السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
هذه كلمة ما أروعها للشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني تغمده الله برحمته ، سطرها في كتابه دلائل الإعجاز ، ولمزيد حسنها أعادها و ختم بها رسالته الشافية بنحوها ، و تجدونها في طبعة هيئة الكتاب ص 549 ، ص 628
وهذه الكلمة تعبر عن حال العلوم في عصرنا حيث يتخيل كثير من الأغمار أنهم محققون بل مجتهدون و هم بَعدُ لم يَرقَ أحدهم درجة واحدة من سُلّم العلم فلله الأمر!!
قال الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني رحمه الله :
" فلست تملك إذن من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته ورى ،وقلب إذا أريته رأى فأما وصاحبك من لا يرى ما تُرِيه ولا يهتدي للذي تهديه فأنت معه كالنافخ في الفحم من غير نار ،و كالملتمس الشم من أخشم ، وأنت رام معه في غير مرمى ومعن نفسك في غير جدوى وكما لا تقيم الشعر في نفس من لا ذوق له كذلك لا يفهم هذا الشأن من لم يؤت الآلة التي بها يفهم، إلا أنه إنما يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنه قد أوتيها وأنه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء فجعل يخبط و يخلط و يقول القول لو علم غيه لاستحيا منه و أما الذين يحس بالنقص في نفسه ويعلم أنه قد عَدِمَ علما قد أوتيه مَن سواه فأنت منه في راحة وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره وأن يتكلف ما ليس بأهل به .
وإذا كانت العلوم التي لها أصول معروفة وقوانين مضبوطة قد اشترك الناس في العلم بها واتفقوا على أن البناء عليها والرد إليها إذا أخطأ فيها المخطىء ثم أعجب برأيه لم يستطع رده عن هواه وصرفه عن الرأي الذي رآه إلا بعد الجهد، وإلا بعد أن يكون حصيفا عاقلا ثبتا إذا نُبّه انتبه وإذا قيل:" إن عليك بقية من النظر" وَقَفَ وأصغى وخشي أن يكون قد غُر فاحتاط باستماع ما يقال له وأنف من أن يلج من غير بينة ويستطيل بغير حجة وكان من هذا وصفه يعز ويقل، فكيف بأن ترد الناس عن رأيهم في هذا الشأن وأصلك الذي تردهم إليه وتعول في محاجتهم عليه استشهاد القرائح وسبر النفوس وفليها وما يعرض فيها من الأريحية عندما تسمع وكان ذلك الذي يفتح لك سمعهم ويكشف الغطاء عن أعينهم ويصرف إليك أوجههم وهم لا يضعون أنفسهم موضع من يرى الرأي ويفتي ويقضي إلا وعندهم أنهم ممن صفت قريحته وصح ذوقه وتمت أداته فإذا قلت لهم :"إنكم قد أوتيتم من أنفسكم" ، ردوا عليك مثله و قالوا : " لا بل قرائحنا أصح ونظرنا أصدق وحسنا أذكى وإنما الآفة فيكم فإنكم جئتم فخيلتم إلى أنفسكم أمورا لا حاصل لها وأوهمكم الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلا على الآخر من غير أن يكون ذلك الفضل معقولا!!!"
فتبقى في أيديهم حسيرا لا تملك غير التعجب فليس الكلام إذن بمغن عنك ولا القول بنافع ولا الحجة مسموعة حتى تجد من فيه عون لك على نفسه ومن إذا أبى عليك أبى ذاك طبعه فرده إليك وفتح سمعه لك ورفع الحجاب بينك وبينه وأخذ به إلى حيث أنت وصرف ناظره إلى الجهة التي إليها أومأت فاستبدل بالنفار أنسا واراك من بعد الإباء قبولا، وبالله التوفيق "
انتهي كلامه رحمه الله ، وكفي به منبّها للغافلين
و آلمني قوله :" فتبقى في أيديهم حسيرا لا تملك غير التعجب فليس الكلام إذن بمغن عنك ولا القول بنافع ولا الحجة مسموعة" فكأنه يري عصرنا رأي العين فلا الأغمار في عصرنا ينتفعون بكلام العلماء و لا يسمعون حججهم بل يشغبون عليهم
و يسيئون الأدب ، و لا حول ولا قوة إلا بالله!
تعليق