منهج التفسير الاهتدائى للقران الكريم 1
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@gmail.com
اولا: ملخص الدراسه: ينطلق منهج التفسير الاهتدائى من كون غاية النص القرانى هي هداية الناس، إلي ما فيه صالحهم في كل زمان ، بحكم أن الإسلام الرسالة الخاتمة ، وكل مكان بحكم أن الإسلام رسالة لكل الناس. وبالتالي فان غاية التفسير الاهتداء إلي ما فيه صالح الناس في زمان ومكان معينين ، بحكم تعريف العلماء لعلم التفسير بانه " العلم بمعانى القرآن بحسب الطاقة البشرية ". و يترتب على كون غاية النص القرآني هداية الناس إلي ما فيه صالحهم في كل زمان ومكان ، أن يجمع النص القرانى بين كونه مطلق عن قيود الزمان والمكان غير خاضع للتطور أو التغير فيهما (وضعا وغاية)، ومراعاته التطور خلال الزمان و التغير في المكان ،وذلك بانقسامه إلى قسمين: القسم الأول هو ما أسماه المفسرين آيات الأصول أو الآيات المحكمات أو أم الكتاب ، والقسم الثاني هو ما أطلقوا عليه اسم آيات الفروع أو الآيات ، والقسم الأول يمثل المطلق والقسم الثاني يمثل المحدود ، وهذا التقسيم ينصب على الدلالة لا الوضع ، لان كلاهما وضع الهي وبالتالي مطلق . حيث يمكن تقسيم النص القرانى إلى :أولا:من حيث وحده الدلالة أو تعددها (إمكان التاؤيل أو عدمه): ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله واحده، لا تحتمل التأويل. وآيات ذات دلالات متعددة، وبالتالي تحتمل التأويل.ثانياً: من حيث الغايات والوسائل: ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله قائمه بذاتها ، وآيات ذات دلاله قائمه بغيرها ، فالآيات الأولى يمكن اعتبارها غايات تتحقق من خلالها هداية الناس في كل زمان ومكان،أما الآيات الثانية فيمكن اعتبارها وسائل للغايات السابقة ، ولما كانت الغايات تحدد أسلوب العمل اللازم لتحقيقها (الوسائل)، فإن النوع الأول من الآيات يحدد النوع الثاني ، بحيث لا يمكن تفسير الأخيرة إلا استناداً إلي الأولى. وغاية النص القرآني في آيات الأحكام أن يهدي الناس إلي أفضل القواعد التي يحتاجون إليها لتحقيق مصالحهم في كل زمان ومكان ،ولتحقيق هذه الغاية ينقسم النص القرآني إلي قسمين: القسم الاول: القواعد الأصول: وتتمثل فيما جاء في القرآن من أحكام (قواعد سلوك) ملزمة (القواعد- الأصول) والتي تهدي الناس إلي أفضل (القواعد – الفروع) التي يحتاجون إلي وضعها في زمان ومكان معينين ولو لم ترد فيه نصاً. وهي تمثل المطلق / غير أنه يجب التمييز بين شكلين لها:ا/ من حيث وحده الدلالة أو تعددها: آيات ذات الدلالة الواحدة التي لا تتحمل التأويل، وتتمثل في الآيات المحكمة على هذا الوجه كمصدر للقواعد الأصول.ب/من حيث الغايات والوسائل: أي الآيات ذات الدلالة (المعنى) القائمة بذاتها ، بحيث يمكن اعتبارها إحدى الغايات التي يتحقق من خلالها غاية النص القرآني، أي هداية الناس إلي مصالحهم في كل زمان ومكان ، وتتمثل في ما يسمى بقواعد النظام العام أو الحدود ، والتي تهدف إلي تحقيق مصلحة الجماعة في كل زمان ومكان. القسم الثانى::القواعد- الفروع: ويجب التمييو ابضا بين شكلين لها ا/ من حيث وحده الدلالة أو تعددها: أي الآيات ذات الدلالات المتعددة، والتي بالتالي تحتمل التأويل وتتمثل في الآيات المتشابهة كمصدر للقواعد الفروع.ب/ من حيث الغايات والوسائل: أي الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها، بل قائمة بدلالة الآيات (الأصول)، فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تتضمنها آيات الأصول...وغاية النص القرآني من آيات الصفات هداية الناس إلي وجوده تعالى واتصافه بالربوبية والالوهيه، ولتحقيق هذه الغاية انقسم النص القرآني إلي قسمين:الاول: الأصول: أي الآيات ذات الدلالة القائمة بذاتها، والتي تعتبر غايات تتحقق من خلالها غاية النص القرآني، وتتمثل في الآيات التي تقرر أن وجود الله تعالى هو وجود:منزه عن قيود الزمان والمكان و امكانيه أن يتصوره أو يتخيله الإنسان . الثانى:الفروع : اى الآيات ذات الدلالة القائمة بدلالة الآيات السابقة ، فهي بمثابة وسائل للغاية التي تضمنتها الآيات السابقة (آيات الأصول)، وتتمثل في الآيات التي يفيد ظاهرها التشابه بين الله والإنسان ، إذ لما كان الله تعالى ذو وجود منزه عن قيود الزمان والمكان، استحال على الإنسان تصوره . وفي ذات الوقت فإن الإنسان لا يمكنه تقرير وجود موجود ما لم يتصوره ، لذا كان تنزل القرآن إلي مستوى عقل الإنسان بإيراد هذه الآيات للانتقال به من تصور وجوده تعالى " وسيلة" إلي الإقرار بوجوده تعالى "غاية"، يقول ابن الجوزي : (وقد حدثنا بما نعقل وضرب لنا الأمثال بما نعلم وقد ثبت عندنا بالأصل لا يجوز عليه ما يعرفه الحس علمنا المقصود بذلك) ( صيد الخاطر، ج1 ، ص15)... ومذهب اغلب أهل السنة بفرقهم المختلفة أن هذه الألفاظ تفهم على معانيها المجازية المشهورة التي يعرفها العربي من غير تأويل ، وهو مذهب ابن الجوزى و ابن الحزم والماتريدى والغزالي وغيرهم ....وغاية النص القرآني في آيات القصص التاريخية هداية الناس إلي الحق والعبرة عند النظر إلي التاريخ، ولتحقيق هذه الغاية انقسم النص القرآني إلي قسمين:القسم الاول :الأصول: أي الآيات ذات الدلالة القائمة بذاتها، والتي يمكن اعتبارها غايات يتحقق من خلالها غاية النص القرآني، وتتمثل هنا في غايتي (أو مفهومي) الحق والعبرة ،باعتبارهما مفهومين لازمين لهداية الناس في كل مكان وزمان في مجال النظر التاريخي. القسم الثانى: الفروع: أي الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها، بل القائمة بدلالة الآيات السابقة ، وتتمثل هنا في مضمون هذه القصص. فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات السابقة، وآية هذا أن الوقائع التاريخية تتميز بالفردية: والمكان والزمان ، بينما قصص القرآن:لم تتقيد بالزمان أو المكان المعين ، وبعضها يلغي مقولة الفردية، فلم يذكر أسماء أصحاب الكهف أو من جاء من أقصى المدينة رجل ... وغاية النص القرآني في الآيات العلمية والكونية هداية الناس إلي العلم ، وان يستخدموا العلم في تسخير الطبيعة باعتبار ذلك جزء من المفهوم العام للعبادة في مجال العلم،والاستدلال بالوجود المحدود لعالم الشهادة على الوجود المطلق ، الذي ينفرد به الله تعالى، في مجال العقيدة . ولتحقيق هاتان الغايتان انقسم النص القرآني إلي قسمين:القسم الاول :الأصول:هي الآيات ذات الدلالة القائمة بذاتها والتي يمكن اعتبارها غايات يتحقق من خلالها غاية النص القرآني هداية الناس إلي مصالحهم في كل زمان ومكان وتتمثل هنا في غايتين:الأولى: هداية الناس إلي الله واتصافه بالربوبية والإلوهية،وذلك من خلال الاستدلال القرآني ، القائم على الانتقال من عالم الشهادة (مقدمة) إلي عالم الغيب (نتيجة).الثانية: هداية الناس إلي أسس المنهج العلمي القسم الثانى:الفروع: وهى الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها ، بل القائمة بدلالة الآيات السابقة ، فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تضمنتها آيات الأصول، وتتمثل في الآيات التي تتحدث عن وصف مشاهد الكون المختلفة.وتتضمن هذه الفروع الآيات الكونية الظنية الدلالة(التي تحتمل التأويل). ... كما إن غاية النص القرانى من آيات المتصلة بالسياسة والدولة ، هداية الناس إلى المفاهيم والقيم والقواعد السياسية الكلية، اللازمة لتحقيق صلاح الناس في المجال السياسى، في كل زمان ومكان، ولتحقيق هذه الغاية انقسم النص القرانى إلى قسمين :الاول: الأصول:هي الآيات ذات الدلالة القائمة بذاتها، والتي يمكن اعتبارها غايات يتحقق من خلالها غاية النص القرآني هداية الناس إلي ما فيه صلاحهم في المجال السياسي فى كل زمان ومكان ، وتتضمن المفاهيم والقيم والقواعد السياسية الكلية، التي تشكل أسس المنظور السياسي الاسلامى الثانى:.الفروع: وهى الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها،بل القائمة بدلالة الآيات السابقة ، فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تضمنتها آيات الأصول، وتتمثل في الآيات التي تتحدث عن وسائل تحقيق المفاهيم والقيم السياسية الكلية............................................ ..................
ثانيا: متن الدراسه التفصيلى:
الهدايه كغاية للنص القرانى والاهتداء كغاية لتفسير النص القرانى: غاية النص القرانى هي هداية الناس، إلي ما فيه صالحهم في كل زمان ، بحكم أن الإسلام الرسالة الخاتمة (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)( الأحزاب:40) ، وكل مكان بحكم أن الإسلام رسالة لكل الناس(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(الانبياء: 107). وبالتالي فان غاية التفسير الاهتداء إلي ما فيه صالح الناس في زمان ومكان معينين ، بحكم تعريف العلماء لعلم التفسير بانه " العلم بمعانى القرآن بحسب الطاقة البشرية "، كما اشرنا أعلاه.
مفهوما الهدايه والاهتداء: فمنهج التفسير السليم ينطلق من مفهومي الهدايه والاهتداء القرآنيين، وكلاهما يستند إلى المفاهيم ألقرانيه الكلية " التوحيد، الاستخلاف، التسخير"
أولا: مفهوم التوحيد: يقرر القران الكريم أن الهداية صفة ربوبية ، قال تعالي (قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) ( الشعراء: 62) ، وعالم الشهادة قائم علي ظهور صفة الهداية (شأن سائر الصفات الالهيه )، ولهذا الظهور شكلين:
الشكل الأول: تكويني "الهداية التكوينية": ويتمثل في الفطرة من حيث هي إمكانية التزام السنن الإلهية التي تحكم الوجود ، والتي يجب علي الإنسان الخضوع لها، ليهتدي إلي ما فيه صلاحه. وقد ورد مصطلح الهدايه فى القران الكريم بهذا المعنى في العديد من الآيات كقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)(الإنعام : 97) ،وقوله تعالى (وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (النحل : 15).
الشكل الثاني: تكليفي " الهداية التكلفية": ويتمثل في الوحي من حيث تضمنه للشرائع ، المتضمنة للأصول اللازمة لهداية الناس في كل زمان ومكان ،يقول تعالى يقول تعالى(وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)( البقرة: 53)...
مفهوم الاستخلاف: والاستخلاف هو إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى وإلوهيته في الأرض على المستوى الصفاتى، بالعبودية والعبادة ، وبالتالي فإن مضمونه هنا إظهار الإنسان لصفة الهداية كصفه من صفات الربوبيه في الأرض ، وهو ما عبر عنه القرآن بمصطلح الاهتداء، قال تعالى (مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ) (الإسراء: 15). هذا الإظهار يتم من خلال:
أولا: توحيد الربوبية: بإفراد الهداية لله تعالى ، قال تعالى (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) (القصص: 56)
ثانيا: العبودية" التكوينية والتكلفية" :وذلك باتخاذ مقتضى الهداية التكويني ” الهداية التكوينية” ، والتكليفي ” الهداية التكلفية” ضوابط موضوعية مطلقة، قال تعالى(منْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي )(الأعراف: 178(..
المحكم والمتشابه: يترتب على كون غاية النص القرآني هداية الناس إلي ما فيه صالحهم في كل زمان ومكان ، أن يجمع النص القرانى بين كونه مطلق عن قيود الزمان والمكان غير خاضع للتطور أو التغير فيهما (وضعا وغاية)، ومراعاته التطور خلال الزمان و التغير في المكان ،وذلك بانقسامه إلى قسمين: القسم الأول هو ما أسماه المفسرين آيات الأصول أو الآيات المحكمات أو أم الكتاب ، والقسم الثاني هو ما أطلقوا عليه اسم آيات الفروع أو الآيات المتشابهات قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)( العمران: 7) ، يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى” هُنَّ أُمّ الْكِتَاب “(ايْ أَصْله الَّذِي يُرْجَع إِلَيْهِ عِنْد الِاشْتِبَاه )، والقسم الأول يمثل المطلق والقسم الثاني يمثل المحدود ، وهذا التقسيم ينصب على الدلالة لا الوضع ، لان كلاهما وضع الهي وبالتالي مطلق . حيث يمكن تقسيم النص القرانى إلى :
أولا:من حيث وحده الدلالة أو تعددها (إمكان التاؤيل أو عدمه): ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله واحده، لا تحتمل التأويل. وآيات ذات دلالات متعددة، وبالتالي تحتمل التأويل،وفي تأويلها اختلف المسلمون ومازالوا يختلفون دون إثم. فالآيات الأولى هي الآيات المحكمة والثانية هي الآيات المتشابهة، ينقل السيوطى ( وقال الماوردى: المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه بخلافه)..
ثانياً: من حيث الغايات والوسائل: ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله قائمه بذاتها ، وآيات ذات دلاله قائمه بغيرها ينقل السيوطي(وقيل: المحكم ما استقل بنفسه، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره. (. فالآيات الأولى يمكن اعتبارها غايات تتحقق من خلالها هداية الناس في كل زمان ومكان،أما الآيات الثانية فيمكن اعتبارها وسائل للغايات السابقة ، ولما كانت الغايات تحدد أسلوب العمل اللازم لتحقيقها (الوسائل)، فإن النوع الأول من الآيات يحدد النوع الثاني ، بحيث لا يمكن تفسير الأخيرة إلا استناداً إلي الأولى( ) محمد عزه دروزه، القران المجيد، منشورات الكتب العصرية، صيدا- بيروت، بدون تاريخ)..
اولا: تفسير آيات الأحكام:الأحكام هي قواعد السلوك العامة " تخاطب الكافة ، المجردة " لا تنصب على واقعة معينة زماناً أو مكاناً أو أشخاصاً "، الملزمة " آمره أو ناهية ". وغاية النص القرآني هنا (متمثلاً في آيات الأحكام) أن يهدي الناس إلي أفضل القواعد التي يحتاجون إليها لتحقيق مصالحهم في كل زمان ومكان قال تعالى(ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)(البقرة: 2) ولتحقيق هذه الغاية ينقسم النص القرآني إلي قسمين:
القواعد الأصول: وتتمثل فيما جاء في القرآن من أحكام (قواعد سلوك) ملزمة (القواعد- الأصول) والتي تهدي الناس إلي أفضل (القواعد – الفروع) التي يحتاجون إلي وضعها في زمان ومكان معينين ولو لم ترد فيه نصاً. وهي تمثل المطلق / غير أنه يجب التمييز بين شكلين لها:
من حيث وحده الدلالة أو تعددها: آيات ذات الدلالة الواحدة التي لا تتحمل التأويل، وتتمثل في الآيات المحكمة على هذا الوجه كمصدر للقواعد الأصول.
من حيث الغايات والوسائل: أي الآيات ذات الدلالة (المعنى) القائمة بذاتها ، بحيث يمكن اعتبارها إحدى الغايات التي يتحقق من خلالها غاية النص القرآني، أي هداية الناس إلي مصالحهم في كل زمان ومكان ، وتتمثل في ما يسمى بقواعد النظام العام أو الحدود وهي القواعد (الأحكام) الآمرة كقوله تعالى (ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا)( البقرة: 229)، أو الناهية كقوله تعالى(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا) ( البقرة: 187) ، والتي تهدف إلي تحقيق مصلحة الجماعة في كل زمان ومكان. وقد أسميت حدوداً لأنها تحدد الفعل الإنسان . وإن كان الفقهاء قد أطلقوا بلفظ الحدود على العقوبات في مرحلة تالية يقول ابن تيمية (الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام و الأمر والنهي أما تسمية العقوبة المقدرة حداً فهو عرف حادث)( مجموع الفتاوى / مجموع الفتاوى ،مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية- المملكة العربية السعودية ، 1416هـ-1995م ) ، ويدل على المعنى الحقيقي للحد قوله صلى الله عليه وسلم (من أصاب حداً فعجلت له عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة)( مشكاة المصابيح ج2 ص209). ينقل ابن كثبر في تفسيره( وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي الْمُحْكَم وَالْمُتَشَابِه فَرُوِيَ عَنْ السَّلَف عِبَارَات كَثِيرَة فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : الْمُحْكَمَات نَاسِخَةٌ وَحَلَاله وَحَرَامه وَأَحْكَامه مَا يُؤْمَر بِهِ وَيُعْمَل بِهِ … وَقَالَ يَحْيَى بْن يَعْمَر :الْفَرَائِض وَالْأَمْر وَالنَّهْي وَالْحَلَال وَالْحَرَام (
القواعد- الفروع:
من حيث وحده الدلالة أو تعددها: أي الآيات ذات الدلالات المتعددة، والتي بالتالي تحتمل التأويل وفي تأويلها اختلف المسلمين ويختلفون دون إثم ، ومن أخطأ فهو مثوب مرة ومن أصاب فهو مثوب مرتين، وقد يرجع الخلاف إلي دلالة اللفظ على معنيين ، وقد يرجع إلي المفاصلة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي إلي آخر الأسباب المعروفة في فقه القرآن. وتتمثل في الآيات المتشابهة كمصدر للقواعد الفروع.
من حيث الغايات والوسائل: أي الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها، بل قائمة بدلالة الآيات (الأصول)، فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تتضمنها آيات الأصول...
ثانيا: تفسير آيات الصفات: غاية النص القرآني من آيات الصفات هداية الناس إلي وجوده تعالى واتصافه بالربوبية والالوهيه، ولتحقيق هذه الغاية انقسم النص القرآني إلي قسمين:
الأصول: أي الآيات ذات الدلالة القائمة بذاتها، والتي تعتبر غايات تتحقق من خلالها غاية النص القرآني، وتتمثل في الآيات التي تقرر أن وجود الله تعالى هو وجود:
اولا: منزه عن قيود الزمان " وبالتالي لا تحده الحركة خلال الزمان" كقوله تعالى (هو الأول والآخر)، يقول ابن الجوزي: (يستحيل على الله عز وجل الحركة والتنقل والتغير لأن ذلك من صفات الحدث)( دفع شبهة التشبيه، ص8.) .
ثانيا:منزه عن قيود المكان " وبالتالي لا يحده وجود في المكان"، كما في قوله تعالى (أينما تولوا فثم وجه الله) ، وقوله تعالى( وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) يقول ابن الجوزي: (تعالى الله عن المحل والحيز لاستغناءه عنهما)
ثالثا: منزهه عن امكانيه أن يتصوره أو يتخيله الإنسان كقوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (الأنعام: 13). يقول ابن الجوزي: (وما ليس كمثله شئ لا يتصوره خيال والخيال والتصور إنما هما من نتائج المحسوسات والمخلوقات تعالى عن ذلك)( دفع شبهة التشبيه، ص8).
الفروع : أما الآيات ذات الدلالة القائمة بدلالة الآيات السابقة ، فهي بمثابة وسائل للغاية التي تضمنتها الآيات السابقة (آيات الأصول)، وتتمثل في الآيات التي يفيد ظاهرها التشابه بين الله والإنسان مثل (يد الله فوق أيديهم) ، (يوم يكشف عن ساق)، (الرحمن على العرش استوي). يقول السيوطي( من المتشابه آيات الصفات ولابن اللبان فيها تصنيف مفرد؛ نحو: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ استوي (طه:5 )، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)(القصص: 88)، ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )(الفتح:10) ونحوها)( معترك الأقران في إعجاز القرآن 1/111. )، وينقل ابن كثير في تفسيره ( اِحْتَجَّ النَّصَارَى بِأَنَّ الْقُرْآن قَدْ نَطَقَ بِأَنَّ عِيسَى رُوح اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ وَتَرَكُوا الِاحْتِجَاج بِقَوْلِهِ " إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْد أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ " وَبِقَوْلِهِ " إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون "وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات الْمُحْكَمَة الْمُصَرِّحَة بِأَنَّهُ خَلْق مِنْ مَخْلُوقَات اللَّه وَعَبْد وَرَسُول مِنْ رُسُل). إذ لما كان الله تعالى ذو وجود منزه عن قيود الزمان والمكان، استحال على الإنسان تصوره . وفي ذات الوقت فإن الإنسان لا يمكنه تقرير وجود موجود ما لم يتصوره ، لذا كان تنزل القرآن إلي مستوى عقل الإنسان بإيراد هذه الآيات للانتقال به من تصور وجوده تعالى " وسيلة" إلي الإقرار بوجوده تعالى "غاية" يقول ابن الجوزي : (وقد حدثنا بما نعقل وضرب لنا الأمثال بما نعلم وقد ثبت عندنا بالأصل لا يجوز عليه ما يعرفه الحس علمنا المقصود بذلك) ( صيد الخاطر، ج1 ، ص15)...
الالفاظ التى يفيد ظاهرها التشابه تفهم على معانيها المجازية المشهورة التي يعرفها العربي من غير تأويل : ومذهب اغلب أهل السنة بفرقهم المختلفة أن هذه الألفاظ تفهم على معانيها المجازية المشهورة التي يعرفها العربي من غير تأويل ، وهو مذهب ابن الجوزى و ابن الحزم والماتريدى والغزالي وغيرهم :
ا/ يقول ابن الجوزى (ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر من سمات الحديث ولم يقنعوا ان يقولوا صفة فعل حتى قالوا صفة ذات ثم لما اثبتوا أنها صفات قالوا لا نحملها على ما توجبه اللغة مثل اليد على النعمة او القدرة ولا المجئ على معنى البر واللطف ولا الساق على الشدة ونحو ذلك بل قالوا نحملها على ظواهرها المتعارفه والظاهر هو المعهود من لغوت الآدميين ،الشئ إنما يحمل على حقيقته إذا أمكن فان صرف صارف حمل على المجاز)( دفع شبه التشبيه، ص8) ، ويقول ( ولا يحتاج إلى تأويل من قال الإصبع الأثر الحسن فان القلوب بين اثرين من آثار الربوبية هما الإقامة والإزاغة، ولا إلى تأويل من قال يداه نعمتاه )( صيد الخاطر، ج1، ص 51)...
ب/ ويقول ابن الحزم ( إن الألفاظ الموهومة للتشبيه أمثال قوله " يد الله فوق أيديهم " " ويبقى وجهك ربك ذو الجلال والإكرام " " فانك بأعيننا" ليس هناك داعي لتأويلها على غير ظاهرها ، فهي مجاز ظاهر يفهمه العربي دون حاجة إلى أدنى تأويل، فوجه الله مثلا ليس غير الله بدليل قوله عز وجل " إنما نطعمكم لوجه الله "حاكيا عمن رضي عنهم من الصالحين وهم لا يقصدون بذلك غير الله ،وقوله أيضا " أينما تولوا فثم وجه الله" ومعناه فثم الله بعمله وقبوله لمن أراد التوبة)( الفصل، ج2، ص4) ..
ج/ ويقول الغزالي ( التقديس معناه إذا سمع اليد والإصبع ... وقوله "صلى الله عليه وسلم" قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن.. فينبغي ان يفهم ان هذه الألفاظ تطلق على معنيين احدهما الوضع الاصلى وهو العضو المركب من لحم وعظم وعصب . وقد يستعار هذا اللفظ لمعنى أخر ليس هو هذا بجسم أصلا فعلى العامل ان يتحقق قطعا ويقينا ان الرسول لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم..)( إلجام العوام عن علم الكلام)..