صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 72

الموضوع: مناقشات مع الفرق المخالفة في مسألة الرؤية

  1. #1

    مناقشات مع الفرق المخالفة في مسألة الرؤية

    [ALIGN=JUSTIFY][ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم[/ALIGN]

    [ALIGN=CENTER]مسألة الرؤية
    مناقشات مع الفِرَق المخالفة[/ALIGN]

    اتفق أهل السنة على أن رؤية الله تعالى جائزة، وخالفهم في ذلك الشيعة والمعتزلة والإباضية، وقال الكرامية والمجسمة بجواز رؤية الله تعالى.
    فالحاصل أن رؤية الله قال بها الأشاعرة أهل السنة والكرامية والمجسمة، والاتفاق هذا حاصل على مجرد تصحيح الرؤية مع عدم الاتفاق على معناها ومفهومها وشروطها ولوازمها، كما سيتضح.
    وقال الشيعة والمعتزلة والإباضية بنفي الرؤية.
    ولم يتفق الأشاعرة والمجسمة والكرامية على معنى الرؤية وحقيقتها والأصول التي بنوا تصحيح الرؤية عليها، فالمجسمة والكرامية بنوا قولهم بذلك على استصحاب أصلهم المعلوم من أن الله - تعالى - جسم وأنه في جهة، والرؤية تحصل بالعين عن طريق مقابلة المرئي في الجهة، ويلزمهم عند اشتراطهم هذه الشروط التشبيه المحض.
    وأما الأشاعرة والماتريدية، فقالوا بصحة الرؤية ونفي كون الله تعالى جسماً، ونفي كونه ذا حَدٍّ أو حدودٍ، ولم يقولوا باشتراط الجهة لصحة الرؤية.
    فبأدنى تأمل، نعلم علماً قطعياً أن معنى الرؤية عند الأشاعرة ليس عينه عند المجسمة ومَن وافقهم، وبعض الجهلة يعتمدون على اتفاق الأشاعرة والمجسمة والكرامية على أصل صحة الرؤية، فيقول هؤلاء الجهلة بأن حقيقة مذهب الأشاعرة هو التجسيم والتشبيه، وهذا سوء ظنّ منهم، مبني على جهل كما قلنا، ومبني على سوء طوية، فالذي يجب على هؤلاء أن يقولوه عند رؤية كلام الأشاعرة: إن معنى الرؤية عندهم ليس نفس معنى الرؤية عند المجسمة، وهو التحقيق والحق الصريح الذي صرَّح به الأشاعرة.
    وأما أن يقولوا بأن الذي يثبت الرؤية يلزمه أن يكون مجسِّماً، فهذا غباءٌ مبني على جهل، ومبني على عدم إعمال القواعد المعتمدة عند العلماء في تحقيق المذاهب.
    والمقصود: أن الأشاعرة ما داموا قد صرَّحوا بنفي كون الله جسماً بأقوالهم وبنوا قواعد مذهبهم على ذلك، فلا يصح أن يُلزَموا بما يناقض مذهبهم المصرَّح به خاصة وأنهم بيَّنوا المقصود من معنى الرؤية عندهم.
    فبعد هذا لا يصح لواحد أن يقول إن الأشاعرة يلزمهم التشبيه والتجسيم لمجرد إثبات الرؤية.
    وسوف يزداد هذا وضوحاً فيما يلي.
    هذا الكلام ذكرناه هنا، لأن بعض المتسرّعين من المعتزلة والشيعة والإباضية وبعض الذين جعلوا عقائدهم عبارة عن خليطٍ خاص من مختاراتهم من هذه المذاهب ومن أهوائهم التي حسبوها علوماً ومعارف، اتهموا الأشاعرة بالتجسيم والتشبيه من أجل ذلك، ولهذا نبّهنا إلى غلطهم من ناحية منهجية، وسوف نبطل قولهم إبطالاً فيما يأتي من المباحث.
    ولكن العقلاء من الفرق المذكورة لم يتهموا الأشاعرة بهذه التهمة الباطلة، بل كان غاية قولهم منازعتهم في إثبات الرؤية، بل إن بعض أفاضلهم صرَّح بأن حقيقة معنى الرؤية عند الأشاعرة ينفي أصل الخلاف مع المعتزلة والشيعة والإباضية، وبعضهم قال العكس.
    وهكذا، فنحن نرى الواحد يتنقل من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال في مثل هذه المسألة.
    ولذلك أحببنا أن نناقش بعض المخالفين من الشيعة والمعتزلة والإباضية في هذه المسألة، ونتناول كلاً على حدة؛ لنبيّن اختلاف مناهجهم وصواب وسداد طريقة أهل الحق، وقد ارتأيتُ أن نبدأ بالكلام مع فرقة الشيعة الإماميةونتناول كتاباً من كتبهم المعتمدة لعالِم مشهور عندهم معتَرَفٍ بعلمه وحكمته، فنناقشه في مقولاته واستدلالاته وعباراته.
    وإنما اختارنا هذه الطريقة؛ لأن كثيراً من الناس الذين يخوضون في هذه المسألة معارضين لأهل السنة، ممن نعرفهم أو نخاطبهم يدفعهم الهوى والتعصّب وقلة الاطلاع، فكان ينبغي علينا عندما نناقشه أن نعلّمه ونوضّح له حقيقة المذاهب قبل أن نبدأ بإلزامه أو الردّ عليه، وهذا الأمر لازم في كل مناقشة، ولكن قدره يزيد وينقص بحسب جهل أو علم من نتكلم معه، فلذلك ارتأينا أن نتكلم مع واحد عالِم من كل فرقة من هذه الفرق، فالكلام مع العلماء - وإن كان عن طريق الكتب – أليق بالحكماء المدققين الباحثين عن الحق واليقين من المشاغبة والتشغيب مع مَن هو دونهم في العلم.
    وندعو الله تعالى أن يوفقنا أجمعين لما فيه الخير.[/ALIGN]


    يتبع.........
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 09-10-2006 الساعة 15:46
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. #2

    مع الشيخ جعفر السبحاني من الشيعة الإمامية

    [ALIGN=CENTER]مع الشيخ جعفر السبحاني في كتاب الإلهيات[/ALIGN]


    [ALIGN=JUSTIFY]هذا الكتاب من الكتب المعتمدة عند الشيعة، ومؤلفه الشيخ جعفر السبحاني مشهود له بالمكانة العالية عندهم، وهذا يبعث على الطمأنينة عندما نتكلم معه ونناقش كلامه، فالأصل أن يكون منضبطاً بضوابط العلم والمعرفة الصحيحة، بعيداً عن المغالطات التي يحبها العوام، وهذا يكون أقرب إلى تحقيق الحق، وأجمع لطرق النقاش والبحث، وأمنع لتشتت الكلام.
    وقد تكلم الشيخ السبحاني في كتابه عن مسألة الرؤية تحت عنوان (امتناع رؤية الله سبحانه) الجزء الثاني ص125، طبعة مكتبة التوحيد – قم.
    قال الشيخ السبحاني (2/125): "اتفقت العدلية على أنه سبحانه لا يُرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما غيرهم فالكرامية والمجسمة الذين يصفونه سبحانه بالجسم، ويثبتون له الجهة، جوّزوا رؤيته بلا إشكال في الدارين، وأهل الحديث والأشاعرة - مع عدِّ أنفسهم من أهل التنزيه وتحاشيهم عن إثبات الجسمية والجهة له سبحانه – قالوا برؤيته يوم القيامة، وأنه ينكشف للمؤمنين انكشاف القمر ليلة البدر تبعاً لبعض الأحاديث واستظهاراً من بعض الآيات"أ.هـ.
    لاحظ أنه يستغرب من مذهب الأشاعرة كيف ينفون الجسم والتحيز والجهة عن الله تعالى، ومع ذلك يقولون بالرؤية، واستغرابه هذا جاء لأنه جعل الرؤية ملازمة للجسمية والتحيّز، وهذا هو المتبادر إلى أذهان عامة الناس، ولكن بقليل من التأمل في كلام الأشاعرة يُعلم أنه يوجد انفكاك بين الرؤية والجسمية، فقد يُثْبِتُ الرؤية مَن ليس مجسِّماً.
    وكان ينبغي أن ينبِّه هنا إلى اختلاف مفهوم الرؤية بين الأشاعرة والمجسِّمة ولا يسوقه سوقاً واحداً، وسوف نشير إلى ذلك فيما يلي.
    ثم أشار السبحاني إلى اختلاف أقوال الناس حول الرؤية، بحسب ما ذكره الإمام الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين.
    ولا داعي لأن نذكر نحن هنا هذه الأقوال؛ لأن بعضها كما وصفه السبحاني (2/126): "من الأقوال السخيفة الساقطة"أ.هـ.
    ثم شرع السبحاني في بيان عقائد العدلية في الرؤية، وقال (2/126): "فإن في إثباتها كفاية لردّ سائر الأقوال وبيان وهنها"أ.هـ، ويقصد بالعدلية كما هو ظاهر كل من أثبت أن الله تعالى لا يخالف ما زعموا أنه ثابت في نفسه من العدل والظلم والتحسين والتقبيح، ويشمل هذا الشيعة والمعتزلة ...
    وهو يدّعي أن مجرد بيان قول العدلية يكفي لإظهار وَهْن سائر الأقوال وردّها، ولكنه سوف يناقش أدلة الأشاعرة بعد ذلك، وسوف نرى كيف يناقش أدلة الأشاعرة، ونتكلم في بيانه لأقوال العدلية في أدلتهم.
    ما هي حقيقة الرؤية
    تحت هذا العنوان ذكر السبحاني خلاصة ما يعتقد هو أنه حقيقة الرؤية، فذكر أن الرؤية هي حقيقة عبارة عن انعكاس صورة المرئي على العين، وذلك بواسطة وصول النور إلى العين، ثم تخلله في طبقات العين، ثم تحوّله بعد ذلك إلى تموّجات مناسبة للأشعة، ويتم إرسال هذه التموّجات إلى الدماغ فيحللها ويفسرها ويتعقلها بالشكل والصورة التي نعرفها.
    ثم قال في ص 127: "هذا هو واقع الإبصار والرؤية، فيجب أن يكون كل من النفي والإثبات على هذا المعنى الذي كشف عنه جهابذة العلم".أ.هـ.
    كذا قال، أما أن هذا هو المعنى الوحيد من الرؤية فهو ما سنناقشه بعد قليل، ولكن قوله: "الذي كشف عنه جهابذة العلم" لا داعي له هنا، فالعلماء المعاصرون وإن كانوا كشفوا عن بعض التفاصيل إلا أن هذه العملية إجمالاً كانت معلومة، فليست معرفتُها متوقفةً على كشف جهابذة العلم !! وكلامه هذا يوهم أن المتقدمين كانوا يتكلمون عن أمرٍ لا يعرفونه، فلما عرف هو حقيقة الرؤية على النحو الذي وضحه كان من الطبيعي أن الذي أثبت الرؤية ونفى التجسيم رأيه باطل من أساسه.
    ولكن الأمر ليس كذلك كما قلنا، ولا نستطيع أن نقول مطلقاً بقوله هذا، بل نقول بكل قوة: إن القدر الذي كان معلوماً عند المتقدمين كافٍ للكلام على مسألة الرؤية نفياً وإثباتاً، ولا يتوقف اتخاذ موقف فيها على ما كشفه جهابذة العلم كما قال، وسوف نوضح ذلك لاحقاً.
    ثم قال السبحاني في (2/127): "وبذلك يعلم أن تفسير الإبصار ورؤيته سبحانه بالعلم به أو بإدراكه في القلب أو من طريق الشهود خروج عن البحث، ونحن مركزون على إمكان رؤيته بهذه الأبصار التي يملكها كل إنسان؛ لأن هذا هو محطّ البحث بين العدلية والأشاعرة"أ.هـ.
    إذن السبحاني يرفض أن تكون الرؤيةُ نوعَ علم، أو نوعَ كشف، بل يصرّ على أن الرؤية حقيقتها ما سبق، فإذا قلنا بالرؤية يجب عنده أن نثبت هذا المعنى الذي ذكره؛ لأنه لا يوجد معنى آخر لها عنده وعند العدلية، وإذا نفيناها فإنما ينفي هو هذا المعنى بالضبط.
    والحقيقة أن البحث بهذا الشكل ليس صحيحاً، وبيان ذلك كما يلي:
    أولاً نقول: إن المعنى الذي ذكره للرؤية هو عبارة عن انفعال للنفس بما في الخارج بواسطة وسائط وآلات، فالعين تنفعل بالشعاع والدماغ ينفعل بالتموّجات، ثم تحدث الصورة التي يطلق عليها أنها رؤية.
    فنحن نسأل سؤالاً هنا، وهو سؤال مهم جداً، بل هو أساس البحث، فنقول: هل الرؤية كاسم يطلق على هذه الانفعالات فقط، أم يطلق على الصورة المدرَكة بعد حصول الانفعالات، أم يطلق على الصورة بشرط الانفعالات، أو على مجموع الصورة والانفعالات؟
    من الواضح لدى كل إنسان عاقل يفهم معنى الرؤية أنه يجزم بأن إطلاق اسم الرؤية على مجرد الانفعالات أمر باطل قطعاً، فلو حصلت الانفعالات ولم تحصل الصورة لخلل في العين أو الدماغ أو لسبب آخر، فلا يمكن أن يطلق اسم الرؤية على مجرد الانفعالات.
    فيبقى إذن الاحتمالات: أن الرؤية هل هي مجرد الصورة ولو لم تحصل الانفعالات، أو هي الصورة بشرط حصول الانفعالات بالنسق المذكور هنا، أي الذي وضّحه السبحاني.
    من الواضح عند أدنى تفكّر أن اسم الرؤية لا بُدَّ فيه من ملاحظة حصول الصورة، ولكن هل يشترط لإطلاق اسم الرؤية كون الصورة مسبوقة بهذه الانفعالات المذكورة أو لا يُشترط ؟
    هذا هو بالضبط حقيقة الخلاف بين الأشاعرة والعدلية.
    فالعدلية يقولون: كل صورة لم تحصل عن طريق هذه الانفعالات فلا تسمّى رؤية، والأشاعرة يقولون: بل تسمى رؤية وإن لم تسبقها هذه الانفعالات.
    فالأصالة للرؤية عند الأشاعرة للصورة وليست الانفعالات جزءاً منها، ويتصورون إمكان حصول الرؤية بلا سبق الانفعالات.
    وأما العدلية: فلأنهم لا يتصورون إمكان حصول الصورة إلا بواسطة هذه الانفعالات، فلذلك قالوا بنفي الرؤية، والانفعالات علة عندهم لحصول الرؤية.
    فالخلاصة إذن بعبارة أخرى، هل يوجد ترتبات في الوجود الخارجي الحادث بين أمر وأمر آخر، أي هل يوجد في الوجود الخارجي تلازم عقلي بين موجودَين اثنين متغايرَين، بحيث لا يمكن وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، وإنما قلنا بين موجودَين متغايرَين، لأنه لو كان موجوداً واحداً، فالاتفاق حاصل على أنه لا يوجد بدون ذاتياته.
    ولكن محل الخلاف بالضبط: هل يمكن أن يكون وجود حادث شرطاً أو علة لوجود حادث آخر، بحيث يستحيل وجود الثاني إلا بوجود الأول، هذا هو حقيقة الخلاف وأصل المسألة.
    ومن الواضح أنها راجعة إلى القول بالعلية والمعلولية بين أجزاء العالم الحادث.
    وإذا ظهر أن المسألة ترجع لهذا الأصل، فلنوضح رأي الأشاعرة ورأي المخالفين لهم في هذه المسألة الأصلية والتي يتفرع عليها أكثر مسائل علم التوحيد.
    فخلاصة رأي الأشاعرة أن الله تعالى هو الخالق بلا واسطة لكل شيء موجود من الموجودات الحادثة، فكل ما في هذا العالم من موجودات فالله تعالى هو الخالق له بلا واسطة، فلا يوجد شيء من الموجودات الخارجية يتوقف في وجوده على وجود شيء آخر، إلا إذا كان جزءاً له أو داخلاً فيه، فلا يكونان متغايرَين منفصلَين حينذاك، والكلام في المتغايرات.
    وأما المخالفون من الشيعة ومن وافقهم من المعتزلة والفلاسفة، فيقولون: يوجد ترتب في العالم الحادث بين أفراده، وهذا الترتب هو ترتّب عليٌّ ومعلولي، بمعنى أن بعض الأمور الموجودة في هذا العالم الحادث علة لوجود غيرها، وما دامت علة لها، فلا يمكن وجود المعلول إلا بوجود العلة.
    وهكذا إذا كانت الصورة معلولة للانفعالات، فلا يمكن أن توجد الصورة عند العقل أو فيه إلا بوجود الانفعالات، فالانفعالات شرط عقلي لا يمكن تخلّفه.
    والأشاعرة يقولون: إن الله تعالى قادرٌ على خلق الصورة بدون الانفعالات المشار إليها، ولذلك فليست الانفعالات شرطاً عقلياً لا يتخلف، بل هي عبارة عن ترتبات عادية وترتيبات حاصلة بإرادة الله تعالى، ولو شاء الله أن لا يجعلها كذلك لقدر.
    ولذلك قال الأشاعرة بأن الرؤية حقيقة هي حصول الصورة الإدراكية، وأما مقدماتها الانفعالية فهي شروط عادية يمكن تخلّفها، وما دامت كذلك، فلا يستحيل أن يخلق الله تعالى الصورة بلا خلق الإدراكات الانفعالية التي جعلوها شروطا عقلية كالمقابلة واتصال الشعاع، وغيرها مما جعلوه شرطا عقليا للرؤية كالحد للمرئي، وبالتالي لا يلزم أن يكون من حصل فيه صورة المرئي مواجهاً له، ولا يشترط عقلاً أن يسبق ذلك كله حصول الانفعالات المذكورة، بل لو شاء الله تعالى أن يخلق الصورة مباشرة فإنه قادرٌ على ذلك.
    وأما الشيعة ومن وافقوه في هذا الرأي، فقالوا: لا يمكن أن يوجِد الله هذه الصورة إلا بإيجاد الانفعالات، ولا يمكن أن توجد الانفعالات إلا بوجود الجهة والمقابلة وارتطام الشعاع بالمرئي ثم انعكاسه عنه وسقوطه على العين، وهكذا.
    وهذا هو حقيقة الخلاف بين الشيعة والعدلية من جهة، وبين الأشاعرة من جهة أخرى، وإذا تأملنا الخلاف بهذا الوضع فإننا نستطيع أن نتبيّن عمق بحث وتحليل الأشاعرة في هذه المسألة، وربطهم لها بأصول العقائد بناءً على ما تحقق لديهم.
    وكذلك فالعدلية بنوا هذه المسألة على ما يعتقدونه من كون العلاقة بين الله تعالى وبين الموجودات في هذا العالم علاقة علية ومعلولية، كما يقول الشيعة المتأخرون والفلاسفة، أو مبنية على أن الله تعالى يجب عليه فعل الصلاح، وأن الحسن والقبح أمور ثابتة في نفس الأمر، وأن الله لا يمكن إلا أن يفعل ما هو مقتضى الصلاح والحسن، كما هو رأي المعتزلة.
    ومن الظاهر أن رأي المعتزلة والشيعة يعود إلى نفي كون الله تعالى مختاراً، أي أنهم ينفون كون الله تعالى متصفاً بالإرادة كما هو متصف بالعلم والقدرة، فالإرادة عندهم هي عين الفعل أو راجعة إليه، فالإرادة من صفات الأفعال لا الذات، وهو في الحقيقة نفي للإرادة لا إثبات لها.
    هذا هو حقيقة الأمر وأصوله الكبرى. [/ALIGN]
    التعديل الأخير تم بواسطة سعيد فودة ; 21-09-2004 الساعة 10:03
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. #3

    تكملة الرد على الشيخ السبحاني

    [ALIGN=JUSTIFY]ولنرجع قليلاً إلى مسألة الرؤية:[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY][ALIGN=JUSTIFY]إن من يعلم مذهب الأشاعرة يعلم أنهم يرجعون الرؤية إلى الإدراك، أي إلى نوع إدراك، فمن أرجع الرؤية عندهم إلى العلم، فالحاصل أنه لا خلاف بينه وبين غيره من حيث الحقيقة، ومخالفة الشيعة والمعتزلة لهم غير مبنية على أساس، والفرق بينهم في التدقيقات كنحو القول: هل يجوز أن نحصل على زيادة علم بالله تعالى أم لا يمكن ذلك سواء في الدنيا أم في الآخرة، فالأشاعرة يقولون: نعم هذا جائز، وغيرهم يقول لا، ولو جاز فلا يسمى رؤية، والأشاعرة يقولون: يسمى رؤية؛ لأن هذا هو حقيقة الرؤية.
    بل حقيقة الرؤية عندهم هو علم حاصل في الإنسان في عينه بالترتيب العادي المذكور سابقاً، ويمكن أن يخلقه الله مباشرة في النفس، ولكن تسميته بالرؤية لأن العادة جرت على خلقه في العين ولو بلا واسطة الانفعالات، فكل إدراك وعلم حصل للإنسان عن طريق الترتبات العادية المذكورة فيسمى رؤية وإن كان بخلق الله تعالى مباشرة.
    وكون العين آلة، فهذا للعادة التي خلقها الله تعالى وليس لأن العين سبب وعلة للرؤية، وأما القائلون بوجود صفة زائدة على العلم اسمها البصر، فالمذهب بناءً على ذلك واضح.
    إذن وبعد هذا التوضيح نقول:
    الخلاصة إن الأشاعرة لم يسلموا أن الرؤية هي حصول الإدراك بشرط الانفعال المذكور، بل قالوا هو مجرد حصول الإدراك، والشيعة ومن وافقهم قالوا باشتراط الإدراك بالانفعالات المذكورة، بناءً منهم على العلية والمعلولية والتولد والحسن والقبح العقليين. ويبقى الأمر عند الأشاعرة في إطلاق اسم الرؤية بناء على ما وضحناه.
    ويتضح لنا أن قول السبحاني بأن مَن فسر الرؤية بالعلم أو بالكشف أو نفى اشتراطهما بهذه الانفعالات ووصفه إياهم بأنهم خارجون عن محل النزاع، مجرد مصادرة على المطلوب، فالمطلوب أساساً تحقيق هذه المسألة أي معرفة هل الرؤية تطلق على هذا المعنى أو على ذاك.
    فالشيخ السبحاني صادَرَ على أساس المسألة، واعتبر أنه لا تطلق الرؤية إلا على ما قاله، ولذلك حَكَمَ بهذا الحكم كما ترى، ووقع في الغلط.[/ALIGN][/ALIGN]


    [ALIGN=JUSTIFY]وأما الفرق بين قول الأشاعرة وقول المجسمة، فهو كما يلي:[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY]إن المجسمة انطلقوا من نفس المقدمات التي قررها الشيعة والمعتزلة من أنه لا يمكن حصول الرؤية إلا بالانفعال والمواجهة وكون المرئي في جهة ومحدوداً .. إلخ، والمجسمة لما كانوا يقولون بأن الله في جهة ومحدود ... إلخ، لم يلزمهم نفي الرؤية كما فعل المعتزلة والشيعة، ولم يلزمهم تحقيق معنى الرؤية وتجريدها عن شروطها العادية كما فعل الأشاعرة، فالحاصل أن المجسمة والكرامية قالوا بكل ما قال به الشيعة والمعتزلة في شروط أجزاء الرؤية، والتزموا اللوازم التي فرَّ منها هؤلاء.
    وأما الأشاعرة فقد عرفنا قولهم، وهو إثبات الرؤية على ما وضحناه، ونفي لوازم التجسيم والتحديد والتشبيه.
    فهذه هي خلاصة هذه المسألة أتينا بها إليك من أصولها.[/ALIGN]


    [ALIGN=JUSTIFY]ونكمل الآن مناقشة كلام السبحاني:[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY]استدل السبحاني على نفي الرؤية بقوله (2/127): "إن الرؤية إنما تصح لمن كان مقابلاً أو في حكم المقابل".أهـ. وبما أن الله تعالى ليس في جهة ولا حدَّ له، فيستحيل رؤيته، وقد بيّنا نحن أن الرؤية هي نفس الإدراك الحاصل لا بشرط الانفعالات والمقابلة والحدّ، وبناءً على ذلك فلا يلزمنا القول باستحالة الرؤية، وأما قوله بعد ذلك بأن الرؤية "إذا أريد بها غير حقيقتها مما يعبر عنه بالإدراك العلمي والشهود القلبي ... فهو حينئذٍ خارج عن محط البحث ومجال النزاع"أ.هـ.
    نقول: الرؤية عبارة عن إدراك معين، وتحقيق كون الرؤية كذلك هو أصل النزاع كما سبق تحقيقه، بل هو أصل المسألة، وادعاء كونه خارجاً عن محل النزاع وحصر الرؤية في الرؤية الحسية المشروطة بالشروط العادية عبارة عن مصادرة على المطلوب.
    وقد ساق أدلة أخرى راجعة إلى نفس الأساس، منها لزوم كون المرئي محدوداً متناهياً، ولزوم كونه جسماً ذا أبعاد، وفي جهة، ثم قال: "فروح الأدلة الأربعة يرجع إلى أمر واحد، وهو أن تجويز رؤيته معناه كونه سبحانه موجوداً متحيزاً ومحدوداً وذا جهة وعوارض جسمانية وقابلاً للإشارة، وكل ذلك مستحيل، فتكون النتيجة امتناع وقوع الرؤية عليه".أ.هـ.
    وكلامه في رجوع هذه الأدلة إلى حرفٍ واحد صحيح، ولذلك فجوابنا عن جميعها واحدٌ أيضاً، وهو أن الرؤية لا تستلزم هذه اللوازم، وإنما هذه شروط عادية لا عقلية، والرؤية إدراك يخلقه الله مباشرة بلا واسطة ولا اشتراط مقابلة ولا حدّ ولا جهة، فإذا سلم ذلك، فلا وجه لامتناع القول بها مع ورود الشريعة بها.
    ثم قال السبحاني مقرراً أدلته: "ومبادئ هذه البراهين أمور بديهية حسية يكفي في تصديقها تصور القضايا بموضوعاتها ومحمولاتها ونسبها".أ.هـ.
    وكلامه هذا ليس صحيحاً، فقد رأينا أنها ليست بدهية، بل ظاهرية، وأنها تحت النقد والتحليل العقلي تنحل وتكون سراباً بقيعة، والاعتماد على ظواهر الأمور كما يفضي بها إلينا الحس من دون نقد ليس من عادة المحصلين ولا الناقدين المحققين، وكثير من إشكالات الفرق المخالفة إنما وقعوا فيها من هذا الباب.
    وحاصل الكلام:
    إن الرؤية الحسية المشروطة بالحس والمقابلة واتصال الشعاع مستحيلة على الله، ولا نسلّم أن هذا المعنى هو حقيقة الرؤية، وأما حصول إدراك زائد على ما حصلنا عليه بواسطة النظر العقلي والتفكير في العالم، فهذا ليس بمستحيل سواء خلقه الله تعالى في العين ثم أدركناه بعقولنا أو خلقه الله مباشرة في النفس، وهذا هو حقيقة الرؤية، ولا وجه للقول بامتناعها على هذا النحو.[/ALIGN]



    يتبع.......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. #4

    محاولة فاشلة

    محاولة فاشلة:

    [ALIGN=JUSTIFY]لقد وصف السبحاني بهذا العنوان بعض الأقوال التي نقلها عن الأشاعرة، وحاصل ما قاله تحت هذا العنوان إن الأشاعرة لما رأوا أن الرؤية تفضي إلى القول بالتجسيم، وكان القول بالتجسيم محالاً ممتنعاً، حاولوا تصحيح مقولتهم بثبوت وجواز الرؤية بلا لزوم التجسيم بوجوه خارجة عن محل النزاع، كما قال السبحاني.
    والحقيقة أن قول السبحاني مصادرة على المطلوب كما قلنا، لأن النزاع أصلاً: هل لا يمكن تحقيق الرؤية إلا على النحو الحسي المستلزم للجهة والحدّ، أم لا؟ فهو ومَنْ وافقه قال نعم لا يمكن إلا هذا الوجه وهذا المعنى، واستدلالهم مبني على ما يحسون به وادعوا أن هذا بديهي، والحقيقة أنه من الظواهر الحسية والعقل ينفي كونها بديهية، فالحس لا يدل إلا على الوقوع، ولا يدل على الاستحالة، وكلامنا في الامتناع.
    وكذلك فالعقل دلّ على أنه لا خالق إلا الله، وأنه يخلق بلا واسطة، ولا توجد علل وترتبات بين الموجودات الحادثة، هذا عند الأشاعرة.
    وأما عند المخالفين، فقالوا بالعلية والمعلولية والترتبات المذكورة، ولذلك لزمهم نفي الرؤية، ولا شك أن القول بالعلية والمعلولية والترتبات على النحو الذي ادعوه هم ليس من البديهيات ولا من الحسيات، بل لا يمكن إثباته إلا بالنظر الدقيق، ولا نسلمه لهم، بل نعارضه بعد إبطاله بنظر أقوى منه.
    فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يقول السبحاني إن الأشاعرة يتفلتون من هذه المحاذير؟ لمَ لا يقول: إنهم حققوا أن للرؤية معنيين، الأول على ما جرت عليه العادة وهو المعنى الحسي، وقد منعه الأشاعرة، والثاني المجرد عن الشروط العادية، وقد قالوا به، ولا يستلزم الجسمية ولا الحد.
    وليس هذا مجرد محاولة تخريج للقول أو خروج عن محل النزاع، بل هو تحقيق لنفس المسألة، ولكن الشيخ السبحاني لم يقل ذلك، ولو قاله لدلّ على إنصافه، ويمكن بعد ذلك أن يخالفهم في نفس هذا الرأي لو شاء، ولكن الإنصاف مطلوب منه ولم يفعله، بل بادر - كما هي عادتهم - إلى اتهام الأشاعرة بالتلفيق.
    وقد نقل السبحاني قول الشهرستاني في بيان أن مذهب المعتزلة شرط الرؤية بتلك الشروط المستلزمة للحدّ والجهة: "ونفوا رؤية الباري تعالى بالأبصار نفي الاستحالة، والأشعري أثبتها إثبات الجواز على الإطلاق، والوجوب بحكم الوعد".أ.هـ.
    وهذه الكلمة نقلها عن الشهرستاني في نهاية الاقدام، ص356، وعلق السبحاني عليها بأن الرؤية الحسية هي الرؤية المعلومة، وهي محالة لما تستلزمه من الحد، ثم قال (2/129): "وأما ما يدعيه العرفاء وأهل الكشف والشهود خارج عن محط البحث"أ.هـ. وهذا الكلام يُكثر السبحاني من تكراره، وقد بينا لك أن هذا مجرد مغالطة منه ومصادرة على المطلوب، فالمدار مبني على أن الصورة الإدراكية هل تسمى رؤية أم لا، وقد ثبت بالنصوص واستعمال اللغة أنها تسمى بالرؤية، فالإنكار بعد ذلك تحكّم.
    وهذا كما لو ورد الشرع بنسبة اليد إلى الله تعالى، والمتبادر إلى الذهن من اليد هي الجارحة، والجارحة مستحيلة على الله تعالى، فهل ننكر أصل النسبة أم نبحث عن معنى آخر لليد يصح بناءً عليه نسبتها لله، لا شك أن الصحيح هو الطريق الثاني، فالمعنى الموجود في اللغة يصحح إطلاق اليد وإرادة القدرة والمعونة، وإطلاق هذا المعنى على الله لا ضرر فيه.
    وكذلك لما وردت نسبة الرؤية إلى الله تعالى، وكان المتبادر منها الرؤية الحسية، وهذه محالة على الله تعالى، بحثنا في اللغة عن معنى آخر وتحقيق لمفهوم الرؤية، فقلنا إنها حالة إدراكية أعلى مما تحصل عليه بواسطة النظر، وهذا جائز على الله تعالى، أي يجوز أن نعلم من كمالات الله تعالى أكثر مما نعلمه عن طريق النظر العقلي، فنحمل الرؤية على هذا القدر، وننفي اللوازم الحسية، وهذا هو الذي فعله الأشاعرة، بحيث لا يلزمهم نفي نص وارد في الشريعة صحيح النسبة، ولا يلزمهم مخالفة ولا معارضة المقطوع به عقلاً على الله تعالى من تنزيهه عن الجسمية والحدود والجهات.
    فأين الإشكال في هذا المذهب، بل إن المنصف لا يرى فيه إلا كل إتقان وإبداع ...
    ثم نقل السبحاني كلاماً عن العلامة القوشجي في شرح التجريد، فقال (2/129): "قال الفاضل القوشجي بعد شرح معنى الرؤية إما بالارتسام أو خروج شعاع: "إنا إذا عرفنا الشمس مثلاً بحد أو رسم، كان نوعاً من المعرفة، ثم إذا أبصرناها وغمضنا العين كان نوعاً آخر فوق الأول، ثم إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأولين نسميه الرؤية، ولا يتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة ومكان.
    فمحل النزاع أن مثل هذه الحالة الإدراكية يصح أن تقع بدون المقابلة وتتعلق بذات الله منزهة عن الجهة والمكان أولاً" أ.هـ.
    وعلق السبحاني على هذا الكلام قائلاً (2/130): "إن تمني الرؤية والإبصار بغير المقابلة والجهة مع تحققها بالعيون والأبصار أشبه بتمني وجود الشيء مع التأكيد على عدمه".أهـ.
    يريد السبحاني بهذا التعليق الحكم على كلام القوشجي بالتناقض، فهل كلام القوشجي فيه تناقض حقاً كما يريد السبحاني إيهام ذلك ؟!
    والحقيقة أنه بأدنى نظر نتبيّن أنه لا يوجد تناقض داخلي في كلام القوشجي، بل التناقض ناتج عن أن السبحاني ألزم القوشجي بناءً على مذهبه هو لا مذهب القوشجي، وبيان ذلك: أن القوشجي يقول بإمكان خلق الإدراك مع عدم وجود الاتصال والحد والجهة وغير ذلك، وهو بناءً على ذلك يقول إذا حصل لنا إدراك علمي بمستوى معين، فهل يمكن أن يحصل لنا إدراك علمي بمستوى أعلى منه ونسميه الرؤية كما نسمي إبصارنا للشمس رؤية، هذا هو حاصل كلام العلامة القوشجي، ولا يوجد تناقض.
    ولكن السبحاني يعتقد في نفسه أنه لا يوجد رؤية إلا باتصال شعاع ومقابلة وجهة، فلما سمع القوشجي يقول برؤية بدون تلك الأمور ألزمه بطلب وتمني الرؤية والإبصار مع عدم تحققها بالأبصار مع أنها عند السبحاني لا تحصل إلا بالأبصار، وظاهر أن هذا الإلزام لا يلزم، لأنه إلزام مركب على مذهب الملزِم، وليست كل مقدماته يسلم بها القوشجي كما هو ظاهر.
    فتبين لنا أن لا داعي للاستغراب من هذا الكلام.
    والحقيقة أنه لو تمَّ التدقيق قليلاً في كلام القوشجي لوصل المعارض إلى أغلب الحل والجواب عن الإشكالات التي تمنعه من القول بالرؤية جوازاً.
    وتوضيح ذلك: أننا يمكن أن نعلم الشيء بالنظر والرسم والحد، ثم يمكن أن نعلمه بمشاهدته بالإبصار، ومعلوم تفاوت هاتين الدرجتين من العلم، ومعلوم أن حقيقة اللون مثلاً المشاهَد بالعين والأبصار لا يمكن إدراكها إلا بالعين، أي لا يمكن إدراك حقيقة اللون عن طريق النظر العقلي والاستدلال، وعلمنا باللون وإن توقف عادة على البصر واتصال الشعاع، إلا أنه أقوى من علمنا بالشيء بمجرد النظر العقلي، فتحقق لنا إذن مستويان من العلم، فالسؤال هنا: هل يستحيل عقلاً أن يحصل لنا علمٌ بالله تعالى بدرجة أعلى من الدرجة التي حصلنا عليها عن طريق النظر العقلي والبحث في الأخبار، بحيث تسمى هذه الدرجة من العلم بالنسبة لما حصَّلناه رؤية؟
    إن الذي يفهم المسألة على هذا النحو يجزم بلا تردد بعدم امتناع هذه الدرجة من العلم، خاصة إذا أرجعنا حصولها إلى إرادة الله تعالى وقدرته المحيطة بكل الممكنات كما يقول الأشاعرة.
    وإذا صحَّ ذلك، فلا يبقى هناك وجه للقول باستحالة الرؤية خاصة إذا لاحظنا ورود الأحاديث وورود بعض الآيات الدالة على إمكان الرؤية لله تعالى.
    فحكم العقل بالإمكان، مع ورود النصوص الشرعية، يكفيان للجزم بجواز هذه المسألة، أعني رؤية الله تعالى، ويتوقف ثبوتها وحصولها في الآخرة أو في الدنيا على ثبوت سند الروايات الواردة بذلك، فلا تناقض مطلقاً في مذهب الأشاعرة، وليس مذهباً ملفقاً كما يقول المعتزلة والشيعة وأنصاف الفلاسفة وغيرهم، بل هو مذهب مبني على التحقيق العميق في العقليات والنظر الدقيق مع احترام نصوص الشريعة وعدم إهمال شيء منها.
    ثم قال الشيخ السبحاني (2/130): "ومَن أمعن النظر في كتب الأشاعرة خصوصاً القدامى منهم، وبالأخص كتب أهل الحديث والحنابلة يرى أنهم يفرون من هذه المحاولات ولا يرون لها قيمة في أوساطهم، وهم يتمسكون بالروايات وما استظهروه من الآيات ويحكمون بالرؤية الحقيقية كرؤية القمر.
    قال الشيخ الأشعري في الإبانة: "وندين بأن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".
    وقال في اللمع: "إن قال قائل: لم قلتم إنّ رؤية الله بالأبصار جائزة من باب القياس قيل له: قلنا ذلك لأن ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه لا يلزم في القول بجواز الرؤية".أهـ. انتهى كلام السبحاني.
    وما ذكره من أن المتقدمين كالأشعري لم تكن تعجبهم هذا المذهب الذي سماه السبحاني محاولات، يقصد محاولات لتخريج الرؤية وصرفها عن التشبيه والتجسيم، والسبحاني يدعي أن هؤلاء المتقدمين كانوا يقولون بظاهر الأحاديث ويثبتون الرؤية الحقيقية، وقد عرفنا نحن أن مراد السبحاني بالرؤية الحقيقية الرؤية الحسية المستلزمة للجهة والحد والمقابلة والشعاع والانفعال، وهذه الرؤية لم يقل بها الأشاعرة مطلقاً لا المتقدمون منهم ولا المتأخرون، وحتى الإمام الأشعري لم يقل بذلك ولا أحد من تلامذته. بل مذهب على طول العصور واحد وهو ما بيّناه سابقاً.
    وأما الكلام الذي نقله عن الإمام الأشعري من الإبانة فلا يستلزم الجهة والحد وإثبات الرؤية الحسية مطلقاً، لأن الإمام الأشعري يقول إن الله تعالى يخلق الرؤية مباشرة في الأبصار دون أن يستلزم ذلك كون الله في جهة وبلا اشتراط شعاع، فهو خلق مباشر من الله تعالى للإدراك المسمى بالرؤية في الأبصار، ولا إشكال في ذلك كما علم في دقيق الكلام، وبعضهم قال: يخلقها الله تعالى في النفس مباشرة وبعضهم في الوجه، وهذا مبني عندهم على أن الإدراك لا يشترط فيه البنية، وهي مسألة معروفة، والحجة في ذلك الأصل الكبير الذي نبهنا إليه سابقاً، وهو أن الله تعالى خالق للأشياء بلا واسطة، ولا يوجد علية ولا معلولية بين الموجودات الخارجية في هذا العالم.
    وقد علم عند الجميع أن تشبيه الرؤية برؤية البدر إنما هو من حيث الوضوح والتميز وعدم الشك في كون المرئي هو الله تعالى، وليس المقصود هو رؤية الله في جهة ولا غير ذلك، لذلك قال النبي: "لا تضامون في رؤيته"، و"ليس بينكم وبينه سحاب"، وغير ذلك مما يدل على جهة الشبه في الرؤية وهي الوضوح والتميز.
    وأما النص الذي نقله السبحاني عن الإمام الأشعري من كتاب اللمع، فهو صريح فيما قلناه من نفي الحد والمقابلة والجهة، لا في إثباتها كما يريد السبحاني أن يدعيه، ودليل ذلك أن الأشعري قال: "لأن ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه لا يلزم في القول بجواز الرؤية".أهـ. هذا هو كلامه الذي نقله السبحاني نفسه، ولو سأل نفسه: ما هو الذي يستحيل على الله تعالى لعرف أن الذي يستحيل عليه تعالى ولا يجوز أن يوصف به هو الحد والتجسيم والجهة وسقوط الشعاع، وغير ذلك مما جعله السبحاني جزءاً من الرؤية أو علة لها، كما سبق بيانه، فالإمام الأشعري لا يجعل شيئاً من ذلك شرطاً ولا علة، بل يقول إن الله يقدر على خلق الإدراك الذي هو الرؤية بلا تقدم هذه الأمور، لأن هذه كلها شروط عادية، تترتب بخلق الله وإرادته ولا يوجبها العقل لحصول الرؤية.
    هذا هو ما يقول به الإمام الأشعري، وهذا هو معنى كلامه، ولا يحتاج الواحد إلى عميق فكر ونظر حتى يعرف معناه، ولكنا قلنا إن السبحاني بنى جهات من كلامه على مجرد مغالطات ومصادرات على المطلوب.
    وبذلك، يكون العنوان الذي عنون به السبحاني هذه الفقرات، وهو "محاولة فاشلة" وصفاً لائقاً بكلامه هو لا بما توهم أنه فعَلَهُ الأشاعرة كما قال.
    وبعد أن بيّنا بطلان كلام السبحاني في هذا الموضع وعدم اتساقه، نكتفي بذكر بعض كلام الإمام أبي الحسن الأشعري كما ذكره عنه الإمام ابن فورك في مجرد مقالات الأشعري، ص82، قال: "وكان يجيب عن سؤال من يسأله في ذلك "كيف يُرى؟" أن هذا لا يخلو من أن يكون سؤالاً عن كيفية الرؤية أو عن كيفية الرائي أو عن كيفية المرئي، فإن كان سؤالاً عن كيفية الرؤية، فإن شيئاً من الأعراض لا كيفية لها، بل الكيفية نوع من الأعراض، وهي التركيب والهيئة، وإن كان سؤالاً عن كيفية المرئي فلا كيفية له؛ لأنه ليس بأجزاء مركَّبة، ويقول: [هذا كما تحيلون أنتم ونحن كلامَ من يسأل فيقول: كيف يُعلم؟ والجواب: أنه يُرى بلا كيفية له كما يُعْلَمُ بلا كيفية له]"أ.هـ.
    وهذا الكلام واضح في نفي الحدّ والجهة وما زعم السبحاني أنه لا ينفك عن الرؤية.
    وقد نقل عنه الإمام ابن فورك كلاماً كثيراً في تحقيق مذهبه، وكله يبطل ما ينسبه إليه الشيخ السبحاني، وكان يكفي السبحاني مجرد مراجعة هذا الكتاب ليمسك عن كتابة ما كتبه، بل لعمر الحق كان يكفيه مجرد التأمل في نفس العبارات التي نقلها هو من كتاب اللمع للإمام الأشعري ليعرف أنها لا تدل على ما زعمه، والكلام في هذا المعنى أكثر من ذلك لا حاجة إليه بعد اتضاح الحق.[/ALIGN]


    يتبع .......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. #5

    مناقشة الاستدلالات العقلية عند السبحاني

    [ALIGN=CENTER]الأدلة العقلية للقائلين بالجواز:[/ALIGN]
    [ALIGN=JUSTIFY]ناقش الشيخ جعفر السبحاني بعض أدلة الجواز عند من قال بذلك، وسوف نتعقبه نحن في كلامه وننقد بعض ما فيه اختلال.
    قال السبحاني (2/131): "إن الشيخ الأشعري استدل على جواز الرؤية بوجوه عقلية نقتطف منها وجهين:
    الأول: قال: "ليس في جواز الرؤية إثبات حَدَثٍ، لأن المرئي لم يكن مرئياً، لأنه محدث ولو كان مرئياً لذلك للزمه أن يرى كل محدث، وذلك باطل عنده"، كذا نقله السبحاني في كتابه، والحقيقة أنني عندما رأيت هذا النقل عرفت أن فيه غلطاً ما، فرجعت إلى كتاب اللمع للأشعري وتصحيح العبارة من كتاب اللمع ص61 كما يلي: "وليس في جواز الرؤية إثبات حَدَث، لأن المرئي لم يكن مرئياً لأنه محدث، ولو كان مرئياً لذلك للزمهم أن يرى كل محدث، وذلك باطل عندهم".أهـ.
    وقبل ذلك قال: "إن قال قائل: لم قلتم إن رؤية الله تعالى بالأبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له: قلنا ذلك لأن ما لا يجوز أن يوصف به الباري ويستحيل عليه فإنما لا يجوز لأن في تجويزه إثبات حدثه، او إثبات حدث معنى فيه، أو تشبيهه أو تجنيسه أو قلبه عن حقيقته أو تجويزه أو تظليمه أو تكذيبه، وليس في جواز الرؤية إثبات حدث، لأن المرئي ...إلخ"أ.هـ.
    هذا هو كلام الإمام الأشعري، ومن الواضح أنه يستدل على جواز الرؤية بأن الرؤية حاصلة في الرائي لا في المرئي، ولا تستلزم حصول معنى حادث في المرئي، فإذا كانت كذلك، فالأصل القول بجوازها، إذ العقل لا يمنع ذلك إلا إذا كانت هناك موانع منه، والموانع التي يذكرونها من استلزام الحيز والجهة والحد، بيّنا نحن أنها غير لازمة لأن معنى الرؤية حصول الصورة أو الإدراك في البصر، وهذا الأمر يمكن بقدرة الله تعالى بلا واسطة، فالأصل بقاؤها في حيز الجواز عند العقل.
    وهذا الاستدلال جيد وتام، لأن الأصل عدم الحكم على الأمر بالامتناع إلا لسبب، فإن عرفنا مانعاً قلنا به، وإن عرفنا موجباً قلنا به، وإلا بقي الأمر على مطلق الجواز، والجواز كما هو معلوم إما أن يكون بمعنى عدم المانع، وإما أن يكون بمعنى الحكم بالصحة.
    وبالمعنى الأول إما أن يكون لعدم العلم بالمانع، وإما أن يكون للعلم بعدم المانع، فعلى الثاني يرجع إلى القول بالصحة والجواز بالمعنى الأخص، وأما بالمعنى الأول وهو عدم العلم بالمانع فلا يكفي الاستناد إليه في أحكام الألوهية، إلا إذا انضم مع ذلك ورود الشريعة بإطلاق الرؤية، فيكون مرجحاً ومبيناً لعدم المانع.
    هذا هو مقصود الإمام أبي الحسن الأشعري، بل هذا هو معنى كلامه، فلننظر الآن كيف علق الشيخ جعفر السبحاني على هذا الكلام، قال (2/131): "إن الحدوث ليس شرطاً كافياً في الرؤية، حتى تلزم رؤية كل محدث، بل هو شرط لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط التي أشرنا إليها، وبما أن بعضها غير متوفر في الموجودات المجردة المحدثة، لا تقع عليها الرؤية".أهـ.
    هكذا علق هذا الشيخ المحقق الجهبذ على كلام الأشعري، والناظر في معنى كلامه يعلم علماً يقينياً أنه لم يفهم كلام الأشعري كما وضحناه أعلاه، بل ظن السبحاني أن الأشعري يقول إن شرط الرؤية حدوث المرئي، فعارضه السبحاني بأن قال: بعض الحوادث لا ترى، فالحدوث ليس شرطاً كافياً أي سبباً للرؤية، ومعلوم أن هذا الكلام دالّ على عدم فهم عبارة الأشعري ولا طريقة استدلاله ولا على ماذا يستدل.
    فقد قلنا إن الأشعري يستدل على مجرد الجواز، وكلامه صحيح، وهو لا يستدل على الوقوع فضلاً على لزوم الوقوع حتى يعارض بهذا الكلام، والأشعري يتكلم عن عدم لزوم حصول معنى حادث في ذات المرئي عند الرؤية، ولا يتحدث عن كون الحدوث شرطاً للرؤية، وفرق بين هذا وذاك، بل هو رحمه الله نفى بكلامه أن تكون الرؤية سبباً لحدوث المرئي خلافاً لما قاله السبحاني.
    والحقيقة أنني تعجبتُ عندما رأيتُ هذا التخبط في كلام السبحاني.
    ولنكمل ما قاله السبحاني، قال (2/131): "الثاني قال: "ليس في إثبات الرؤية لله تعالى تشبيهاً".
    وأكمل قائلا:"يلاحظ عليه: إن حقيقة الرؤية قائمة بالمقابلة أو ما في حكمها، وهي لا تنفك عن كون المرئي في جهة ومكان، وهو يستلزم كونه سبحانه ذا جهة ومكان، فأي تشبيه أظهر من ذلك، وكيف يقول: إن تجويز الرؤية لا يستلزم التشبيه ؟! ما هكذا تورَد يا سعدُ الإبل" أ.هـ.
    هذا كلام السبحاني، والحقيقة أنني كلما قرأت له كلاماً أزدادُ تعجباً منه ومن كلامه، فها هو مرة أخرى يلزم الأشاعرة باستعمال مقدمات لا يسلّمون هم بها، فإنه يقول إن الرؤية لا تحصل إلا بحدّ ومقابلة وجهة، ويلزمهم بناءً على ذلك بثبوت ذلك لله تعالى عند القول بصحة رؤيته، وهو يعلم – أي السبحاني – علماً تاماً أن الأشاعرة يقولون بعدم وجود التلازم بين الرؤية وبين هذه الأمور التي تستلزم التشبيه، فلا يصح له إلزامهم بالتشبيه مطلقاً، بل يكون ذلك كذباً عليهم وإلزاماً لهم بما صرحوا بنفيه، ويكون مغالطة محضة، وقد ارتكبها السبحاني عدة مرات كما رأينا، ووجه المغالطة أنه يعتمد في إلزامهم على مقدمات ينكرونها، ثم هذا ليس دليلاً خاصاً، بل هو تكملة للاستدلال السابق على الجواز فعدّه دليلاً ثانياً مغالطة أخرى من السبحاني.
    وأما قوله بعد ذلك: "ما هكذا تورَد يا سعدُ الإبل"، ففيه سوء أدب غير خافٍ، فما هكذا يخاطب الأشعري ومَن هو في مقامه.
    وقد اعتاد السبحاني -هداه الله- أن يبني كلامه على ما يتوهمه، ولذلك لما اعتقد صواب انتقاده السابق للإمام الأشعري بنى عليه، ولما نظر في كتب المتأخرين من الأشاعرة ورأى أنهم يقولون بأن المصحح للرؤية هو الوجود تحقيقاً لقول الأشعري، ظنَّ أن هذا عبارة عن محاولة أخرى منهم لترقيع المذهب الذي فهمه هو عن الأشعري، وظنه منهم دليلاً جديداً، ولم يراجع نفسه فيحتمل خطأ كلامه السابق كما بيّناه، ولذلك قال (2/131): "ثم إن أئمة الأشاعرة في العصور المتأخرة لما وقفوا على وَهن الدليلين السابقين ؟! عدلوا إلى دليل عقلي آخر، وحاصله أنَّ مِلاك الرؤية والمصحح لها أمر مشترك بين الواجب وغيره، قالوا: إن الرؤية مشتركة بين الجوهر والعَرَض، ولا بدّ للرؤية المشتركة من علة واحدة، وهي إما الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يصلح للعلية؛ لأنه أمر عدمي فتعين الوجود، فينتج أن صحة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن".
    وهذا الدليل - مع أنه لم يتم عند المفكرين من الأشاعرة - ظاهرُ الضعف؛ إذ لقائل أن يقول: إن الجهة المشتركة للرؤية في الجوهر والعرض ليس هو الوجود بما هو وجود، بل الوجود المقيد بعدة قيود، وهو كونه ممكنا ًمادياً يقع في إطار شرائط خاصة، كشف عنها العلم في تحقيق الرؤية، فإن الإبصار رهن ظروف خاصة، وادعاء كون المِلاك هو الوجود بما هو وجود غفلة عما يثبته الحسُّ والتجربة"أ.هـ.
    هذا هو كلام السبحاني وتعليقه على استدلال الأشعري العقلي.
    والحقيقة أنه قد جانب الصواب في هذا التعليق أيضاً، وذلك لما يلي:
    أولاً: إن القول بأن المصحح للرؤية هو الوجود ثابت النسبة إلى الإمام الأشعري، وليس هو من مخترعات المتأخرين، وبالتالي فلم يخترعه المتأخرون ليحاولوا تعديل فساد الأدلة التي نسبها السبحاني إلى الأشعري، فقد رأينا أن السبحاني لم يفهم حقيقة قول الأشعري وأنه نسب إليه استدلالات لا يقول بها.
    ثانياً: مع أن الأشعري يقول إن المصحح للرؤية هو الوجود، فقد اشتهر عند الأشاعرة أن الكثير منهم لم يوافقوه في هذا القول بل خالفوه فيه، وبالتالي فإن الأشاعرة أنفسهم هم الذين نقدوا كلام الأشعري ولم ينتظروا الشيخ السبحاني حتى يبين لهم ضعف هذا الاستدلال.
    ثالثاً: ولكن يبقى إدخال السبحاني العلوم المتأخرة في قوله: "كشف عنها العلم في تحقيق الرؤية .. إلخ"، فقد تبين لنا أن هذا ما هو إلا مجرد مبالغات واستعارة لبعض الألفاظ التي لا تفيد في هذا المقام، فقد علمنا أن بحوث العلم المعاصرة لم تزد على أن وضحت تفاصيل هذا الانفعال، ولكن معرفة كونه انفعالاً معلوم منذ مئات السنين، ولم يكن العلماء جاهلين بذلك القدر، والعلم بهذا القدر يكفي لبناء الأدلة العقلية كما هو معلوم.
    رابعاً: لا مدخلية للتجربة والحس ههنا في تحديد معنى الرؤية، بل يحتاج ذلك إلى نوع نظر، وتمسك السبحاني بمجرد البناء على الظاهر من الحس مصادرة على المطلوب كما قدمناه.
    ثم قال السبحاني في (2/132): "والعجب من هؤلاء كيف يدعون أن المصحح للرؤية هو الوجود مع أنّ لازمه صحة رؤية الأفكار والعقائد والروحيات والنفسانيات كالقدرة والإرداة وغير ذلك من الأمور الروحية الوجودية التي لا تقع في مجال الرؤية"أ.هـ.
    والجواب: كل ما هو موجود يصح أن يدرك بهذا المعنى الذي وضحناه لأنه علم خاصٌّ أو زيادة علم وإدراك، ولا نمنع إمكان رؤية ما ذكره، غاية الأمر أن مجال الرؤية الحاصل للمخلوقات محصور ومقيد بحدود معينة، ولكن هذا لا يستلزم الامتناع، غاية ما يستلزمه عدم رؤيتها بالفعل، وعدم الرؤية بالفعل لا يستلزم عدم الإمكان، وكلامنا أصلاً في الإمكان.
    فظهر بذلك أن لا دليل في كلام السبحاني يتم له، وكثير من كلامه مبني على مغالطات ومصادرات على المطلوب.
    وبهذا الكلام نكون قد انتهينا من مناقشة ما أورده السبحاني في مسألة الرؤية، ونفيها، وأما مناقشته للاستدلالات النقلية لمن أثبت الرؤية فسوف نذكرها في محلها إن شاء الله تعالى.[/ALIGN]


    يتبع........
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  6. سؤال للشيخ سعيد حول "النور"؟ هل هو

    فضيلة الشيخ سعيد أشكل علي أمر
    كنت أقرأ في تعليقات (للموافقات الإمام الشاطبي)لأحد المنتمين للسلفية و هو يرد على أئمتنا(أمثال الإمام النووي و المازري و اين السيد ) في شرح قوله :الله نور .....

    فهل النور كما يقول - مستشهدا بقول ابن تبمية و السعدي و ابن قيم- حسي و معنوي و أنه تعالى بذاته نور؟؟
    أريد المزيد من الإيضاح يا شيخنا.

    بالنسبة للدورة لقد أرسلت لكم رسالة خاصة
    و نفعنا الله بعلمكم

  7. #7
    [ALIGN=RIGHT]إرجاع القول بالرؤية إلى اليهود والنصارى[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY]ولم يذكر السبحاني أي دليل نقلي على عدم الرؤية ونفيها إلا من خلال مناقشته لأدلة المثبتين، ثم بعد ذلك أرجع مسألة إثبات الرؤية إلى اليهود والنصارى، وادعى أنها تسربت إلى من قال بها من المسلمين منهم، ودسُّوها عليهم فقال (2/139): "والقائلون بالرؤية من المسلمين وإن استندوا إلى الكتاب والسنة ودليل العقل، لكن غالب الظن أن القول بها تسرب إلى أوساطهم من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار والرهبان، وربما صاروا مصدراً لبعض الأحاديث في المقام وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جوازها واستدعاء الأدلة عليها من العقل والنقل"أ.هـ.
    فها هو الشيخ السبحاني يتهم من قال بالرؤية بأنه استمد ذلك من اليهود والنصارى، ويكاد يصرح، بل يصرح بأن الأحاديث التي تثبت الرؤية إسرائيليات محضة، وأن مَن أثبت الرؤية قد وقع ضحية هذه اللعبة من اليهود والنصارى حتى جعل يستدعي أدلة من القرآن.
    هذا هو تصوّر السبحاني وتصور الخليلي في كتاب الحق الدامغ كما سنرى عن أحوال الذين أثبتوا الرؤية، لم يفرقوا بين واحد منهم.
    ومن الواضح أن هذا الكلام يمكن أن ينعكس عليهم؛ لأن بعض اليهود كانوا يقولون بنفي الرؤية كما هو معلوم، فلِمَ لا يقال: إن مَنْ نفى الرؤية كان متأثراً بهؤلاء ؟! واستمدها منهم ؟! خاصة أنه لا يوجد حديث واحد ينفي الرؤية صراحة، وإن توهموا دلالة بعض الأحاديث على ذلك، كما سيأتي بيانه، مع أنه يوجد أحاديث عديدة تثبتها صراحة، ولو كانت اليهود تثبتها والإسلام ينفيها لنبه النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى ذلك، ولو ببعض الأحاديث كما نبه المسلمين على غير ذلك مما يخالف الإسلامُ فيه اليهود والنصارى.
    ثم هذه الآيات التي يستدل بها المثبتون للرؤية، هل دُسَّت دلالتها أيضاً في القرآن؟! هل يمكن القول إن اليهود استطاعوا دسَّ هذه الدلالات على الرؤية، وإن قال عنها السبحاني والمخالفُ إنها ظنية ولا تفيد اليقين، هل دسّوها أيضاً في القرآن؟!
    إننا نريد القول بأن هذا الأسلوب من مناقشة الأفكار أسلوب هابط وباطل، ولا يمكن تجويز القول به إلا بأدلة صريحة واضحة، ولا يمكن طرد ذلك في كل مسألة يحصل فيها خلاف، فيرمي كل واحد من المسلمين مخالفه بأنه يتبع اليهود والنصارى.
    وأما الأدلة النقلية التي يعتمد عليها السبحاني وغيره من النفاة، فسوف نناقش استدلالهم بها في محله.[/ALIGN]




    يتبع ......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  8. #8

    مع المعتزلة-القاضي عبد الجبار

    [ALIGN=CENTER]مع القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY]القاضي عبد الجبار من كبار المعتزلة، وكتابه هذا من أهم الكتب الموجودة الآن للمعتزلة، وسوف نناقشه في كلامه على نفي الرؤية من الناحية العقلية وما يتعلق بذلك، وأما مناقشة الاستدلالات النقلية على الرؤية ونفي الرؤية فسوف نرجئها إلى محلّها.
    قال القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة، ص232: "ومما يجب نفيه عن الله تعالى الرؤية، وهذه مسألة خلاف بين الناس، وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة إنما يتحقق بيننا وبين هؤلاء الأشعرية الذين لا يكيفون الرؤية، فأما المجسمة فهم يسلمون أن الله تعالى لو لم يكن جسماً لما صحَّ أن يُرى، ونحن نسلم لهم أن الله تعالى لو كان جسماً لصحَّ أن يُرى، والكلام معهم في هذه المسألة لغوٌ"أ.هـ.
    إذن المعتزلة يوافقون المجسمة في أصل الرؤية، أي في معناها وماهيتها، ولكن لما كان المعتزلة ينزهون الله تعالى عن الجسمية، فقد نفوا الرؤية؛ لأن الرؤية تستلزم الجسمية، ولما كان المجسمة يعتقدون الجسمية لله تعالى والحق والجهة، أثبتوا الرؤية، ومحل الاتفاق بين المعتزلة والمجسمة إنما هو على الرؤية الحسيّة المستلزمة للجهة والتحيّز والمكان للمرئي وللاتصال بالشعاع، إلى آخر ما ذكره السبحاني ووضحناه عنه.
    وقد صرَّح القاضي عبد الجبار بأن الخلاف إنما يصح بينهم، أي المعتزلة وبين الأشاعرة، ولا يصح نصبه بينهم وبين المجسمة من هذه الجهة، وأصل الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة إنما هو في المعنى الذي وضحناه سابقاً، وهو هل يمكن حصول الرؤية وهي الإدراك الزائد على العلم المتوصل إليه بالنظر العقلي، من دون اتصال شعاع ولا مقابلة، إلى آخر ذلك.
    فالأشاعرة أجازوا ذلك، لأنهم يعتقدون أن الله تعالى على كل شيء قدير، وهو فاعل مختار، يمكن أن يخلق هذا الإدراك بدون خلق ما يسبقه عادة، وذلك لأن الشروط غير المشروط، وإذا كانت الشروط عادية فيمكن عدم وجودها بالكلية مع وجود المشروط بها، هذا هو معنى الشرط العادي، وكلام الأشاعرة بناءً على ذلك صحيح لا غبار عليه، ولا تناقض فيه.
    وحاصل كلام الأشاعرة أن حقيقة الرؤية هي الإدراك الحاصل بخلق الله تعالى في المدرك، وأما الشروط التي يتكلم المخالفون عليها ويجعلونها أسباباً وعللاً للرؤية، ولا يتصورون حصول الرؤية إلا بحصولها، فإنما هي أسباب عادية يمكن تخلفها، ولا أثر لها مطلقاً في إيجاد الرؤية ولا في حصولها، بل الأمر مجرد ترتب عادي، ومعنى ذلك الترتب أن الله تعالى خلق الكون على هذا النحو من الترتيب، وعلى الإنسان إذا أراد أن يكتسب إدراك الرؤية أن يتبع هذه الشروط العادية، فهذه الشروط شروط لما خلقه الله تعالى في حركاته وسعيه، فهي عبارة عن النظام الذي ارتضاه الله تعالى للمخلوقات وعلى الإنسان أن يتقيد بها في محالِّها ليترتب له ما جعله الله مترتباً عليها، وليست هذه الشروط شروطاً لفعل الله تعالى ولا لقدرته، وحقيقة قول المعتزلة أنهم جعلوها شروطاً لنفس القدرة الإلهية، وفي هذا ما فيه من القول بتعجيز الله تعالى عن أن يخلق الرؤية بلا توسط الأسباب العادية، وإذا عرف الإنسان ذلك وصرح به، فإنه يقترب من إنكار التوحيد، فليحرص القراء على إدراك هذه المسألة بهذا النحو؛ لكي يعرفوا مدى دقة وحرص علماء أهل السنة في التدقيق في الأمور والتحقيق فيها.
    هذه كانت كالمقدمة لمناقشة القاضي عبد الجبار، ثم ذكر القاضي كلاماً فيه فوائد وفيه مصائب وبلايا، يحسن بنا أن ننبه إليه ونوضح ما فيه، قبل أن نكمل مناقشتنا لاستدلالاته العقلية.
    قال القاضي عبد الجبار ص233: "ويمكن أن نستدل على هذه المسألة بالعقل والسمع جميعاً، لأن صحة السمع لا تقف عليها، وكل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها ممكن، ولهذا جوزنا الاستدلال بالسمع على كونه حياً، لما لم تقف صحة السمع عليها"أ.هـ.
    هذا القسم الأول من كلامه، وقد صرح بهذه القاعدة التي ذكرها علماؤنا من الأشاعرة أيضاً، فقالوا: كل ما يتوقف ثبوت السمع عليه، فلا يصح الاستدلال عليه بالسمع، كوجود الله وكونه قادراً وعالماً مريداً، وقد ضبطنا هذا في حاشيتنا على صغرى الصغرى وفي ما قلناه في شرح كلام العضد على ابن الحاجب الأصولي، بما إذا كان كلامنا مع المخالفين لأصل الدين والمنكرين لرب العالمين، فلا يصح الاستدلال على وجود الله تعالى للمنكر لوجوده بقوله تعالى: "قل هو الله أحد" أو غيرها من الآيات القرآنية، لأن هذا الذي لا يعلم وجود الله أو ينكره، كيف يسلم بالقرآن الذي لا يثبت إلا إذا أثبتنا وجود الله تعالى؛ ولذلك وجب أن نستدل عليه بالعقل حال مخاطبتنا المخالفين في الأصول.
    وأما إذا كان كلامنا مع الموحِّدين، والمؤمنين، فلنا أن نستدل على قدرة الله تعالى بنفس القرآن، لأن القرآن حجة عليه وكل ما في القرآن حجة سواء كان آيات تتكلم عن أحكام عقائدية أم أحكام عملية، والفرق أن هذا الموَحِّدُ مؤمن بصدق القرآن، فيجوز الاستدلال له ومنه بما في القرآن، وكذلك يجوز الاستدلال بالإجماع على كون الله قديراً للموحدين؛ لأن الإجماع حجة نقلية، فحكمه حكم الحجج النقلية.
    وهذا التقييد من توضيحاتي التي أرجو الإصابة فيها.
    بقي ما في كلام القاضي عبد الجبار من اعتبار صفة الحياة يصح الاستدلال عليها بالسمع، فهذا خلاف ما عليه أئمتنا الأشاعرة، فالدليل عليها عقلي، فلا عالم إلا حي، ويستحيل التصديق بعالم غير حي، فهي من الصفات التي يستدل عليها بالعقل على حسب التفصيل السابق.
    ثم قال القاضي ص233: "يبين ذلك أن أحدنا يمكنه أن يعلم أن للعالم صانعاً حكيماً وإن لم يخطر بباله أنه هل يُرى أم لا، ولهذا لم نكفر مَن خالفنا في هذه المسألة لما كان الجهل بأنه تعالى لا يرى لا يقتضي جهلاً بذاته ولا بشيء من صفاته، ولهذا جوّزنا في قوله تعالى: "رب أرني أنظر إليك" أن يكون سؤال موسى عليه السلام سؤالاً لنفسه، لأن المرئي ليس له بكونه مرئياً حالة وصفة، وعلى هذا لم نجهِّل شيخنا أبا علي بالأكوان، حيث قال إنها مدركة بالبصر".أهـ.
    نعم، ما قاله القاضي عبد الجبار عن أن مسألة الرؤية لا يتوقف عليها إثبات وجود الله ولا ثبوت الشريعة، صحيح، وبناءً على ذلك، فإن المسألة تندرج من حيث الطرق التي يصح الاستدلال عليها بها في القاعدة السابقة التي وضحناها.
    ولكن تأمل في باقي كلامه، فهو يصرح بأن من لا يعرف أن الله لا يُرى، ليس بجاهل بالله العظيم؟! وهو يقصد فقط أنه لا يترتب على جهله بالرؤية الشك في كون الله تعالى صانعاً حكيماً، فهو يقول: إن من علم كون الله صانعاً حكيماً وجهل كونه يرى أو لا يُرى، فلا يعود هذا بالضرر على كونه عالماً بالله.
    وبناءً على ذلك، فهو يقول: لا ضرر من الاعتقاد بأن سيدنا موسى عليه السلام كان جاهلاً بهذا الحكم، أي كون الله لا يرى، بل ربما لا يَرى إشكالاً في اعتقاد سيدنا موسى عليه السلام جواز رؤيته، لأن ظاهر كلامه عليه السلام يدل على أنه يعتقد جواز الرؤية.
    فهذه إشكالية كبيرة يقع فيها المعتزلة، ويحاولون التملص منها بادعاء أن هذا الأمر لا يضر بكون الجاهل به عالماً بالله تعالى.
    ولكن الحقيقة الواضحة التي لا يستطيع أحد إنكارها، هي أن الجاهل بكون الله لا يُرى على حسب مذهب المعتزلة، يجب أن يكون جاهلاً بأن الله منزه عن الجسمية والجهة والحد وغير ذلك، وهذا كله داخل في التوحيد عندهم، وهو أصل من أصول الدين فيلزم جهل سيدنا موسى عليه السلام - بناءً على مذهب المعتزلة - بهذا كله.
    وهذا لازم قبيح جداً، وهم يعلمون أنه لازم لهم، ولكن يحاولون التملص من الحكم المترتب عليه بأن يقولوا: الجاهل بعدم صحة الرؤية، لا يستلزم ذلك كونه جاهلاً بالله العالم الصانع، فنقول: نعم قد لا يستلزم ذلك، ولكن يستلزم جهله بكون الله منزهاً عن الجهة والحد والمكان كما بيناه.
    وبيان اللزوم أنهم ادعوا أنه لا توجد رؤية إلا بكون المرئي في جهة وكونه ذا حدود ومكان .. إلخ، وإذا قيل إن الله يُرى، يلزم كون الله في جهة وفي مكان وله حدود، وهذا باطل، والعلم بالرؤية بالمعنى الذي يدعونه بديهي ضروري، وحسيٌّ كما صرح به الشيخ السبحاني كما نقلناه عنه.
    فيلزم إذن أن يكون موسى عليه السلام جاهلاً إما بمعنى الرؤية الضروري، أو جاهلاً بكون الله منزهاً عن الحدّ والجهة والمكان، وكلا اللازمين قبيح.
    ويبدو أن القاضي عبد الجبار يلتزم كون موسى جاهلاً من هذه الجهة، ولكن هذا عنده لا يستلزم كونه جاهلاً بالله العالم الصانع، أي بالله من حيث هو عالم صانع.
    وهذا صحيح، إذا صحّ عند المعتزلة جسم قديم خالق، وهم لا يصححون ذلك، بل ينفونه.
    ونحن نقول تحقيقا: إذا قالت المعتزلة بأن الجاهل باستحالة الرؤية لا يلزمه الجهل بالله تعالى العالم الصانع، فإننا نقول بل يلزمه على التحقيق، وذلك لأن المعتقد بصحة الرؤية عندهم ، يعتقد بأن الله تعالى جسم أو متحيز، لاستلزام الرؤية ذلك عندهم، والمعتقد بأن الله تعالى جسم، يستلزم إثبات جسم قديم أولا، وهذا قبيح. ويلزمه مخالفة ما تقرر عند العقلاء من أن الجسم لا يخلق أجساما، فالإله إذا كان جسما فيستحيل أن يخلق أجساما، ولذلك فيستحيل أن يكون صانعا، وهذا يخالف ادعاء القاضي عبد الجبار بأنه لا يستلزم إنكار العالم الصانع. بل تبين لنا أن يخالفه ويعارضه!!
    فقد اتضح إذن أن المعتزلة يلزمهم قبائح عديدة لا يستطيعون التملص منها.
    ولهذا الأمر، فقد جاء علماؤنا الأشاعرة وقالوا: إن معنى الرؤية ليس مستلزماً للحد والمكان والجهة كما وضحنا، وطلب الرؤية واعتقادها أي القول بصحتها لا يستلزم الجهل بالله تعالى، ولا إثبات الحد والجهة والحيز له جلَّ شأنه، ولا يستلزم ذلك كون سيدنا موسى عليه السلام جاهلاً مطلقاً لا بالله ولا بالأمر الضروري، بل موسى عليه السلام ما طلب إلا أمراً ممكناً ولو كان محالاً لما طلبه. وهذا الكلام والتخريج والتحقيق للمسألة بهذه الصورة لا يتم إلا بناءً على مذهب السادة الأشاعرة والماتريدية أهل السنة.
    وسوف يأتي لهذا كله مزيد توضيح عند مناقشة الأدلة النقلية، ونشرع الآن في مناقشة القاضي عبد الجبار في استدلالاته العقلية ومناقشته العقلية للمخالفين.[/ALIGN]



    يتبع..........
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. #9

    مناقشة استدلالات القاضي عبدالجبار العقلية

    [ALIGN=CENTER]استدلالات القاضي عبد الجبار العقلية على نفي الرؤية[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY]ذكر عدة أدلة على حسب اعتقاده تنفي جواز الرؤية، وسوف نذكر هذه الأدلة دليلاً دليلاً، ثم نعلق عليها وإن كان في كلامنا نوع تكرار، إلا أنا نرجو أن لا يخلو من فائدة.
    قال القاضي عبد الجبار (2/248): "دلالة المقابلة: وتحريرها أن الواحد منا راءٍ بحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، وقد ثبت أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل.
    وهذه الدلالة مبنية على أصول، أحدها: أن الواحد منا راءٍ بالحاسة، والثاني: أن الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، والثالث: أن القديم تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً ولا حالاً في المقابل"أ.هـ.
    إذن الدلالة الأولى التي اعتمد القاضي والمعتزلة عليها هي دلالة المقابلة، وهي التي أشار إليها السبحاني سابقاً، وحاصلها أن الرؤية لا يمكن أن تحصل إلا إذا كان المرئي في جهة من الرائي، وإذا لم يكن كذلك فيستحيل رؤيته، وقد بيّنا نحن على أصول الأشاعرة أن هذه الشروط أعني المقابلة والحد ..إلخ عبارة عن شروط عادية لا عقلية، بمعنى أن هذه الشروط حتى لو انعدمت فيمكن حصول الرؤية، وذلك لأنا أرجعنا الرؤية إلى قدرة الله تعالى على خلق الإدراك مباشرة في الحاسة أو في محل الإدراك، فالخالق بالفعل هو الله تعالى لا الحاسة ولا الضوء ولا غير ذلك، بل هذه عبارة عن شروط عادية يمكن تخلّفها.
    ولما اشترط المعتزلة هذا الشرط أحالوا رؤية الله تعالى؛ لأن الله ليس في جهة ولا حيز، وكون الله تعالى ليس متحيزاً ولا في جهة وافقهم عليه أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، وخالفوهم في اشتراط الرؤية بالمقابلة والشعاع واتصاله بالمرئي ..إلخ.
    فدليل المقابلة إذن لا يلزم إلا المعتزلة ومن قال بقولهم، والأشاعرة لم يقولوا بقولهم كما علمت.
    ولنكمل الآن قراءة كلام القاضي ونعلق عليه، قال: "أما الأول، فالذي يدل عليه أن أحدنا متى كان له حاسة صحيحة والموانع مرتفعة والمدرك موجود، يجب أن يرى، ومتى لم يكن كذلك استحالة أن يرى، فيجب أن يكون لصحة الحاسة في ذلك تأثير؛ لأن بهذه الطريقة يعلم تأثير المؤثرات من الأسباب والعلل والشروط.
    وأما الكلام في أن الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل، أو في حكم المقابل، هو أن الشيء متى كان مقابلاً للرائي بالحاسة أو حالاً في المقابل، أو في حكم المقابل، وَجَبَ أن يرى، وإذا لم يكن مقابلاً ولا حالاً في المقابل، ولا في حكم المقابل لم يُرَ، فيجب أن تكون المقابلة أو ما في حكمها شرطاً في الرؤية لأن بهذه الطريقة يعلم تأثير الشرط"أ.هـ.
    هذه هي طريق الاستدلال عند المعتزلة، وما يقولونه صحيح في حكم العادة فقط، أما مع ملاحظة الأدلة العقلية الدالة على أن الله تعالى خالق كل شيء، فيجب تخصيص كلامهم وتقييده بذلك، ثم إن كلام القاضي عبد الجبار مبني على وجود العلل الخارجية بين المخلوقات الحادثة، وأن هذه العلل شروط في الوجود إذا انعدمت يستحيل وجود ما يترتب عليها، وهذا هو الأصل الذي لفتنا النظر إليه في أول كلامنا مع الشيخ جعفر السبحاني، ومعلوم أن هذا الأمر، وهو الاعتراف بوجود العلل الداخلية للوجود الحادث، لا يجوز أن يعتبر بديهياً، فالأشاعرة خالفوا فيه، وبنوا نظرتهم إلى الكون على أساس نفيه وعدم القول به، ثم هذا الأصل الذي يقول به المعتزلة ومَن وافقهم ينافي كون الله تعالى خالق كلِّ شيء، فالحاصل أن من يقول بقول المعتزلة في نفي الرؤية يجب عليه أن يعلم أنه يجب أن يقول بكل هذه اللوازم والأقوال، وإلا فهو غير قائل بقول المعتزلة، بل هو موافق لهم في النتيجة فقط، وأما في المذهب المتألف من الحكم والنتيجة مع طريقة الاستدلال التي توضح حقيقة نظرتهم إلى هذا الوجود وحقيقة اعتقادهم في الله تعالى، فإذا لم يوافقهم في هذا كله فلا يصح له أن يزعم أنه موافق للمعتزلة.
    ولا خلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في كون الله منزهاً من الحد والجهة والمكان، ولذلك لا نتكلم مع القاضي فيما يتعلق بهذا المعنى، لأن محل الخلاف بالضبط أن الله مع كونه منزهاً عن الحد والمقابلة والجهة كيف يمكن حصول رؤيته.
    قال القاضي عبد الجبار ص250: "فإن قيل: أليس أن الله تعالى يرى الواحد منا، وإن لم يكن مقابلاً له ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل، فهلا جاز في الواحد منا أن يرى الشيء وإن لم يكن مقابلاً له ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل؟
    قيل له: إنما وجبت هذه القضية في القديم تعالى؛ لأنه لا يجوز أن يكون رائياً بالحاسة والواحد منا راءٍ بالحاسة، فلا يعلم أن يرى إلا كذلك"أ.هـ.
    وهذه فقرة في غاية الأهمية، وقد أورد القاضي عبد الجبار الاعتراض وأجاب عليه، ونحن سنعيد بيان هذا الاعتراض، ونتكلم على جواب القاضي.
    حاصل الإيراد سؤال وإلزام موجَّه من الأشاعرة الذين يثبتون الرؤية مع تنزيه الله تعالى عن الجهة والمقابلة، ويردون بهذا السؤال عن الزعم الذي يزعمه المعتزلة من أن الرؤية يلزمها الحد والجهة، فيقولون للمعتزلة: إذا قلتم إننا عندما نثبت رؤية الله يلزمنا إثبات كونه محدوداً وفي جهة، وأن علة هذا اللزوم هو أن الرؤية نفسها تستلزم ذلك، فيلزمكم مثل ذلك في حق الله، ألا تقولون إن الله تعالى يرى المخلوقات، ومع رؤيته للمخلوقات لا يلزم كونه في جهة منها ولا متحيزاً ولا محدوداً، فإذا صحَّ ذلك فكيف تزعمون أن الرؤية يلزمها الجهة والحدّ، وأن هذا التلازم عقلي، والتلازم العقلي لا يتخلف شاهداً وغائباً، فلماذا نراكم منعتم ذلك في حق الله وتقولون به في حق العباد.
    هذا هو حاصل السؤال، وهو قويٌّ كما ترون، وأجاب القاضي كما يلي: قال إن الرؤية الحاصلة للإنسان إنما تحصل له بحسٍّ، وأما الله تعالى فلا يرى بحاسة، ولذلك يرانا بلا لزوم الجهة والحدّ والمقابلة وغير ذلك.
    وهذا الجواب يعود بالنقض على أصل المعتزلة كما سنبين، فالمعتزلة أساساً يقولون: لا رؤية إلا بمقابلة وحسٍّ وحدّ ومكان، وهم قد نفوا ما قالته الأشاعرة من إمكان تعقل رؤية بلا هذه اللوازم، ولكنا نراهم الآن يقولون بأن الله تعالى يرى ورؤيته بلا حسٍّ ولا مقابلة.
    إذن يعترف القاضي عبد الجبار بمفهومين من الرؤية.
    الأول: رؤية بحسٍّ، أي رؤية حاصلة عن الإحساس ومقابلة وحدّ. الثاني: رؤية بلا حسٍّ، أي حاصلة بلا إحساس ولا مقابلة ولا حدّ.
    وهو يجيز تسمية المعنى الثاني رؤية، ولكنه يحصره في الله تعالى، ويقول: لا يمكن أن تحصل الرؤية للإنسان إلا بالحسّ.
    وكلامه ينبني على الفرق بين الرؤية والحس، فالحس هو سبب وآلة الرؤية عندنا ولا سبب ولا آلة للرؤية في حق الله.
    وهذا الكلام صحيح، ولكن يلزم منه هدم مذهب المعتزلة من أساسه، فإذا قالوا إن الرؤية معنى واحد، وأن الحسّ آلة لها وسبب لها للمخلوقات، فيرجع الخلاف بينهم وبين الأشاعرة إلى الأصل الكبير الذي نبهنا إليه أولاً، وهو مسألة التلازم العلي والمعلولي بين الحوادث، بحيث يقول المعتزلة: إن الرؤية لا يمكن أن تحصل وتوجد للمخلوق إلا بواسطة الإحساس.
    والحقيقة أن من يتأمل في هذا الكلام يجده ضعيفاً جداً، فإذا جزم المعتزلة أن الرؤية غير الحس، وأن الحس آلة للرؤية، وأثبتوا لله أنه يرى، إذن الرؤية يمكن أن تقع بلا حسّ ولا مقابلة.
    أليس هذا نقضاً للأصل الذي وضعوه من إحالة الرؤية إلا بمقابلة.
    إن هذا الكلام في الحقيقة وعند التأمل الصادق يُظهر كم هم المعتزلة متحكمون في استدلالهم واستنباطهم وطريقة تفكيرهم!! ويكفي العاقل الالتفات إلى هذا المعنى للحكم بضعف مذهبهم.
    ومن جهة أخرى: فإن القول بالعلل والمعلولات، أو التولد، لا يصح، ولا يقول به إلا المعتزلة ومن وافقهم، وأما الأشاعرة فلا يلتزمون به ولا يقولون به كما وضحناه.
    وأيضاً، كيف يمكن لعاقل أن يدعي صحة القول بأن الحس غير الرؤية بل هو آلتها وشرطها، ثم يثبت الرؤية لله بلا هذا الشرط، مع قوله بأن هذا الشرط عقلي، وهل العقليات تتخلف وتنقض؟!
    وما أَدْرَى المعتزلة أن الإنسان لا يمكن أن يرى إلا بالحاسة، وكيف حكموا على الله تعالى بأنه لا يقدر على خلق الرؤية في الإنسان بدون حاسة في الإنسان ولا شعاع ولا مقابلة؟! ألا يستطيع الله جلَّ شأنه أن يوجد هذا المعنى الذي سميتموه رؤيةً إلا عن طريق توسط الحسّ، أليس هذا حدَّاً لقدرة الله تعالى وتعجيزاً له؟!
    إذن يتبين لنا أن الأصول التي بنى عليها المعتزلة هذا الجواب أصول باطلة وغير مسلّمة ولا تلزم خصومهم.
    والأشاعرة لا يلزمهم مطلقاً ما يريده المعتزلة.
    فظهر قوة هذا الإشكال، وضعف وتناقض جواب القاضي عبد الجبار، أما ضعفه فبالنظر إلى المقدمات التي يعتمد عليها من التولد أو العلة والمعلول، وأما تناقضه فمع ما قرَّره المعتزلة من معنى الرؤية كما مضى.[/ALIGN]



    يتبع .......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  10. نهاية الكلام مع القاضي عبد الجبار

    [ALIGN=JUSTIFY]والمعتزلة يصرحون بأن الرؤية في المخلوق لا يمكن أن تحصل إلا بحسٍّ أي بتوسط الآلات، ووجودها بلا هذه الآلات مستحيل، والله لا يقدر على خلقها كذلك، قال القاضي ص250: "لأنا قد بيّنا أن الواحد منّا متى كانت حاسته صحيحة والمرئي بهذه الأوصاف وجب أن يراه، ومتى لم يكن كذلك لم يصحّ أن يراه، فدلا على أنه إنما يرى ما يراه بالحاسة"أ.هـ.
    وهذا الكلام أتى به لينقض كلام الأشاعرة القائلين بأن الله تعالى يخلق الرؤية في العبد مباشرة، ولو بلا توسط هذه الحواس، ويستحيل بالطبع للقاضي أن يوافق الأشاعرة على هذا وإلا هدم مذهبه كله، ولكن تناقض مع قوله بمعنى قريب من ذلك كما مرَّ في رؤية الله تعالى للمخلوقات.
    ويظهر للناظر مدى قوة استدلالات الأشاعرة عندما جعلوا كل هذه الشروط والحواس مجرد أسباب عادية، لا عقلية، بمعنى أنها يمكن أن تتخلف بإرادة الله تعالى، ومذهبهم موافق لكون الله تعالى قادراً على كل شيء، ولا يلزم عنه تعجيز لله عن خلق بعض الممكنات.
    كما لا يلزمهم مناقضة ظواهر القرآن والسنة، ولا نسبة الجهل بالله تعالى من هذه الجهة إلى أحد الأنبياء أولي العزم من الرسل.
    ثم قال القاضي عبد الجبار ص250: "ويمكن إيراد هذه الدلالة على وجه آخر لا يلزمنا هذا السؤال، فيقال: إن أحدنا إنما يرى الشيء عند شرطين: أحدهما يرجع إلى الرائي، والآخر يرجع إلى المرئي.
    ما يرجع إلى الرائي فهو صحة الحاسة، وما يرجع إلى المرئي هو أن يكون للمرئي مع الرائي حكم، وذلك الحكم هو أن يكون مقابلاً أو حالاً في المقابل، أو في حكم المقابل.
    وإذا أوردته على هذا الوجه سقط عنك هذا السؤال"أ.هـ.
    كذا قال القاضي عبد الجبار، وهو قاضي المعتزلة المشهور، وحكمه هنا باطل؛ لأن السؤال باقٍ وتغيير صيغته وإعادة ترتيب مقدماته لا يفيد، فيبقى السؤال، وهو: أن الله تعالى يرى المخلوقات، ولا يوجد حكم المقابلة ولا الجهة للمخلوقات بالنسبة لله تعالى.
    إذن فقد انخرم شرط من الشروط ولم يؤثر هذا في عدم الرؤية، وكذلك نقول: إن الرائي هنا وهو الله تعالى ليس له حاسة، إذن قد انخرم الشرطان معاً، ومع ذلك حصلت الرؤية، فهذان الشرطان باطلان.
    ولما أحس القاضي عبد الجبار بضعف كلامه هنا قال: "على أن هذا السؤال الذي أورده ينبني على أن الإدراك معنى، وسنبين الكلام في أن الإدراك ليس بمعنى إن شاء الله تعالى"أ.هـ.
    إذن هو يحاول التملص من هذا الإشكال بهذا الكلام وحاصله عدم التسليم بأن الرؤية معنى راجع إلى الإدراك، بل هو راجع إلى العلم، والاتفاق حاصل على أن الله عالم بالمخلوقات.
    هكذا يقترح القاضي أن يكون الجواب، ولكن هذا لا يزيل الإشكال، لأن هذا يستلزم أن العلم من حيثية معينة يسمى رؤية، فلماذا تنكر المعتزلة والمخالفون حصول قدر زائد من العلم الحاصل عندنا بالله تعالى، بحيث يسمى هذا القدر الزائد رؤية، خاصة وأنه قد جرى تسميته كذلك في ظواهر الكتاب والسنة، ولا يمنع منه مانع بعد أن تبين أن جميع الشروط التي اقترحوها لا تطرد لهم؟!
    وهذا الكلام يعلم صحته وقوته كل من يفهمه.
    وبعد أن انتهى القاضي عبد الجبار من الكلام على المعنى السابق، شرع في الكلام على كون هذه الشروط عادية وليست عقلية، وهو قول الأشاعرة، فلننظر كيف يحاول القاضي الردّ على هذا المذهب.
    قال القاضي عبد الجبار ص231: "فإن قيل: ما أنكرتم أن أحدنا إنما لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلاً له، أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، لأنه تعالى أجرى العادة بذلك، فلا يمتنع أن يختلف الحال فيه، فيرى القديم جل وعزّ في دار الآخرة"أ.هـ.
    وهذا وجه من وجوه استدلال الأشاعرة كما مرّ، ونزيده توضيحاً ووضوحاً، فنقول: إذا اعتبرنا أيَّ أمرين موجودين متلازمين، فهذا التلازم إما أن يكون تلازماً عقلياً يستحيل انفكاكه وقطعه، أو يكون تلازماً عادياً، غايته أنه ما دام هذا التلازم في الأزمان من دون موجب داخلي بين الأمرين الموجودين يوجب بذاته التلازم، يعني لا توجد علاقة العلية بينهما، حتى يستحيل انفصال التلازم بينهما، بل التلازم والمصاحبة حاصلة بينهما بخلق الله تعالى وإرادته، وإذا صحَّ هذا، فنقول: ما تنكرون أن تكون العلاقة والترتب المشاهَد بين الحس (المؤلف من العضو وانعكاس الشعاع عليه وكون المرئي في جهة وذا حدود) والرؤية (وهي الإدراك الحاصل عقيب الحس) مجرد علاقة مبنية على التلازم والترتب العادي، وما هو الموجب لكونها عقلية وواجبة وجوباً ذاتياً، بحيث لا يمكن انفكاكهما، أي لا يتصور حصول أحدهما إلا بحصول الآخر، فإذا كانت عادية يجوز أن يخلق الله الرؤية بلا مقابلة ولا حسّ.
    هذا هو حاصل توضيح السؤال، وهو سؤال قويٌّ كما يُلاحَظُ، فلننظر كيف يرد القاضي عليه!
    قال القاضي في ص251: "قيل له: إن ما يكون بمجرى العادة يجوز اختلاف الحال فيه، ألا ترى أن الحرَّ والبرد والثلج والمطر لما كان بمجرى العادة اختلف بحسب البلدان والأهوية، فكان يجب مثله في مسألتنا لو كان ذلك بالعادة، فيجب صحة أن يرى الشيء أحدنا وإن لم يكن مقابلاً له ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل في بعض الحالات، لاختلاف العادة"أ.هـ.
    هذا هو المقطع الأول من جواب القاضي، وحاصله أن ما بالعادة يجوز تخلفه، وهذا صحيح، بل هذا هو ما يقول به الأشاعرة في رؤية الله تعالى، ولكن حكم الجواز الذي هو من توابع العادة لا محل للاختلاف فيه، ويوجد فرق بين الجواز وبين الوقوع، أي لا يوجد فرق بين جواز التخلف لما هو بالعادة، وبين حصول هذا التخلف بالفعل، ومثال القاضي الذي أتى به أعني الثلج والمطر، يُفهم منه اشتراطه لوقوع التخلف عادة، أي كثرة التخلف كما تختلف الأحوال بين ثلج ومطر في البلدان بحسب اختلاف المناخ، ولكن كثرة التخلف ليست شرطاً مطلقاً في هذا الباب، بل الكافي في هذا المقام، هو أصل التخلف ويكفي في ذلك حصوله مرة واحدة، وهو ما يدعيه الأشاعرة، ويقولون به في رؤية الله تعالى، وفي رؤية النبي عليه السلام من ورائه كما يرى مِنْ أمامه، ثم فوق هذا نقول: لو وقع التخلف مرة واحدة، فهذا يدل على أن التلازم عاديٌّ، هذا صحيح، فالوقوع دليل الإمكان، ولكن لا يصح مطلقاً أن يقال إن التخلف إذا لم يقع ولا مرة واحدة، فهذا دليل على عدم الإمكان، أي دليل على كون الأمر ليس بالعادة بل التلازم واجب ولا يتصور انفكاكه، بل غاية ما يمكن أن يقال هنا: إن الإمكان دليله العقل مطلقاً، وهذا هو المقصود بأن الترتبات كلها عادية، وقد اكتفينا بملاحظة التخلف في بعض الحوادث منها، ولم نحتج إلى رؤيته في كل نوعٍ نوعٍ من أنواع الحوادث، وأيضاً فلما دلَّ العقل على أن الله تعالى خالق كل شيء بلا واسطة، كان هذا الدليل العقلي العام دليلاً على أن كل ارتباط بين موجودين حادثين فهذا الارتباط حاصلٌ بإرادة الله، وليس بالإيجاب، وما دام حاصلاً بإرادته جلَّ شأنه صحَّ أن يوجِد أحدَهما دون أن يوجِد الآخر.
    وقد يقول قائل: كيف يفهم كلام القاضي اشتراطه الوقوع للتخلف للحكم بكونه بالعادة، قلنا: تأمَّل رحمك الله في بقية كلامه وها هو، فقد قال: "بل كان يجب أن يرى المحجوب كما يرى المكشوف، ويرى البعيد كما يرى القريب، ويرى الرقيق كما يرى الكثيف، ومتى ارتكبوا هذا كله، فالواجب أن يرى المحجوب كما يرى المكشوف، ومعلومٌ خلافه"أ.هـ.
    فهذا الكلام صريح في اشتراطه التخلف ووقوعه بالفعل أكثر من مرة، بل كلامه السابق يدل على هذا، فهو قال: "فيجب صحة أن يرى الشيء أحدنا ... في بعض الحالات لاختلاف العادة"أ.هـ. ولو كان يريد به الإمكان فقط، لما قال في بعض الحالات؛ لأن الصحة ثابتة في جميع الحالات التي يكون الارتباط فيها بالعادة، وليس في بعض الحالات، أما الواجب عنده في بعض الحالات فهو الوقوع أي وقوع التخلف.
    ولو قَصَد الصحة، فتقييده للصحة في بعض الحالات فقط مشكلٌ جداً، لأن الصحة حكم عقلي، وتقييده لها ببعض الحالات دون بعض تخصيص للحكم العقلي، وتخصيص الحكم العقلي لا يصح، بل يعود على وصفه بالعقلي بالبطلان.
    فيتحصل لنا على جميع الحالات أن القاضي عبد الجبار لا يخلو كلامه من ضعف وتناقض.
    ثم قال القاضي عبد الجبار بعد ذلك ص251: "فإن قيل: ما أنكرتم أن ذلك من باب ما تستمر العادة به، كما في حصول الولد من ذكر وأنثى، وكطلوع الشمس من مشرقها وغروبها من مغربها، وكحصول كل جنس من الحيوانات من جنسه، وكتاب الزرع وما يجري هذا المجرى"أ.هـ.
    وهذا الاعتراض والسؤال الذي ذكره القاضي على لسان الأشاعرة صحيح تماماً، فالعادة تصح أن تختلف ولا يشترط تخلّفها للحكم عليها بأنها عن طريق العادة، أو على أنها عادة، ولا يشترط حتى تخلفها مرة واحدة، ولكن لو تخلفت مرة واحدة، فتخلفها هذه المرة يكون دليلاً على كون التلازم والتصاحب بالعادة، ووقوع التخلف دليل الإمكان أي دليل العادة هنا، ولا يشترط لمعرفة الإمكان وكون الحكم عادياً وقوع التخلف، فالإمكان والعادة عبارة عن حكم عقلي عام، وكلي مبني على قانونٍ عامٍ ذكرناه، وهو أن الله تعالى هو الفاعل المختار بلا واسطة ومبني على أن لا طبيعة من الطبائع توجد بذاتها ولا علة ولا معلول في الموجودات الحادثة كما مرَّ أكثر من مرة، وهذا حكم عقلي يستدل عليه بقواعد عقلية عامة، وإن أمكن الكشف عنه أيضاً بحصول التخلف، فهذا توجيه الاعتراض والسؤال، ولننظر الآن في جواب القاضي عبد الجبار، فقد قال في ص251: "وجوابنا، أنا لم نوجب فيما طريقه العادة أن يختلف الحال من كل وجه، بل إذا اختلف من وجه واحدٍ كفى، وما من شيء من هذه الأشياء التي ذكرتها إلا والحال فيه مختلف على وجه، ألا ترى أن الولد قد يحصل لا من ذكر وأنثى فإن آدم عليه السلام خلق لا من ذكر وأنثى ، وعيسى عليه السلام خلق لا من ذكر، وفيما بيّنا فما من ولد إلا والحال فيه بخلاف الحال في غيره، فواحد يولد تاماً والآخر يولد ناقصاً، فكان يجب مثله في مسألتنا حتى يصدق من أخبرنا أنه شاهد ما ليس بمقابل له ولا حالّ في المقابل ولا في حكم المقابل، أو شاهد أقواماً يشاهدون الأشياء من دون أن تكون على هذا الوجه أو ما يجري مجراه، وقد علم خلافه"أ.هـ.
    هذا هو جواب القاضي، وكما ترى فهو يشترط للحكم بكون الشيء على العادة لا على سبيل العلة والمعلول، أن يحصل التخلف ولو مرة، أو يختلف حاله من حال إلى حال، أو من وجه دون وجه.
    أما اشتراطه التخلف ولو مرة للحكم يكون التلازم عادياً، فقد بيّنا بطلان هذا الشرط وعدم صحته، لأن الحكم العادي صحيح أنه ما يعرف بتكرر الحس على العادة، ولكن نفي التلازم العقلي ونفي العلية والمعلولية المدعاة من طرف المخالفين، لا يتوقف على العادة، بل يستند إلى أدلة عقلية تامة، وهي التي أشرنا إليها سابقاً.
    فظهر من هذا أن اشتراط التخلف ولو مرة واحدة، شرط باطل.
    وأما اشتراطه الاختلاف من وجه دون وجه، فلم يأتِ بدليل على أن رؤية كل واحد مساوية من كل الوجوه لرؤية الآخر، فما أدراه أن واقع الحال أن الرؤية تختلف من بعض العوارض والجهات والوجوه، وكما يولد بعض الناس ناقصين، فكذلك يوجد من يرى الشيء على غير وضعه كالأحول، ومن يراه على غير لونه الذي يراه عليه غيره، كمن عنده مرض الألوان، وتوجد أحوال متعددة للرؤية، تجعلنا نحكم باختلافها على سبيل الإجمال من حال إلى حال، ومن إنسان إلى إنسان.
    على أن هذا أيضاً ليس هو الشرط في معرفة كون التلازم عادياً، بل الشرط ما عرفناه سابقاً، وهذا الذي يدعيه القاضي لا يشرط.
    وأيضاً نضيف، فنقول: إذا جاز نسبة الرؤية إلى الله تعالى، أي إذا جاز القول بأن الله تعالى يرانا، وهو ليس بجهة منا ولا نحن بجهة منه، فهذه الحالة كافية للدلالة على كون هذه الشروط الحسية التي يدعيها المعتزلة، شروطاً عادية لا شروطاً عقلية، وإلا فلينفوا كون الله رائياً للمخلوقات؟! فيلزمهم إذا فعلوا مناقضة الكتاب العزيز.
    ويُضاف إلى ذلك ما وَرَدَ في الأحاديث من أننا سنرى الله يوم القيامة، أي أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وقطعاً نعلم بأنهم يرونه بلا جهة ولا حدّ ولا مقابلة، فكما يعلمونه بلا حدّ يرونه كذلك.
    وسوف نورد أكثر من هذه الشواهد الدالة على ثبوت الرؤية بلا حدّ ولا جهة ولا مقابلة ولا اتصال حسّي.
    وبهذا التحليل، يُعلم قطعاً أن استدلالات القاضي عبد الجبار غير تامة ولا كافية، بل يسودها الاختلال كما بيّنا.
    وقد يقول قائل: لا يصح الانتقال من مفهوم الرؤية عند إطلاقه على الإنسان المخلوق، إلى الرؤية عند نسبتها إلى الله، فهذا قياس والقياس لا يصح.
    والجواب: إن الذي يخالفنا يسلم أن مفهوم الرؤية واحد، وأن لها أحكاماً خاصة إذا نسبت إلى المخلوق، وهذه الأحكام إذا كانت خاصة بالرؤية من حيث ما هي رؤية يجب نسبتها إلى الخالق، والقول باشتراط هذه الشرائط له، وهذا باطل اتفاقاً، وإلا فقد حصل البرهان على أن هذه الشرائط ليست لذات الرؤية، فتأمل.[/ALIGN]



    يتبع ......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  11. [ALIGN=JUSTIFY]قال القاضي عبد الجبار ص252: "فإن قيل: ما أنكرتم أن الواحد منا إنما لا يرى إلا ما كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، الأمر يرجع إلى المرئي لا إلى الرائي.
    قيل له: هذا الذي ذكرته لا يصحّ، لأنه كان يجب في القديم تعالى أن لا يرى هذه المرئيات لفقد هذا الحكم فيه، والمعلوم خلافه" أ.هـ.
    وتوضيح هذا الإشكال، ولا أراه يتسق مع أصول الأشاعرة، أن الواحد إذا رأى بعض الأمور الموجودة، ولم يَرَ بعضها الآخر، فلم لا يكون السبب في عدم رؤيته للقسم الثاني هو أمراً راجعاً إلى نفس هذا القسم، فربما كانت تتصف بصفة تمنع رؤيتها.
    فأجاب القاضي عبد الجبار: إذا كان هذا السبب صحيحاً في عدم رؤيتنا لبعض هذه الأمور التي لا نراها، فيلزم أن يكون هذا السبب مانعاً مِن كل رؤية، لا مانعاً من رؤيتنا نحن فقط لها، بل يلزم أن يكون سبباً للمنع من أن يراها الله تعالى أيضاً، ولكن الله تعالى يرى كل شيء، إذن لا يصحّ أن يكون السبب في منع الرؤية من نفس المرئي.
    والحقيقة أن هذا الجواب صحيح، ولكنه أقرب إلى أصول الأشاعرة من أصول المعتزلة، لأن السبب عند الأشاعرة في عدم رؤيتنا لبعض الموجودات هو أن الله تعالى لم يخلق فينا رؤيتنا، فلم يرجعوا السبب في منع الرؤية إلى المرئي، بل إلى إرادة الله تعالى.
    والذي أردناه من هذه المناقشة ههنا إنما هو بيان كيف أن القاضي عبد الجبار يقيس رؤية الله على رؤيتنا، ويقول: المانع الذي يمنع رؤيتنا للأشياء إذا كان في نفس الأشياء، فينبغي أن يكون مانعاً لرؤية الله تعالى لنفس هذه الأشياء، وهذا منه خروج عن أصول مذهبه الذي ينصره، أو هو جريٌ منه مع الجواب الحق، الذي يوافقه عليه الأشاعرة، ولكن لو قال القاضي عبد الجبار بهذا الجواب فعلاً على المعنى الذي قلناه، يلزمه أن ينقض أصول مذهبه بالكلية، أقصد أنه ينبغي أن ينقض كون الشروط التي جعلوها للرؤية وهي المقابلة والتحيز والشعاع ..إلخ، شروطاً عقلية، بل هي شروط عادية، وما هو مانع عندنا مانع عند الله تعالى، وهو لازم باطل.
    والسبب في هذا الإلزام أنه قاس رؤية الله على رؤيتنا من جهة الموانع.
    ثم قال في ص252: "فإن قيل: إنا نرى القديم تعالى بلا كيف كما نعلمه بلا كيف، ولا يحتاج إلى أن يكون مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل.
    قيل له: إن هذا قياس الرؤية على العلم من دون علة تجمعها، فلا يصح.
    فإن للعلم أصلاً في الشاهد، وللرؤية أصلاً، فيجب أن يرد كل واحد منهما إلى أصله، فالعلم من حقه أن يتعلق بالمعلوم على ما هو به، ولهذا يتعلق بالموجود والمعدوم والمحدث والقديم، فإن كان معدوماً علم معدوماً، وإن كان موجوداً ، وكذلك الكلام إذا كان محدثاً أو قديماً، وليس كذلك الرؤية فإنها لا تتعلق إلا بالموجود، ولهذا لا يصحّ في المعدوم أن يُرى" أ.هـ.
    هذا سؤال صحيح على مذهب الأشاعرة، وحاصل معناه: إذا كانت الرؤية نوعاً من الكشف، أي أن الرؤية يتم بها الكشف عن المرئي من حيثية معينة، فمن أين يلزم القول إننا إذا رأينا الله تعالى فيجب أن نراه في جهة وذا حد ومقابلة .. إلخ، فالرؤية تكون فيها حدود إذا كان المرئي محدوداً وفي جهة، وأما إذا كان غير محدود ولا في جهة ولا مقابلاً، فإنه يُرى كذلك، وهذا كالعلم، فالإنسان يعلم بالنظر وبالفكر وبأسباب خاصة، ولكن الله تعالى يعلم لا بنظر ولا فكر، فرؤية الإنسان تكون نتيجتها إدراك محدود، لأن المدرَك نفسَه محدود، وأما رؤية الله فلا يكون لازمها كشفاً عن محدود؛ لأن متعلق الرؤية ليس محدوداً.
    هذا هو حاصل السؤال، وقد أشار الإمام ابن فورك في مجرد مقالات الأشعري إلى أن الإمام الأشعري كان يستعمل هذه الطريقة في الردّ على المخالفين، فقال نقلاً عن الإمام الأشعري وتوضيحاً لطريقته في المجرد ص90: "وكان يقول: إنَّ ردَّ حكم المرئي إلى المعلوم لا من حيث إن حكم المرئي حكم المعلوم من كل وجه، ولكن النافين للرؤية يسلكون في نفيها طرقَ الاعتبار بالمرئيات في الشاهد، وأرادوا أن يسوّوا بين المرئيين في الشاهد والغائب في الأحكام والأوصاف التي عليها المرئيات في الشاهد، فأراهم أن ذلك لو كان اعتباراً صحيحاً لوجب مثله في المعلومات، وكل ما فصلوا به بين المعلومَيْن في الشاهد والغائب، فصل بمثله بين المرئيين، وكثيراً ما يستدل ابتداءً بمثل هذه الطريقة في أنه إما نفيٌ أو إثباتٌ، إجازة أو إحالة، فالإجازة ما قلنا، والإحالة لا تخلو من هذه الوجوه التي تنتقض بما ذكر في المعلوم، وكذلك كان يقلب في الرائي والعالم وسائر أوصاف المرئي مما خالف فيه الشاهد الغائب" أ.هـ.
    يعني أن المعتزلة عندما يسوّون بين الرؤية في الشاهد والرؤية في الغائب من كل وجه، فيلزم عندهم وجوب نفي رؤية الغائب، فيلزمهم مثل ذلك في التسوية بين العلم في الشاهد والعلم في الغائب، فجيب أن يلزمهم نفي العلم في الغائب، ولكن نفي العلم في الغائب محال، إذن نفي الرؤية في الغائب ليس صحيحاً أيضاً.
    ونبّه الإمام الأشعري أنه لا يوجد تساوٍ تامٌّ بين أحكام الرؤية وأحكام العلم، ولكن يمكن قلب المسائل على المعتزلة باستخدام العلم.
    والآن وبعد أن وضحنا شيئاً من وجه الدلالة في هذا السؤال، فلنقرأ معاً كلام القاضي عبد الجبار في الرد على هذا الإشكال الوارد على المعتزلة، وحاصل جوابه محاولة الفرق بين العلم والرؤية، واعتبار الرؤية أصلاً مستقلاً لا يشترك مع العلم في شيء مطلقاً، بحيث لا يصح بعد ذلك القياس بينهما.
    ولكن الصحيح أن الجهة التي نبه إليها الأشعري والتي بنى عليها القياس يصح فيها المقايسة بينهما، وهذه الجهة هي أن العلم في الشاهد له أحكام خاصة، ككونه حادثاً وبأسباب خاصة كالنظر، ويقبل الزيادة والنقصان، ولكن العلم في الغائب لا يصح كونه كذلك، إذن نحن فرَّقنا بين أحكام العلم في الشاهد وفي الغائب، وهذه التفرقة متفق عليها، هذا هو الأصل الأول.
    وبناءً على ذلك، لو سلمنا أن الرؤية شاهداً تشرط بالمقابلة والاتصال بشعاع وكون المرئي محدوداً، فإن أثبتناها في الغائب كذلك، لزمنا إثبات صفات لا يصح إثباتها لله تعالى، كالحدِّ وغيره من صفات الأجسام، إذن فلم لا نثبتها غائباً مع نفي هذه الشروط، كما فعلنا بخصوص العلم.
    فهذا الوجه من المقايسة صحيحٌ كما ترى.
    وقد يقول قائل: فلماذا نثبت الرؤية غائباً من الأصل؟
    والجواب: لأنها وردت بالأحاديث ودلَّت عليها آيات القرآن، ولا موجب لصرفها عن ظاهرها، فلو لم ترد، لم نثبتها؛ لأن دليل وقوع الرؤية سمعي عندنا.
    ولاحظ أنه على هذا القياس لا يلزم مطلقاً التسوية بين جميع أحكام الرؤية وحقيقتها وبين أحكام العلم وحقيقته تسوية تامة، وهذا واضح.
    وأما كلام القاضي على الحاسة السادسة بعد ذلك فلا نخوض فيه لعدم الدليل فيه، والله أعلم.
    وبهذا نكون قد ناقشنا جميع الوجوه التي أتى بها القاضي عبد الجبار في دلالة المقابلة، وبيّنا بطلان هذه الدلالة وعدم قوتها، بل وتناقض بعض أركانها مع بعض ما يقول به المعتزلة.
    بقي مناقشة دلالة الموانع:[/ALIGN]


    يتبع ....
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  12. تكملة الرد على القاضي عبد الجبار

    [ALIGN=CENTER]دلالة الموانع:[/ALIGN]
    [ALIGN=JUSTIFY]هذه الوجوه ذكر فيها القاضي عبد الجبار دلائل استدلوا بها على نفي الرؤية، وهي قائمة أساساً على امتناع الرؤية لموانع كما يفهم من اسمها، وسوف يتبين لك حقيقة هذه الدلالة أثناء مناقشتنا لتفاصيلها كما فعلنا في دلالة المقابلة، وتوضيحها بمعنى آخر، إن الرؤية تكشف عن الشيء كما هو في ذاته، والقديم حاصلٌ على ما هو عليه في ذاته، فما المانع من أن يُرى؟!
    هذا هو السؤال الأساسي الذي تدور عليه هذه الدلالة، أو تدور على الجواب عليه، وحاصل السؤال أنا إذا قلنا: الرؤية تكشف عن الشيء كما هو حاصل في ذاته، والله جلّ شأنه له ذات منزهة عن الأمكنة والحدود والمقابلة، فلم لا نقول: الرؤية تكشف عن ذاته منزهة عن الجهة والحد والمقابلة، بل هذا هو الأصل الذي يجب القول به، ومن لم يقل به فإنما صرفه عنه سبب مانعٌ، أو معنى ادعى ثبوته يمنع من رؤية الله تعالى.
    قال القاضي عبد الجبار جواباً عن هذا ص253: "وما لا يُرى، ينقسم إلى ما لا يُرى لمنعٍ، وإلى ما لا يُرى لاستحالة الرؤية عليه، والقديم تعالى إنما لا يُرى لاستحالة رؤيةٍ عليه لا لمنعٍ" أ.هـ.
    هكذا أجاب القاضي على السؤال الأصلي، ومن الظاهر أن هذا ليس جواباً، بل مجرد دعوى، مقابلة للأصل الذي ذكرناه، وهو المبني على أن أصل الرؤية منسوبةٌ إلى الله تعالى، فلا يصحّ نفيها إلا لموجب، ولا يوجد موجب يدفعها، أو مانع يمنع منها، فلم يزد القاضي على أن قال: "إن الله تعالى لا يُرى لأنه لا يمكن رؤية". ومعلوم أن التعليل الذي جاء به وهو قوله: "لا يرى لاستحالة رؤيته"، هو عين الأصل الذي حصل فيه الخلاف، وهو عين دعوى المعتزلة التي لا يسلمها الأشاعرة لهم، والدعوى لا تكون دليلاً، بل هي محتاجة إلى دليل، والاستدلال على الدعوى بنفس الدعوى مصادرة على المطلوب.
    وقد يقول قائل: بل كلام القاضي دليل، لأنه مبني على استقراء أو مقسمة للأشياء إلى ما يرى وإلى ما لا يرى، وما لا يُرى إما أن لا يُرى لمانع، او لاستحالة رؤيته، وهذا دليل. فالجواب: هذا عين الدعوى، أو جزءٌ منه كذلك، أعني الاحتمال الأخير الذي هو ما يستحيل رؤيته، فهو محل الخلاف، فظهر أن دليل القاضي مصادرة على المطلوب.
    ثم قال القاضي ص253: "فإن قال: ما في هذه الدلالة إن أحدنا لا يرى الله عز وجل، فمن أين أنه ليس بمرئي في نفسه؟
    قلنا: كل مَن قال: إن أحدنا لا يَرى القديمَ تعالى، قال إنه ليس بمرئي في نفسه"أ.هـ. كذا قال، ومن الظاهر أن القاضي لاحظ في جوابه السابق وجه النقص والضعف الذي أبرزناه، ولذلك جاء بهذا القيل، وهو ما الدلالة على استحالة رؤية الله تعالى في نفسه؟
    فأجاب بجواب، ليس بجواب في الحقيقة، فإنه قال: بما أننا كلنا أي كل واحد فينا، يقول إنه لا يرى الله تعالى، فهذا يدل على أن الله تعالى ليس بمرئيٍّ في نفسه، هذا هو الاستدلال الذي يتعلق به القاضي، وهو لعمري من أغرب الاستدلالات، فمن أين يدلُّ عدم حصول الرؤية لنا أو لكل واحدٍ منا، على استحالتها في نفسها، غاية ما يدل عليه عدم حصولها لنا، أما أنها في نفسه تكون مستحيلة، فلا. وإلا يلزم بأن الله تعالى لا يرى نفسه، وهذا باطلٌ، فإذا جاز أن يرى الله غيره، هل يستحيل أن يرى نفسه؟! كيف يصح هذا الاستدلال الذي يتعلق به القاضي.
    وبما أنه ظهر أن رؤية الله ليست مستحيلة في نفسها لرؤيته نفسَه العليَّة، ثبت أن أصل رؤيته جائز مطلقاً وهو المطلوب.
    وهل يمكن أن نقول على منوال طريقة استدلال القاضي: كل من قال إن أحدنا لا يرى البروتونات والإلكترونات، قال: إن الإلكترونات غير مرئية في نفسها، ويمكن أن نصوغ لوازم كثيرة ظاهرة البطلان على هذا النهج، فيتبيَّن لنا بكل وضوح ضعف هذا الاستدلال.
    ولضعف هذه الدلالة التي ذكرها القاضي عبد الجبار على استحالة رؤيته في نفسه، ساق دليلاً آخر على ذلك، فقال ص253:
    "دليل آخر: وهو أن القديمَ تعالى لو جاز أن يُرى في حال من الأحوال لوَجَبَ أن نراه الآن، ومعلوم أنا لا نراه الآن.
    وتحرير هذه الدلالة هو أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لو رأى المرئي لما رأى إلا لكونه عليها، والقديم سبحانه حاصل على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها، والموانع المعقولة مرتفعة، فيجب أن نراه الآن، فمتى لم نَرَه، دلَّ على استحالة كونه مرئياً"أ.هـ.
    وهذا الدليل في الحقيقة عبارة عن صيغة أخرى للدليل السابق، وحاصله لو صحَّ أن نرى الله لوجب أن نكون قد رأيناه، ولكن لما لم تقع رؤيته، فلا تصح رؤيته.
    وهذا استدلال بعدم الوقوع على عدم الإمكان، وهو استدلال باطل كما هو معلوم، والاستدلال إنما يصح بالوقوع على الإمكان، لا بعدم الوقوع علىعدم الإمكان.
    ولم لا يفترض القاضي عبد الجبار ومعه المعتزلة أن هناك مانعاً منع من رؤية الله تعالى، فعلى هذا القول بالعلية والمعلولية، لم لا يكون المانع هو عدم الاستحقاق وعدم القابلية لحصول الرؤية فينا ونحن على هذه الحالة في الحياة الدنيا، وأما على مذهب الأشاعرة، فالرؤية جائزة في الدنيا وفي الآخرة، ولكن الله تعالى أراد أن تقع الرؤية في الآخرة للمؤمنين، وأراد أن لا تقع في الدنيا لأحد غير النبي – صلى الله عليه وسلم – على القول بأنه رأى الله تعالى، وهو خلاف مشهور بين الصحابة، فابن عباس أثبت رؤية النبي عليه السلام لربه، والسيدة عائشة أثبتت أنه لم يره.
    وبناءً على هذا الكلام، يتبين لنا أن دليل القاضي المعتزلي ليس يصحُّ ولا يقوى على نفي الرؤية وإثبات استحالتها.
    ثم شرع القاضي عبد الجبار في الاستدلال لمقدمات هذا الدليل، ولم يزد في المعنى الذي ذكرناه، ولكن ذكر بصريح عبارته أن "حصول الرؤية عندهم بناءً على صحة الحواس وعدم الموانع، هو من قبيل الشروط، والأسباب والعلل". وهذا الكلام يؤكد الأصل الكبير الذي وضحناه نحن في أول هذه الرسالة وقررنا أن مسألة الرؤية تنبني عليه عند المنكرين لها، وهو ثبوت علاقة العلية والمعلولية بين الموجودات الحادثة، وهذا الأصل ينكره الأشاعرة ويُرْجعون جميع الحوادث إلى الله تعالى مباشرة بلا واسطة، وقد مضى هذا المعنى أكثر من مرة.
    وأما باقي ما قرره القاضي عبد الجبار في الموانع المفترضة ورده عليها، فكل أجوبته يعتمد فيها على الأصول التي بناها سابقاً، ولذلك لم نرَ أن نخوض معه في بقية كلامه لكفاية ما مرَّ، خاصة بعد أن بيّنا الردود والأجوبة على استدلالاته.
    وبذلك يكون قد اتضح لدينا ضعف أدلة المعتزلة العقلية في هذه المسألة، وهي تدور على نفس الأصول التي يقول بها الشيعة كما نبهناك سابقاً، بل ويشترك معهم فيها الزيدية والإباضية كما سنرى.[/ALIGN]


    يتبع......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  13. شكر وثناء

    جزاك الله خيرا أيها الشيخ المهندس على ما أتحفتنا في هذا المقام .
    وزادك الله من فضله ، ورزقك من نعيمه .
    وإني لما كتبته : لقرير العين ، مسرور الفؤاد ، ثلج الصدر .
    فاستزد من العلم ولا تكل ، وسر على طريق البحث ولا تمل .
    واستعن بالله تعالى صباحا ومساءا ، فهو عون من استعانه ، وهو كافي من استنجد به ، وهو ناصر من قصده .
    بارك الله فيك ، ونفع بك ، وأيدك .
    قس على نفسك قياسك على غيرك

  14. مناقشة الزيدية في الرؤية

    [ALIGN=CENTER]مناقشة كلام الزيدية في مسألة الرؤية[/ALIGN]


    [ALIGN=JUSTIFY]إن كتاب شرح الأساس الكبير للشيخ أحمد الشرفي من أشهر كتب الزيدية، وسوف ننقل فيما يلي كلامه في هذه المسألة ونناقش ما فيه، قال في (2/433):
    "فرع آخر يتفرع على كونه تعالى لا يشبه شيئاً، قالت (العترة جميعاً وصفوة الشيعة) من الزيدية (والمعتزلة) وغيرهم كالخوارج والمرجئة وغيرهم (والله سبحانه لا تدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة)؛ وذلك (لأن كل محسوس) أي مُدْرَك بأي الحواس الظاهرة إما بالبصر أو بالسمع أو بالشمّ أو بالطعم أو اللمس (جسم أو عرض)، وكل جسم أو عرض (محدث) لما مرّ من الأدلة على حدوث الأجسام والأعراض واستحالة أزليتها، وكونه تعالى ليس بمحدث لما مرّ من الأدلة على كونه تعالى لا أول لوجوده (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم).
    وأيضاً لو صحَّ أن يرى الله تعالى عن ذلك لاختص بجهة من الجهات ومكان من الأمكنة والله يتعالى عن ذلك، إذ كان سبحانه ولا مكان ولا جهة ولا زمان" أ.هـ.
    والمطلع على علم الكلام يعرف تماماً أن كثيراً من آراء الزيدية أخذوها من المعتزلة، فسوف نعلم أيضاً أنهم لن يأتوا بأدلة جديدة زيادة على ما جاء به المعتزلة، وهذه الفقرة تدل على ذلك، فهم يجعلون التلازم عقلياً بين الرؤية وبين الحسّ المستلزم للمماسة والجهة والحدّ، وقد مضى الكلام على بيان أن هذه الشروط ليست شروطاً عقلية بحيث يتقيد بها فعل الله تعالى أيضاً، بل هي عبارة عن شروط عادية يمكن تخلفها كما مضى بيانه.
    وكلامه صحيح تماماً عن التلازم بين كون الله جسماً وكونه حادثاً؛ لأن كل جسم حادث، ولكن ليس هذا محل الخلاف، بل موضع الخلاف في أن الرؤية هل يشترط فيها تلك الشروط أم لا.
    وتنزيه الله تعالى عن الزمان والمكان صحيح مطلقاً.
    ثم قال ناقلاً عن الإمام الأشعري: "وروي عن أبي الحسن علي بن أبي بشر الأشعري أنه قال: يدرك بجميع الحواس فيشمّ ويسمع ويحسّ، ولم يقل بذلك غيره" أ.هـ.
    وهذا الكلام ليس صحيح النسبة إلى الإمام الأشعري، لأن مراده منه أن الله تعالى على مذهب الأشعري يجوز أن يلمس ويمسّ ويحسّ بالحواس الخمس، وهذا باطل كما لا يخفى على أحد، ولكن الإمام الأشعري قد يصح على مذهبه أن يخلق الله تعالى العلم به في أي جزء حي من الإنسان بلا مماسة بين الله وبين ذلك الجزء، فإذا سمي ذلك إحساساً، فالإطلاق غلط والمعنى صحيح، إذن كما يخلق الله تعالى العلم به في الدماغ فتدركه النفس، فيمكن أن يخلقه في العين فتدركه النفس فيسمى رؤية وهكذا، وهذا مبني على عدم اشتراط البنية للعلم، وهي مسألة من دقيق الكلام.
    ثم قال (2/433): "وقالت (الأشعرية: بل يرى في الآخرة بلا كيف) أي لا تكييف ولا إشارة إلى جهة من الجهات لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا خلف ولا قدام، قلنا: (لا يعقل) قولهم هذا، فبطل ما زعموه" أ.هـ.
    وقال (الرازي: معناه) أي معنى قولهم أنه يرى في الآخرة بلا كيف (معرفة ضرورية وعلم نفسي بحيث لا يشك فيه)، أي يعلم علماً ضرورياً، حينئذٍ قال عليه السلام (فالخلاف حينئذٍ) أي حين فسره الرازي بما ذكر إذا كان مرادهم ذلك (لفظي) أي في اللفظ والعبارة، والمعنى واحد، وهو أن الله سبحانه لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير" أ.هـ.
    يريد المؤلف هنا أن يُفرِّق بين رأي الإمام الأشعري وبين رأي متأخري الأشعرية، أو بين رأي المتقدمين منهم والمتأخرين، فزعم أن الأشعري يقول بأن الله يُدْرِكُ بالحواس كلها على النحو السابق، وزعم هنا أن رأي الأشعرية غير رأيه، وأن رأيه غير رأيهم، وهذا الزعم باطل كما رأينا، فإن الإمام الأشعري لا يقول بالحواس والمماسة لله تعالى، وكذلك يقول الأشاعرة، فكان اللائق بالمؤلف أن يورد القول واحداً بلا تمايز بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة، ولا فرق بين الأشعري وبين الأشاعرة، ولكن هذا الصنيع الذي قام به المؤلف هنا رأينا الشيخ جعفر السبحاني يشير إليه، وكذلك ابن تيمية في كتبه يزعمه ويدعيه، وهم جميعاً يزعمون ذلك بلا دليل، ولا بيّنة ولا برهان، بل هذا محاولة منهم لإظهار الأشاعرة منقسمين على أنفسهم لا يوجد رأي واحد يجمعهم، وأن متأخريهم يخالفون المتقدمين منهم، وكل هذه المزاعم باطلة لدى أدنى نظر، فلا ينخدعنَّ بها القارئ.
    وعلى كل حال، فالمؤلف لما نقل كلام الإمام الرازي بأن حقيقة الرؤية هي معرفة ضرورية، وهو حقيقة وتحقيق رأي الأشعري والأشاعرة جميعاً، قال بأن الخلاف حينئذٍ لفظي مع الأشاعرة، والتصريح بأن الخلاف لفظي فيه إنصاف بعد الظلم الذي أظهرنا وقوعَ المؤلف فيه.
    ولنبين جهة الخلاف بالضبط، فقد سبق أن نقلنا عن القاضي عبد الجبار قوله بأن الخلاف إنما هو مع الأشاعرة، حتى زعم أنه لا خلاف بينهم وبين المجسمة، ونرى الشرفي ههنا يقول الخلاف مع الأشاعرة لفظي.
    وتحقيق المقام أن هناك مسألتين:
    الأولى: مفهوم الرؤية وشروطه، والخلاف بين الأشاعرة وبين غيرهم من المعتزلة ومن وافقهم حقيقي معنوي؛ لأن المعتزلة يزعمون استحالة الرؤية إلا بالحاسة والمقابلة والحدّ، والأشاعرة يقولون: إن الرؤية يمكن أن يوجدها الله تعالى مباشرة في النفس أو العين، فتدركها النفس ولو بلا توسط شعاع ولا كون المرئي محدوداً ومقابلاً.
    والثانية: رؤية الله تعالى، فالاتفاق حاصل في هذه المسألة بين الأشاعرة والمعتزلة ومن وافقهم على أن رؤية الله تعالى إذا حصلت فلا يمكن أن تكون بحدّ ومقابلة، ولكن المعتزلة يسمون الحاصل علماً، وإن سمي رؤية، والأشاعرة يقولون هو رؤية، والرؤية يرجع حاصل معناها في النهاية عندهم إلى المعرفة الضرورية، فالخلاف على هذا لفظي محض، ولكن الأشاعرة يقولون إن هذا الإدراك العلمي يسمى رؤية، وهو المقصود عند إطلاق الرؤية والمعتزلة ينكرون ذلك.
    فإذا تبيّن هذا، عرفنا أن كثيراً من المنتمين إلى الاعتزال والتشيع يجهلون مذاهبهم عندما يظنون الخلاف مع الأشاعرة في مفهوم الرؤية نفسه أصلياً.
    ولنوضح المسألة زيادة توضيح، فلفظ الرؤية إما أن يراد به إدراك غير العلم، أو يراد به العلم، وعلى القولين فالأشاعرة لا يشترطون للرؤية الحسّ والحدّ والمقابلة كما لا يشترطون في العلم ذلك، أما المعتزلة فمنهم مَن أرجع الرؤية إلى إدراك زائد، ومنهم من قال الرؤية هي العلم، وهذا هو المشهور عنهم.
    والرؤية عند المعتزلة إذا أطلقت في حق المخلوق فلا بدّ لها من أسباب واتصال وحدّ وغير ذلك، وهم يتناقضون إذا أثبتوها لله مع نفي هذه الأمور، لأن الأصل كما يدعون كون هذه الأمور شروطاً عقلية.
    والإمام الأشعري لم يخالف الأشاعرة كما لم يخالفوه هم عندما قالوا إن الرؤية تكون بدون هذه الشروط؛ لأنها تفيد الكشف في من حصلت له أو ثبتت له، وحتى لو قال من قال بأن الرؤية تحدث للإنسان بخلق الله تعالى في الأبصار، ثم يدركها الإنسان بنفسه فلا يتوقف خلق هذه الرؤية على حدّ ولا علة جسم ولا مقابلة، كما لا يتوقف خلق الله تعالى للعالم على أن يكون العالم في جهة منه، وكما لا يتوقف علمُ الله تعالى للعالم على أن يكون العالَم في جهة منه أو يكون هو جلَّ شأنه محدوداً.
    وكلّ مَن ألزم الأشاعرة بما لا يلزمهم، فإما أن يكون جاهلاً بمذهبهم، أو مغالطاً، وكلاهما لا يلتفت إلى رأيه.
    ثم نقل المؤلف كلاماً عن بعض الأشاعرة يؤيد به ما نقله عنهم من الخلاف بين المتقدمين والمتأخرين على زعمه، فقال (2/434): "قال الإمام يحيى عليه السلام في الشامل: "واعلم أن التحقيق عندي أن الخلاف بيننا وبين المحققين من متأخري الأشاعرة، في هذه المسألة إنما هو من حيث اللفظ، وأما المعنى فنحن متفقون عليه"، قال: "وبيانه أن الغزالي ذكر في كتابه الاقتصاد أن الرؤية عبارة عن تجلٍّ مخصوص لا تنكره العقول، وهذا هو الذي نريد بالعلم، ونحن لا ننكره ولا نأباه". قال: "وذكر ابن الخطيب في كتابه الأربعين: أن الأدلة العقلية في هذه المسألة غير معتمدة أصلاً وأنها ليست قوية، وذكر في كتابه النهاية بعد تحريره للأدلة العقلية، ثم حكى هو عن أصحابه أنهم قد حرروها على وجوه كثيرة وكلها ضعيفة، ثم قال: ويعزب أن يكون الخلاف في هذه المسألة لفظياً" أ.هـ.
    إذن، ما ذكره المؤلف في هذه المسألة عمَّن سمَّاهم بالمتأخرين من الأشاعرة يوافق عليه هو، ويحكم على الخلاف بين الزيدية وبين الأشاعرة بناءً عليه بأنه خلافٌ لفظيٌّ، وهذا حَسَنٌ.
    ولكنه يزعم أن المتقدمين يخالفون المتأخرين، وهاك ما قاله في بيان ذلك (2/434): "قال الإمام يحيى عليه السلام: "وأما المتقدمون من الأشعرية فقد أطلقوا القول بأن الله تعالى يرى بالأبصار في الآخرة، وأنه يراه المؤمنون دون غيرهم، قال: والدليل على إبطال قولهم أن الرائي بالحاسة لا يرى إلا ما كان مقابلاً أو في حكم المقابل، واحترز بقولنا أو في حكم المقابل عن رؤية الإنسان وجهه في المرآة، فإنه وإن لم يكن مقابلاً فهو في حكم المقابل والله تعالى ليس مقابلاً ولا في حكمه، ويستحيل أن يكون تعالى مرئياً" أ.هـ.
    إذن فالمؤلف يرجع ويعتمد على إطلاق القول بأن الله تعالى يرى بالأبصار، وينبني على أن هذه الرؤية لا يمكن أن تحدث بالأبصار إلا بالمقابلة والحس والشعاع وغير ذلك، وهذا غير صحيح، لما قلناه من أن الله تعالى يمكن أن يخلق الرؤية في بصر الإنسان مباشرة بلا واسطة هذه الشروط العادية، فلا يجوز الاعتماد على مجرد القول بأن الله يرى بالأبصار للقول بأن هذا يلزمه الحس والحد وغير ذلك من اللوازم الباطلة، فإن هذا لا يلزم الأشاعرة إلا إذا قالوا: هذه شروط عقلية للرؤية، وهم لا يقولون بذلك كما عرفت.
    فيتضح لك أيها القارئ الكريم، أنه لا فرق في هذه المسألة بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة، وأن الفرق مجرد تهويش أو عدم علم أو غفلة من الفرق المخالفة كالشيعة والزيدية وغيرهم، ومجرد الزعم غير المبني على دليل ولا بينة لا يلتفت إليه ولا يعول عليه.
    فظهر بهذا أن أدلة الأشاعرة أقوى من أدلة غيرهم، وأن مشيهم على حدِّ الشريعة أقوى وأوثق، وتعمقهم في المعاني وبناء الأدلة أقوى وأرسخ من سائر الفرق.
    وأما ما قاله نقلاً عن الإمام الرازي من أن دليل العقل على جواز الرؤية يعني دلالة الوجود ضعيفة أي غير قطعية، فهذا قد يسلم، ولا إشكال في التسليم به، لأننا تابعون للأدلة، ولكن العاقل إذا قارن بين دلالة الوجود على الجواز، وغيرها من الدلالات العقلية، وبين دلالة المقابلة على المنع، لحكم جزماً بأن أدلة المثبتين العقلية أقوى بلا شك من أدلة النافين العقلية، فإن أدلة المحيلين للرؤية مبناها على مجرد مغالطات وقياسات عادية ومصادرات كما اتضح.
    فإذا انضمت ظواهر الآيات القرآنية، وصريح الأدلة النبوية على ثبوت الرؤية إلى الأدلة العقلية، صار الرجحان بلا شك في صف المجوزين لا النافين.
    ثم ههنا سؤال: إذا ورد ظاهر القرآن بإثبات الرؤية، ودلت صرائح الأحاديث على الرؤية أيضاً، وحكم المخالف بأن المعنى المراد بالرؤية عند الأشاعرة هو التجلي، فَلِمَ لم يقل الخصوم بالجري على ظاهر النقل فيثبتون الرؤية مع بيان معناها الصحيح الجائز في حق الله تعالى، كما فعل السادة الأشاعرة ؟!
    فهذا هو خلاصة ما ذكره الشرفي في هذا الكتاب، وهو لم يزد في المعلومات والاستدلال على ما ذكرناه عن المعتزلة.[/ALIGN]



    يتبع .......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  15. الرد على الإباضية

    [ALIGN=CENTER]مناقشة كلام الإباضية في مسألة الرؤية[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY]الإباضية فرقة إسلامية معروفة ، بعضهم نسبها إلى الخوارج وقال إنهم طائفة من طوائف الخوارج، وبعضهم نفى ذلك، وقد رأيت لبعض الإباضية كلاماً ينفي فيه كونهم من فِرَق الخوارج، وعلى كل حال فهم ليس لهم انتشار كبير في البلدان الإسلامية، بل أكثر تواجدهم في سلطنة عمان.
    وسوف نعتمد في نقل آرائهم على كتاب نشرته سلطنة عُمان – وزارة التراث القومي والثقافة، وهو كتاب [معالم الدين] تأليف الشيخ عبد العزيز المصعبي، وربما ننقل من غيره ككتاب [مشارق أنوار العقول] بتصحيح الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
    إن الإباضية كغيرهم من المخالفين يحصرون معنى الرؤية باتصال الشعاع وانطباع صورة المرئي في الحدقة، كما قال السالمي (1/362): "هذه هي حقيقة الرؤية التي كانت العرب تعرفها من عربيتهم ولا يطلقونها على العلم ونحوه إلا تجوزاً لنكتة مع قرينة" أ.هـ.
    وقد علمنا نحن بشيء من التحليل العقلي وملاحظة ظواهر بل نصوص الأدلة النقلية، أن الرؤية ليست على النحو الذي يتصوره هؤلاء، فقد علمنا أن الشروط الحسية من المقابلة والحد والشعاع مجرد شروط عادية، لا يجوز اعتبارها جزءاً من ماهية الرؤية، ولا علة عقلية، وإلا لزم تعجيز الله تعالى عن أن يخلق الإدراك في النفس بلا توسط هذه الشروط، وهذا نقص لا يصح إثباته لله تعالى.
    وقد تبين لي أن هذه الفرق المخالفة ظاهرية أيضاً، فليست الظاهرية منسوبة فقط إلى المجسمة، بل إلى كل واحد يتبع منهجهم في فهم النصوص والأدلة، فالظاهرية منهج، وقد كنتُ ذكرتُ هذا في شرحي على الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي، ووجه ظاهريتهم أنهم يكتفون بمجرد إطلاق الرؤية على ما يحصل للإنسان عندما يرى، فيأخذون كل ما يلاحظونه حساً شرطاً عقلياً لا انفكاك منه، بل يعتبرونه علة لا تتخلف، وهكذا كان يفعل المجسمة عندما اكتفوا بمجرد إطلاق بل نسبة اليد والعين والساق إلى الله تعالى، حتى نسبوا لله تعالى الأجزاء والأبعاض والتحيز والجهة والمكان، واعتبروا هذه شروطاً عقلية في كل موجود، وهذه الفرق المخالفة في الرؤية ارتكبوا نفس هذا الأمر، فاكتفوا بمجرد إطلاق الرؤية على ما يحصل للإنسان عند المقابلة والشعاع، فجعلوا هذه شروطاً أو عللاً وأسباباً عقلية كما رأينا ذلك صريحاً في كلام القاضي عبد الجبار، وهذه ظاهرية محضة كما لا يخفى.
    بينما نرى السادة الأشاعرة لم يكتفوا بمجرد الإطلاق ليبنوا عليه قواعد عقلية، بل اعتمدوا على التحليل والاستدلال العقلي، ولما رأوا تخلف هذه الشروط في بعض مصاديق الرؤية، قطعوا بأنها ليست شروطاً وأسباباً عقلية، فحكموا عليها بأنها عادية، بل اعتمدوا أيضاً كما قلنا على الأدلة العقلية القطعية الجازمة بأن الله تعالى خالق كل شيء بلا واسطة، وأنه لا يوجد تلازم عقلي بين أي موجودين حادثين، بل التلازم عاديٌّ بخلق الله تعالى بإرادته واختياره.
    فبعد هذا التوضيح الدقيق، يتبين لنا أن كل ما يقوله المخالفون مجرد تهويلات وتشنيعات مبنية على مصادرات ومغالطات، لا يتأثر بها إلا ضعيف.
    قال الشيخ المصعبي في معالم الدين (2/29): "وهذا المرصد عندنا – يقصد الرؤية – من جملة الممتنعات في حقه تعالى، وذلك أن أصحابنا والأكثرين من علماء الأمة على امتناعها عقلاً ونقلاً، وذهب الأكثر من الأشاعرة إلى جوازها عقلاً ونقلاً" أ.هـ.
    أما قوله إنها من الممتنعات في حقه تعالى، فسوف ننقض أُسُسَه وأدلته على ذلك، وهي لا تزيد على ما أوردناه سابقاً، ولكن نكررها هنا زيادة في التأكيد والتوضيح.
    وأما قوله إن أكثر علماء الأمة على أن رؤية الله ممتنعة عقلاً ونقلاً، فهذا كلام غير صحيح، ولعله ظنَّ أنه لما كانت المعتزلة والشيعة والإباضية والزيدية ينكرون الرؤية، وكانت الأشاعرة والماتريدية يثبتونها فيلزم من ذلك أن أكثر علماء الأمة ينكرونها !! وليس الأمر كذلك.
    فلو حسبنا عدد الماتريدية والأشاعرة في العالم كله، وقارنا هذا العدد بأعداد جميع هذه الفرق، لعرفنا قطعاً أن جميع هذه الفرق لا يتجاوز عُشْرَ عددِ الأشاعرة والماتريدية، ولو حسبنا عدد العلماء من الماتريدية والأشاعرة، وقارناه بأعداد العلماء من كل هذه الفرق مجتمعة، لفاقهم أضعافاً مضاعفة، وهذا لا يستطيع أحد إنكاره.
    فلا يصح عند ذلك أن يقول إن جمهور علماء الأمة على إنكار الرؤية عقلاً ونقلاً، بل هذه مجرد مغالطة كما هو واضح، وكم يقترب هذا الأسلوب مع أسلوب المجسمة عندما يدعون أن جمهور علماء الأمة على إثبات الجهة والعلو، والحال أن الواقع هو عكس كلامهم المغلطي.
    وبقي تدقيق آخر في كلامه، وذلك بأنه قال إن الأكثر من الأشاعرة على جوازها عقلاً ونقلاً، فهذا القول بهذه الصيغة قد يفهم منه أن بعض الأشاعرة لم يقولوا بجوازها عقلاً ونقلاً، بل قالوا بامتناعها عقلاً ونقلاً، وهذا باطل.
    والصحيح هو كما يلي: إن جميع الأشاعرة قالوا بجوازها نقلاً، ولم يخالف في هذا أحدٌ نعرفه.
    وأما عقلاً، فالتجويز الشرعي دليل عند جميع الأشاعرة على الجواز العقلي بلا شك ولا ريب، فلا يتصور ممن قال بالجواز شرعاً أن يقول بالامتناع عقلاً، ولكن الذي حصل هو الاختلاف على بعض الأدلة العقلية وهو دليل الوجود، هل هو قاطع بتجويز الرؤية أم لا، هذا الذي قال بعضهم بأنه قاطع وبعضهم نفى ذلك، وجمهور المحققين على عدم قطعيته، ولكن من جهة أخرى، فكلهم يقولون إنه لا يوجد دليل يمنع الرؤية، ولا يُسَلَّم للخصوم دليل، بل كل دليل فيرد عليه منع أو نقض، وكذلك يقال: العقل إذا خُلِّيَ ونفسه لم يحكم بامتناع الرؤية لأول النظر، بل يتوقف منعه لها على دليل، فهو حاكم بالجواز بالمعنى الأعم، ومع انضمام الأدلة النقلية يترجح الجواز وجوباً، وهذا مسلك صحيح وسديد.
    إذن ها هي أول عبارة مما قاله المصعبي فيها خلل ظاهر، وقد صرح السالمي في المشارق بما لوح إليه المصعبي ههنا، فقال في (2/363): "وعلى هذا جمهور الأشاعرة" أ.هـ.
    وذلك لما ذكر الرؤية بالبصر وأشار إلى قول اللقاني في الجوهرة، وهو يريد بذلك أن يوهم أن الأشاعرة يقولون بالرؤية المعتادة بالبصر، وهو غلط عليهم.
    ثم ذكر المصعبي الحكم فيمن أثبت الرؤية، فقال (2/29): "وقال أصحابنا: مَن قال إنه يُرى في الدنيا فقد أشرك، ومَن قال إنه يُرى في الآخرة فقد نافق" أ.هـ.
    إذن هذا هو حكم من أثبت الرؤية في الدنيا وفي الآخرة، فهو مشرك على الأول ومنافق على الثاني، وقد كنا رأينا المعتزلة أسهل من هؤلاء في الحكم على مثبتي الرؤية، وقد نصَّ السالمي أيضاً على هذا الحكم في المشارق، فقال (2/392):
    "
    ومَنْ يَدِنْ بها يكفر النعم
    فاحكم له والشرك إن بجسمِ

    (قوله: ومن يدن بها ..إلخ) أي ومَنْ يعتقدها ديناً فهذا حكمه، وكذلك أيضاً مَن يعتقد بثبوتها على سبيل الاجتهاد حيث لم يُخَطِّ مخالفه فيها، فإنها ليست من المسائل الاجتهادية، وإنما قيد المصنف هذا الحكم بالدائن بها؛ لأنه لا يوجد قائلٌ بها إلا وهو يخطئ من خالفه فيها" أ.هـ.
    وكفر النعم هو النفاق الظاهري.
    وهكذا نرى تشدد المخالفين وتعصبهم في الأحكام، فالمخالف منافق، والحديث الوارد من الإسرائيليات وهكذا، وهم يحكمون بهذه الأحكام على جمهور الأمة، فشابهوا المجسمة الوهابية والسلفية (أي المنتسبين إلى السلف وهم منهم براء) في هذا المسلك أيضاً، ولذلك نرى بعض المعاصرين ممن مال بالقول إلى هؤلاء يحكم على الأشاعرة بالنفاق ويخص بهذا الوصف الإمام الأشعري !! ثم تراهم بعد ذلك يتجرأون ويقولون إننا نريد التقريب بين المذاهب الإسلامية، ولا يحكم هؤلاء بأي حكم مثل هذه الأحكام على من كفَّر كثيراً من الصحابة واتهمهم بخيانة النبي عليه الصلاة والسلام وتغيير الإسلام وغير ذلك، بل تراه يتلطف معهم ويحرض عليهم من الزعل والغضب وسبحان مقلب الأحوال والآراء.[/ALIGN]


    يتبع........
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •