الخصومة بين أبي حيان الأندلسي وابن تيمية
محمد أحمد الوليد
تاريخ النشر: 18/06/2012 ـ موقع الرقيم
تروي كتب التَّراجم أنَّ أباحيان الأندلسي نحوي عصره وأشهر مفسري وقته كان ممن يعظم شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه مدحه بخير شعره جاء في نفح الطيب: "وجاء أبو حيان إلى ابن تيمية والمجلس غاص فقال يمدحه ارتجالا (بعد أن ذكر أنه لم تر عيناه مثله):
لما أتـينا تقي الـدين لاح لنـا... داع إلى الله فرد مـا لـه وزر
على محياه من سيما الألى صحبوا... خير البرية نور دونـه القـمر
حبـر تسربل منه دهـره حـبرا... بحر تقاذف من أمـواجه الدرر
قام ابن تيمـية في نصـر شرعتنا... مقام سيد تيم إذ عـصت مضر
فأظهـر الحـق إذ آثاره درست... وأخمد الشر إذ طارت له الشرر
كـنا نحدث عـن حبر يجيء فها... أنت الإمام الذي قد كان ينتظر".
ولقد تحول هذا الإعجاب إلى ازدراء، وتلك المحبة إلى بغض، ورماه بكل سوء، هكذا تروي كتب التراجم، وقد اختلفت هذه الكتب بعد التأمُّل في سردها في مسألتين:
المسألة الأولى: سبب بغض أبي حيان لابن تيمية، رحمهما الله تعالى.
المسألة الثانية: محل تدوين أبي حيان لهذا البغض.
ومن هنا كانت فكرة هذه المقالة التاريخية.
المسألة الأولى:سبب بغض أبي حيَّان لابن تيمية:
إن الذي اطلعتُ عليه يعود إلى أمرين:
الأول: أنَّ ابن تيمية -رحمه الله- حطَّ من شأن سيبويه، وقال لأبي حيان: إنه أخطأ في ثلاثين، أو في ثمانين مسألة في كتابه الكتاب أو في القرآن (على روايتين)، فعظم على أبي حيان هذه المقالة فأبغضه، وشطب من ديوانه ما كان مدحه به من شعر، ولقد وجدتُ في كتب التراجم أنَّ الأندلسيين معشر أبي حيَّان يعظِّمون الكتاب تعظيماً لا يكاد يوجد عند غيرهم حتَّى إنهم يحفظونه حفظ القرآن، ولهم وِرْد في قراءته، والعناية بغوامضه وإشاراته، وسأكتب في ذلك شيئا لعلَّه يكون قريباً، فقدحٌ في سيبويه لا يقبل قطعاً فيمن كان هذا شأن كتابه عندهم.
جاء في كتاب الرَّد الوافر عن سبب القطيعة بينهما: "قال: ثم دار بينهما كلام فيه ذكر سيبويه، فقال ابن تيمية فيه كلاماً نافره عليه أبو حيان، وقطعه بسببه، ثم عاد من أكثر الناس ذمَّا له، واتخذه له ذنباً لا يغفر"، ثم ذكر أنَّ أبا حيان سُئل عن الأبيات التي مدح بها ابن تيمية فقال: "قد كشطتها من ديواني، ولا أثني عليه بخير، وقال: ناظرته فذكرت له كلام سيبويه فقال يفشر سيبويه، قال: (يعني أبا حيان)، وهذا لا يستحق الخطاب، وهذه القصة ذكرها الحافظ العلامة أبو الفداء إسماعيل بن كثير في تاريخه، وهي أنَّ أبا حيان تكلَّم مع الشيخ تقي الدين في مسألة في النحو فقطعه ابن تيمية فيها وألزمه الحجة، فذكر أبو حيان كلام سيبويه، فقال ابن تيمية: يفشر سيبويه، أسيبويه نبيُّ النحو أرسله الله به حتى يكون معصوماً، سيبويه أخطأ في القرآن في ثمانين موضعًا، لا تفهمها أنت ولا هو، هذا الكلام أو نحوه على ما سمعته من جماعة أخبروا به عن هذه الواقعة".
وأنا أرى أن هذا السبب ليس قوياً في إثبات الواقعة إلا أن يكون فلتة لسان من ابن تيمية - رحمه الله- فقد راجعتُ كثيراً من كتب ابن تيمية فإذا هي مشحونةٌ بالثناء العظيم على سيبويه وكتابه، فوصفه بحكيم العربية، وبأنَّه لا يُؤلَّف مثل كتابه في العالم، ومن أقواله:
1. قال في كتابه "الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": "فإنَّ كتاب سيبويه في العربِيَّة لم يُصَنَّف بعده مِثْلُهُ".
2. ويقول في الكيلانيَّة: "وقد ذكر ذلك سيبويه حكيم لسان العرب في باب الحكاية".
3. ويقول في النُّبوات: "والمبرز في فن من الفنون يقدر على ما لا يقدر عليه أحدٌ في زمنه، وليس هذا دليلاً على النبوَّة، فكتاب سيبويه مثلاً مما لا يقدر على مثله عامَّةُ الخلق، وليس بمعجز؛ إذ كان ليس مختصًّا بالأنبياء، بل هو موجود لغيرهم".
4. ويقول في درء تعارض العقل والنقل: "فإذا كان من ادَّعي في كلام سيبويه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنَّحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان، فمن ادعي في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلاناً وفساداً؛ لأنَّ هذا معصومٌ محفوظ".
5. ويقول في مجموع الفتاوى: "وكذلك النُّحاة مثل سيبويه الَّذي ليس في العالَمِ مِثْلُ كتابه وفيه حكمة لسان العرب".
الثاني: أنَّ عقيدة أبي حيان خالفت عقيدة ابن تيميَّة:
وهذا هو الذي أميلُ إليه؛ إذ إنَّ المؤرخ الصَّفدي من تلاميذ أبي حيان، وهو أقربُ مشاهدةً وسماعاً ممن أتى بعده، قال الصفدي في ترجمة شيخه أبي حيان: "وكان أوَّلاً يعتقد في الشيخ ابن تيميَّة، وامتدحه بقصيدة، ثم إنه انحرف عنه لما وقف على كتاب العرش له".
وهو ما يؤكده معاصره السبُّكي الكبير (756هـ) في كتابه السيف الصَّقيل (ص96 مكتبة زهران) يقول عن كتاب العرش لابن تيمية: "ولما وقف عليه الشَّيخ أبوحيَّان ما زال يلعنه حتَّى مات بعد أن كان يعظِّمه ".
و ملخص ما اتهم به ابن تيمية - رحمه الله- كما في تاريخ أبي الفداء: "أنه كان يقول بالتجسيم على ما هو منسوب إلى ابن حنبل"، وقال ابن حجر في الدرر الكامنة"، فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك كقوله: إن اليد والقدم والسَّاق والوجه صفاتٌ حقيقية لله، وأنه مستوٍ على العرش بذاته، فقيل له: يلزم من ذلك التحيُّز والانقسام، فقال: أنا لا أسلم أنَّ التحيُّز والانقسام من خواص الأجسام، فأُلزم بأنه يقول بتحيز في ذات الله".
وما نسبوه إليه - رحمه الله- خلاف ما يعتقده أبوحيان الأندلسي - رحمه الله تعالى- فقد جاء في الدرر الكامنة عند ترجمته: "وكان عرياً من الفلسفة بريئاً من الاعتزال والتجسيم متمسكاً بطريقة السلف". ( وابن تيمية يرى أن طريقه هو طريق السلف).
وقد جمع ابن حجر السببين فقال من غير جزم في الدرر الكامنة: "فقيل: إن سبب ذلك أنَّه بحث معه في العربيَّة فأساء ابن تيمية على سيبويه فساء ذلك أبا حيان وانحرف عنه، وقيل: بل وقف له على كتاب العرش فاعتقد أنَّه مجسِّم".
المسألة الثانية: محلُّ تدوين أبي حيان لهذا الذم لابن تيمية:
اختلف المؤرخون كذلك في موطن انتقاص أبي حيان لابن تيمية فيرى فريق أنه رماه بالسُّوء في تفسيريه للقرآن العظيم، وهما: البحر المحيط، والنهر الماد، وهو ملخص البحر، ويرى آخرون أن الانتقاص محله المختصر (النهر الماد) لا البحر، ويتردد ثالث بينهما وهذه أقوالهم:
1. يتردَّد ابن حجر بين الموطنين، فنسبه إلى النَّهر والبحر في موطن، وإلى النهر فقط في موطن آخر، قال في الدرر الكامنة: "وذكره في تفسيره البحر بكل سوء وكذلك في مختصره النهر"، ثم نقل في الترجمة نفسها: "وذكره في تفسيره الصغير بكل سوء، ونسبه إلى التجسيم ".
2. ويرى السيوطي أن الانتقاص محله النهر الماد، قال في البغية: "ورماه في تفسيره النهر بكل سوء".
3. أمَّا الشوكاني وصاحب جلاء العينين فيعزوان الانتقاص في البحر والنهر، قال الشوكاني في البدر الطالع: "وذكره فى تفسيره البحر بكل سوء وكذلك في مختصره النهر"، ومثله في جلاء العينين قال: "وذكره في تفسيره (البحر) بكل سوء، وكذا في مختصره (النهر)".
ويجدر ربي أن أشير إلى فائدة وجدتها أثناء هذا البحث، وهو أنَّ لأبي حيان اختصاراً لتفسيريه البحر والنهر سمَّاه (السَّاقية) أشار إليه الأمير في فهرس مروياته عن شيوخه، ولا أعلمُ من أشار إليه من أصحاب التراجم.
وقد استدعى خلافهم في عزو موطن الانتقاص من ابن تيمية أن يرجع الباحث إلى التفسيرين (البحر- والنهر) ليجزم برأي قاطع في محل الانتقاص، فراجعت البحر المطبوع فما وجدته، ثم راجعت النهر الماد فلم أجده رغم البحث الطويل، وبقيتُ في حَيرة من أمري، إذ لا يعقل أن يجمع المؤرِّخون على الرمي بالسوء ولا يوجد في الكتابين، ولا أخفي أنني غلبني أن هناك حذفاً متعمداً أو سهواً في نسخة السعادة، ولكن أعوزني الدليل، وبعد زمن اشتريت النهر الماد محقَّقاً في ستة مجلدات صدرت عن دار الجيل بتحقيق عمر الأسعد، وأخذت أتتبعه صفحة صفحة حتى وجدت تعليق أبي حيان يعرض فيه عقيدة ابن تيمية، وهو في تفسيره قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) قال: "وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سمَّاه كتاب العرش أن الله -تعالى- يجلس على الكرسي، وقد أخلى منه مكانا يقعد فيه مع رسول الله، تحيَّل عليه التَّاج محمَّد بن علي بن عبد الحق البارنباري، وكان أظهر أنَّه داعية له، حتَّى أخذه منه، وقرأنا ذلك فيه " (1/255).
وليس في العبارة رمي بكل سوءٍ كما أشار إليه بعض المؤرخين، ولكن فيها بيانًا بأن ابن تيمية مخالفٌ في عقيدته لما هو عند أبي حيان وأقرانه من علماء وقته، ولا يوجد في النَّص أنَّه ذمَّه بالجاهل أو المبتدع ونحوهما، ولهذا كان تعبير الصَّفدي: "ثم إنَّه انحرف عنه لَمّا وقف على كتاب العرش له"، أقرب إلى الوصف الصَّحيح، فلم يقل: رماه بسوء ونحوه كما عند بقيَّة المؤرخين، فهو تحولٌ عنه، لا رميٌ له، وبينهما فرق ظاهرٌ عند المنصفين.
وأظنُّ أنَّ الرَّمي بالسوء كان إمَّا في مجالسه التَّفسيرية التي كان يعقدها في مسجده، أو أنه فهمه بعض المؤرخين من عبارة السبكي الَّتي مرَّت، فقد ذكر أن أبا حيان وقف على كتاب العرش لابن تيمية، "مازال يلعنه حتى مات"، ووقوفه في تفسيره النهر، فاعتقد أن الرمي في النهر. والله أعلم.
وبعد أن عرفتُ أن مضمون الرّمي هو كتاب العرش رجعتُ إلى فهارس كتب ابن تيمية- رحمه الله تعالى- فوجدت في كشف الظنون: "كتاب (العرش وصفته) لابن أبي شيبة: محمد بن عثمان المتوفى: سنة (؟)، ولابن تيمية ذكر فيه: أن الله - تعالى - يجلس على الكرسي، وقد أخلى مكانا يقعد معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ذكره أبو حيان في: (النهر) في قوله - سبحانه وتعالى -: (وسع كرسيه السموات) وقال: قرأت في (كتاب العرش) لأحمد بن تيمية ما صورته بخطه".
* * *
ويبقى أن أشير إلى أن هذا النص المحذوف من النهر تاريخياً مهم، ولسنا هنا في مقام المنتصرين لمذهب على مذهب، ولكنَّه مهم من حيث إنَّه يوجب إعادة النظر في النهر المطبوع مع البحر بالسعادة، فكأنَّ القائم عليه رأى أن هذا يسوء الإمام ابن تيمية فعمد إلى الحذف المتعمد، إذ إن محقق النهر أشار إلى توافر نسخ متعددة له في مصر والأسكوريال، والمغرب، فلا أعتقد خلوها من هذا النص، وأستغرب أن الدكتور عمر الأسعد محقق النهر أشار إلى أنه اعتمد على المطبوع ولكنه للأسف لم يشر هو الآخر إلى هذا السقط المتعمد لما قابل بين نسخته المغربية وبين المطبوعة !!.
ولما تحققت أن هناك نصاً محذوفاً من النهر من نسخة السعادة، وأنه موجود في نسخ أخرى كالمغربية، والأخرى التي أشار إليها صاحب كشف الظنون أعوزني الدليل الدَّامغ في سبب الحذف من طبعة السعادة:
هل هو لسقوطه أصلاً من تلك النسخة التي اعتمد عليها الناشر؟ وما كنتُ لأعرف الجواب؛ إذ إنَّه لم يُبين موطنها وصفتها لأراجعها.
أو أن النَّص موجودٌ فيها، لكنه حذفٌ متعمِّد من الناشر؟ وبقيت في تلك الحيرة سنوات حتى وقفتُ على حقيقة الأمر، وهو أن المصِّحح -رحمه الله- تعمَّد الحذفَ، قال الشَّيخ محمَّد زاهد الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل (ص97): "وقد أخبرني مصحِّحُ طبعه بمطبعة السعادة أنَّه استفظعها جداً، وأكْبرَ أن يُنسب مثلُها إلى مسلم فحذفها عند الطَّبع لئلا يستغلها أعداءُ الدين، ورجاني أن أسجِّل ذلك هنا استدراكاً لما كان منه ونصيحة للمسلمين".
وهنا يتفق الأمناء على أن تعظيم ابن تيمية -رحمه الله تعالى- من قِبل المصحح لا يسوِّغ التلاعب بالنَّص التاريخي حذفاً وإنكاراً، فقد أوقع الناظرين في حَيرة سببها هل صدق المؤرِّخون وهم من الوزن الثقيل كابن حجر والسيوطي والشوكاني في عزو التعريض إلى النهر والبحر، أو أنه سهوٌ بشريٌّ قاله أحدهم فتتبَّعه آخرون دون تمحيص، لقد ثبت -كما رأيتَ- أن العزو دقيقٌ، لكن حذف النص وخيانة الأمانة العلميَّة كانت سبب هذه الحيرة.
وانظر كم يضيف هذا النَّص المحذوف من فوائد:
أوَّلاً: يفيدنا شيئاً جديداً يضاف إلى ترجمة (المتحيِّل) البارنباري قال ابن حجر: "محمَّد بن علي بن...تاج الدين البارنباري المعروف بطوير الليل قرأ على حسن الراشدي القراءات السبع وقرأ المعقول على شمس الدين الأصبهاني، وحفظ التعجيز وكان يستحضره إلى آخر وقت، وحفظ الجزولية، وكان جيد المناظرة، متوقد الذهن، عديم التكلف ولم يكن بيده بدمشق تدريسٌ ... ومات سنة 717".
فلم يُشَر في نصوص تراجمه، وهي عديدة ( أعرضتُ عنها اختصاراً مثل طبقات السبكي- وابن قاضي شهبة) إلى أنه كان تلميذاً في ظاهر أمره لابن تيمية، ولا أن له صلةً بأبي حيان، وبان أن البارنباري توفي قبل أبي حيان بمدة طويلة.
ثانياً: إنَّ كتاب العرش ألفه ابن تيمية- رحمه الله- من خطه لا من إملائه، وفيه صحَّة هذه النسبة.
ثالثاً: إن ابن تيمية- رحمه الله- كان يخفيه إلَّا على مريديه وأتباعه خوف ما كان يتعرض له من خصومه الذين يبحثون له عن كل شيء من أجل قتله أو سجنه.
وفي ختام الحديث إن يكن ابن تيمية اتهم سيبويه بما لا يليق فكرهه أبو حيان -ولا أراه حقاً- فقد أخطأ، وما كان معصوماً من الخطأ، وهي فلتة عالم في لحظة زهوٍ، وإن يكن من أجل عقيدته فللرجل مذهب ودليلٌ وقولٌ سابقٌ، قال ابن كثير رحمه الله (في كتابه البداية) وهو أحد تلاميذه: "وبالجملة كان -رحمه الله- من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب، ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطأه أيضا مغفور له كما في صحيح البخاري: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"، فهو مأجور. وقال الامام مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر".
رحم الله أُمَّة الإسلام
محمد أحمد الوليد
تاريخ النشر: 18/06/2012 ـ موقع الرقيم
تروي كتب التَّراجم أنَّ أباحيان الأندلسي نحوي عصره وأشهر مفسري وقته كان ممن يعظم شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه مدحه بخير شعره جاء في نفح الطيب: "وجاء أبو حيان إلى ابن تيمية والمجلس غاص فقال يمدحه ارتجالا (بعد أن ذكر أنه لم تر عيناه مثله):
لما أتـينا تقي الـدين لاح لنـا... داع إلى الله فرد مـا لـه وزر
على محياه من سيما الألى صحبوا... خير البرية نور دونـه القـمر
حبـر تسربل منه دهـره حـبرا... بحر تقاذف من أمـواجه الدرر
قام ابن تيمـية في نصـر شرعتنا... مقام سيد تيم إذ عـصت مضر
فأظهـر الحـق إذ آثاره درست... وأخمد الشر إذ طارت له الشرر
كـنا نحدث عـن حبر يجيء فها... أنت الإمام الذي قد كان ينتظر".
ولقد تحول هذا الإعجاب إلى ازدراء، وتلك المحبة إلى بغض، ورماه بكل سوء، هكذا تروي كتب التراجم، وقد اختلفت هذه الكتب بعد التأمُّل في سردها في مسألتين:
المسألة الأولى: سبب بغض أبي حيان لابن تيمية، رحمهما الله تعالى.
المسألة الثانية: محل تدوين أبي حيان لهذا البغض.
ومن هنا كانت فكرة هذه المقالة التاريخية.
المسألة الأولى:سبب بغض أبي حيَّان لابن تيمية:
إن الذي اطلعتُ عليه يعود إلى أمرين:
الأول: أنَّ ابن تيمية -رحمه الله- حطَّ من شأن سيبويه، وقال لأبي حيان: إنه أخطأ في ثلاثين، أو في ثمانين مسألة في كتابه الكتاب أو في القرآن (على روايتين)، فعظم على أبي حيان هذه المقالة فأبغضه، وشطب من ديوانه ما كان مدحه به من شعر، ولقد وجدتُ في كتب التراجم أنَّ الأندلسيين معشر أبي حيَّان يعظِّمون الكتاب تعظيماً لا يكاد يوجد عند غيرهم حتَّى إنهم يحفظونه حفظ القرآن، ولهم وِرْد في قراءته، والعناية بغوامضه وإشاراته، وسأكتب في ذلك شيئا لعلَّه يكون قريباً، فقدحٌ في سيبويه لا يقبل قطعاً فيمن كان هذا شأن كتابه عندهم.
جاء في كتاب الرَّد الوافر عن سبب القطيعة بينهما: "قال: ثم دار بينهما كلام فيه ذكر سيبويه، فقال ابن تيمية فيه كلاماً نافره عليه أبو حيان، وقطعه بسببه، ثم عاد من أكثر الناس ذمَّا له، واتخذه له ذنباً لا يغفر"، ثم ذكر أنَّ أبا حيان سُئل عن الأبيات التي مدح بها ابن تيمية فقال: "قد كشطتها من ديواني، ولا أثني عليه بخير، وقال: ناظرته فذكرت له كلام سيبويه فقال يفشر سيبويه، قال: (يعني أبا حيان)، وهذا لا يستحق الخطاب، وهذه القصة ذكرها الحافظ العلامة أبو الفداء إسماعيل بن كثير في تاريخه، وهي أنَّ أبا حيان تكلَّم مع الشيخ تقي الدين في مسألة في النحو فقطعه ابن تيمية فيها وألزمه الحجة، فذكر أبو حيان كلام سيبويه، فقال ابن تيمية: يفشر سيبويه، أسيبويه نبيُّ النحو أرسله الله به حتى يكون معصوماً، سيبويه أخطأ في القرآن في ثمانين موضعًا، لا تفهمها أنت ولا هو، هذا الكلام أو نحوه على ما سمعته من جماعة أخبروا به عن هذه الواقعة".
وأنا أرى أن هذا السبب ليس قوياً في إثبات الواقعة إلا أن يكون فلتة لسان من ابن تيمية - رحمه الله- فقد راجعتُ كثيراً من كتب ابن تيمية فإذا هي مشحونةٌ بالثناء العظيم على سيبويه وكتابه، فوصفه بحكيم العربية، وبأنَّه لا يُؤلَّف مثل كتابه في العالم، ومن أقواله:
1. قال في كتابه "الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": "فإنَّ كتاب سيبويه في العربِيَّة لم يُصَنَّف بعده مِثْلُهُ".
2. ويقول في الكيلانيَّة: "وقد ذكر ذلك سيبويه حكيم لسان العرب في باب الحكاية".
3. ويقول في النُّبوات: "والمبرز في فن من الفنون يقدر على ما لا يقدر عليه أحدٌ في زمنه، وليس هذا دليلاً على النبوَّة، فكتاب سيبويه مثلاً مما لا يقدر على مثله عامَّةُ الخلق، وليس بمعجز؛ إذ كان ليس مختصًّا بالأنبياء، بل هو موجود لغيرهم".
4. ويقول في درء تعارض العقل والنقل: "فإذا كان من ادَّعي في كلام سيبويه وجالينوس ونحوهما ما يخالف ما عليه أهل العلم بالطب والنَّحو والحساب من كلامهم كان قوله معلوم البطلان، فمن ادعي في كلام الله ورسوله خلاف ما عليه أهل الإيمان كان قوله أظهر بطلاناً وفساداً؛ لأنَّ هذا معصومٌ محفوظ".
5. ويقول في مجموع الفتاوى: "وكذلك النُّحاة مثل سيبويه الَّذي ليس في العالَمِ مِثْلُ كتابه وفيه حكمة لسان العرب".
الثاني: أنَّ عقيدة أبي حيان خالفت عقيدة ابن تيميَّة:
وهذا هو الذي أميلُ إليه؛ إذ إنَّ المؤرخ الصَّفدي من تلاميذ أبي حيان، وهو أقربُ مشاهدةً وسماعاً ممن أتى بعده، قال الصفدي في ترجمة شيخه أبي حيان: "وكان أوَّلاً يعتقد في الشيخ ابن تيميَّة، وامتدحه بقصيدة، ثم إنه انحرف عنه لما وقف على كتاب العرش له".
وهو ما يؤكده معاصره السبُّكي الكبير (756هـ) في كتابه السيف الصَّقيل (ص96 مكتبة زهران) يقول عن كتاب العرش لابن تيمية: "ولما وقف عليه الشَّيخ أبوحيَّان ما زال يلعنه حتَّى مات بعد أن كان يعظِّمه ".
و ملخص ما اتهم به ابن تيمية - رحمه الله- كما في تاريخ أبي الفداء: "أنه كان يقول بالتجسيم على ما هو منسوب إلى ابن حنبل"، وقال ابن حجر في الدرر الكامنة"، فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك كقوله: إن اليد والقدم والسَّاق والوجه صفاتٌ حقيقية لله، وأنه مستوٍ على العرش بذاته، فقيل له: يلزم من ذلك التحيُّز والانقسام، فقال: أنا لا أسلم أنَّ التحيُّز والانقسام من خواص الأجسام، فأُلزم بأنه يقول بتحيز في ذات الله".
وما نسبوه إليه - رحمه الله- خلاف ما يعتقده أبوحيان الأندلسي - رحمه الله تعالى- فقد جاء في الدرر الكامنة عند ترجمته: "وكان عرياً من الفلسفة بريئاً من الاعتزال والتجسيم متمسكاً بطريقة السلف". ( وابن تيمية يرى أن طريقه هو طريق السلف).
وقد جمع ابن حجر السببين فقال من غير جزم في الدرر الكامنة: "فقيل: إن سبب ذلك أنَّه بحث معه في العربيَّة فأساء ابن تيمية على سيبويه فساء ذلك أبا حيان وانحرف عنه، وقيل: بل وقف له على كتاب العرش فاعتقد أنَّه مجسِّم".
المسألة الثانية: محلُّ تدوين أبي حيان لهذا الذم لابن تيمية:
اختلف المؤرخون كذلك في موطن انتقاص أبي حيان لابن تيمية فيرى فريق أنه رماه بالسُّوء في تفسيريه للقرآن العظيم، وهما: البحر المحيط، والنهر الماد، وهو ملخص البحر، ويرى آخرون أن الانتقاص محله المختصر (النهر الماد) لا البحر، ويتردد ثالث بينهما وهذه أقوالهم:
1. يتردَّد ابن حجر بين الموطنين، فنسبه إلى النَّهر والبحر في موطن، وإلى النهر فقط في موطن آخر، قال في الدرر الكامنة: "وذكره في تفسيره البحر بكل سوء وكذلك في مختصره النهر"، ثم نقل في الترجمة نفسها: "وذكره في تفسيره الصغير بكل سوء، ونسبه إلى التجسيم ".
2. ويرى السيوطي أن الانتقاص محله النهر الماد، قال في البغية: "ورماه في تفسيره النهر بكل سوء".
3. أمَّا الشوكاني وصاحب جلاء العينين فيعزوان الانتقاص في البحر والنهر، قال الشوكاني في البدر الطالع: "وذكره فى تفسيره البحر بكل سوء وكذلك في مختصره النهر"، ومثله في جلاء العينين قال: "وذكره في تفسيره (البحر) بكل سوء، وكذا في مختصره (النهر)".
ويجدر ربي أن أشير إلى فائدة وجدتها أثناء هذا البحث، وهو أنَّ لأبي حيان اختصاراً لتفسيريه البحر والنهر سمَّاه (السَّاقية) أشار إليه الأمير في فهرس مروياته عن شيوخه، ولا أعلمُ من أشار إليه من أصحاب التراجم.
وقد استدعى خلافهم في عزو موطن الانتقاص من ابن تيمية أن يرجع الباحث إلى التفسيرين (البحر- والنهر) ليجزم برأي قاطع في محل الانتقاص، فراجعت البحر المطبوع فما وجدته، ثم راجعت النهر الماد فلم أجده رغم البحث الطويل، وبقيتُ في حَيرة من أمري، إذ لا يعقل أن يجمع المؤرِّخون على الرمي بالسوء ولا يوجد في الكتابين، ولا أخفي أنني غلبني أن هناك حذفاً متعمداً أو سهواً في نسخة السعادة، ولكن أعوزني الدليل، وبعد زمن اشتريت النهر الماد محقَّقاً في ستة مجلدات صدرت عن دار الجيل بتحقيق عمر الأسعد، وأخذت أتتبعه صفحة صفحة حتى وجدت تعليق أبي حيان يعرض فيه عقيدة ابن تيمية، وهو في تفسيره قوله تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض) قال: "وقرأت في كتاب لأحمد بن تيمية هذا الذي عاصرنا وهو بخطه سمَّاه كتاب العرش أن الله -تعالى- يجلس على الكرسي، وقد أخلى منه مكانا يقعد فيه مع رسول الله، تحيَّل عليه التَّاج محمَّد بن علي بن عبد الحق البارنباري، وكان أظهر أنَّه داعية له، حتَّى أخذه منه، وقرأنا ذلك فيه " (1/255).
وليس في العبارة رمي بكل سوءٍ كما أشار إليه بعض المؤرخين، ولكن فيها بيانًا بأن ابن تيمية مخالفٌ في عقيدته لما هو عند أبي حيان وأقرانه من علماء وقته، ولا يوجد في النَّص أنَّه ذمَّه بالجاهل أو المبتدع ونحوهما، ولهذا كان تعبير الصَّفدي: "ثم إنَّه انحرف عنه لَمّا وقف على كتاب العرش له"، أقرب إلى الوصف الصَّحيح، فلم يقل: رماه بسوء ونحوه كما عند بقيَّة المؤرخين، فهو تحولٌ عنه، لا رميٌ له، وبينهما فرق ظاهرٌ عند المنصفين.
وأظنُّ أنَّ الرَّمي بالسوء كان إمَّا في مجالسه التَّفسيرية التي كان يعقدها في مسجده، أو أنه فهمه بعض المؤرخين من عبارة السبكي الَّتي مرَّت، فقد ذكر أن أبا حيان وقف على كتاب العرش لابن تيمية، "مازال يلعنه حتى مات"، ووقوفه في تفسيره النهر، فاعتقد أن الرمي في النهر. والله أعلم.
وبعد أن عرفتُ أن مضمون الرّمي هو كتاب العرش رجعتُ إلى فهارس كتب ابن تيمية- رحمه الله تعالى- فوجدت في كشف الظنون: "كتاب (العرش وصفته) لابن أبي شيبة: محمد بن عثمان المتوفى: سنة (؟)، ولابن تيمية ذكر فيه: أن الله - تعالى - يجلس على الكرسي، وقد أخلى مكانا يقعد معه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ذكره أبو حيان في: (النهر) في قوله - سبحانه وتعالى -: (وسع كرسيه السموات) وقال: قرأت في (كتاب العرش) لأحمد بن تيمية ما صورته بخطه".
* * *
ويبقى أن أشير إلى أن هذا النص المحذوف من النهر تاريخياً مهم، ولسنا هنا في مقام المنتصرين لمذهب على مذهب، ولكنَّه مهم من حيث إنَّه يوجب إعادة النظر في النهر المطبوع مع البحر بالسعادة، فكأنَّ القائم عليه رأى أن هذا يسوء الإمام ابن تيمية فعمد إلى الحذف المتعمد، إذ إن محقق النهر أشار إلى توافر نسخ متعددة له في مصر والأسكوريال، والمغرب، فلا أعتقد خلوها من هذا النص، وأستغرب أن الدكتور عمر الأسعد محقق النهر أشار إلى أنه اعتمد على المطبوع ولكنه للأسف لم يشر هو الآخر إلى هذا السقط المتعمد لما قابل بين نسخته المغربية وبين المطبوعة !!.
ولما تحققت أن هناك نصاً محذوفاً من النهر من نسخة السعادة، وأنه موجود في نسخ أخرى كالمغربية، والأخرى التي أشار إليها صاحب كشف الظنون أعوزني الدليل الدَّامغ في سبب الحذف من طبعة السعادة:
هل هو لسقوطه أصلاً من تلك النسخة التي اعتمد عليها الناشر؟ وما كنتُ لأعرف الجواب؛ إذ إنَّه لم يُبين موطنها وصفتها لأراجعها.
أو أن النَّص موجودٌ فيها، لكنه حذفٌ متعمِّد من الناشر؟ وبقيت في تلك الحيرة سنوات حتى وقفتُ على حقيقة الأمر، وهو أن المصِّحح -رحمه الله- تعمَّد الحذفَ، قال الشَّيخ محمَّد زاهد الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل (ص97): "وقد أخبرني مصحِّحُ طبعه بمطبعة السعادة أنَّه استفظعها جداً، وأكْبرَ أن يُنسب مثلُها إلى مسلم فحذفها عند الطَّبع لئلا يستغلها أعداءُ الدين، ورجاني أن أسجِّل ذلك هنا استدراكاً لما كان منه ونصيحة للمسلمين".
وهنا يتفق الأمناء على أن تعظيم ابن تيمية -رحمه الله تعالى- من قِبل المصحح لا يسوِّغ التلاعب بالنَّص التاريخي حذفاً وإنكاراً، فقد أوقع الناظرين في حَيرة سببها هل صدق المؤرِّخون وهم من الوزن الثقيل كابن حجر والسيوطي والشوكاني في عزو التعريض إلى النهر والبحر، أو أنه سهوٌ بشريٌّ قاله أحدهم فتتبَّعه آخرون دون تمحيص، لقد ثبت -كما رأيتَ- أن العزو دقيقٌ، لكن حذف النص وخيانة الأمانة العلميَّة كانت سبب هذه الحيرة.
وانظر كم يضيف هذا النَّص المحذوف من فوائد:
أوَّلاً: يفيدنا شيئاً جديداً يضاف إلى ترجمة (المتحيِّل) البارنباري قال ابن حجر: "محمَّد بن علي بن...تاج الدين البارنباري المعروف بطوير الليل قرأ على حسن الراشدي القراءات السبع وقرأ المعقول على شمس الدين الأصبهاني، وحفظ التعجيز وكان يستحضره إلى آخر وقت، وحفظ الجزولية، وكان جيد المناظرة، متوقد الذهن، عديم التكلف ولم يكن بيده بدمشق تدريسٌ ... ومات سنة 717".
فلم يُشَر في نصوص تراجمه، وهي عديدة ( أعرضتُ عنها اختصاراً مثل طبقات السبكي- وابن قاضي شهبة) إلى أنه كان تلميذاً في ظاهر أمره لابن تيمية، ولا أن له صلةً بأبي حيان، وبان أن البارنباري توفي قبل أبي حيان بمدة طويلة.
ثانياً: إنَّ كتاب العرش ألفه ابن تيمية- رحمه الله- من خطه لا من إملائه، وفيه صحَّة هذه النسبة.
ثالثاً: إن ابن تيمية- رحمه الله- كان يخفيه إلَّا على مريديه وأتباعه خوف ما كان يتعرض له من خصومه الذين يبحثون له عن كل شيء من أجل قتله أو سجنه.
وفي ختام الحديث إن يكن ابن تيمية اتهم سيبويه بما لا يليق فكرهه أبو حيان -ولا أراه حقاً- فقد أخطأ، وما كان معصوماً من الخطأ، وهي فلتة عالم في لحظة زهوٍ، وإن يكن من أجل عقيدته فللرجل مذهب ودليلٌ وقولٌ سابقٌ، قال ابن كثير رحمه الله (في كتابه البداية) وهو أحد تلاميذه: "وبالجملة كان -رحمه الله- من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب، ولكن خطأه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي، وخطأه أيضا مغفور له كما في صحيح البخاري: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"، فهو مأجور. وقال الامام مالك بن أنس: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر".
رحم الله أُمَّة الإسلام
تعليق