بسم الله الرحمن الرحيم
عندما تقرأ للإمام الرازي تدهش من تدقيقه الشديد في كل العلوم وتعلم لمَ سُمي بالإمام مطلقا
وكانت للرازي عناية شديدة بالنحو فألف :
المحرر في النحو
وشرح المفصل للزمخشري
واستفاض في الأبحاث النحوية في تفسيره الكبير
وكان يقول :" من تكلم في تفسير القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله "
وقد أُلفت رسائل في جهود الإمام النحوية واللغوية
ومن لطائف أبحاثه النحوية إليكم بحث :" كان"
قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى :" وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَة ٍ فَنَظِرَة ٌ إِلَى مَيْسَرَة"
قال النحويون كَانَ كلمة تستعمل على وجوه :
أحدها أن تكون بمنزلة حدث ووقع وذلك في قوله: " قد كان الأمر " أي : وجد وحينئذ لا يحتاج إلى خبر ، [ وهي كان التامة]
والثاني أن يخلع منه معنى الحدث فتبقى الكلمة مجردة للزمان وحينئذ يحتاج إلى الخبر وذلك كقوله : " كان زيد ذاهباً" [ وهي كان الناقصة]
واعلم أني حين كنت مقيماً بخوارزم وكان هناك جمع من أكابر الأدباء أوردت عليهم إشكالاً في هذا الباب فقلت :
إنكم تقولون : إن كَانَ إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلاً وهذا محال لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان فقولك : كَانَ يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلاً كانت تامة لا ناقصة وإن لم تكن تامة لم تكن فعلاً البتة ، بل كانت حرفاً وأنتم تنكرون ذلك
فبقوا في هذا الإشكال زماناً طويلاً وصنفوا في الجواب عنه كتباً وما أفلحوا فيه
ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو :
أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين :
أحدها : أن يكون المعنى وجد وحدث الشيء كقولك : "وجد الجوهر وحدث العرض"
والثاني : أن يكون المعنى وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء كقولك : "كان زيد عالماً " فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم
والقسم الأول : هو المسمى بكان التامة
والقسم الثاني : هو المسمى بالناقصة
وفي الحقيقة فالمفهوم من كَانَ في الموضعين هو الحدوث والوقوع إلا أنّ :
ــ في القسم الأول : المراد حدوث الشيء في نفسه فلا جرم كان الاسم الواحد كافياً
ــ والمراد في القسم الثاني : حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافياً ، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر وهذا من لطائف الأبحاث
فأما إن قلنا : إنه فعل كان دالاً على وقوع المصدر في الزمان الماضي فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ! [ وهم يقسمونها إلى تامة وناقصة فلا يصح تقسيمهم]
وإن قلنا : إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر وجميع خواص الأفعال ؟! [ فكيف تكون حرفا ؟!]
وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية اهـ
انتهى كلامه ،
وما كتب بين المعقوفين باللون الأخضر فهو من إضافتي تيسيرا للفهم
ورضي الله عن الإمام
عندما تقرأ للإمام الرازي تدهش من تدقيقه الشديد في كل العلوم وتعلم لمَ سُمي بالإمام مطلقا
وكانت للرازي عناية شديدة بالنحو فألف :
المحرر في النحو
وشرح المفصل للزمخشري
واستفاض في الأبحاث النحوية في تفسيره الكبير
وكان يقول :" من تكلم في تفسير القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله "
وقد أُلفت رسائل في جهود الإمام النحوية واللغوية
ومن لطائف أبحاثه النحوية إليكم بحث :" كان"
قال رحمه الله في تفسير قوله تعالى :" وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَة ٍ فَنَظِرَة ٌ إِلَى مَيْسَرَة"
قال النحويون كَانَ كلمة تستعمل على وجوه :
أحدها أن تكون بمنزلة حدث ووقع وذلك في قوله: " قد كان الأمر " أي : وجد وحينئذ لا يحتاج إلى خبر ، [ وهي كان التامة]
والثاني أن يخلع منه معنى الحدث فتبقى الكلمة مجردة للزمان وحينئذ يحتاج إلى الخبر وذلك كقوله : " كان زيد ذاهباً" [ وهي كان الناقصة]
واعلم أني حين كنت مقيماً بخوارزم وكان هناك جمع من أكابر الأدباء أوردت عليهم إشكالاً في هذا الباب فقلت :
إنكم تقولون : إن كَانَ إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلاً وهذا محال لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان فقولك : كَانَ يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي ، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلاً كانت تامة لا ناقصة وإن لم تكن تامة لم تكن فعلاً البتة ، بل كانت حرفاً وأنتم تنكرون ذلك
فبقوا في هذا الإشكال زماناً طويلاً وصنفوا في الجواب عنه كتباً وما أفلحوا فيه
ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو :
أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين :
أحدها : أن يكون المعنى وجد وحدث الشيء كقولك : "وجد الجوهر وحدث العرض"
والثاني : أن يكون المعنى وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء كقولك : "كان زيد عالماً " فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم
والقسم الأول : هو المسمى بكان التامة
والقسم الثاني : هو المسمى بالناقصة
وفي الحقيقة فالمفهوم من كَانَ في الموضعين هو الحدوث والوقوع إلا أنّ :
ــ في القسم الأول : المراد حدوث الشيء في نفسه فلا جرم كان الاسم الواحد كافياً
ــ والمراد في القسم الثاني : حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافياً ، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر وهذا من لطائف الأبحاث
فأما إن قلنا : إنه فعل كان دالاً على وقوع المصدر في الزمان الماضي فحينئذ تكون تامة لا ناقصة ! [ وهم يقسمونها إلى تامة وناقصة فلا يصح تقسيمهم]
وإن قلنا : إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر وجميع خواص الأفعال ؟! [ فكيف تكون حرفا ؟!]
وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية اهـ
انتهى كلامه ،
وما كتب بين المعقوفين باللون الأخضر فهو من إضافتي تيسيرا للفهم
ورضي الله عن الإمام
كلام رائع من الإمام، والله يزيدنا - وإياكم - حبا فيه
تعليق