتي فلا أريد منك أن ترد، وإن قبلتها فراسلني على الخاص وأنا على استعداد للمساعدة بقدر استطاعتي، والله الموفق.

    ملاحظة: ما أوهم من كلامي التعريض بك فليس بمراد وإن كان مرادا في غيرك.


    قال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام في عقيدته:
    الجهاد ضربان: ضرب بالجدل والبيان، وضرب بالسيف والسنان...، وعلى الجملة ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرتها، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق وظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما:
    قليل منك ينفعني ولكن... قليلك لا يقال له قليل.



  4. أقول : أخي أبو خلف : أنا لم ادع العلم أو الفهم الثاقب وأين أنا من ذاك الجبل الراسخ فضيلة الشيخ سعيد حفظه الله ولكنه أيضا غير معصوم وقد يخطئ ، ولكني سألته عن بعض ما كتب لأتعلم منه ويشرفني أن يقوم عالم مثله بالإجابة عن استفساراتي .
    أما قولك : فلهذا لا تتوقع أن يرد عليك الشيخ سعيد ، عن أي استفسار منك .

    أقول : وهل كان الأنبياء والصالحين والعلماء لا يردون على قليلي الفهم مثلي ؟
    ولماذا تجيب حضرتك عنه وتقطع رجائي بأن لا أتوقع من عالم أن يجيب على قليل الفهم مثلي حتى لو كنت أميل في بعض المسائل لفكر المعتزلة ولكني لم أقطع بها بعد ؟ ولا أظن من الشيخ سعيد أن يستمع لقولك الغريب العجيب ، فهو سيجيب عن استفساراتي وأنا واثق من ذلك ولن أقطع الرجاء .
    أما عن نصيحتك فأنا اعمل بها قدر استطاعتي فالوقت قليل جدا وأسأل الله تعالى أن يعينني على ذلك وأن يرزقني الفهم والحق . وشكرا .

  5. #5
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    بعد إذن سيدي الشيخ وسيدي عبد السلام...

    أخي قاسم،

    سألتَ:
    هل أفهم من كلام فضيلتكم أنكم قد قستم الشاهد على الغائب في الفقرتين السابقتين ؟

    لا

    بل المستند هو دلالة اللغة...

    فلذلك قال سيدي الشيخ: (بحسب قانون اللغة فلا يثبت المشتق لذات إلا إذا قام بالذات ما به أصل الاشتقاق).


    ثمَّ سألت:
    ألم يُسطلق السادة الأشاعرة على اسماء المعاني ( العلم ، القدرة ، الحياة ....) وقالوا عنها أنها صفات ؟ ثم ألا يُعد هذا مخافة التشنيع كما قاتَ عن المجسمة (وبعضهم يصرح بذلك، وبعضهم يتهرب في ألفاظه وكلماته ويخاف تشنيع أهل السنة وغيرهم ) .

    فلا.

    ولو عرفت الفرق الذي بيّن الشيخ لفهمت المقصود.

    ولو عرفت ما ملول لفظ: (صفة) في اللغة لعرفت الفرق.

    سألت:
    فماذا يقول فضيلتكم عن قوله تعالى " وكان حق علينا نصر المؤمنين" وأشباهها ؟

    فبأنَّه حق أوجبه الله سبحانه وتعالى...

    أي إنَّ الله سبحانه وتعالى لو لم يرد أن ينصر المؤمنين لما فعل...

    لكنَّه سبحانه وتعالى أراد أن ينصرهم فأخبر عن ذلك...

    وتعلّق الإرادة هذا غير زماني فهو واحد لا يتبدّل.

    والله سبحانه وتعالى قد كتب على نفسه الرحمة...

    فلو كانت إرادته أن لا يرحم عبيده لفعل...

    إذن الوجوب والحقّ والكتابة التي في مثل هذه المواضع إنَّما هو بإيجاب الله سبحانه وتعالى لا بوجوب من شيء خارج إرادته سبحانه وتعالى.

    وليس ذلك معلولاً لوجوده سبحانه وتعالى.

    سألت:
    لماذا لا نقوم بتأويل كلام الله تعالى كما أوّلته المعتزلة كي يليق بجلال الله كما قالت أي المعتزلة وكما قلتم من قبل ؟
    فلذلك مبني على إثبات كون الله سبحانه وتعالى متصفاً بصفات هي زائدة على الوجود...

    فكونه سبحانه وتعالى خالقاً ليس هو معنى كونه موجوداً...

    وكونه سبحانه وتعالى عالماً ليس كونه سبحانه وتعالى موجوداً...

    والله سبحانه وتعالى دلّ الدليل على أنَّه خالق العالم...

    ودلّ الدليل على أنَّه سبحانه وتعالى ليس بعلّة للعالم ولا بجزء علّة وإلا لزم قدم العالم...

    إذن كونه سبحانه وتعالى قد خلق العالم ليس من حيث وجوده تعالى وإلا لزم كونه علّة أو كونه سبحانه وتعالى آلة متوسطة بين العلة والمعلول.

    فثبت إذن كون واجب الوجود سبحانه وتعالى ليس هو محض الوجود المطلق...

    بل هو الموجود الذي عرفنا أنَّه -سبحانه وتعالى- متصف بالوجود والعلم وغيرهما....

    فكذلك صفة الكلام بعد إثبات كون الله سبحانه وتعالى متصفاً بغير الوجود نأتي إليها...

    فبعد ثبوت كون الله سبحانه وتعالى متكلماً فإمَّا أن يكون ذلك مشتقاً من معنى أو من اعتبار...

    فلو كان من اعتبار فلا يكون إلا راجعاً إلى صفة أخرى كالوجود أو القدرة أو الإرادة أو العلم...

    ليس اعتباراً راجعاً إلى صفة الوجود ولا القدرة.

    فيبقى أنَّه اعتبار عن العلم أو الإرادة أو هو معنى آخر...

    ليس باعتبار راجع إلى متعلّق صفة العلم لمغايرة العلم الكلام بوضوح.

    وليس باعتبار راجع إلى صفة الإرادة لأنَّ متعلَّق الإرادة هو حدوث الحادث.

    والحروف والأصوات التي خلقها الله سبحانه وتعالى في ألواح سيدنا موسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- متعلَّقة بصفة الإرادة كما أنَّ الحجر والشجر متعلَّق...

    لكن هذه الحروف والأصوات كان لها دلالة بخلاف الحجر والشجر...

    إذن كونها دالة ليس من حيث تعلّق الإرادة بها...

    إذن هو من غير الإرادة وهو صفة الكلام.

    سيبقى عندك إشكال ليس في صفة الكلام وحدها بل في معنى كون الصفة صفة معنى...

    فعندما تحلّ تك المشكلة عندك وتفهم مقصود أهل الحقّ سيكون فهم هذه الجزئية عليك سهلاً...

    وهذا ما قد تلكّم عليه سيدي الشيخ سعيد.

    وإجمالاً يجب أن تفهم أنَّ قولنا إنَّ الله سبحانه وتعالى هو الموجود المتصف بالعلم والقدرة والحياة إنَّما هو وصف بصفات ليست متغايرة إلا بحسب فهم العقل...

    فالموجود واحد -سبحانه وتعالى- من كلّ وجه غير مركّب من أي وجه.

    وليس جهة مغايرة قولنا قول الفلاسفة إلا أنَّهم قد قالوا إنَّ الله سبحانه وتعالى هو الوجود عينه...

    فالتزموا على هذا أنَّه سبحانه وتعالى ليس بعالم ولا قادر ولا مريد...

    فالتزموا أنَّ وجود العالم عن الله سبحانه وتعالى إلا بأنَّه سبحانه وتعالى علّة.

    وتبعهم المعتزلة في ذلك إلا أنَّهم ما صحّ عندهم إلا إثبات كونه سبحانه وتعالى عالماً...

    فوقعوا في تناقض بيّن بأنَّ العلم ليس هو الوجود.

    سألت:
    هل أفهم منك ان تقول بأن إنتقام الله - والذي أولته بأنه إنزال العذاب بمستحقه من العاصين المجرمين – هو قديم أو ماذا؟ خصوصا
    بعدما ذكرتَ فضيلتكم : لأنَّ الإله كامل في ذاته، واتصاف بصفات معان وجودية حادثة لم تكن ثم كانت، ولم يكن متصفا بها ثم اتصف بعد خلقه المخلوق، يستلزم بالضرورة أنه لو لم يخلق المخلوق لم يتصف بها أبدا، ولم تقم به.

    الانتقام عندنا صفة فعل حادثة يرجع اشتقاقها إلى متعلّق صفتي القدرة والإرادة...

    فكونه سبحانه وتعالى منتقماً أو رحيماً ليس صفة كمال له سبحانه وتعالى.

    فلو لم يكن سبحانه وتعالى رحيماً لم يكن ناقصاً...

    ولو لم يكن سبحانه وتعالى منتقماً لم يكن ناقصاً سبحانه وتعالى.

    إذن الانتقام ليس بصفة كمال...

    وهو ليس بمعنى...

    فهو حادث مشتق من متعلّق راجع إلى صفات أخرى.

    سألت:
    وما قلته فضيلتكم " هو باعتبار أن التعلق راجع إلى الصفة القديمة وليس بعينها لحدوثه وقدمها، ولذلك يقولون- أي الأشاعرة - إن إطلاق اسم الخالق على الله تعالى قبل الخلق يكون إطلاقا مجازيا "
    ألا يعد هذا التفسير فيه نوع من التهرب – سامحني على هذه اللفظة ولكني أضفتها لأفهم أكثر – حتى تخرجوا من إلزامكم قيام الصفات الحادثة بالله تعالى، وإلزامكم وصف الله تعالى بالصفات الحادثة . ؟

    فجوابه بالمعارضة لتفهم لأنّك لن تفهم بغير ذلك...

    فنحن نقول إنَّ الله سبحانه وتعالى قد خلق هاروت مثلاً...

    فهناك نسبة بين هاروت والله سبحانه وتعالى...

    وهذا متفق عليه بين أهل الحق والمعتزلة.

    فالآن كون هاروت منتسباً إلى الله سبحانه وتعالى -من حيث الخلق- مع كون هاروت حادثاً أفلا تكون هذه النسبة بين الله سبحانه وتعالى وهاروت حادثة؟

    فإن كانت هذه النسبة حادثة أفليزم كون هذه النسبة قائمة بالله سبحانه وتعالى فيلزم قيام الحوادث بذاته تعالى؟!

    طبعاً لا باتفاق الفريقين.

    فهذا عين قول أهل الحقّ بحدوث التعلّق.

    أعد القراءة لهذا الجواب وتنبّه إلى ما اتفق عليه الفريقان وانظر إلى كونه لازماً الجميع وكون جوابه عند الفريقين واحداً.

    سألت:
    أقول : ألا يعد ذلك تناقضا من الأشعري رحمه الله مع نفسه من جهة ومخالفتكم للأشعري من جهة أخرى؟

    أمَّا الشيخ الإمام الأشعري رضي الله عنه فلم يتناقض...

    إنَّما فرّق في دلالة بعض النصوص عن دلالات بعض.

    فسيدي الشيخ موافق للشيخ الإمام في الدلالة على التفريق هذا.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  6. Post



    أخ أبو غوش : ردك هذا متوقع بالنسبة لي ولا أظن أن الحوار بيننا مفيد فما زلت تصر على أسلوبك وهذه مشكلة ، والظاهر أن الحوار الهادئ يزعجك ، والغريب في الأمر أنك والأخ أبو خلف تردون عليّ وكأني تطاولت على الشيخ أو غير مسموح لأحد أن يحاوره أو ينتقده في بعض ما يقول – إن وجد - حتى وإن كنتُ أقل علما منه بمسافات واسعة ، فهذا لا يحرمني من شرف حواره وما طلبت من فضيلته المناظرة لأني ببساطة لست كفؤا له وإنما سألته متعلما ولا أرى مانعا شرعيا من ذلك وهذا من أبسط حقوق العضو فالمنتدى ما وُجد إلا لهذا الغرض على أي حال سأنتظر رد الشيخ الفاضل سعيد فودة ، فهو صاحب الموضوع .، ولا أظنه قد وضعه للمشاهدة فقط بل لنتفاعل معه جميعنا ويقينا ستتباين الردود بين عالم وأقل علما وأقل أقل وقد يختلف الرادون في بعض جزئيات الرد مقابل الرد وهذا طبيعي وأنتم تعلمونه بلا شك وأنا اعتبر نفسي أقل واحد في المنتدى علما ، فهل ممنوع علي أن أسأل الشيخ الفاضل عند بعض ما كتب ؟ وشكرا

  7. #7
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي قاسم،

    لست أراك إلا أخاً ذكياً يجادل لإظهار حقّ...

    فكلامي معك ليس إلا لإظهار الحقّ...

    فليس لي ضدّك شيء شخصي!

    وليس الردّ عليك بمهمّ لديّ إلا من حيث كفاية سادتي المشايخ ليلتفتوا إلى ما هو أهمّ...

    أمَّا أنت فإمَّا أنَّك منزعج لمحض وجودي، فهذا ليس من مقدوري!

    أو من أنّي أردّ عليك، فهذا واجبي!

    أو من طريقتي...

    فحينئذ اعلمن علماً يقيناً بأنّي لا يهمني أذيّة مسلم...

    فوق كونه حراماً...

    فلئن كنت آذيتك في شيء فمن خطأ غير مقصود...

    فاعذرني وتأوّل لي...

    أمَّا ردّي عليك هنا فليس إلا لانشغال الشيخ عموماً وخاصّة هذه الأيام...

    ذلك بأنَّ أسألتك علميّة وليست بشخصيّة لسيدي الشيخ...

    لك الحقّ في أن توجه الأسئلة لسيدي الشيخ خاصّة...

    لكن ما فائدة هذا؟!

    أمَّا سيدي عبد السلام فقد نصحك بأن تتشرّب علوم الآلة لفائدة ذلك العظيمة...

    فلا هو مهاجم لك ولا أنا...

    ولا يهمنا ذلك!

    على كلّ حال...

    بما أنَّ أسئلتك علميّة...

    هلّا اطلعت على ما أجبتك؟

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  8. وماذا عن مذهب الإمام فخر الدين الرازي ومن تبعه رحمهم الله؟ مأخذ وسبب القول به ولوازمه؟
    الحمد لله

  9. عندي بعض الاستفسارات أرجو أن أُجابَ عليها :

    هل الكلام في زيادة الصفات أصل من أصول الدين عندنا؟
    هل دليل أهل السنة في زيادة الصفات قطعي أم ظني؟ فإن كان ظنياً هل فيه ضعف فإن كان فما وجه ضعفه؟
    هل القول بعدم الزيادة وأن الخلاف بين العالم والقادر بالاعتبار دون باقي فروع المعتزلة يخالف أهل السنة؟
    هل صحيح أن قضية مأخذ الاشتقاق في مسألة زيادة الصفات لا تنتج الزيادة وهل مأخذ الاشتقاق لا يثبت ذلك في الشاهد فضلاً عن الغائب؟
    ما الدليل على وجود صفة زائدة في الشاهد؟
    هل العرب تعرف الصفة الزائدة؟ هل يصح زعم من قال العرب لا تعرف من الصفات سوى الفعل والانفعال؟
    ما هو أقوى دليل على زيادة الصفات عندنا؟
    هل القول بأن الصفات السبعة وجودية عين القول بأن الصفات زائدة؟
    هل لفظ (الذات) بهذا المعنى تعرفه العرب وإن كان مصطلحاً كلامياً فما هو الأصل اللغوي المندرج فيه هذا المصطلح أم هو من المنقول؟
    من أقدم من قال بزيادة الصفات بهذا اللفظ؟
    هل مصطلح الإمام أبي حنيفة في الفقه الأكبر عند تقسيمه الصفات إلى ذاتية وفعلية هو عين مصطلح المتكلمين عند قولهم صفات ذاتية؟
    لو أردنا أن نصيغ عقيدة لعامي في مسألة الصفات تعبر عن مذهب أهل السنة والجماعة كيف تكون؟
    الحمد لله

  10. وإذا كانت مسألة زيادة الصفات مبحث نقلي من جهة توقفيها على مبحث الاشتقاق وهو من اللغة واستنباطها من الآيات والأحاديث ينبغي أن يكون العلم بها متعلق بنظر المجتهد بالمعنى الأصولي دون غيره، ومن هاهنا يصح حكاية الإجماع عن أهل السنة والجماعة فيسقط قول من يقول إن الإجماع في العقليات لا يعتد به..
    وباعتبار آخر يمكن عدها من مباحث الكلام لأنها فرع عن أصل وهو: يجب أن يتصف المولى جل وعز بصفات الكمال وينزه عن صفات النقصان وعليه فهل الصفات الزائدة كمال إلى غير ذلك...
    هل صحيح أن قضية مأخذ الاشتقاق في مسألة زيادة الصفات لا تنتج الزيادة وهل مأخذ الاشتقاق لا يثبت ذلك في الشاهد فضلاً عن الغائب؟
    على قول البصريين الذي اختاره أهل السنة والجماعة يشتق من العالم العلم ومن القادر القدرة فما الدليل الآن في الشاهد أن العلم صفة زائدة من اللغة؟
    وهل بالإمكان أن نستنبط زيادة صفات المعاني من مذهب الكوفيين؟ فإن كان كيف يكون؟
    الحمد لله

  11. #11
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

    أخي علي،

    أجيب نيابة عن الأكابر...

    هل الكلام في زيادة الصفات أصل من أصول الدين عندنا؟

    زيادة الصفات على الوجود مسألة بديهيَّة عند من يثبت الله سبحانه وتعالى عالماً قادراً مريداً...

    فلمَّا لم يك غير أهل الحقِّ مثباً للصفات كان مفارقة أهل الحقِّ النَّاس في زيادة الصفات مميِّزاً لهم عن غيرهم.

    هل دليل أهل السنة في زيادة الصفات قطعي أم ظني؟ فإن كان ظنياً هل فيه ضعف فإن كان فما وجه ضعفه؟

    دليلهم قطعيّ؛ إذ إنَّ الدليل على وجود الله سبحانه وتعالى مفعولاته تعالى...

    وكونه مفعولاته تعالى فرع عن كونه تعالى موجوداً...

    ثمَّ إنَّ إثبات الوجود له تعالى لا يفيد في فهم كون المفعولات صادرة عنه تعالى...

    وكلٌّ تفسير وَفق هذا باطل -كقول الفلاسفة-.

    فثابت أنَّ الله سبحانه وتعالى فاعل لا من حيث هو موجود...

    فهو تعالى فاعل لأنَّه قادر مريد عالم حيّ...

    وهذه المعاني ليست هي عين معنى الوجود الذي هو الثبوت والتَّحقُّق...

    أمَّا المغايرة فليس خارج الذّهن...

    فواجب الوجود تعالى هو الات العالم القادر المريد.

    هل القول بعدم الزيادة وأن الخلاف بين العالم والقادر بالاعتبار دون باقي فروع المعتزلة يخالف أهل السنة؟

    من يقول هذا إمَّا أنَّه يدري ما يقول أو لا...

    فإن كان لا يدري فليدرِ أنَّه يلزمه أن تكون أفعال الله سبحانه وتعالى جميعاً بحسب وجوده لا بحسب شيء آخر...

    فيلزم أن يكون تعالى علَّة للمفعولات...

    وفي هذا ما تعلم.

    أمَّا الإمام الرازي فلا أدري حقيقة قوله.

    هل صحيح أن قضية مأخذ الاشتقاق في مسألة زيادة الصفات لا تنتج الزيادة وهل مأخذ الاشتقاق لا يثبت ذلك في الشاهد فضلاً عن الغائب؟

    ما كان من الاشتقاق راجعاً إلى الذات فكذا...

    وما كان إلى السلب فكذا...

    وما كان إلى معنى هو إلى معنى وجوباً شاهداً غائباً...

    والمفارق في هذا مُبعِد أو لا يدري ما يقول.

    ما الدليل على وجود صفة زائدة في الشاهد؟

    لم أفهم... سامحني.

    هل العرب تعرف الصفة الزائدة؟ هل يصح زعم من قال العرب لا تعرف من الصفات سوى الفعل والانفعال؟

    لا معنى لهذا.

    ما هو أقوى دليل على زيادة الصفات عندنا؟

    دليل البداهة والضرورة لمن علم ما هو الوجود الذي يثبته لله تعالى مع إثباته الأفعال له تعالى...

    وهو بأنَّك تثبت الوجود والعلم لله سبحانه وتعالى...

    فهل معنى العلم عندك هو التحقُّق والثبوت...؟

    بداهة لا.

    هل القول بأن الصفات السبعة وجودية عين القول بأن الصفات زائدة؟

    نعم...

    أي زائدة على الوجود ذهناً -لا على الذات-؛ إذ إنَّ الوجود معنى ذهنيٌّ وليس موجوداً خارجياً...

    هل لفظ (الذات) بهذا المعنى تعرفه العرب وإن كان مصطلحاً كلامياً فما هو الأصل اللغوي المندرج فيه هذا المصطلح أم هو من المنقول؟

    الموجود إمَّا ذات أو معنى...

    فالذات القائم بنفسه.

    من أقدم من قال بزيادة الصفات بهذا اللفظ؟

    الاختلاف كان مع المعتزلة...

    فهم قاربوا الفلاسفة فأنكروا الصفات وحاولوا تفسير كون الله سبحانه وتعالى فاعلاً بعلمه الأصلح...

    ومع هذا لزمهم حتى قال به بعضهم كالجبائيَّيْن.

    فالمسألة قديمة.

    هل مصطلح الإمام أبي حنيفة في الفقه الأكبر عند تقسيمه الصفات إلى ذاتية وفعلية هو عين مصطلح المتكلمين عند قولهم صفات ذاتية؟

    نعم...

    مع زيادة تفصيل منهم.

    لو أردنا أن نصيغ عقيدة لعامي في مسألة الصفات تعبر عن مذهب أهل السنة والجماعة كيف تكون؟

    أنَّ الله سبحانه وتعالى فاعل حكيم لأنَّه عالم بكلِّ شيء قادر على كلِّ شيء مختار لا يسأل عمَّا يفعل ولا معقِّب لحكمه ولا رادَّ لقضائه...

    فالمهمُّ عند العاميِّ أن يعقل هذا...

    أمَّا مسألة زيادة الصفات على الوجود فمبحث ليس للعوام مع كونه حقاً في ذاته...

    ولا أدري إن كان سيدنا الشيخ سعيد يقول إنَّ هذه المسألة من دقيق الكلام...

    مع أنَّها ليست بعسرة الفهم.

    والسلام عليكم...
    فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين

  12. بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله:
    وعليكم السلام شكراً للشيخ محمد على المرور والتعليق وما أشرتم إليه لطيف لكني أريد تأصيل المسألة أكثر وتأييد ذلك بأقوال العلماء والمبحث دقيق منه لغوي ومنه كلامي ....

    وأريد أن أنقل هنا عبارة العلامة الأمير على طولها للمحافظة على سياقها لأنظر رأيكم فيها بالأخص اختياره للوقف في المسألة.
    نسخة مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده ص79-80 وهذه النسخة في أخطاء وتصحيفات فلينتبه.

    قال رحمه الله تعالى:

    ولنرجع إلى ما نحن فيه فاتفق المسلمون على أنه مريد قادر ثم قالت المعتزلة بذاته وقال جمهور أهل السنة بصفات وجودية زائدة على الذات قائمة بها يصح أن ترى وفسقوا من نفاها ثم اختلفوا هل وجوبها وقدمها ذاتي لأن الإله الواحد الذات المتصفة بالصفات كما يأتي أم ممكنة في ذاتها على ما للفخر ومن تبعه لما ليس عينها ولا غيرها وإن لم نفهم له الآن محصولاً فإن الصفة المجردة عن الموصوف مستحيلة إلا أن يريد بقطع النظر عن هذا الموصوف بخصوصه فلا ينافي موصوفاً ما لكن فيه ما فيه ومما ورد به أنه كان العلم مثلاً ممكناً لكان الجهل ممكناً لأنه مقابله ولا يخفاك أن الإمكان الذاتي لا يضره إنما يضره لو كان إمكانه لله وهو يقول باستحالته عليه ضرورة وجوب العلم له فتدبر، قالت المعتزلة يلزم تعدد القدماء فرد بأنها ليس منفكة والزامو (في نسختي غير واضحة هذه الكلمة) أن تكون الذات غير مستقلة لأنها الصفات وأن العلم هو القدرة إلخ لأن الكل الذات الواحدة وحيث جاز عالم بلا علم لزم بلا عالم إذ لا فرق في التلازم على أن طير أسود بلا سواد وهو بديهي الفساد وكلها تقبل الدفع فإنهم مقرون بتغاير المفاهيم الإضافية وإن قال اليوسي إذا ردوها للاعتبارات لزم نفيها إذ لا ثبوت للاعتبار إلا في الذهن وهذا مما يؤيدنا في نفي ثبوت الاعتبار فاحفظه وأمثاله وفي الخيالي والكستلي على عقائد النسفي واللفظ للأول على الاستدلال بالمشتق في السعد إن أراد اقتضاء ثبوت المأخذ في نفسه بحسب الخارج فمنقوض بمثل الواجب والموجود وإن أراد ثبوته لموصوفه بمعنى اتصافه به فلا يتم بذلك غرضهم وفي عبد الحكيم على الأول في دفع النقض قيل فرق لأن المأخذ ثبتت غيريته قلنا لم تثبت في حقه تعالى عند الخصم ثم قال الخيالي بعدما سبق بقوله ما نصه قال صاحب المواقف لا تثبت في غير الإضافة وفي عبد الحكيم عليه ما نصه بالحرف قال صاحب المواقف لا حجة على ثبوت أمر سوى الإضافة التي تصير بها العالم عالماً والمعلوم معلوماً قال المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية: اعلم أن مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ليس من الأصول التي يتعلق بها تكثير أحد الطرفين وقد سمعت بعض الأصفياء أنه قال عندي أن زيادة الصفات وعدمها وأمثالهما لا يدرك إلا بكشف حقيقي للعارفين وأما من تمرن في الاستدلال فإن اتفق له كشف فإنما يرى ما كان غالباً على اعتقاده بحسب النظر الفكري ولا أرى بأساً في اعتقاد أحد طرفي النفي والاثبات في هذه المسألة اهـ ما في عبد الحكيم. قلت: ولو اخيتر الوقف لكان أنسب وأسلم من افتراء الكذب على الله تعالى وماذا على الشخص إذا لقي ربه جازماً بأنه على كل شيء قدير مقتصراً عليه مفوضاً علم ما رواء ذلك إليه لكن اشتهر عند الناس كلام الجماعة على حد قول الشاعر:
    وما أنا إلا من غزية إن غوت ***غويت وإن ترشد غزية أرشد

    وفي يواقيت الشعراني في المبحث العاشر مواضع كثيرة جداً عن ابن عربي صريحة في أنه قادر بذاته إلخ وشنع الغاية على من قال صفاته ليست عين ذاته ومن جملة كلامه فيه أن قال أنه واقع في قياس الحق تعالى على الخلق في زيادة الصفات على الذات فما زاد هذا على الذين قالوا إن الله فقير إلا بحس العبارة فقط فإنه جعل كمال الذات لا يكون إلا بغيرها فنعوذ بالله أن تكون من الجاهلين. اهـ قال الشعراني فتلخص من جميع كلام الشيخ رضي الله عنه ورحمه أنه قائل بأن الصفات عين لا غير كشفاً ويقيناً وبه قال جماعة من المتكلمين وما عليه أهل السنة والجماعة أولى والله تعالى أعلم بالصواب اهـ كلام الشعراني وأقول كما قال من قال:
    اعتصام الورى بمغفرتك****عجز الواصفون عن صفتك
    تب علينا فإننا بشر ***ما عرفناك حق معرفتك
    الحمد لله

  13. عبارة العلامة الأمير السابقة من حاشيته على شرح الشيخ عبد السلام على جوهرة التوحيد.
    الحمد لله

  14. بسم الله الرحمن الرحيم
    الأصل في المسألة أن الأدلة العقلية سواء كانت بديهية أم نظرية برهانية هي حجة في نفسها أي حجة مطلقاً والأدلة العقلية هذه لا تقبل التخصيص مطلقاً والحكم العقلي ينقسم إلى الواجب والجائز والمستحيل وهذه الثلاثة متغايرات بنفسها لا ينقلب الواحد منها إلى الثاني وهذه الأدلة العقلية هي بهذا الوجه أصل في الدلالات وأصل في العلوم كلها فلا يحكمها شيء فلو كانت كلية فلا تخصص ولو كانت جزئية فلا تعمم بل ما كان كلياً منها يجب أن يكون كذلك وما كان جزئياً فأيضاً، والدلالة اللغوية ليس لها شأن في البحث في الغيبيات فلو كان الفعل مثلاً في اللغة يدل على الحركة من الفاعل -أقول مثلاً- فليس لأهل اللغة أن يطردوا ذلك ويجعلوه دليلاً كلياً صادقاً على كل فاعل بل العقل يخص الحركة للفاعل لو كان جسماً ويحيلها من غير الجسم فتكون القاعدة العقلية الصائبة في هذا الشأن أن بعض الفاعل فعله حركة وبعض الفاعل فعله ليس حركة ويكون الأول ملازم لجسم والثاني لمن يستحيل عليه الجسمية، وهكذا...
    ومسألة ثبوت الصفات المعاني كالعلم والقدرة وأمثالها تبدأ من مأخذ الاشتقاق لأن من صدق عليه أنه (عالم) لا بد أن يصدق عليه مأخذ اشتقاقه وهو (العلم) بناء على مذهب البصريين من أن الاشتقاق من المصدر وها هنا يقف البحث اللغوي ويبدأ دور المتكلم أن هذا اللغظ (العلم) على أي وجه ينسب إلى ذات المولى جل وعز ونضيف لذلك أيضاً أن القرآن الكريم جاء بالدليل العقلي على الصفات كما في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} وجاء أيضاً: {أنزله بعلمه} و {أنزل بعلم الله} {الله ذو القوة} فكان لا بد من أمر وجودي اسمه (العلم) أو (القوة) وهي القدرة، وليس العلم هو الله فالمفهوم من قولنا (أنزل بعلم الله) غير المفهوم من قولنا {أنزل بالله} وهذا ضروري ولم يقل أحد أن الله علم، والوصف عند المتكلم على وفق اصطلاحه ينقسم إلى نفسي وسلبي ومعنى.
    وقد ثبت بالدليل عند أهل السنة والجماعة أن الله موجود ووجوده عين ذاته، وليس العلم عين ذاته.
    وثبت أيضاً أن الله منزه عن النقائص إجمالاً وتفصيلاً وأمهات ما يسلب النقص عنه سبحانه: القدم والبقاء والواحدانية والقيام بالنفس والمخالفة للحوادث، وكلها سلبيات والعلم ليس سلبي يقيناً.
    فإذا استحال كون العلم ينسب إلى الله على أنه صفة نفسيه أو سلبية لم يبق إلى أنه صفة معنى فنسبنا صفة المعنى إلى ذاته تعالى وتفصيل المسألة في كتب القوم.
    فالآن لا يحق لأهل اللغة أن يعترضوا على أدلة المتكلمين بأن يقولوا: أهل اللغة لا يعرفون المعنى القائم بالذات، فكيف يثبت أهل الكلام هذا المعنى.
    يجاب: بأن مبحث قيام المعنى بالذات في حقه سبحانه ليس مما يبحث عنه في علم اللغة أصلاً، وليس موضوعَ علم اللغة موضوعُ علم الكلام، ولكل وجهة هو موليها، وعدم معرفتهم على وفق دلالة اللغة بهذا الأمر لا يستلزم نفيه لأنه ثبت بالدليل العقلي فلا ينفى إلا بالدليل العقلي ولم يثبت بالدلالة اللغوية، بل اللغويون واقفون وراء المتكلمين في هذه المباحث فهم من ينتظر المتكلم ليقول لهم كيف ينسب العلم إلى الله وليس العكس.
    أما استدلال أهل السنة والجماعة على المعتزلة النافين للصفات بقياس الغائب على الشاهد فإنما كان على وجه الإلزام لا التحقيق فهم لما أثبتوا أصل الاشتقاق في الشاهد وزعموا أنه زائد فلزمهم وهم يقولون بصحة قياس التمثيل أن يطردوا ذلك غائباً، ومعلوم أن الدليل الإلزامي ليس كالتحقيقي، فالأول يبنى على مسلمات الخصم بخلاف الثاني فهو حجة مطلقاً.
    فلذا لا يرد على أهل السنة بناء على نفي قيام المعنى بالنفس في الشاهد أن ينفوا صفات المعاني في الغائب، والله الموفق.
    وبهذا ينتفي الإلزام الذي وجهه لي بعض شيوخي على وجه الامتحان من أن المعنى القائم بالنفس لا تعرفه أهل اللغة ولا يستفاد من دلالتها، والحمد لله.
    وليس فهم الدلالة العقلية قاصرة على علماء الكلام بل كان الصدر أولاً يفهم بالدلالة العقلية ويفهم بالدلالة اللغوية وبغيرهما، واقتصار السلف على الإجمال في هذه المواضع ليس بدليل على أن هذا التفصيل القائم على مصطلح المتأخرين وطرق استدلالهم لا يعرفون العلم الحاصل به بل أقصى ما في الأمر أنهم لم يتكلموا به ولم يصنفوا فيه وذلك لسبب ما كعدم الحاجة مثلاً، ولينتبه المستدل علينا من أن ينتج دليله ما لم تحويه مقدماته، كيف وقد عرف السلف بصفاء السريرة وكمال القريحة، والله الهادي.
    هذا ما سوف أجيب به من أراد امتحاني فهل هذا صواب أم لا؟
    وأنتظر تعليق الشيوخ على عبارة العلامة الأمير...
    الحمد لله

  15. أكرر الرجاء التعليق على العبارة التي في حاشية الأمير رحمه الله إن سمحتم:

    اعلم أن مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ليس من الأصول التي يتعلق بها تكثير أحد الطرفين وقد سمعت بعض الأصفياء أنه قال عندي أن زيادة الصفات وعدمها وأمثالهما لا يدرك إلا بكشف حقيقي للعارفين وأما من تمرن في الاستدلال فإن اتفق له كشف فإنما يرى ما كان غالباً على اعتقاده بحسب النظر الفكري ولا أرى بأساً في اعتقاد أحد طرفي النفي والاثبات في هذه المسألة اهـ ما في عبد الحكيم. قلت: ولو اخيتر الوقف لكان أنسب وأسلم من افتراء الكذب على الله تعالى وماذا على الشخص إذا لقي ربه جازماً بأنه على كل شيء قدير مقتصراً عليه مفوضاً علم ما رواء ذلك إليه لكن اشتهر عند الناس كلام الجماعة على حد قول الشاعر:

    وما أنا إلا من غزية إن غوت ***غويت وإن ترشد غزية أرشد
    الحمد لله

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •