صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 72

الموضوع: مناقشات مع الفرق المخالفة في مسألة الرؤية

  1. [ALIGN=JUSTIFY]ومما يدل على أن هؤلاء الإباضية ينسبون الرؤية الحسيّة إلى جمهور الأشاعرة ما قاله المصعبي بعد ذلك (2/29): "واستدل كلٌّ على ما ادعاه بالعقل والنقل، وسيتضح لك إن شاء الله ضعف مدعاهم من الجواز بالعقل والنقل، ومن ثم وافق بعض المحققين منهم الجمهور في الامتناع كالفخر والغزالي وغيرهما، وهؤلاء من أعاظم أئمتهم" أ.هـ، ثم قال: "وقال الأكثرون منهم: يرى بعين الرأس" أ.هـ.
    فهو ينسب إلى جمهور الأشاعرة أنهم يقولون بالرؤية الحسية لله تعالى، وهذا كذب عليهم، فقد تبين لنا أنه خلاف بين المتقدمين والمتأخرين من الأشاعرة، وقد وضحنا ذلك أكثر من مرة، ولاحظ أيها القارئ الكريم أن هذا أسلوب آخر يتبعه الإباضية وغيرهم، ويشاركون فيه المجسمة في هجومهم على الأشاعرة، فكأن هؤلاء لا يستطيعون الردّ على الأشاعرة إلا بنحو هذه الأساليب الملتوية التي لا تقوم على دليل ولا مستند.
    وهذه الأساليب الباطلة التي يتبعها هؤلاء تدل طالب الحق على صواب رأي الأشاعرة؛ لأنهم في الحقيقة في غاية الإنصاف لخصومهم لا يغالطونهم ولا يلصقون بهم ما لا يقولون به، وذلك لأن نصرة الحق لا تتوقف على الاستعانة بالباطل، ولكن نصرة الباطل لا تتم إلا بالباطل، وسوف ترى مصداقَ هذا كله بعينيك وتعلمه بعقلك ونفسك.
    وهؤلاء المخالفون للأشاعرة يتوهمون أوهاماً ثم يبنون عليها، فهم توهموا أولاً أن الرؤية التي يقول بها جمهور الأشاعرة هي الرؤية الحسية المقتضية للحد والجهة، ثم توهموا بعد ذلك أن الإمام الرازي والغزالي يخالفون جمهور الأشاعرة عندما وضَّحوا حقيقة الرؤية التي يثبتها هؤلاء، وغيرهم من الأشاعرة.
    وليت شعري، هل هذا المؤلف للكتاب لم يطَّلع على كتاب الغزالي والإمام الرازي؟ أم أنه نقل عن غيره ممن توهموا أنهم يخالفون المتقدمين من الأشاعرة !!
    وإذا كان اطلع على كتبهما، ألم يقرأ هو وغيره ممن صرَّح بهذا الزعم، ألم يقرأ قول الغزالي مثلاً في [الاقتصاد] بعدما وضّح معنى الرؤية الذي يزعم هذا الشيخ المؤلف الإباضي أنه يخالف فيه جماهير الأشاعرة، قال الإمام الغزالي ص66 في مبحث الرؤية: "فإذا فهم المراد بما أطلقه أهل الحق من الرؤية علم أن العقل لا يحيله، بل يوجبه، وأن الشرع قد شهد له فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها" أ.هـ، فقد نسب الإمام الغزالي إذن المعنى الذي وضحه للرؤية إلى أهل الحق جميعاً، ولم يقل هذا عبارة عن رأيه الخاص الذي تفرد به وتميز به عن غيره، لا، ولا قال إن هذا خلاف رأي الأشعري ولا خلاف رأي مَن تقدمه من الأشاعرة، فهل كان الشيخ السبحاني والسالمي والشيخ المصعبي وغيرهم ممن ادعى هذا الأمر أعلم بالغزالي من الأشاعرة أنفسهم؟ أم كانوا أعلم بالغزالي من نفسه؟ أم أعلم برأي الأشعري من الغزالي نفسه؟ لا والله ليسوا بشيء من ذلك، بل غايتهم صدق الوصف الذي وصفهم به الإمام الغزالي نفسه، كما ذكرناه عنه.
    ولكن، وإن كان المصعبي صاحب معالم الدين، قد وقع في الغلط الذي ذكرناه، إلا أنه أصاب من جهة ثانية عندما قال في (2/30) بعد ما نقل رأي الغزالي في الرؤية: "وفي جميع ما ذكره كما ترى نفيٌ للرؤية المعتادة بل استحالتها، وتصريح بأن ذلك ازدياد علم لا إحساس بالعين، وما ذكر كما قال الشماخي لا ينكره نافي الرؤية إلا أنه يسميه رؤية، بل علماً يقينياً، والخلاف كما قال لفظي" أ.هـ. وهذا كلام عجيب في الحقيقة، فهو يقول بأن كلام الغزالي نفيٌ للرؤية المعتادة يقصد الحسية المستلزمة للصورة والحدّ والجهة، فنقول له: ومَن - أيها الشيخ الإمام المحقق! – لم ينفِ ذلك من الأشاعرة، وهل تحسب أن الغزالي والرازي هما فقط من نفاها، إن هذا الظن إن كان فيك فهذا قدح واللهِ في اطلاعك على آراء المخالفين، بل هو يقدح في إنصافك؛ لأن من الإنصاف الاطلاع على ما هو مشهورٌ على الأقل، نعم لو كانت كتب الغزالي والرازي وغيرهما من الأشاعرة خفية نادرة، لعذرناك، ولكنها كثيرة عديدة منتشرة، فلا عذرَ.
    وأما ما نقله عن البدر الشماخي، فهو حسن على وجه الإجمال، ولكن هناك من الإباضية مَنْ لم يُرْضِه كلام الشماخي، ولم يَقْنَع بما قنع به الشماخي وهو من كبارهم، وذلك مثل السالمي صاحب مشارق أنوار العقول، فقد قال (2/363): "ثم إنا لا نقنع من الفخر الرازي والغزالي بما قالاه في تأويل الرؤية بالعلم؛ لأن حقيقة ذاته لا تُعلم، وإنما تعلم صفاته فقط، وذلك أنه لا بدّ للشيء المعلوم من أن تتصور في ذهن العالم به، وحقيقة ذاته تعالى لا تتصور" أ.هـ.
    هذا أول كلام السالمي في هذا المحل، وسوف نورد بقيته تباعاً بعد الردِّ على هذا القسم، فنقول: عدم قناعتك بما قاله الرازي والغزالي ووافقا فيه سائر الأشاعرة لا يضيرنا ولا يؤثر في الأمور فيجعلنا نتشكك في صحة ما قالاه ولا في صحة كلام الأشعري نفسه في هذه المسألة.
    وأما تعليله عدمَ قناعته بقوله: "لأن حقيقة ذاته تعالى لا تعلم، وإنما تعلم صفاته فقط" أ.هـ، فهو دليل على ضعفه وتسرّعه في الحكم، فهو ينسب إلى الغزالي والرازي أنهما يقولان بأن الرؤية كاشفة عن حقيقة الذات، والحقيقة أن كلاً من الغزالي والرازي كلامهما صريح بأن حقيقة الذات الإلهية لا يمكننا العلم بها، وأننا لا نعلم سوى أحكام عنها وعن الصفات، وصرَّحا أيضاً بأن الرؤية لا تستلزم الكشف عن الحقيقة، بل كل ما يلزمها إنما هو زيادة علم عمّا كنا نعلمه بالنظر والعقل والنقل، وهذا غير محال في نفسه ولا بالنسبة لنا، بل الحكم بإمكانه العقلي واضح لا يحتمل النزاع أصلاً.
    وقوله: "حقيقة الذات لا تعلم"، إن أراد لا تعلم مطلقاً، فهو كلام باطل قطعاً، لأن الله تعالى عالم بحقيقة ذاته، وإن أراد نحن لا نعلمها، فهذا لا يخالفه فيه الرازي والغزالي كما قلنا، ولذلك فلا يصح أن يُظهِر هذا الأمر على أنهما يخالفانه فيه.
    وأما قوله: "وإنما تعلم صفاته فقط"، إن أراد إننا نعلم حقيقة صفاته، فهو كلام باطل قطعاً، لأننا كما لا نعلم ذات الله تعالى في حقيقتها، فكذلك لا نعلم صفات الله تعالى في حقيقتها، وإنما الذي نعلمه مجرد أحكام ثابتة للذات وللصفات.
    وأما قوله: (وذلك أنه ..إلخ)، فدليل على ضعفه وعدم دقته، وها هنا وقع في خلط بين قول المناطقة العلم الصورة الحاصلة في النفس أو العقل، وبين كون المعلوم له صورة أي شكل معين ذو هيئة وأوضاع ونسب بين أجزائه، فيوجد فرق كبير بين هذا وذاك، ولكن هذا الشيخ خلط بين الأمرين، فاعتقد أن حصول الصورة الإدراكية يستلزم كون المدرَك له صورة، ويوجد فرق بين الأمرين.
    فالصورة الإدراكية هي عبارة عن الإدراك الحاصل في العقل أو النفس، من حيث النظر إلى ذاته، وهذه الصورة الإدراكية من حيث هي موجودة وحاصلة في العقل، تكشف عن المعلوم أو ينكشف بها المعلوم على ما هو عليه، سواءً كان له صورة أم لم يكن، فلا يشترط للإدراك من حصول صورة للمدرَك في نفسه.
    فعندما نقول: نحن علمنا أن اجتماع النقيضين باطل، تكون صورة إدراكية قد حصلت في عقلنا، ولكن هذه الصورة تكشف عن شيء لا صورة له في نفسه، بل المنكشف بها مجرد حكم ونسبة لا تتصف بالصورة والكيفية التي هي الهيئة ذات الوضع أصلاً.
    وقد جهل بعض المتسلقة إلى هذه العلوم الشريفة هذا الفرق الدقيق، فاعترضوا علينا بنفس الاعتراض عندما قلنا: الرؤية هي عبارة عن الصورة الإدراكية الحاصلة في النفس، فقالوا: يلزمك إذن كون الله له صورة إذا قلت برؤيته!! وهذا إلزام دالٌّ على جهل كبيركما لا يخفى على العالم، فلا يلتفت إليه ولا يشتغل بالجواب عنه إلا ببيان الفرق بينهما كما قلنا، فإن أصرَّ على زعمه فهو معاندٌ حاقدٌ لا يريد البحث والنظر، بل يريد مجرد المهاترات والمشاغبات، ومَن كان كذلك فلا نشتغل نحن بالكلام معه، لأن هذا ينزل من مقام العلماء.
    ثم قال السالمي (2/363): "فإن قيل: إن بعض الأصحاب قد فسَّر الرؤية في الحديث بالعلم، وقد قنع البدر الشماخي من الفخر والغزالي بما قالاه، حيث قال: والخلاف حينئذٍ لفظي. قلنا: أراد ذلك البعض بالعلم بالله زيادة العلم بصفاته، حيث انكشف لهم من أمور الآخرة ما يعدهم بها، وكما قيل: ليس الخبر كالمعاينة، وعلى هذا المعنى حمل البدر كلام الفخر والغزالي حُسْنَ ظنٍّ بهم، لكن إشارتهم دالَّةٌ على إرادة العلم بحقيقة ذاته لا بصفاته فقط" أ.هـ.
    فأول ما نقوله في الرد على كلامه هذا: أَرْبِع على نفسك بعض الشيء أيها الشيخ السالمي!!
    فليست المسألةُ مسألةَ عَطْوَة أو حلاً لإشكال بين متقاتلين حتى تقنع أو لا تقنع أنت أو غيرك، بل المسألةُ أساساً مسألةُ علمٍ ونظر وبحث.
    وليعلم السالمي أن عدم قناعته بكلام الغزالي والرازي قَدْحٌ في الشماخي لأنه قنع!! منهما بذلك، ولكن مسألة القناعة أصلاً بهذا المعنى ليست مطروحة هنا، بل المسألة مسألة قواعد علمية وكلام مستقيم سوي.
    وبعد ذلك، نقول:
    حَمَلَ السالمي قول بعض أصحابه من الإباضية عندما قالوا: المقصود بالرؤية في الحديث الوارد إنما هو العلم، وفهم من هذا العلم فقط أي زيادة استدلالات وزيادة طمأنينة للقلب، فإن كان هذا هو المعنى الذي يريدونه، فنحن نخالفهم فيه، بل الرازي والغزالي يخالفانهم فيه أيضاً، ولعله يحمل الرؤية على هذا المعنى فقط؛ لأنه يعتقد أنه يعلم جميع صفات الله تعالى، ويتعقل كمالاته كلها؟! ولكنه إذا كان يعتقد ذلك، فهو اعتقاد باطل، وهذا عين القول بأن العلم بالحقيقة حاصل، ولكنه نفى ذلك كما رأينا، إذن يتبين لنا أن كلامه فيه تناقض من بعض الجهات.
    والحق كما يلي: أننا لا نعرف عن الله تعالى إلا بعض الأحكام، ولكن نقول أيضاً إن كمالات الله تعالى لا يحيط بها أحد، ولذلك فلا يستحيل عقلاً أن يعلمنا الله علماً ضرورياً ما غاب عنا، وهذا هو خلاصة معنى الرؤية، وسوف نورد لك كلام الغزالي رحمه الله تعالى يبين هذا المعنى ويناقض كلام السالمي الإباضي الذي يدعي أنه يفهم حقيقة كلام الغزالي، وسوف يتبين لك أن الغزالي مع هذا لا يقول مطلقاً بأننا بالرؤية نعلم حقيقة الذات كما زعم السالمي، فلم يقنعه!! ما قاله الغزالي والرازي.
    قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الاقتصاد ص64: "... فلنبحث عن الحقيقة (أي حقيقة الرؤية) ما هي، ولا حقيقة لها إلا أنها نوع إدراك هو كمال ومزيد كشف بالإضافة إلى التخيل، فإنا نرى الصديق مثلاً ثم نغمض العين، فتكون صورة الصديق حاضرة في دماغنا على سبيل التخيل والتصور، ولكنا لو فتحنا البصر أدركنا تفرقته، ولا ترجع تلك التفرقة إلى إدراك صورة أخرى مخالفة لما كانت في الخيال، بل الصورة المبصرة مطابقة للمتخيلة من غير فرق، وليس بينهما افتراق، إلا أن هذه الحالة الثانية كالاستكمال لحالة التخيل، وكالكشف لها، فتحدث فيها صورة الصديق عند فتح البصر حدوثاً أوضح وأتمّ وأكمل من الصورة الجارية في الخيال، والحادثة في البصر بعينها، تطابق الصورة الحادثة في الخيال.
    فإذن التخيل نوع إدراك على رتبة، ووراءه رتبة أخرى هي أتمّ منه في الوضوح والكشف، بل هي كالتكميل له، فنُسَمِّي هذا الاستكمال بالإضافة إلى الخيال رؤية وإبصاراً.
    وكذا من الأشياء ما نعلمه ولا نتخيله، وهو ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته، وكل ما لا صورة له، أي لا لون له ولا قدر، مثل القدرة والعلم والعشق والإبصار والخيال، فإن هذه أمور لا نعلمها ولا نتخيلها، والعلم بها نوع إدراك، فلننظر: هل يحيل العقل أن يكون لهذا الإدراك مزيد استكمال نسبته إليه نسبة الإبصار إلى التخيل؟
    فإن كان ذلك ممكناً سمَّينا ذلك الكشف والاستكمال بالإضافة إلى العلم رؤية كما سمَّيناه بالإضافة إلى التخيل رؤية ..
    ومعلوم أن تقدير هذا الاستكمال في الاستيضاح والاستكشاف غير محال في الموجودات المعلومة التي ليست متخيلة كالعلم والقدرة وغيرهما، وكذا في ذات الله سبحانه وصفاته، بل نكاد ندرك ضرورة من الطبع أنه يتقاضى طلب مزيد استيضاح في ذات الله وصفاته وفي ذوات هذه المعاني المعلومة كلها.
    فنحن نقول: إن ذلك غير محال، فإنه لا محيل له، بل العقل دليل على إمكانه، بل على استدعاء الطبع له، إلا أن هذا الكمال في الكشف غير مبذول في هذا العالم، والنفس في شغل البدن وكدورة صفاته، فهو بسببه محجوب عنه.
    وكما لا يبعد أن يكون الجفن أو الستر أو سوادٌ ما في العين سبباً بحكم اطراد العادة لامتناع الإبصار للمتخيلات، فلا يبعد أن تكون كدورة النفس وتراكم حجب الأشغال بحكم اطراد العادة مانعاً من إبصار المعلومات.
    فإذا بعثر ما في القبور وحصّل ما في الصدور، وزكيت القلوب بالشراب الطهور، وصفيت بأنواع التصفية والتنقية، لم يمتنع أن تستعدّ بسببها لمزيد استكمال واستيضاح في ذات الله سبحانه أو في سائر المعلومات، يكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الإبصار عن التخيل، فيعبر عن ذلك بلقاء الله تعالى ومشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من العبارات، فلا مشاحة فيها بعد إيضاح المعاني.
    وإذا كان ذلك ممكناً، بأن خلقت هذه الحالة في العين كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه أصدق وخلقه في العين غير مستحيل، كما أن خلقها في القلب غير مستحيل، فإذا فهم المراد بما أطلقه أهل الحق من الرؤية علم أن العقل لا يحيله بل يوجبه، وأن الشرع قد شَهِد له، فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عد درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها" أ.هـ.
    ها هو كلام الإمام الغزالي نقلناه لنبيّن للقارئ أن هذا السالمي الإباضي لم يتمعّنْ كفاية في مدلولات معاني كلام حجة الإسلام، وقد تبيّن بوضوح أن الإمام الغزالي لا يزعم أن الرؤية تكشف عن حقيقة الذات الإلهية، بل يصرح بخلاف ذلك، وكل ما يقوله أن الله تعالى يمكن أن يخلق فينا زيادة علمٍ تتجلى به لنا بعض كمالاته، كما يتجلى لنا الشيء زيادة تجلٍّ حين نراه بعد العلم به، وهذه المسألة بهذا القدر قريبة من البداهة، ومنكرها معاندٌ كما قال، وذلك كله من دون إثبات صورة لله تعالى ولا تخيل له ولا حدّ ولا مقابلة ولا جهة ..إلخ.
    وأنا لا يخطر في بالي مطلقاً أن كلام الغزالي يحتاج إلى شرح، فأستغرب جداً عندما أرى بعض المشايخ المقَدَّمين في فرقهم وعند أتباعهم يغلطون في إدراكه وفهمه.
    وبعد ذلك نقول: لا داعي لأن يتكلف السالمي لأن يضغط على نفسه ويحسن الظن بالغزالي والرازي، وكأن كلامهما في ذاته باطل ومتناقض، ولكنه إحساناً للظن بهم يقول ما يقول، أو أنه يعتقد أن ما قاله البدر الشماخي مبني على إحسان الظن فقط، وليس مبنياً على معاني كلام الرازي والغزالي نفسيهما، وهذا الظن من السالمي قادح في حكم الشماخي واتهام له بأن كلامه غير مبني على قواعد علمية، بل على مجرد إحسان الظن، ولا مدخلية لإحسان الظن في هذه المسائل العلمية الأصلية، والحق أن في كلام السالمي إشارات كثيرة تزعج طلاب الحق يذكرها تلويحاً، ويا ليته كان فيها من المصيبين ! فنقرّ له ونحترم رأيه، بل هو في جميعها غير مصيب، والله الموفق.[/ALIGN]


    يتبع .......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  2. [ALIGN=CENTER]مناقشة استدلالات الإباضية على إحالة الرؤية عقلاً[/ALIGN]

    [ALIGN=JUSTIFY]إن ما يتعلق به الإباضية في هذا المطلب لا يزيد على ما تعلق به المعتزلة وغيرهم، ولذلك فإننا سوف ننبه على بعض مواضع من كلامه، حتى لا يتكرر الكلام كثيراً.
    والمؤلف على سبيل العموم يتبع المعتزلة في استدلالاته، وهو متوافق مع الشيعة في تفسير كلام الأشعري وغيرهم ممن يسمونهم قدماء الأشاعرة أو المتقدمين، ولا أدري من أين جاؤوا بالقول بأن الإمام الأشعري قائل بالرؤية الحسية المتضمنة للاتصال والمستلزمة للحد والجهة وغير ذلك، والحال أن نسبة هذا القول إلى الإمام الأشعري وهو ينكره وينفيه يبعث على الدهشة والاستغراب من هؤلاء.
    وهو في كل كلامه يبني معانيه واستدلاله على أن الرؤية معناها (2/43): "انطباع مثل صورة المدرك في العين وانبعاث الأشعة منها، فتفعل بالمرئي وعلى كل منهما يستلزم الجهة والمقابلة، ويشترط لها مع ذلك عدم القرب والبعد المفرطين، ولا تتصل تلك الأشعة إلا بالأجرام التي لها جهة ومقابلة على ما مرّ غير مرة، والله سبحانه منزّهٌ عن ذلك" أ.هـ.
    هذا هو المعنى الذي يحاول المؤلف نفيه عن الله تعالى، ونحن قد علمنا أنه لا يقول بهذا المعنى أحد إلا المجسمة، أما الأشاعرة فهم ينفونه صراحة، ولا يشترطون للرؤية هذه الشروط، ولا يقولون يجب إذا كانت رؤية أن تنطبع صورة للمرئي، فقد يكون المرئي ليس ذا صورة أصلاً، فلا ينطبع في العين، أو لا يحصل في العين إلا صورة إدراكية، تكشف عن المرئي إذا كانت ذا صورة، تكشف عن صورته، وإلا فهي تكشف عن حقيقته أو بعض صفاته. وهذا المعنى لا يستلزم التجسيم ولا يتضمنه كما هو واضح.
    وأما رؤية الأعراض والأصوات فإذا كانت موجودة، فقد قلنا إننا لا ندفع رؤيتها ولا نحيلها، بل نقول بإمكانها، غاية الأمر أنها ليست حاصلة لنا إلا بحدود معينة، ولا يستحيل على قدرة الله أن يخلق فينا قدرة على رؤية جميع الأعراض والأشعة والذبذبات الاهتزازية، والقائل باستحالة ذلك عليه الإتيان بالدليل.
    ونحن نتعجب من هذا الشيخ المصعبي عندما قال (2/45) وصفاً لكلام الأشاعرة: "وقالوا ولو سلم ذلك كله، فرؤية الله تعالى عن ذلك تكون بدون اتصال، وبلا ارتسام ولا مقابلة ولا جهة ولا كيف، قلنا: هذا ولله الحمد اعتراف بامتناع الرؤية المعهودة، التي هي محل النزاع ورجوع عن القول بها إلى العلم الذي هو محل الاتفاق، ونفيٌ لها كما صار إليه الإمام الفخر كالغزالي، ولله درهما، وقد حدا حدوهما بعض المحققين من الأشاعرة" أ.هـ.
    وهذا الكلام كما ترى يكثر المؤلف الشيخ المصعبي من تكراره، وقد بينا أنه لا أساس له من الصحة، وأن ما يتخيله من قول جمهور الأشاعرة بالرؤية الحسية المستلزمة للحد والجهة، فهو مجرد خيال في وهمه، بل جميعهم قاطبة أنكروا هذا المعنى، وبصريح قولهم، ونفيهم ذلك عند الكلام على مسألة الرؤية، لا يقال عليه إنه رجوع عن القول بالرؤية الحسية، إلى العلم، بل هو عبارة عن تحقيق كلامهم، ومتطابق مع ما يصرِّحون به دائماً، ولم تحدث رجعة ولا غيرها، إلا في وهم القائل بالرجوع المزعوم، بناءً على فهمه الغلط لمذهب القوم ..
    وأما الفخر الرازي والإمام الغزالي فلم ينفيا الرؤية مطلقاً، بل أثبتاها وإذا قصد أنهما نفيا الرؤية الحسية العادية عن الله تعالى، فهذا النفي لم يختصّ بهما، ولم يتفردا به، بل قال به جميع الأشاعرة بدءاً من الأشعري نفسه حتى آخرهم، لم يخالف منهم أحد في هذا الوصف.
    وأما ما زعمه الشيخ المصعبي بعد ذلك (2/45): "ولو جاز أن يرى الله تعالى من غير اتصال لجاز أن يشمَّ ويذاق ويلمس، وقد التزمه البعض منهم لجاجاً وتعصباً، وجاز أن يكون جسماً من غير تأليف، أو به بدون تحيز، وأن يكون له وجه وكف وساعد وقدم من غير صورة أو على صورة الإنسان بغير شكل، وأن يكون طويلاً وعريضاً بلا نهاية أو بها، وقد قال بكل ذلك كثير من المرجئة والأشعرية" أ.هـ.
    فهو ينسب إلى كثير من الأشاعرة القول بهذه المتناقضات، وطريقة إلزامه لهم بذلك متناقضة ومغلطية، ونسبة هذه الأقوال إليهم كذبٌ عليهم، وسوف نبيّن ذلك باختصار.
    فها هو يقيس الرؤية على الذوق والشم واللمس، ولا وجه للقياس، لأمور: أولاً أننا لم نثبت لفظ الرؤية إلا لوروده، ثم حملناه على معنى معقول وسائغ لغة، ولم نحمله على المعنى الذي يتبادر منه التجسيم إلى الأذهان كما يزعم المصعبي وغيره، وأما اللمس والذوق والشم فهي أولاً لم يرد نسبتها إلى الله تعالى، وأيضاً فهي دالّة على التجسيم صراحة بظاهرها، لأن اللمس معناه يتضمن الحدّ، وكذلك الشم والذوق يستلزم كل منهما الانقسام والحد، وكل هذا باطل في حق الله تعالى، فتبين أنه لا يوجد قياس بين هذا وذاك، وأما الجسم بدون التحيز، فمستحيل عقلاً، لأن التحيز وصف نفسي للجسم، ووجود الماهية بلا ذاتياتها محالٌ، وكذلك الجسم بلا تأليف، وكذلك إثبات الأعضاء بلا صورة، وغيره كل ذلك محال باطل؛ لأنه تناقض داخلي كما مضى.
    ولم يقل بهذه الأقوال أحد من الأشاعرة، وهذا معلوم واضح لكل ذي اطلاع، فنسبة هذه الأقوال الباطلة إلى كثير من الأشاعرة غلط كبير عليهم، قريب من الكذب.
    وهذا الأسلوب من الإلزام والجدل الذي يستخدمه المصعبي ومثله السالمي ومثلهما السبحاني، لا يليق حقيقة بالعلماء المحققين، خاصة مع انتشار كتب الأشاعرة ووضوح مذهبهم.
    وقد قال المصعبي بعد ذلك إن الأشاعرة مضطربون في مسألة الرؤية، وهاك قوله في (2/47): "وبالجملة فاضطراب أقوال الأشاعرة في الرؤية دليل قاطع على عدم إصابة وجه الحق في تنزيه الباري سبحانه" أ.هـ، ثم شرع في بيان وجه الاضطراب، بأن الأشعري قال إن الرؤية تحدث بالبصر وعين الرأس، ونقل عن الباقلاني أن موسى عليه السلام رأى ربه، وقال إن بعضهم منع الرؤية في الدنيا، وبعضهم قال بجوازها في الدنيا والآخرة، وبعضهم منعها مطلقاً دنيا وأخرى.
    هكذا بيّن المصعبي اختلاف أقوال الأشاعرة، وكل ما نقله غير صحيح، وسوف نبين ذلك بتفصيل عند بيان أقوال أهل السنة الأشاعرة والماتريدية في هذه المسألة في المباحث التالية، ولكن نقول هنا قولاً مجملاً: لم يضطرب الأشاعرة في هذه المسألة، بل كلهم على قول واحد، وهو أن الرؤية جائزة دنيا وأخرى، وواقعة في الآخرة للمؤمنين، وأن الرؤية تكون بأن يخلق الله تعالى الرؤية إما في العين أو النفس مباشرة، بلا اتصال شعاع ولا مقابلة ولا جهة ولا حد ولا صورة.
    وأن الرؤية زيادة تجلٍّ لله تعالى، وهي نعمة عظيمة ينعم الله تعالى بها على المؤمنين.
    وليس في هذا اختلاف بينهم.
    ولكن الاختلاف حاصل في فهم المخالفين لما يقول به الأشاعرة، ولذلك ينسب إليهم المصعبي وغيره الاضطراب، كما رأينا ذلك عند الشيخ السبحاني من الشيعة الإمامية أيضاً، ورأيناه عند الزيدية، وإنما الاضطراب حاصل في فهم هؤلاء لكلام الأشاعرة وتوضيحات علمائهم، فلذلك توهموا أن الرازي والغزالي يخالفان غيرهم من الأشاعرة، ونحن قد بيّنا أن هذا كله غير صحيح.
    والزيادة من الكلام على هذا عَبَثٌ بعد اتضاح المقام.[/ALIGN]



    يتبع...
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  3. مع المجسمة

    [ALIGN=CENTER]مناقشة قول المجسمة التيمية في مسألة الرؤية[/ALIGN]
    [ALIGN=JUSTIFY]لقد بيّنا قول المجسمة في هذه المسألة أثناء كلامنا مع الفرق السابقة، ولكن سوف ننقل ههنا بعض النصوص التي تدلل أن هذه الفرقة تثبت الرؤية بالجهة والحد والجسمية، وجميع ما يلزم على ذلك من الصورة وغيرها.
    إن الرؤية عند هؤلاء المجسمة هي عبارة عن حصول الصورة في العين بواسطة مقابلة المرئي، وهذا المعنى عام عندهم، فيجب أن يكون المرئي مقابلاً للرائي، لا يفرّقون بين الله تعالى وبين المخلوقات، وهذا هو الفرق الكبير بين قولهم وقول الأشاعرة كما وضحناه.
    فالله تعالى لو لم يكن في جهة لاستحالت رؤيته، هكذا يقولون، وبذلك يصرحون، فالله تعالى في جهة وله حدود ويقابل في المكان مكانَ وجود المخلوقات ..إلى آخر ما يقال في هذا الصدد.
    وقد كنا ذكرنا أن معنى الرؤية عند المعتزلة، هو عين معنى الرؤية عند المجسمة، إلا أن المعتزلة نفوا رؤيتنا لله تعالى؛ لأن الله ليس جسماً ولا متحيزاً ولا محدوداً ولا يتصل ولا يماس المخلوقات، أما المجسمة فقد أثبتوا الرؤية لأن الله تعالى عندهم جسم ومحدود في جهة من المخلوقات ويماسها ..إلخ.
    فالأصل في معنى الرؤية محل اتفاق بين المعتزلة والمجسمة، بل هذا الأصل محل اتفاق بين المجسمة وبين جميع الفرق المخالفة للأشاعرة والماتريدية أهل السنة.
    وهذا ينقض ما يتصوره كثيرون من ذوي المعرفة السطحية، من أن هناك اشتراكاً في معنى الرؤية بين المجسمة وبين الأشاعرة، والحقيقة أن الاشتراك والاتفاق حاصل في معنى الرؤية بين المجسمة وبين سائر الفرق إلا الأشاعرة، ونحن قد وضحنا ذلك سابقاً.
    من هذه المقدمة التي يتلخص بها ما يمكن أن يقال في هذا الموضع، تتبين لطالب الحق أصول كلية تفتح له أبواباً ومعارف.
    والآن فلنذكر بعض النصوص التي يقول بها هؤلاء المجسمة في الرؤية، ليتبين للقراء الكرام حقيقة الفرق بين قولهم وبين قول الأشاعرة، وذلك حتى لا يحصل خلط بعد ذلك بينهما في أذهان طلاب العلم، فيترتب على ذلك اختلاط المسألة عندهم، مما ينتج عنه خطأ عظيم في الأحكام والمواقف.
    والحقيقة أن المعتزلة وغيرهم من الفرق المذكورة سابقاً، عندما كانوا يتكلمون عن الرؤية الحسية التي تتضمن المقابلة والمماسة والتحيز والحد، كانوا ينسبون ذلك إلى الأشاعرة، ثم يتوهم بعضهم كالإباضية والشيعة أن المتأخرين من الأشاعرة قد خالفوا المتقدمين، فالمتقدمون عند هؤلاء كانوا يثبتون الرؤية الحسية، والمتأخرون نفوها وقالوا: الرؤية نوع كشف وتجلٍّ.
    هكذا كان هؤلاء يتوهمون، ونحن قد أبطلنا هذا الوهم في أبحاثنا السابقة، والآن نقول: الحق أن تلك الفرق كان ينبغي لها أن توجه ردودها التي أشرنا إليها سابقاً إلى فرقة المجسمة، فهم الذين يثبتون الرؤية الحسية على حقيقتها العرفية العادية، أقصد يثبتون الرؤية المشروطة بمحدودية المرئي وكونه في جهة ومكان إلى آخر ذلك مما علم.
    ولذلك فإن هؤلاء المجسمة عندما كانوا يضيفون الرؤية إلى العين أو الوجه، فهم يقصدون إثبات جميع اللوازم التي يعتبرها الأشاعرة عادية، يقصد المجسمة إثباتها لله تعالى، ويصرحون بذلك لأنهم يعتقدون أن هذه الأمور ليست مجرد شروط عادية، بل هي شروط عقلية، لا يتصورون حصول الرؤية إلا بها، وهذه هي جهة الاشتراك بينهم وبين المعتزلة كما وضحناه سابقاً.
    ولذلك فقد قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية ، ص205: "وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله، في هذه الآية، وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله" أ.هـ.
    وهو يريد بهذا الكلام إثبات الرؤية الحسية، أي أن الرؤية التي يعتادها الناس مع شروطها في حياتهم المعتادة، هي نفسها التي يثبتونها عندما يقولون برؤية الله تعالى، فهم من هذا الباب مشبهة أيضاً، ومجسمة، وهذا هو محل خلافهم مع الأشاعرة، فإن الأشاعرة أصابوا الحق عندما قالوا: إن الرؤية بحسب المرئي، والله تعالى ليس له حدّ ولا في جهة، ولذلك تكون رؤيته كما هو عليه في نفسه أي بلا حد ولا في جهة، كما نعلمه كذلك، أما هؤلاء المجسمة فقد جعلوا نفس الرؤية دليلاً على إثبات الجهة والحدّ في حق الله تعالى، فشتّان بين المذهبين، وتعساً لمن يسوّي بينهما.
    ولذلك وتأكيداً لهذا المعنى الذي قررنا أن المجسمة يقولون به، قال ابن أبي العز الحنفي في ص211: "وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله، بل هو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تُعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومَن قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابراً لعقله وفي عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، ردّ عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.
    ولهذا ألزم المعتزلة مَنْ نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بلا مقابلة بغير جهة" أ.هـ.
    هذا هو لبّ كلامه حول ما يتعلق بمعنى الرؤية ولوازمها وشروطها، ونودُّ قبل التعليق عليه أن نلفت النظر إلى ما يلي:
    إن هذا ابن أبي العز الحنفي عندما يقول إن العلو ثابت لله تعالى، يريد أصالة بلفظ العلو معنى الجهة، ولا يريد العلو في الوجود والحقيقة الذي هو محل اتفاق بين جميع أهل الإسلام، فلا نعلم أحداً يقول إن الإله أنزل مرتبةً من المخلوقات، بل كونه عليا علو حقيقة وقدر وصفات، محل إجماع من كل مؤمن بالله تعالى.
    ولذلك، فهو يغالط مجرد مغالطة عندما يستدل بنفس العلو على الجهة، ويغالط عندما يستعمل لفظ العلو هنا، وكان ينبغي أن يستعمل لفظ الجهة؛ لأن معنى الجهة هو الذي فيه خلاف لا العلو المحتمل لعلو القدر والمكانة محل الاتفاق، ولعلو الجهة والحيز والمكان محل الخلاف، وكان ينبغي أن يستعمل الألفاظ المحكمة محل النزاع، ولكن هذه هي عادة هؤلاء المجسمة، بل هي عادة كل المخالفين لأهل الحق ترويجاً لمذهبهم.
    ثم نقول: لاحظ أن ابن أبي العز يحكم باستحالة الرؤية بلا جهة، ويعتبر هذا مخالفاً للعقل، وهذا دليل كما أخبرناك على أنهم يتفقون مع المعتزلة في أصل معنى الرؤية، ويخالفون الأشاعرة في ذلك.
    وأما استناده إلى سؤال المعتزلة المبني على وجود تناقض بين إثبات الرؤية ونفي الجهة، فلا يضرنا؛ لأنا نقول: هذا الزعم بالتناقض مبني على مصادرة على المطلوب، ومغالطة، فبعض مقدماته وهي أنه لا رؤية إلا بحد وجهة لا يسلمها الخصم، بل يلزمه التناقض، وإنما يلزم التناقض لو كان مسلِّماً بجميع المقدمات التي ينبني عليها بيان التناقض، وليس الأمر كذلك هنا، وقد كنا ذكرنا هذا المعنى في نقاشنا مع الشيعة والمعتزلة، ولكن نرجو أن يكون في تكراره هنا فائدة وتذكير.
    وأما تلويح ابن أبي العز أنه في قوله هذا إنما يعتمد على ظاهر الحديث من تشبيه الرؤية بالرؤية، فهو كلام فاسد أيضاً، ومبني على مصادرة ومغالطة.
    لأنا أولاً يجب أن نحرر المقصود من الرؤية، هل هي الإدراك أم هي الإدراك مع المقابلة واتصال الشعاع وكون المرئي ذا حدٍّ ومكان، فالمجسمة وغيرهم من الفرق، يقولون بالمعنى الثاني، أما الأشاعرة ومن وافقهم فيقولون بالمعنى الأول، وبناءً على ذلك نفهم نحن الحديث النبوي الشريف على مذهبنا وعلى فهمنا لمعنى الرؤية، فنقول: المقصود بالرؤية زيادة تجلٍّ، والمقصود بالحديث التشبيه بين رؤيتنا للقمر ليلة البدر وبين رؤيتنا لله، من جهة معينة، وهي أنها لا يشوبها شك، ولا يعترضها معترض، بل تكون تجلياً ضرورياً لا يمكن اجتماعه مع الشك والتردد.
    وأما المجسمة، فلما قالوا بمعنى الرؤية الذي وضحناه، لزم عندهم أن يكون الله بجهة وله حدّ وفي مكان ..إلخ.
    وأما المعتزلة وغيرهم من الفرق، فلما قالوا بمعنى الرؤية الذي قال به المجسمة، وكانوا ينفون كون الله جسماً ومتحيزاً ..إلخ، نفوا أصلَ الرؤية.
    فالعاقل يرى أن أعدل المذاهب هو مذهب الأشاعرة الذي أخذ بالثابت من المنقول، ووضحه بما يتوافق مع المعقول، فلم يناقضوا قواعد العقل وأحكامه كالمجسمة، ولا ردُّوا الثابت بالنقل كالمعتزلة وغيرهم.
    وبما أن المجسمة ارتكبوا ما ارتكبوا فلا يصح أن يقول ابن أبي العز إن تشبيه الله تعالى بخلقه لا يلزمهم، بل هم قائلون به ومصرحون، وقد صرَّح ابن تيمية كما وضحت في كتاب الكاشف الصغير لزوم التشبيه على مذهبهم، بل صرح بضرورة القول به، ونفى أن تكون الشريعة قد ذمَّت التشبيه!!
    والمجسمة من أتباع ابن تيمية لا يترددون في التزام الجهة والحد والحيز، ولذلك ترى ابن أبي العز استعمل كلمة العلو أولاً، ثم استعمل كلمة الجهة بعدها بسطر واحد، ليدل على أن مفهومه من العلو هو الجهة، وهذا اعتراف منه بما قلناه ونسبناه إليهم.
    وكذلك ترى ابن عثيمين يصرح بعدم الضرر من التزام الجسمية، أي التزام كون الله جسماً عند إثبات الرؤية بهذا المعنى، وذلك كما في شرح العقيدة الواسطية ص417-418، فقد قال: "أما دليلهم العقلي على امتناع الرؤية، فإنهم يقولون: إنك إذا رأيت الله إذا قلنا بجواز الرؤية، لزم أن يكون جسماً، والأجسام متماثلة، وهذا تكذيب لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء).
    فنردّ عليهم بأن نقول لهم: إن كان يلزم من جواز رؤية الله عزّ وجلّ أن يكون جسماً فليكن، لأن لازم قول الله ورسوله حقٌّ، ولكن لا يلزم أن يكون هذا الجسم كالأجسام المخلوقة" أ.هـ.
    فها أنت ذا ترى ابن عثيمين لا يتردد في التزام كون الله جسماً، لإثبات الرؤية بشروطها المعتادة، فهذا هو التشبيه حقاً، وهذا هو التجسيم، ولا ينجيه من التجسيم ما قاله بعد ذلك: "وكما أنكم تقولون إن لله ذات لا تشبه الذوات، فنحن نقول: إذا كان يلزم أن يكون جسماً فله جسم لا يشبه الأجسام؛ لأن أجسام المخلوق حادثة بعد أن لم تكن، ومكوّنة من أجزاء لا يقوم بعضها إلا ببعض، لكن الخالق ليس جسماً بهذا المعنى أبداً" أ.هـ.
    ومعنى هذا الكلام كما هو واضح، أن الله تعالى جسم، ولكنه يختلف عن غيره من الأجسام من وجوه:
    - أن الله جسم قديم، وغيره أجسام حادثة، وهذا المعنى صرَّح به ابن تيمية كما بينته في الكاشف الصغير.
    - أن لله صورة ليست مثل صورة غيره.
    - وأن أجزاء الجسم غير الله ربما تنفصل عن بعضها البعض، أما الله فلا تنفصل أجزاؤه أبداً، وهذا هو ما صرَّح به ابن تيمية كما بينته في الكاشف الصغير.

    فالفارق الرئيسي هو في الحدوث والقدم، أما حقيقة الجسمية فهم لا ينفونها، بل يثبتونها لله تعالى، وبعد هذا البيان فكيف يمكن أن يتجرأ واحدٌ، ويقول: إن مذهب الأشاعرة هو عين مذهب المجسمة، وهذا القائل يدلل على مدى جهله لا غير.
    وبهذا المبحث نكون قد انتهينا من مناقشة الفرق المذكورة في المبحث المذكور، وبهذا تكون مذاهب كل فرقة من هذه الفرق قد امتازت عن غيرها، مما يؤهلنا للانتقال إلى المباحث التالية بتوفيق الله تعالى.[/ALIGN]



    يتبع......
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  4. [ALIGN=JUSTIFY]الإخوة الكرام،
    بما أنني انتهيت من هذا القسم وهو المتعلق بمناقشة الفرق الإسلامية في موضوع الرؤية من ناحية استدلالاتهم العقلية.
    وقبل الشروع في القسم الثاني، فإذا كان لأحد تساؤل أو سؤال على هذا القسم، فأرجو ألا يتردد في الإعلان عنه والمباشرة فيه ليزداد هذا المبحث وضوحا في أذهان الإخوة القراء والمتابعين.

    بارك الله تعالى فيكم، ووفقكم لما فيه الهدى [/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  5. الشيخ سعيد

    قلت:
    وأما ما قاله نقلاً عن الإمام الرازي من أن دليل العقل على جواز الرؤية يعني دلالة الوجود ضعيفة أي غير قطعية، فهذا قد يسلم، ولا إشكال في التسليم به، لأننا تابعون للأدلة...


    لماذا كان دليل جواز الرؤية عقلاً من الوجود ضعيف أو غير قطعي، علماً أنني أذكر أن الغزالي رحمه الله قد ذكرها كقاعدة عامة في الاقتصاد بقوله (كل موجود ذات يجوز أن يرى) وكذلك قرأتها كقاعدة عامة ابتدأها صاحب كتاب عون المريد لشرح جوهرة التوحيد [هل اطعلت على ذلك الشرح شيخنا الفاضل http://www.tattan.net/books/1.jpg ].

    فما هو وجه الضعف في هذا الاستدلال ! .
    العزلة عن الناس عزلة الضعفاء؛ والعزلة بين الناس عزلة الأقوياء

  6. [ALIGN=JUSTIFY]وجه الضعف أورده الإمام الرازي في الأربعين وفي المعالم، وذكره أيضا الزبيدي في شرح الإحياء، وذكر بعض الردود عليه لابن التلمساني.
    وإيراده كقاعدة عند من ذكرت، لا يستلزم إلا أنهم يقولون به كذلك، فأما أنه كذلك في نفس الأمر فلا. بل قد يقبل النقاش.
    والله أعلم. [/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  7. سؤال آخر شيخنا العزيز..

    هناك إشكالية يطرحها المجسمة فيقولون هكذا:

    بما أنكم تقولون أن الرؤية لاتلزم التجسيم بحجة أنه ليس كمثله شيء كذلك نحن نقول لكم أننا نصف الله تعالى بأن له (قدم) ليس كمثلها شيء أيضاً فلم تتهموننا بالتجسيم!؟

    فلم أنتم تقبلون التنزيه بهذه الآية وتسقطونها على الرؤية ولاتقبلون تنزيهنا بهذه الآية للصفات عندما نقول يد ليس كمثلها شيء أيضاً..

    وقد طرح أحد المجسمة لي هذا السؤال منذ فترة طويلة وأذكر أنني أجبته كالتالي:

    (إن الرؤية ليست من صفات الله عز وجل ولذلك لاتأخذ نفس حكم الصفات وخاصة أن صفات الذات قائمة بذاته تعالى أما رؤيتنا له فليست قائمة في ذاته تعالى، وما تدعيه من قدم ويد هي من صفات ذات لله عز وجل؟ ولذلك بطلت المقارنة لأن مايجري على الصفات لايكون مثلما يجري على الرؤية)

    ولكنني وجدت الإمام الغزالي رحمه الله يتكلم في كتاب الإحياء بقوله:


    ((وذهبت طائفة إلى الاقتصاد وفتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله سبحانه وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل فيه وهم الأشعرية. وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفاته تعالى الرؤية وأولوا كونه سميعاً بصيراً وأولوا المعراج..))

    فالآن أنا في حيرة هل كلام الإمام الغزالي من تقريره قوله أن المعتزلة أولوا من صفات الله عز وجل الرؤية.. أي هل عد الغزالي الرؤية من الصفات هل هذا قصده أم أنه قصد أمرا آخر !؟
    العزلة عن الناس عزلة الضعفاء؛ والعزلة بين الناس عزلة الأقوياء

  8. [ALIGN=JUSTIFY]الأخ أحمد
    كون الله تعالى قابلا لأن يُرى، وصف له، وهو ليس يشير إلى أمر زائد عن ذاته، وأما رؤيتنا له فهي بفعل الله تعالى أي بخلقه، وهذا الفعل يكسبنا إدراكا زائدا عما كان لدينا عن الله تعالى.
    فإن تكلمنا عن الرؤية بالنظر الثاني فهي فعل من أفعال الله ونعني بها حصول رؤيتنا لله تعالى.
    وإذا تكلمنا على الرؤية بالنظر الأول، فهي وصف إضافي تابع لكون الله تعالى موجودا، بغض النظر عما إذا كان علة الرؤية هي الوجود أو أمر آخر.
    وكون الله تعالى مرئيا لا يجوز لأحد أن ينكره، لأن الله تعالى يرى ذاته العلية.
    ولكن أخبرني أحد تلامذتي أنه ذهب للقاء من يظن نفسه مجتهدا في هذا الزمان، وصار يخالف الأشاعرة وغير الأشاعرة ويخبط خبط عشواء هنا وهناك، يوافق الشيعة مرة أو مرات، ويوافق المعتزلة في أمور، ويوافق الزيدية في أمور، وهو لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بل جهته وتوجهه إلى تلقاء ذاته محاولا إبرازها من دون استحقاق لذلك.
    أقول أخبرني تلميذنا النجيب العزيز، أنه لما ذهب إلى هذا الشيخ أخبره هذا الشيخ بأن له اعتراضات على تهذيب شرح السنوسية، وهو تهذيبي لبعض شروح هذا المتن الجليل.
    فطلب منه تلميذنا أن يعين له مواضع ذلك الاعتراض.
    فأخبره أنه يعارض قوله أن الله تعالى يرى نفسه ويرى المخلوقات.
    فلما طلب منه تلميذنا وجه وناحية الاعتراض.
    قال له: أين الدليل من اكتاب والسنة على أن الله تعالى يرى نفسه؟؟
    فتجب تلميذنا النجيب: وقال له إن الله تعالى لما نسب لنفسه أنه يرى الخلق أجمعين، كان الأولى أنه يرى نفسه، فالرؤية في نفسها كمال.
    فقال له ذلك الشيخ: لا هذا ليس دليلا مباشرا، أنا أريد نصا واضحا من الكتاب والسنة يقول إن الله تعالى يرى نفسه.
    فقال تلميذنا: أراك يا شيخ قد صرت تتبع السلفية الوهابية المجسمة في أساليبهم.
    فقال: أنا لا أقول بأن الله تعالى يرى نفسه إلا إذا ورد نص.
    فسكت تلميذنا ثم قال: أسألك يا شيخ....
    قال نعم
    قال: هل يقدر الله تعالى على الخلق أجمعين.
    قال نعم .
    قال له: أنت تقول بذلك لأنه قد وردت آيات عديدة تنص أن الله تعالى قادر على كل شيء، أليس كذلك..
    فأجاب بالموافقة.
    فقال له تلميذنا: أسألك الآن: هل يقدر الله تعالى على نفسه بالتصرف فيها.
    فقال له على الفور: لا بالطبع.
    فقال له تلميذنا: أين النص من الكتاب والسنة الذي اعتمدت عليه في القول بذلك؟؟؟
    فبهت وعرف أنه أخطأ بذلك الجواب المتسرع.
    ثم قال ذلك الشيخ: لا، بل أقول إن الله يقدر على نفسه!!!
    فقال له تلميذنا: هذا تجسيم صريح، وإذا كنت تكفر ابن تيمية كما تقول، فيلزمك تكفير نفسك. وإذا كنت تقول إنه لا يقدر على نفسه، فكذلك قل أنه يرى نفسه....
    فسكت قليلا ذلك الشيخ!! وقال: لا بل أقول إنه لا يقدر على نفسه...
    فقال له تلميذنا: مالك يا شيخ.....، أراك تجيب لمجرد الهروب من الإلزام، وأراك تقول أمورا لا تعتقدرها لمجرد عدم الاعتراف بخطئك في الاعتراض على ما اعترضت عليه....
    فسكت ذلك الشيخ ، فقال له تلميذنا: أرأيت يا شيخ.....، هذه مثل تلك، نحن لما عرفنا أن الله يقدر على جميع المخلوقات، وأن هذا دليل نقص المخلوقات، عرفنا بالعقل أنه لا يقال إنه يقدر على نفسه، للزوم النقص حينذاك. ولما عرفنا أنه يرى المخلوقات، وذلك دليل كماله، عرفنا أنه يرى نفسه ولم نتوقف في القول بذلك على وجود نص صريح يصرح بذلك.
    فسكت الشيخ.
    وكذلك أقول: لما تمدح الله تعالى نفسه بأنه لا تدركه الأبصار، وعرفنا أن تلك الأبصار التي لا تدركه، أبصار الناس جميعا في الدنيا، عرفنا أنه يرى ذاته.
    وعلى كل حال فسوف نجيء إلى الاستدلال على الرؤية في محله.
    والله الموفق. [/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  9. #24
    تاريخ التسجيل
    Sep 2003
    الدولة
    الديار المصرية
    المشاركات
    827
    [ALIGN=CENTER]
    بوركتم يا شيخ سعيد
    وسلمت أيديكم
    ونفع الله تعالى بكم المسلمين
    وجعلكم سيفا مسلولا على رقاب أعداء الدين
    وحشرنا وإياكم في زمرة الشهداء والأنبياء والمرسلين
    اللهم آمين!


    والله لقد قرت بما كتبتموه أعيننا
    وثلجت صدورنا
    وتفتحت فينا عيون وآذان للعقل وللبصيرة
    فجزاكم الله تعالى خيرا
    نسأل الله تعالى أن ينفعنا بعلومكم في الدنيا والآخرة

    والله لقد اشتقنا للقسم الثاني
    فمتى تتكرمون به علينا أيها الشيخ الجليل ؟
    ندعوا الله تعالى لكم بالعون والتوفيق وبلوغ المقاصد.[/ALIGN]
    محب الدين الأزهري

  10. شيخنا العزيز،،

    يقول السبحاني في كتابه (رؤية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل) مايلي:

    الرؤية في منطق العلم والعقل

    إنّ الرؤية في منطق العلم والعقل لا تتحقّق إلاّ إذا كان الشيء مقابلاً أو حالاًّ في المقابل من غير فرق بين تفسيرها حسبَ رأي القدماء أو حسب العلم الحديث، فإنّ القدماء كانوا يفسّرون الرؤية على النحو التالي:

    خروج الشعاع من العين وسقوطه على الاشياء ثمّ انعكاسه عن الاشياء ورجوعه إلى العين لكي تتحقّق الرؤية. ولكن العلم الحديث كشف بطلان هذا التفسير وقال: إنّها صدور الاشعة من الاشياء ودخولها إلى العين عن طريق عدستها وسقوطها على شبكيّة العين فتُحقّق الرؤية.
    وعلى كلّ تقدير فالضرورة قاضية على أنّ الابصار بالعين متوقّف على حصول المقابلة بين العين والمرئي أو حكم المقابلة، كما في رؤية الصور في المرآة.
    وهذا أمر تحكم به الضرورة وإنكاره مكابرة واضحة، فإذا كانت ماهيّة الرؤية هي ما ذكرناه فلا يمكن تحقّقها فيما اذا تنزّه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل.


    من الواضح أنه يركز على المقابلة بدخول الشعاع للعين و هو الذي اعترف بأن النظرية التي أبطلت نظرية القدماء من حيث أن الضوء يخرج من المرئي لا من الرائي وهو يشير إلى كلام ابن الهيثم الذي يعد أول من أبطل كلام القدماء في نظريته للضوء، ولكنه صادر على النظرية فأخذ ببعضها وأهمل البعض الآخر فقال بالمقابلة علماً أن ابن الهيثم أكد في نظريته أن الشعاع يمكن أن يأتي من جهة مستقيمة أو من عدة جهات (أن الضوء ينبعث في خط مستقيم وفي كل الاتجاهات) فإذا احتمل كل الجهات فأين المقابلة إذاً؟!

    المقابلة سميت مقابلة من الإقبال على الشيء أي قابله فإن أتاه من خلفه أو يمينه لم يعد مقابلاً ويؤكد هذا رؤيته صلى الله عليه وسلم للصحابة في الصلاة وهم خلفه فأين الشعاع هنا المستقيم الذي تمسك به السبحاني وأهمل باقي النظرية وأين المقابلة؟!!! وإن أتاه من عدة جهات أيضاً انتفت المقابلة لأن ابن الهيثم يقول ( أن الأجسام هي التي تبعث ضوءها الخاص أو المنعكس في كل اتجاه).

    وأيضاً إن تصورنا أن إنسان غرق في النور من كل الجهات ولم يعد يرى سوى النور فتكون المقابلة عندئذ منفية وهذا ما أعتقده تفسير لرؤية الله عز وجل في المنام والذي لم يعد يرى إلا النور فقط، أي لم يعد يرى أي شيء سوى النور فأنى للجهة التحقق والجهة لاتتحق إلا بمقارنة شيء مع شيء آخر، فإن انتفت المشاهدة لغير النور انتفت مقتضيات المقابلة أو الجهة.


    فمارأيك شيخنا الكريم في هذا الكلام.
    العزلة عن الناس عزلة الضعفاء؛ والعزلة بين الناس عزلة الأقوياء

  11. [ALIGN=JUSTIFY]الأخ أحمد
    شرط المقابلة عقلا لحصول الرؤية باطل كما بينته، وقد صرح بذلك علماؤنا.
    والرؤية ليست إلا إدراكا يخلقه الله تعالى في نفس المدرِك، يترتب عليها زيادة علم بالله تعالى، ولا يتوقف خلق الله تعالى لهذه الرؤية(أي الإدراك) على مقابلة.
    أما الطريقة التي تقترحها أنت: فلا أوافق عليها لأن الإنسان إذا كان غارقا في النور، فنعم، يكون النور الذي وراءه غير مقابل له (بتسليم ما ذكرته أنت من أن الشيء يكون مقابلا إذا كان تجاه الوجه أي القبل)، ولكنه في جهة منه أي يكون خلفه، ولكن النور الذي أمامه يكون مقابلا له وفي جهة منه، لأن النور الذي خلفه ليس عين النور الذي أمامه لاختلاف جهة كل منهما.
    ويكفي لكون الشيء في جهة منك صحة فرض خط منك إليه، ولو في اتجاه واحد، وحتى لو كان محيطا منك، فهو في جهة لك(وهذا إشارة إلى مناقشتك لمثال السماء المحيطة) غاية الأمر أن الجهات يقسمها العلماء تقسيما إضافيا إلى قسمين
    الأول: جهة حيوانية وهي الجهات الست، وسميت حيوانية لأن الحيوان يتحرك بإرادته نحو أي جهة منها.
    الثاني: جهات طبيعية: وهي تتصور باعتبار كرة محيطة بك، فلها ناحيتان فقط الأولى باتجاه السطح، والثانية باتجاه المركز، وما كان باتجاه السطح يسمى الفوق والعلو، وما كان باتجاه المركز يسمى سفلا وتحت. وسميت طبيعية لأن الأجسام الثقيلة إذا تركت وشأنها تسقط إلى تحت باتجاه المركز، والأجسام الخفيفة إذا تركت وشأنها ترتفع إلى أعلى، وحركتهما إلى هذين الاتجاهين ليس بالإرادة كما هو واضح.
    والله الموفق. [/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  12. شكراً جزيلاً شيخنا الفاضل على جوابك الجميل علماً أنني كنت أنتظر الجواب في شأن السماء في موضعه هذا
    http://www.al-razi.net/vb/showthread...&threadid=1739 لأنه بقي بعض التساؤلات التي يراد فيها تفصيل وجواب بعد إذنك سيدي.

    سيدي الشيخ سعيد أنا موافق بالكلية على نفي المقابلة وأنها ليست ركناً..إلخ وتحملني قليلاً فالصبر جميل وبالله المستعان فقولك (لكن النور الذي أمامه يكون مقابلاً له وفي جهة منه لأن النور الذي خلفه ليس عين النور الذي أمامه لاختلاف جهة كل منهما)

    وسؤالي هنا على هذه الحيثية التي طرحتها أنني أدعي أن النور الذي خلفه هو عين النور الذي أمامه وذلك لأننا نتكلم عن جسم بسيط لامركب من أجزاء فلو كنا في سيارة مثلاً لتأكدنا أن الزجاج الأمامي غير الخلفي ولذلك من السهل تحديد جهتهما، أما إذا كان الزجاج وحدة واحدة على شكل كرة فنعرف أن الكرة كتلة واحدة بسيطة من مادة واحدة هي الزجاج غير مختلطة مثلاً بحديد في طرف دون طرف يصلح معه حصول المفارقة والمقارنة.

    وأنا لاأدعي أن الزجاج مثلاً ليس نفسه مركباً من ذرات لأن المقارنة مع كلية المادة لا مع ذراتها، فأتكلم عن مادة واحدة بشكل كروي وعندها النقطة التي حددناها على أنها جهة أمام لو أدرنا الكرة لصارت نفسها جهة خلف تماماً فأصبحت الجهة هنا أمر نسبي لا أمر مخصوص فالبناء أمامنا مثلاً عندما نخصص مكاننا بالنسبة إله فإن تحركنا وصرنا وراءه بطل كونه أمامنا لبطلان التخصيص .. وهذا موافق للقاعدة المنطقية التي ذكرتها (إن استحال التخصيص استحال الوجود)

    أي إن قلنا لشخص ما حدد لنا جهة سيارة تسير بسرعة حول بيت مربع الشكل مثلاً (أي أخبرنا عن وجود جهة ما للسيارة من ذلك البيت) لعجز ذلك الشخص أن يخصص لنا جهة تلك السيارة من ذلك البيت لأن تحديده لجهة تلك السيارة من ذلك البيت يحتاج لأن يخصص ويحدد مكان وإحداثية ثابتة من ذلك البيت أي يحتاج للتخصيص فإن استحال تخصيصه لإحداثية ما استحال معه وجود جهة.

    أما قولك (ويكفي لكون الشيء في جهة منك صحة فرض خط منك إليه، ولو في اتجاه واحد، وحتى لو كان محيطا منك، فهو في جهة لك)

    فالخط الذي يخرج مني إليه يكون في جهة لو حصل التخصيص كما قدمت فإن استحال التخصيص استحال وجود الجهة لأن نفس هذا الخط الذي اعتبرت نهايته تلك النقطة في جهة أمام يكون بتحريك الكرة في جهة خلف ثم يمين ثم يسار ....أي لاتخصيص فلا جهة فالأمر يبقى نسبياً ولو كان الأمر كذلك فهل تنكر سيدي سعيد أن أي خط ممتد من طرفين متقابلين للكرة الأرضية يصح أن يكون قطباً؟ّ!! ونحن نعي أن القطب الشمالي والجنوبي وهميان لاحقيقة لهما إلا نظرياً لسهولة التقسيم والدراسة فهما في جهات نسبية مهما أدرتهما في أي نقطة من الأرض يصلح أن يتجدد عندنا عدد لانهائي من الأقطاب.

    أما قولك سيدي (وحتى لو كان محيطاً منك فهو في جهة لك)

    لم أقتنع بصحته (مع اعتصاري ألماً على تجرأي ومخاطبتكم لأن أين أنا منكم مثل الثرى والثريا ولذك مع أكمل الأدب أتكلم معكم سيدي الفاضل) فمفهوم الجهة مفهوم محدد مستقل ثابت فالفوق هو فوق فلما صار تحتاً لم يعد فوقاً والتحت تحت فلما صار فوقاً لم يعد تحتاً وبهذا نستنتج أنه لافوق ولا تحت حقيقة بل هو أمر نسبي لأنه إما [فوق أو تحت] أما نفس النقطة تكون فوق وتحت فهذا جمع بين النقيضين والجمع بين النقيضين محال إذ الفوق نقيض التحت لايجتمعان بآن واحد كالسواد والبياض.

    ولهذا شيخنا الفاضل لا أظن أن الإمام الغزالي الذي دافع دفاعاً مستميتاً على نفي المكانية والجهة عن الله عز وجل حينما قال ((القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات)) يكون قد ناقض كل مسيرة حياته التي لانعرف يوماً أنه نسب الجهة لله عز وجل فإن لم يكن تفسيري لكلامه هذا صحيح وهو أن عبارة (جميع الجهات) نفت التخصيص للجهة وعندما انتفى التخصيص استحال وجود جهة وهذا ما أخبرت الأخ جمال عنه حينما تسرع وخطأ ذلك الإمام الفذّ عندما ذكرت له قوله وكان ردي هو:

    أما قول الغزالي (( القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات))
    قوله صحيحاً على ما قدمته لك من أن مجموع الجهات لاتعطي مفهوم الجهة استقلالاً بل تعطي مفهوم مغاير تماماً.. فالإمام الغزالي لاينافي القاعدة البديهية التي قدمت .. فمعنى قول القائل أن (وجود الله في كل مكان) لايعني أن الله في مكان ولايعني أنه بمكان محدود؟ بل المقصود في ((كل مكان)) نفي المكان والمقصود في ((كل الجهات)) نفي الجهات لأن المعتمد ههنا في الاستدلال هو استحالة اجتماع المتناقضات بآن واحد؟
    وعليه، فأن يكون شيء في جميع الجهات لايعني أنه في جهة لانتفاء الاختصاص بل يعني أنه ليس في جهة مخصوصة وهذا نفي للجهة وللتخصيص لا إثبات لها..
    وإلا لكان الغزالي الذي ينفي الجهة عن الله عز وجل يثبتها بقوله هو في جميع الجهات؟ وهذا مستبعد جداً أن يتناقض الغزالي في موضع هو في معرض نفيه للجهة واستحالتها عن الله عز وجل؟!


    أما تقسيم العلماء فبعد الاحترام الكبير لهم وتذللي العظيم لجلالهم ولك سيدي سعيد ولكن بقي عندي إشكال في ما قدمت من تقسيم وهو:

    1- إن الأجسام الثقيلة إذا تركت وشأنها تسقط إلى تحت باتجاه المركز وإذا كانت خفيفة ترتفع إلى أعلى هو كلام فهمت منه أنه لالتحديد مطلق الجهة بل يتعلق بالجاذبية ويدل على هذا أن من حصر الجهات في فوق وتحت وفقاً لخفة أو ثقل الوزن لقلنا له أين ذهبت جهة اليمين واليسار والقدام والوراء؟

    2- فإن قيل هذا ماعنينا به بجهات طبيعية حركتها لاإرادية لانتفاء الحيوانية عنها، قلنا أن ذلك الجسم الذي هو باتجاه السطح يلزم أنه مهما علا أو انخفض أنه أيضاً على يمينه وعلى يساره وجود له من تلك الكرة، فإن كان أيضاً على يمينه وعلى يساره كرة فيكون تحجير مفهوم الجهة في جهتين هنا كلام خاص والخاص لايلزم ماتحقق به التححق في العام، أما العام الذي يتضمن الجهات الست فكل ماتحقق فيه قابل التحقق على مادونه من الخاص المتمثل بالجهتان الفوق والتحت.. وعليه فلا حجة على مفهوم الجهة هنا بالمعنى الخاص لأنه لايسري على عموم الجهات.

    3- فإن كان القصد يتعلق بنفي إرادة الجسم أي بتأثير مؤثر خارج عنه مما جعله يعلو أو ينخفض فهذا لايغير من حقيقة أن له يمين وشمال وأمام وخلف فعندئذ نستنتج أن المقصود من أعلى وأسفل بنفي الإرادة عن الجسم أن مناط تغير جهته محصورة في الخاص الذي هو الأعلى والأسفل ليس إلا ولايلزم التتغير في اليمنة واليسرة أو الوراء والأمام.

    4- لو أن رجل الفضاء وزنه على الأرض 70 كغ مثلاً هو ليس إن صار في الفضاء نقص وزنه الفعلي بل انعدام الجاذبية هي التي جعلتنا نقول بانعدام وزنه مجازاً فإذا الجاذبية هي عامل خارجي وهذا العامل يلعب دور المخصص في الإنسان الذي إن وقف أمام بناء فصار بجهة أمام منه فلو أزلنا ذلك العامل الذي هو المخصص كما في القاعدة المذكورة وهو الجاذبية لارتفع ذلك الرجل وأصبح فوق البناء لا لأن وزنه الحقيقي انعدم بل لزوال المخصص وهكذا نقول أنه إن أزيل المخصص أزيل وجود جهة حقيقية أي المخصص الذي هو الجاذبية جعلته في جهة أمام وعندما زال المخصص صار في جهة فوق فنرى أن مفهوم الجهة هنا أمر نسبي يحتاج لمخصص كي نقرره.

    5- أما بالنسبة للكرة التي عبرنا عنها بالسطح والمركز فالذي سميناه سطحاً وقلنا أنه فوق لو استدارت أو استدار الذي بداخلها لتغير السطح وتغيرت معه الجهة وصارت تلك النقطة التي هي التحت فوقاً وبالعكس فمن ادعى أن تلك النقطة (التي فرضنا أنها على السطح) والتي كانت فوق بعدما انقلب الشخص الذي بداخلها ظلت فوق لما صدقه أحد لأنها فعلياً صارت تحت ويستحيل جمع النقيضين الفوق الذي هو فوق صار نفسه هو تحت كمن قال أن البياض هو نفسه السواد والسواد هو نفسه البياض فأشبه قول القائل الفوق هو نفسه التحت علماً أن الناظر يدري بطلان هذا.

    وأختم بقول الإمام الغزالي رضي الله عنه في تهافت الفلاسفة:
    ((الجهة التي تقدرها فوقك من أجزاء السماء نهاراً هو بعينه تحت الأرض ليلاً وما هو تحت الأرض يعود إلى فوق الأرض في الدور))

    ثم عقب بقوله

    ((واصطلحنا على أن نسمي الجهة التي تلي الدقيق فوقاً إلى حيث ينتهي والجانب الآخر تحتاً لم يظهر بهذا اختلاف ذاتي في أجزاء العالم بل هي أسامي مختلفة قيامها بهيئة هذه الخشبة حتى لو عكس وضعها انعكس الاسم والعالم لم يتبدل. فالفوق والتحت نسبة محضة إليك ... ))


  13. [ALIGN=JUSTIFY]أخ أحمد،
    كل الجهات كما هو معلوم اعتبارية، وهي نسبة بين متحيزين منقسمين، ولو وهما، وبناء عليه ما كان لك فوقا إذا انقلبت رأسا على عقب يصير تحتا، لأنك تسمي الفوق بملاحظة جهته من رأسك، والكرة التي تفترضها جسما واحدا هي في الحقيقة مركبة ويجوز انقسامها وهما، ولذلك فكل نقطة على سطحها هي في جهة، والجهات الطبيعية والحيوانية هي أيضا قسمة اعتبارية بملاحظة سبب الحركة وهو إما الخلقة التي خلق الله تعالى عليها الكون، ويمكن تسميتها بالجاذبية، أو إرادة الحيوان التي بها يمكن أن يتحرك إلى كل الجهات.
    وهذا الكلام واضح لا داعي لمعارضته.
    وأما قول الغزالي إن الله تعالى واجب من كل الجهات، فلا يريد الجهات التي نتكلم عليها هنا، بل الاعتبارات والصفات كما تقول يجب له القدرة، ويجب له الوجود، ويجب له العلم وهكذا، والجهات هنا المقصود منها جهات النظر، وليس الجهات الحسية المأخوذة بملاحظة المتحيزات.
    وفقك الله تعالى[/ALIGN]
    وليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    Feb 2005
    الدولة
    ISLAM VOICE OF ASHAERA على برنامج الإنسبيك
    المشاركات
    796

    مشاركة

    السلام عليكم,
    بارك الله فيك ايها الشيخ الفاضل, وهذه وصلة تشرح ما تعنيه بالضبط, وهي من موقع العالم هارون يحيى, اضعها هنا للاستفادة:


    http://www.harunyahya.com/download/d...d.php?id=20770
    [frame="2 80"]وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه أنيب.
    وعلمك مالم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما.

    [/frame]

  15. شيخنا الفاضل،،

    نحن متفقون إذاً على أن الجهة بالنسبة للكرة ليست بجهة حقيقية يعني كما قدمت بقولك "ولو وهماً" كما قسموا الكرة الأرضية لخطوط وأقطاب فهو من حيثية الوهم جائز أما الحقيقة فليس للكرة ذلك التقسيم.

    ولذلك كلامنا في مدار الحقيقة لا الوهم، فالقابع في القطب الشمالي يجوز له من حيث اعتباراته أن يقول أن السماء فوقه ولكن هل قوله حقيقة أم وهم؟!

    فإن قلنا وهم فلا حجة في الوهم لأنه يبقى في إطار الوهم؟ وخلاف المعتقد يمكن وضعه في الوهم تقديراً وفرضاً لكنه يبقى خلاف المعتقد، وإن كان حقيقة فالحقيقة تحكمها القوانين العقلية يرفض اجتماع النقيضين.

    الفوق ظرف مكان، والمكان مخصص حقيقي لا وهمي، وهذا ما لم ترد علي بشأنه سيدي وهو "التخصيص" فإن استحال تخصيصنا لجهة الفوق استحال وجود شيء يسمى فوق حقيقة إذا الفوق أمر كما قلت شيخنا الفاضل أمر اعتباري نسبي بالنسبة لكرة السماء أي أمر وهمي لا حقيقي والوهم في سبيل الفرض والتقدير جائز لافي تقريرنا للعقائد .

    وعليه أرجوا منكم رد واضح على هذه القاعدة "إن استحال التخصيص استحال الوجود"

    وتشديدي على أن الكلام عن نسبة حقيقة لا وهمية لأنه قد يفلت المجسم بقوله "ننسب لله جهة ليست كالجهات" ويقول "هو في جهة اعتبارية ولو وهماً" ويقول "جهة لاعلى الحقيقة" وقد رد الإمام الغزالي على هذا الكلام بأنه إن كنتم تتكلمون عن جهة لانعرفها فكيف نعارض مالا نعرفه؟!!

    إذا إن كنا نتحدث عن جهة تنتج عن تقسيم وهمي فكيف نعارض الجهة الوهمية فنحن عرفنا الحقيقة أما الوهم ماعرفناه ولو عرفناه ماسميناه وهماً؟

    أما كلام الإمام الغزالي ففي الحقيقة أنني ظننت ما تفضلت به بداية الأمر أي ظننت أنه قصد (من جميع الجهات) يعني (من جميع النواحي والصفات)..

    ولكن لو راجعنا قليلاً النص بكامله وهو

    ((إن سائر الجهات متساوية بالاضافة إلى المقابل للجهة، فاختصاصه ببعض الجهات المعينة ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه، ويكون الاختصاص فيه معنى زائداً على ذاته وما يتطرق الجواز إليه استحال قدمه بل القديم عبارة عما هو واجب الوجود من جميع الجهات. فإن قيل اختص بجهة فوق لأنه أشرف الجهات...))


    فتأمل شيخنا الفاضل في العبارة كاملة الكلام فيها على الجهة التي نتكلم عنها.

    ومثله قرره الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في نقاشه مع الملحدين حينما سألوه:

    قالوا: في اي جهة يتجة ربك
    قال: لو احضرتم مصباح في مكان مظلم في اي اتجاة يتجة النور
    قالوا في كل مكان
    قال :اذا كان هذا النور الصناعي فكيف بنور السموات والارض


    ألا يفهم من قوله في كل مكان (يعني لامكان) أي لامكان مخصوص إذا المكان منفي، فلا جهة مخصوصة أي لاجهة.
    العزلة عن الناس عزلة الضعفاء؛ والعزلة بين الناس عزلة الأقوياء

صفحة 2 من 5 الأولىالأولى 12345 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •