مكانة الشام ودمشق (قراءةٌ في الحديث النبوي) ـــ د.بديع السيد اللحام(*)

المقدمة:‏

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فإنَّّ معرفة فضائل المدن من الأبواب التي عُني المحدثون بجمعها، ولدى تتبع الأحاديث الواردة في هذا الباب نجد أنَّ أصحَّ ما ورد في ذلك كان في فضائل مكَّة المُكرَّمة والمدينة المنورة، ويليهما في ذلك ما جاء في فضل الشام، ورغم ذلك فقد ادعى البعضُ أَنَّ ما ورد في فضلها من أحاديث موضوع لا يصحُّ(1)، وقد بنى دعواه على تعليلات لا تمتُّ إلى قواعد نقد الحديث بصِلَةٍ، مما دعاني إلى تتبع أحاديث فضائل الشام، حيث تبين أن بعض تلك الأحاديث صحيح قد بلغ حدَّ الشهرة، بل كاد يبلغ التواتر، ومن ثمَّ فقد أوردت في هذا البحث بعض ما صحَّ من أحاديث في فضل الشام، ذاكرًا أقوال الحفاظ في الحكم عليها، مشيراً إلى بعض دلالتها.‏

وقد كان أهم أثر لما ورد في فضل الشام أن أصبحت مركزاً من أهم مراكز العلم والرواية، في العالم الإسلامي، لأنَّ سُكْنَاها أصبح مطمح أهل العلم وخاصة المحدثين منهم.‏

هذا وقد افتتحت البحث بمدخلٍ، أتبعته بأربعة مطالب ثم خاتمة وذلك وفق الخطة التالية:‏

المطلب الأول: فضل الشام في الحديث النبوي.‏

المطلب الثاني: الإيمان بالشام.‏

المطلب الثالث: الشام عصمة من الفتن في آخر الزمان.‏

المطلب الرابع: الشام مركز للعلم والرواية.‏

الخاتمة: وضمَّنْتُها أهم النتائج.‏

أسأل الله تعالى حسن الفهم والعصمة من الزلل والخطأ.‏

مدخل:‏

على بطاح مكَّة المكرَّمة كانت تجليات المولى عزَّ وجل ببزوغ شمس النبوة الخاتمة التي أضاءت بنور كتاب الله الكريم ظلمة الجهل (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد( [إبراهيم:1] لقد حدَّدت هذه الآية مهمة النبيّ عليه الصلاة والسلام بإِخراج « البشرية من ظلمات الوهم والخرافة، وظلمات الأوضاع والتقاليد، وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة، وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين … لتخرج البشرية من هذه الظلماتِ كلِّها إلى النُّور الذي يكشفُ هذه الظُّلمات…»(2)‏

وفي رحابِ بيتِ الله الحرام - الذي امتنَّ الله على أَهلِه بالأَمنِ والأمان (لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ( [قريش] – بدأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببثِّ أَشعة العلم والهداية المُنجية من كلِّ ضلالٍ على العالم، حتى عمَّ ذلك النُّور الآفاقَ « ليبْلُغنَّ هذا الأَمر ما بلَغَ اللَّيلُ والنَّهارُ، ولا يتْركُ اللهُ عزَّ وجلَّ بيتَ مدَرٍ ولا وَبرٍ إِلا أَدخَلَه اللهُ هذا الدِّينَ، يُعزُّ عَزيزًا، أَو يُذلُّ ذليلاً، عزًّا يُعزُّ اللهُ بهِ الإِسلامَ، وذلاً يُذلُّ اللهُ بهِ الكُفْرَ»(3).‏

المطلب الأول‏

فضل الشام في الحديث النبوي‏

نالت بلادُ الشام من بين سائر البلدان الحظَّ الأوفر من ذلك العزّ والخير وتلك الرحمة، فقد أخرجَ ابنُ عساكر(4) عنِ ابنِ عُمَر رضي الله عنهما مرفوعاً: «الخيْرُ عشرةُ أَعشار، تسعَةٌ بالشامِ وواحدٌ في سائِرِ البُلْدانِ» وأَخرَجه الطبراني والحاكم وصحَّحه(5) عنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه موقوفاً، وفيه زيادة: «والذي نفسُ ابنِ مسعودٍ بيدِهِ ليوشكنَّ أَنْ يكونَ أحبّ شيءٍ على ظهرِ الأَرضِ إلى أحدِكُم أنْ تكونَ لهُ أحمرةٌ تنقلُ أهلَه إلى الشامِ» .‏

ولقد بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّ: «الشَّام صفوةُ اللهِ منْ بلادِهِ إِليْها يَجْتبي صَفْوتَه مِنْ عِبادِهِ، فَمَنْ خرَجَ مِنَ الشَّامِ إِلى غيرِها فبِسخْطَةٍ، ومَنْ دخَلَها مِنْ غيرِها فَبِرَحمَةٍ»(6).‏

وإِذا كانت الشام هي الصَّفوة فإِنَّ دمشقَ هي صفوة الصَّفوةِ من بين مدائن الشَّام، وذلك بإِخبار من لا ينطق عن الهوى (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى( [النجم: 4] إِذ يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ» وفي رواية الحاكم: «خير منازِلِ المُسْلمين»(7). قال العلقمي: هذا الحديث يدل على فضيلة دمشق وعلى فضيلة سكانها في آخر الزمان، وأنَّها حصنُ من الفتن(8).‏

وقد أَخبرَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ النَّاس يفزعون في الفتن: «إِلى مديْنَةٍ يُقالُ لهَا دمَشق، مِنْ خَيْرِ مُدُنِ الشَّامِ فتَحصنهم مِنْ عدوِّهم»(9).‏

وقد فسَّر عددٌ من السَّلف قول الله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا( [الأعراف:137] بأَنها أرْض الشَّام(10).‏

قلت: يشهد لهذا التفسير نص كتاب الله تعالى، من ذلك:‏

قوله تبارك وتعالى: (سُبْحَانََ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ( [الإسراء: 1] فإنَّ المسجدَ الأقصى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ الذي بارك الله حوله هو من أرض الشام.‏

وقوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ( [الأنبياء: 71] فالأَرضُ التي باركها الله والتي نُجي إِليها إبراهيم ولوط عليهما السلام، هي أرْض الشَّام بلا خِلاف بين المفسرين(11).‏

يقولُ محمَّد بنُ عمرَ بنِ يزيدَ الصَّاغَانيُّ: إِنِّي لأَجِدُ ترْداد الشَّام في الكُتبِ، حتَّى كأَنَّه ليس لله تعالى بشيءٍٍ حاجة إِلا بالشامِ(12).‏

المطلب الثاني‏

الإيمان بالشام‏

هذا الخيرُ وتلك البركةُ ما هي في حقيقة الأَمر إِلا ثمرة من ثمرات علمِ الكِتاب الذي جعلَه اللهُ سبحانه وتعالى مستقرًّا في الشَّام، فقد جاء في الحديثِ الصحيحِ المشهور عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «بَيْنَا أَنَا فِي مَنَامِي أَتَتْنِي المَلائِكَةُ فَحَمَلَتْ عَمُودَ الكِتَابِ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلا فَالإِيمَانُ حَيْثُ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ» وفي روايةٍ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلا وَإِنَّ الإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ» وفي أخرى: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأَيْتُ ليلةَ أُسْريَ بي عمُوداً أَبْيَضَ كأَنَّه لؤْلؤة تحمِلُه الملائكةُ، قَلْتُ: ما تَحْمِلونَ؟ فقَالُوا: عَمودَ الإِسلامِ، أُمِرْنا أَنْ نضَعَه بالشَّامِ، وبَيْنا أَنا نائمٌ رأَيْتُ عمودَ الكِتابِ اختُلِسَ مِنْ تحتِ وسادَتي فَظنَنْتُ أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ تخلَّى عنْ أَهلِ الأَرْضِ، فأَتْبَعْتُه بَصَري فإِذا هو نورٌ ساطعٌ بينَ يديَ حتى وُضِعَ بالشَّامِ»(13).‏

وقد رُوي هذا الحديثُ عن عددٍ من الصَّحابة، منهم:‏

1 - أبو الدرداء: روى حديثه الإمام أحمد، والطبراني، وأبو نعيم، وابن عساكر(14).‏

2 - عَمرو بنُ العاص: :وحديثه عند أحمد، والطبراني(15).‏

3 - عبدُ الله بنُ عَمرو بن العاص: وأخرج حديثه الطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، وتمام الرازي، والحارث بن أبي أسامة (16).‏

4 - أبو أمامة الباهليُّ : روى حديثه الطبراني، وابن عساكر(17).‏

5 - عبدُ الله بنُ حَوالَة الأزديُّ: روى حديثه الطبراني، وابن عساكر أيضًا(18).‏

6 - عمر بنُ الخطَّاب : روى حديثه ابنُ عساكر (19).‏

7 - عبدُ الله بنُ عُمر بن الخطاب : روى حديثه ابنُ عساكر (20).‏

8 - عُبيدُ الله بنُ عُمر بنِ الخطَّاب روى حديثه ابن أبي عاصم(21).‏

9 - عائشةُ الصِّدِّيقة : روى حديثها ابنُ عساكر(22). رضي الله عنهم جميعًا.‏

أقول: بناءً على ما تقدم فإنَّ شهرة هذا الحديث وتعدد طرقه ومخارجه، وكثرة رواته قد تصل به إلى حدِّ التواترِ وفق ما اعتمده ومشى عليه من صنَّف في الحديث المتواتر، عدّوا في كتبهم من الأحاديث المتواترة أَحاديث أقل من هذا الحديث شهرة وتخريجاً وتصحيحاً(23).‏

وأَخرجَ الحاكمُ(24) عنِ ابنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قالَ: «يأْتِي علَى النَّاسِ زمانٌ لا يَبْقى فيهِ مؤمنٌ إِلا لَحِقَ بالشَّامِ».‏

المطلب الثالث‏

الشام عصمة من الفتن في آخر الزمان‏

أَقول: لعلَّ عمود الكتاب الذي أَشار النبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّه عُمدَ به إِلى الشام يتمثَّل بتلك الكوكبة العظيمة من الصَّحابةِ الكرام الذين استوطنوا الشَّام حاملين نور العلم وأَمانة التبليغ، عاملين بوصيةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيههِ حين رغَّبهم بسُكْنى الشَّام؛ فعَن عبدِ اللهِ بنِ حَوَالَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً، جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ» قَالَ ابنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ!! فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ»(25).‏

ومن ثمَّ فقد قال ابن حوالة رضي الله عنه: «فخَرتُم يا أَهلَ الشَّام أَنْ قذَفَ الله بالفِتَنِ عن أَيْمانِكم وعن شمائلِكُم، والذي نفسُ ابن حَوَالةَ بيَدِه ليَقْذِفَنَّكم الله بفِتْنَةٍ يُخْرِجُ منها زيَّافكُم».‏

ومعنى هذا أنَّ الفتن إِذا وقع شيءٌ منها بالشَّام كانت سبباً لتميِّيز الخبيثِ منَ الطيبِ، بفضل الله تعالى.‏

هذا وقد رَوى الحثَّّ على نزول الشام وسُكْناها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم عدد كبير من الصحابة رضي الله عنهم، منهم:‏

1 - عبدُ الله بنُ عمرو بنِ العاص: أخرج حديثه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وابن عساكر(26).‏

2 - عبدُ الله بنُ عُمر بنِ الخطَّاب: أخرج حديثه ابنُ أبي شَيْبة، وأحمد، والترمذيُّ، وأبو يعلى، وابنُ حِبَّان، والطبرانيُّ، والرافعي، وابنُ عساكر(27).‏

3 - بَهْزِ بنُ حَكيمٍ عن أَبيِه عَن جدِّه معاوية بنِ حَيْدة: أخرج حديثه ابنُ أبي شيبة، وأحمد في الفضائل، والترمذيُّ، والطبرانيُّ، والرُّوَيَّاني، وابنُ عساكر(28).‏

4 - أبو أُمامة الباهليُّ: أخرج حديثه البخاري في تاريخه، وأحمد، وابن عساكر(29).‏

5 - زائدة أو مزيدة بنُ حَوالَة الأزديُّ: أخرج حديثه الإمام أحمد(30).‏

6 - العِرْباضُ بنُ سارِية: أخرج حديثه الطبراني، وابن عساكر (31).‏

7 - واثلةُ بنُ الأَسْقعٍ: أخرج حديثه الطبراني، وابن عساكر(32).‏

8 - أبو الدَّرْداءِ: أخرج حديثه البزار، والطبراني(33).‏

فهؤلاء ثمانية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرام روي عنهم مرفوعًا الحث على الإقامة بالشام وسكناها، ورواياتهم تدور بين الحسن والصحة، وقد روي عن غيرهم من الصحابة والتابعين أيضًا(34) أحاديث في الحث على سكنى الشام ولكن لا تخلو طرق أحاديثم من ضعف فلذلك أعرضت عن ذكرها هنا.‏

قلت: وبناء على ما تقدم فإِنَّّّ حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على سكنى الشام قد تواتر تواتراً معنوياً. والله أعلم.‏

وقد ورد في بعضِ الرِّواياتِ تخصيصَ دمشق بالسُّكْنى، من ذلك مارواه جُبَيْر بنُ نُفَيْرٍ عن رجلٍ مِنَ الصَّحابَة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ الشَّامُ، فَإِذَا خُيِّرْتُمْ المَنَازِلَ فِيهَا فَعَلَيْكُمْ بِمَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ»(35).‏

وقد أَخذَ بعضُهم من التَّرغيبِ النَّبوي بسُكنى الشَّام أنَّه من سكَن الشَّام بنِيّةِ امتثال أَمْر النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُثاب على ذلِك، قال الشَّعْرانيُّ: أُخذ علينا العهدُ العامُّ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نُرَغِّب إخواننا التجار الذين يُسافرون إلى الشامِ أنْ يجعلوا مُعظم نيَّتهم امثتالَ أمرِ الشارعِ في سُكنى الشَّامِ دون التجارةِ، فإنَّ التجارةَ حاصلةٌ تبعاً ولو لم ينووها، وذلك ليكونوا في سُكناهم الشَّامَ تحت امتثال أَمْر الشَّرْع فيثابوا على ذلك، بخلاف ما إِذا جعلوا نيَّتهم التِّجارةَ فقط، فلايحصل لهم أجرٌ عند بعضهم(36).‏

قلت: هذا استنباط لطيف، له وجه ظاهر. والله أعلم.‏

المطلب الرابع‏

الشَّامُ مركزُ العلمِ والرواية‏

لقد كان الأثر الطبيعي لكلِّ ما تقدَّم أنْ أَصبَحتِ الشام بعامة ودمشق بخاصة موطن العُلماء ومحطَّ رحال الفضلاء، - وأولهم الصحابة الكرام - وتحقق بذلك أنَّها معدن العلم ونور المعرفة وعمود الكتاب الذي يشير إِليه الحديث، ولو رجعنا إِلى التاريخ نستنطقه لأَخبرَنا بأَنَّ عددَ الصَّحابةِ الذين نَزلوا الشَّام كبيرٌ جدًّا بالنسبة لمجموع الصَّحابة.‏

قال الهروي: وبالجبَّانَة التي بدمشق(37) خلق كثيرٌ من المشايخ والصالحين،… ويقال: بها سبعون رجلاً من الصَّحابةِ رضي الله عنهم معروفة قبورهم(38).‏

ويقول الأُستاذ محمد أَديب الحصني: والذي يظهر أَنَّ دمشقَ وقُراها وما يقرُب منها معجون بدماءِ الصَّحابةِ الكِرام حين الفتح. وقد ذكر الواقدي صاحب «المغازي» ذلك مفصّلاً، وبيَّن أَنَّ كثيرًا من الصَّحابةِ الكرام استشهدوا بأَرضِ الشَّام في الفتوح وغيره من وقائع الحروب الإِسلامية، ومن تُوفي في غير قتالٍ فكثيرٌ لا يحصيهم إِلا الملك العلام(39).‏

وقد نقلَ ابنُ عساكر عن الوليدِ بنِ مُسْلم أَنَّه قالَ: «دَخَلَتِ الشَّامَ عشرةُ آلافِ عينٍ رأَتْ رسـولَ الله صلى الله عليه وسلم …»(40).‏

وقد كان الذين سكنوا الشام من جلَّة الصحابة وأعلاهم منزلة في العلم والفضل، حتَّى قالَ سيدُنا عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه في حقِّهم: «بالشَّامِ أَربعونَ رجلاً ما مِنْهم رجلٌ كان يلي الخلافة إِلا أجزأه»(41).‏

وقد كان لهؤلاء الصحب رضي الله عنهم مجالس علمية لتعليم القرآن الكريم وفهمه ورواية الحديث النبوي ودراسته، تعد رائدة في منهج الرواية والتدريس والتعليم في هذا العصر المتقدم من حياة المسلمين العلمية‏

هذا وإنَّني أرى من المناسب أن أورد وصفاً لواحدٍ من تلك المجالس، وهو مجلس الصحابي الجليل أَبي الدَّرداء عُويْمرِ بنِ عامرٍ رضي الله عنه حكيمُ هذه الأُمَّة، الذي ولاه سيدُنا عمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه قضاءَ مدينةِ دمشق، فأقامَ حلقةً عظيمةً في مسجدِ دمشق يُعلِّم فيها كتابَ الله سبحانه وتعالى، وقد جاء وصف هذه الحلقة في «تاريخ دمشق» (42) عن أَبي عُبيد الله مسلم بن مشكم قالَ: قالَ لي أَبو الدرداء: اعدُد من يقرأُ عنْدنا ـ يعني في مجلسنا هذا ـ قال: قال أَبو عُبيد الله: فعدَدَتْ أَلفًا وستمئة ونيفًا، فكانوا يقرؤون ويتسابقون عشرة عشرة، لكلِّ عشرة منهم مُقرئ، وكان أَبو الدَّرداء قائمًا يستفتونه في حروف القرآن ـ يعني المقرئين ـ فإِذا أَحكم الرَّجل من العشرة القراءةَ تحوَّل إِلى أَبي الدَّرداء، وكان أَبو الدَّرْداء يبْتَدئ في كلِّ غداةٍ إِذا انفتَلَ من الصلاة فيقرأُ جزءًا من القرآن وأَصحابه محدقون به يسمعون أَلفاظه، فإِذا فرغ من قراءته جلس كلُّ رجلٍ منهم في موضعه وأَخذ على العشرة الذين أُضيفوا إِليه، وكان ابنُ عامرٍ مقدَّمًا فيهم. وعن يزيد بن مالك عن أَبيه قال: كان أَبو الدرداء يأْتي المسجد ثم يُصلِّي الغداة، ثم يقرأُ في الحلقة ويُقرئ، حتى إِذا أَراد القيامَ قالَ لأَصحابه: هل من وليمةٍ نشهدها، أَو عقيقة، أَو فطرة، فإِنْ قالوا: نعم، قام إِليها، وإِنْ قالوا: لا، قال: اللهم إني أُشهدك أَنِّي صائم(43). وإِنَّ أبا الدرداء هو الذي سنَّ هذه الحلق يُقرأ فيها.‏

وكان من الصَّحابة الذين نزلوا الشام لنشر علوم الكتاب الكريم والسنة المطهرة:‏

معاذُ بنُ جبلٍ رضي الله عنه أَعلم هذه الأُمة بالحلال والحرام الذي قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حقِّه: «مُعاذ إِمامُ العُلماءِ يوم القِيامةِ»(44) وقال عبد الله بن مسعود فيه: إِنَّ معاذَ بنَ جبلٍ كان أُمَّةً قانتًا للهِ حنِيْفًا. فقالَ لهُ رجلٌ: إِنَّما ذلك إِبراهيم صلى الله عليه وسلم، فقالَ عبدُ اللهِ: إِنَّا كنَّا نُشبِّهه بإِبراهيمَ عليه السلام، أَتدري مَا الأُمَّة وما القَانِت ؟ الأُمَّة: الذي يُعلِّم النَّاسَ الخير، والقانتُ المطيعُ للهِ ولِرسولِهِ وكذلك كانَ معاذ معلِّم الخيرِ، وكان مُطيعًا للهِ ولرسولِه صلى الله عليه وسلم(45).‏

واثلة بن الأسقع: أسلم قبل تبوك وشهدها وكان من أهل الصفة ثم شهد فتح دمشق وحمص وغيرهما ، وهو آخر من مات بدمشق من الصحابة (ت: 85هـ)(46).‏

أبو الدرداء عويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي، كان من أفاضل الصحابة وفقهائهم وحكمائهم شهد الخندق وما بعدها وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سلمان الفارسي (ت: 32هـ) بدمشق(47).‏

بلال بن رباح الحبشي مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل دمشق وتوفي فيها زمن عمر (20هـ)(48).‏

دِحْيَة بن خليفة الكلبي الصحابي المشهور، كان يضرب به المثل في حسن الصورة وكان جبرائيل عليه السلام ينزل على صورته ، وكان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، وقد نزل دمشق وسكن المزة وعاش إلى خلافة معاوية(49).‏

النُّعمان بن بَشير الأنصارى الخزرجي، أبو عبد الله المدني ولي القضاء بدمشق بعد فضالة بن عبيد ثم النعمان بن بشير (ت: 65 هـ)(50).‏

فَضَالَةُ بنُ عُبيدٍ الأنصاري الأوسي أبو محمد أسلم قديما وشهد أحدا فما بعدها ثم شهد فتح الشام ومصر وسكن الشام وولي قضاء دمشق بعد أبي الدرداء (ت: 53هـ)(51).‏

أبو ثَعْلَبة الخُشَنيّ قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى خيبر فشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي بالشام (75هـ)(52).‏

عبد المطلب بن ربيعة القرشي الهاشمي، سكن المدينة ثم انتقل إلى الشام في خلافة عمر بن الخطاب ونزل دمشق وابتنى بها دارًا وتوفي بها سنة (61هـ)(53).‏

وغيرُهم من الصَّحابة الأَعلام الذين كان لهم الفضلُ في نشرِ علوم الكتاب والسُّنَّة في دمشق الشام، ومسند الشاميين في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من أكبر مساند البلدان(54)، مما يدلُّ على الدَّور الكبير الذي قامت به دمشق في نشر الحديث النبوي، وكذلك الحال بالنسبة للكِتابِ الذي خصَّصه الإمام الطبرانيُّ بعنوان «مُسند الشَّاميّين» إذْ لا نكاد نجد كتاباً من كتب الحديث خُصِّص لجمع مسند بلدٍ آخر من بلاد الإسلام، وهذا يدلُّ دلالة واضحة وجلية على أنَّ الشام أَصْبَحت من أَهم وأَكبر مراكز الرواية والإشعاع العلمي.‏