مسموح بطبعه ونشره بشرط عدم التصرف في نص الكتاب
التوسُّل في سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
بقلم
الدكتور محمود أحمد الزين
الطبعة الأولى
1425هـ - 2004م
مسموح بطبعه ونشره بشرط عدم التصرف في نص الكتاب
قام بتوثيق المنقولات وصف الحروف وتنسيقها
الشيخ : محمد ربيع محمد زين
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
له الحمد، وبه المستعان، وعلى حبيبه الأعظم ورسوله الأكرم سيدنا محمد وآله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
وبعد :
فإن الله تعالى أمر عباده باتباع أهل الهدى فقال: {اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون}[يس/21]، وأحق الناس بالإتباع بعد الأنبياء والمرسلين هم الذين أثنى عليهم الله في كتابه، وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم في سننه، قال الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}[التوبة/100].
وقد قال ربنا سبحانه لهذه الأمة {كنتم خير الأمة أخرجت للناس} [آل عمران/110]، وبين لنا رسوله صلى الله عليه وسلم أن خير هذه الأمة هم أهل القرون الثلاثة الأولى منها فقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وهم الذين سمتهم الأمة: السلف الصالح اعتماداً على شهادته لهم صلى الله عليه وسلم، خلافاً لما جرى عليه بعض المعاصرين الذين يطلقون هذا الاسم على أئمة مذهبهم وشيوخهم، فهذا وإن صح لغة ففيه توهيم يراد منه تخصيص أهل مذهبهم دون جميع المسلمين بهذا الاسم الطيب تزكية لأنفسهم وتهمة لغيرهم.
وإذا أمرنا ربنا سبحانه باتباع أئمة الهدى من السلف الصالح فهل يمكن أن يكون قولهم في الدين بدعة ضلالة؟! لاسيما إن كانوا من كبار الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل الذي قضى حياته في مقاومة البدع وأهلها، وتحمل من أجل ذلك ما لا يتحمله إلا من اقتدى بأولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام؟!
وطبيعي أن يكون الجواب لا، لا يمكن أن يكون قولهم في الدين بدعة ضلالة، لكن قد يقول لنا قائل: إن الإمام أحمد وأمثاله من أئمة الهدى لا يمكن أن يتعمدوا ذلك، ولكنهم بشر وقد يجتهدون فيخطئون ـ عن غير قصد ـ فيخالفون السنة، ولا بد لنا حينئذٍ من أن نترك قولهم ونأخذ بالسنة؛ لأن مخالفة السنة هي البدعة الضلالة، ولو اتبعنا البدعة لكنا في النار كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) .
والجواب لهذا القائل: أنه استعجل فجعل مخالفة السنة بطريق الخطأ بدعة، وهذا يعارض صريح السنة النبوية التي فرقت في الجزاء بين البدعة الضلالة وخطأ الاجتهاد، فقال صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) ، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين ولو كانت مخالفة السنة بطريق الخطأ الاجتهادي بدعة لكان كثير من الصحابة وتابعيهم مبتدعين؛ لأنهم اختلفوا في كثير من المسائل، ولا بد أن يكون أحد الطرفين مصيباً والآخر مخطئاً فعائشة رضي الله عنها خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم في أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه... وجمهور الأمة على قول ابن عباس مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين وافقوا أم المؤمنين رضي الله عنها، وكذلك أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحي... ومع هذا فلا ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم... وأم المؤمنين تأولت والله يرضى عنها ، وكذلك معاوية نقل عنه في أمر المعراج أنه قال : إنما كان بروحه ، والناس على خلاف معاوية ، ومثل هذا كثير ، وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط أي لا ينحصر لأنه كثير جداً.
وبهذا يظهر أن العمل بالاجتهاد ـ المصيب والمخطئ ـ هو من نوع العزيمة والرخصة. من استطاع العمل بالعزيمة لم يجز له أن يعمل بالرخصة، ومن لم يستطع عمل بالرخصة، والرخصة ليست باطلاً ولا بدعةً ولا ضلالاً، ولا ينبغي لمن أقدره الله على العزيمة أن ينكر على من عجز فاتبع الرخصة، والعزيمة والرخصة كلاهما شرع الله، وشرعه كله حق ليس فيه ضلال ولا بدعة، كالمريض في رمضان يجوز له أن يفطر، ولا يجوز للصحيح أن ينكر على المريض، والصيام والفطر كلاهما من شرع الله، وكلاهما حق لا بدعة، وفي مسائل الاجتهاد ربما يكون الذي يزعم أنه مصيب في اجتهاده هو المخطئ، فكم من مجتهد تبين له أنه كان مخطئاً، ولا يعلم حقيقة الصواب في مسائل الاجتهاد إلا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وغيرهما يعتمد على الأدلة في معرفة الصواب وقد يخطئ، مع أن المخطئ والمصيب كلاهما مأجور بنص الحديث، والله لا يأجر على البدعة، فتبديع المخطئ في اجتهاده عناد لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيه. وكذلك تبديع من اتبعه من الذين ليس عندهم العلم المؤهل لبحث الأدلة؛ لأنهم بأمر الله اتبعوه إذ قال سبحانه: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[الأنبياء/7] هذا مذهب السلف وأهل السنة، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين
ثم إن من حق كل إنسان أن يقول لمن يدعوه إلى ترك كلام أئمة الهدى إذا رآهم قد أخطؤوا في معرفة الصواب من السنة: ماذا نفعل في مسألة رأيت أنت أن أئمة الهدى أخطؤوا فيها ورأى غيرك أنهم أصابوا؟ أنتبعهم أم نتبعك؟!
ونعتقد أنه إذا كان منصفاً فسيقول: إن كانت لكم القدرة العلمية على فهم الأدلة فاتبعوا الدليل الأقوى، وإن لم تكن لكم القدرة على فهم الأدلة فاتبعوا الأعلم الأتقى؛ لأنه بعلمه يكون أقرب إلى الصواب وبتقواه يكون أخلص في اتباع الحق .
ونقول له بكل احترام: قد أخلصت لنا النصيحة جزاك الله خيراً.
وهذه أمامنا مسألة التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفتى بمشروعيتها الإمام أحمد ابن حنبل ومن كانت عنده القدرة على فهم الأدلة منا وافق الإمام؛ لأنه رأى أدلته أقوى، ومن لم تكن له القدرة على ذلك اتبع هذا الإمام؛ لأنه رآه أقرب إلى الصواب بسبب علمه الواسع، وبسبب تقواه التي عرف بها لدى أهل السنة جميعاً.
تعال معنا نحتكم إلى الكتاب والسنة ونتبع الحق فإن ظهر رجع الجميع إليه، وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا، وسكت هذا عن هذا، كالمسائل التي يتنازع فيها أهل المذاهب ، وكما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد فيقر بعضهم بعضاً ولا يعتدي عليه ولسنا حكماً ولا حجةً عليك، ولست حكماً ولا حجةً علينا {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين}[الأنعام/57] {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}[السجدة/25]. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلاً وألهمنا اجتنابه وكرهنا فيه. لك الحمد أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على عبده الأكرم ورسوله الأعظم وحبيبه الأقرب سيدنا محمد وآله وصحبه وورثته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
التوسل في دعاء زيارة النبي صلى الله عليه وسلم
عند الإمام أحمد
كان الإمام أحمد يشرح آداب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فقال رحمه الله: ثم ائت الروضة، وهي بين القبر والمنبر فصلِّ فيها وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقل: السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يامحمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، أشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ماجزى نبياً عن أمته، ورفع درجتك العليا، وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه ، واسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعدها أبداً ... فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصلِّ ركعتين وودِّع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل سلامك الأول ، وسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وحول وجهك إلى القبلة وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تقض من الله عز وجل .
حث الإمام أحمد على التوسل :
وقول الإمام أحمد هنا: (وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم) له معنيان:
ـ إما أن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم أن تقضي حوائجي، وهذا هو الأقرب؛ لأنه أمر به بعد الزيارة عند التوجه إلى القبلة لدعاء آخر غير دعاء الزيارة. وإما أن يقول عند الزيارة: يا رسول الله ادع لي بكذا، وقد نقل ابن تيمية التوسل هنا عن الإمام أحمد، رغم أنه يخالفه ويقول: بأن ذلك لا يجوز، ومن أراد اتباع السنة فحسبه الإمام أحمد قدوة؛ لكمال علمه بالسنة، ولكونه من كبار أئمة الاجتهاد، وفهمه للسنة أجدر بالاتباع ، فإن كان مصيباً ـ وهو حقيق بذلك ـ فله أجران وتابعه مأجور أيضاً؛ لأنه بأمر الله اتبعه {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[الأنبياء/7]، وإن لم يكن مصيباً فله أجر، وتابعه مأجور أيضاً؛ لأنه بأمر الله اتبعه ، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعض من يحفظ السنة لا يفقهها فقال : رب حامل فقه ليس بفقيه ومن كان غير فقيه لا سبيل له إلا أن يسأل أهل الذكر، عن فقه السنة النبوية، وحسبه الإمام أحمد بن حنبل إمام السنة، مع أنه وافقه على ذلك آخرون من أئمة الهدى، وليس الاكتفاء بنقل قوله رضي الله عنه من باب التقليد الأعمى، كما يزعم المخالفون، بل لأن هذه المسألة تحتاج بحثاً موسعاً يدفع عنها الشبهات، ويكشف سداد قول الإمام أحمد وموافقيه، ويذكر الموافقين له أو أكثرهم، وليس لمن اختار قولاً آخر وفهماً آخر أن يضللهم أو يبدعهم، وفيما يلي موجز في ذلك.
بعض أدلة التوسل :
فقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الضرير، (عن عثمان بن حنيف: أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك وهو خير، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء فيقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم شفعه في، وشفعني فيه قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه) . وفي رواية قال عثمان: (فو الله ما تفرقنا، ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط) . وهذا الحديث صريح باستحباب أن يقول المرء في دعائه : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
فزعم الذين يحرمون هذا التوسل أن هذا الحديث فيه التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، لا بذاته ولا بجاهه، وإن كان ظاهره يدل على التوسل بهما، واعتمدوا على وجوه من التأويلات:
(1) زعموا أن التوسل نوعان: النوع الأول: يكون بدعائه صلى الله عليه وسلم، أي بطلب الدعاء منه، وهو مشروع في حياته فقط. والثاني: يكون بسؤال الله به، كقول الداعي: اللهم إني أسألك بنبيك محمد وهذا غير مشروع، بل هو بدعة ضلالة، وحديث الضرير دلت الأدلة ـ بزعمهم ـ على أنه من النوع الأول لا الثاني.
والجواب على ذلك: أن الموجود في الحديث ليس لفظ التوسل الذي ينقسم إلى نوعين، بل الموجود هو لفظ السؤال به، وهو النوع الثاني نفسه، فلا ينقسم هذا الانقسام، ولا يحتمل أن يكون من النوع الأول أصلاً، فالتماس الأدلة على معنى لا يحتمله اللفظ شبيه بما لو أولنا قوله صلى الله عليه وسلم: صل ركعتين بأنه دعا له.
(2) وزعموا أن من أجاز هذا التوسل ومن منعه يتفقان على تقدير مضاف إما بدعاء نبيك كما يقوله المانعون وإما بذات نبيك أو بجاه نبيك كما يقوله المجيزون، وطلبه الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد النبي صلى الله عليه وسلم له به يدلان على أنه بدعائه كأنه قال: اللهم إني طلبت من نبيك الدعاء فاشفني، فيكون هذا التوسل الذي علمه إياه من النوع الأول المشروع، لا النوع الثاني الممنوع.
والجواب هنا من جهتين: الأولى: أن الثابت في الحديث هو لفظ النوع الثاني، وهو لا يحتمل النوع الأول، فالتماس الأدلة على معنى لا يحتمله اللفظ ليس له فائدة.
والثانية: هي أن الذين يجيزون التوسل بذاته لا يحتاجون إلى تقدير مضاف؛ لأن لفظ نبيك يدل على الذات بنفسه صراحة، دون حاجة إلى تقدير، ولا داعي لدليل يقويه، بينما التقدير الأول فيه زيادة على النص، والنص لا يحتملها فهو تأويل مجرد فيسقط.
(3) زعموا أن قوله في الحديث اللهم فشفعه في يوجب حمله على النوع الأول؛ لأن الشفاعة لا تجيء إلا بمعنى
طلب المرء من المسؤول حاجة لآخر.
والجواب عن هذا الإشكال من ثلاث جهات:
أولاها: أن اللفظ صريح في النوع الثاني لا يحتمل المعنى الأول، فهذا الاستدلال ليس له فائدة.
ثانيتها: أن معاجم اللغة ذكرت استعمال الشفاعة بما يشمل السؤال به أيضاً، ففي المصباح المنير: الشفاعة هي الطلب بوسيلة أو ذمام والذمام: الحق، فقولك: أسألك بحق فلان يسمى شفاعة ـ بناء على تعريف الشفاعة في المصباح المنير ـ .
ثالثتها: لو سلمنا بأنه دعا له ، فلا يصح هذا التأويل ، الذي لا يحتمله اللفظ ، بل يجب تفسير ذلك حينئذٍٍ بأنه دعا له ، وعلمه التوسل بذاته ومكانته ـ زيادة على ما طلبه ـ كما علمه أن يتوضأ ويصلي ركعتين ، زيادة على الدعاء ليكون توسلاً بالعمل الصالح مع سؤال الله بنبيه صلى الله عليه وسلم.
زيادتان في روايتين تبطلان التأويل :
وقد جاءت زيادتان في بعض روايات حديث الضرير توجبان بقاء الحديث دون تأويل، فضعفوهما بأدلة واهية.
الزيادة الأولى: ذكر ابن تيمية في كتابه قاعدة جليلة ص (97): أنه رواها ابن أبي خيثمة ـ في تاريخه ـ من طريق حماد بن سلمة، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للضرير ـ بعدما علمه ذلك الدعاء ـ: وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك وهذا إذن منه صلى الله عليه وسلم للرجل أن يدعو بهذا الدعاء كلما كانت له حاجة وذلك يشمل حالة غياب النبي صلى الله عليه وسلم وبدون أن يطلب منه الدعاء.
أما الذين يحرمون هذا التوسل فزعموا أن هذه الزيادة ضعيفة؛ لأنها خالفت رواية شعبة الخالية منها، وهو أوثق من حماد، فتكون زيادة حماد شاذة.
وهذه دعوى لا تثبت، بل هي معاكسة للقواعد الحديثية؛ لأن هذه الزيادة تتفق مع ظاهر الحديث في المعنى ، ولا تخالفه إلا بعد تأويلهم، فأيهما أحق بالرد: تأويلهم ، أم زيادة الثقة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟! والزيادة لا ترد بمجرد كونها زيادة، بل بمخالفة معناها لأصل الحديث ؛ لأنه ليس الشذوذ أن يروي الثقة مالا يرويه الأوثق ، بل الشذوذ أن يروي ما ينافي رواية الأوثق ، بحيث لا يمكن العمل بهما معاً.
وقالوا: لو ثبتت فالإشارة في قوله: افعل مثل ذلك راجعة إلى مجموع القصة أي ائتني واطلب الدعاء وأدعو لك وأعلمك وهذا تأويل لا يصح؛ لأن حكاية مجيئه وطلبه ـ في الرواية ـ ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا من كلام الضرير، حتى تعود الإشارة إليها، بل من كلام عثمان راوي القصة حين روايتها، فلا يصح أن تعود إشارته صلى الله عليه وسلم إليها أصلاً، ولأنه مبني على تأويل أسألك بنبيك على معنى أتوسل إليك بنبيك، وهو لا يحتمله، كما تقدم، وهذا التأويل أدى إلى اختلاف الروايتين، والتأويل يقبل إذا أدى إلى اتفاق الروايات ، ويسقط إذا أدى إلى اختلافها.
الزيادة الثانية: رواية الطبراني في معجميه الصغير والكبير أن راوي الحديث عثمان بن حنيف علَّم هذا الدعاء رجلاً كانت له حاجة عند عثمان بن عفان رضي الله عنه فدعا بهذا الدعاء، فقضاها له، وذلك يدل على أن قوله: أسألك بنبيك ليس توسلاً بدعائه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفتوى بعد وفاته ، وطلب الدعاء عند هؤلاء ممنوع بعد الموت، فيبقى الحديث على ظاهره دون تأويل ، والصحابي أفقه في السنة منا .
التوسُّل في سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
بقلم
الدكتور محمود أحمد الزين
الطبعة الأولى
1425هـ - 2004م
مسموح بطبعه ونشره بشرط عدم التصرف في نص الكتاب
قام بتوثيق المنقولات وصف الحروف وتنسيقها
الشيخ : محمد ربيع محمد زين
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
له الحمد، وبه المستعان، وعلى حبيبه الأعظم ورسوله الأكرم سيدنا محمد وآله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.
وبعد :
فإن الله تعالى أمر عباده باتباع أهل الهدى فقال: {اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون}[يس/21]، وأحق الناس بالإتباع بعد الأنبياء والمرسلين هم الذين أثنى عليهم الله في كتابه، وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم في سننه، قال الله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}[التوبة/100].
وقد قال ربنا سبحانه لهذه الأمة {كنتم خير الأمة أخرجت للناس} [آل عمران/110]، وبين لنا رسوله صلى الله عليه وسلم أن خير هذه الأمة هم أهل القرون الثلاثة الأولى منها فقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وهم الذين سمتهم الأمة: السلف الصالح اعتماداً على شهادته لهم صلى الله عليه وسلم، خلافاً لما جرى عليه بعض المعاصرين الذين يطلقون هذا الاسم على أئمة مذهبهم وشيوخهم، فهذا وإن صح لغة ففيه توهيم يراد منه تخصيص أهل مذهبهم دون جميع المسلمين بهذا الاسم الطيب تزكية لأنفسهم وتهمة لغيرهم.
وإذا أمرنا ربنا سبحانه باتباع أئمة الهدى من السلف الصالح فهل يمكن أن يكون قولهم في الدين بدعة ضلالة؟! لاسيما إن كانوا من كبار الأئمة كالإمام أحمد بن حنبل الذي قضى حياته في مقاومة البدع وأهلها، وتحمل من أجل ذلك ما لا يتحمله إلا من اقتدى بأولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام؟!
وطبيعي أن يكون الجواب لا، لا يمكن أن يكون قولهم في الدين بدعة ضلالة، لكن قد يقول لنا قائل: إن الإمام أحمد وأمثاله من أئمة الهدى لا يمكن أن يتعمدوا ذلك، ولكنهم بشر وقد يجتهدون فيخطئون ـ عن غير قصد ـ فيخالفون السنة، ولا بد لنا حينئذٍ من أن نترك قولهم ونأخذ بالسنة؛ لأن مخالفة السنة هي البدعة الضلالة، ولو اتبعنا البدعة لكنا في النار كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) .
والجواب لهذا القائل: أنه استعجل فجعل مخالفة السنة بطريق الخطأ بدعة، وهذا يعارض صريح السنة النبوية التي فرقت في الجزاء بين البدعة الضلالة وخطأ الاجتهاد، فقال صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) ، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين ولو كانت مخالفة السنة بطريق الخطأ الاجتهادي بدعة لكان كثير من الصحابة وتابعيهم مبتدعين؛ لأنهم اختلفوا في كثير من المسائل، ولا بد أن يكون أحد الطرفين مصيباً والآخر مخطئاً فعائشة رضي الله عنها خالفت ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم في أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه... وجمهور الأمة على قول ابن عباس مع أنهم لا يبدعون المانعين الذين وافقوا أم المؤمنين رضي الله عنها، وكذلك أنكرت أن يكون الأموات يسمعون دعاء الحي... ومع هذا فلا ريب أن الموتى يسمعون خفق النعال، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم... وأم المؤمنين تأولت والله يرضى عنها ، وكذلك معاوية نقل عنه في أمر المعراج أنه قال : إنما كان بروحه ، والناس على خلاف معاوية ، ومثل هذا كثير ، وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط أي لا ينحصر لأنه كثير جداً.
وبهذا يظهر أن العمل بالاجتهاد ـ المصيب والمخطئ ـ هو من نوع العزيمة والرخصة. من استطاع العمل بالعزيمة لم يجز له أن يعمل بالرخصة، ومن لم يستطع عمل بالرخصة، والرخصة ليست باطلاً ولا بدعةً ولا ضلالاً، ولا ينبغي لمن أقدره الله على العزيمة أن ينكر على من عجز فاتبع الرخصة، والعزيمة والرخصة كلاهما شرع الله، وشرعه كله حق ليس فيه ضلال ولا بدعة، كالمريض في رمضان يجوز له أن يفطر، ولا يجوز للصحيح أن ينكر على المريض، والصيام والفطر كلاهما من شرع الله، وكلاهما حق لا بدعة، وفي مسائل الاجتهاد ربما يكون الذي يزعم أنه مصيب في اجتهاده هو المخطئ، فكم من مجتهد تبين له أنه كان مخطئاً، ولا يعلم حقيقة الصواب في مسائل الاجتهاد إلا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وغيرهما يعتمد على الأدلة في معرفة الصواب وقد يخطئ، مع أن المخطئ والمصيب كلاهما مأجور بنص الحديث، والله لا يأجر على البدعة، فتبديع المخطئ في اجتهاده عناد لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيه. وكذلك تبديع من اتبعه من الذين ليس عندهم العلم المؤهل لبحث الأدلة؛ لأنهم بأمر الله اتبعوه إذ قال سبحانه: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[الأنبياء/7] هذا مذهب السلف وأهل السنة، وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين
ثم إن من حق كل إنسان أن يقول لمن يدعوه إلى ترك كلام أئمة الهدى إذا رآهم قد أخطؤوا في معرفة الصواب من السنة: ماذا نفعل في مسألة رأيت أنت أن أئمة الهدى أخطؤوا فيها ورأى غيرك أنهم أصابوا؟ أنتبعهم أم نتبعك؟!
ونعتقد أنه إذا كان منصفاً فسيقول: إن كانت لكم القدرة العلمية على فهم الأدلة فاتبعوا الدليل الأقوى، وإن لم تكن لكم القدرة على فهم الأدلة فاتبعوا الأعلم الأتقى؛ لأنه بعلمه يكون أقرب إلى الصواب وبتقواه يكون أخلص في اتباع الحق .
ونقول له بكل احترام: قد أخلصت لنا النصيحة جزاك الله خيراً.
وهذه أمامنا مسألة التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفتى بمشروعيتها الإمام أحمد ابن حنبل ومن كانت عنده القدرة على فهم الأدلة منا وافق الإمام؛ لأنه رأى أدلته أقوى، ومن لم تكن له القدرة على ذلك اتبع هذا الإمام؛ لأنه رآه أقرب إلى الصواب بسبب علمه الواسع، وبسبب تقواه التي عرف بها لدى أهل السنة جميعاً.
تعال معنا نحتكم إلى الكتاب والسنة ونتبع الحق فإن ظهر رجع الجميع إليه، وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا، وسكت هذا عن هذا، كالمسائل التي يتنازع فيها أهل المذاهب ، وكما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد فيقر بعضهم بعضاً ولا يعتدي عليه ولسنا حكماً ولا حجةً عليك، ولست حكماً ولا حجةً علينا {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين}[الأنعام/57] {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}[السجدة/25]. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلاً وألهمنا اجتنابه وكرهنا فيه. لك الحمد أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم وبارك على عبده الأكرم ورسوله الأعظم وحبيبه الأقرب سيدنا محمد وآله وصحبه وورثته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
التوسل في دعاء زيارة النبي صلى الله عليه وسلم
عند الإمام أحمد
كان الإمام أحمد يشرح آداب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم فقال رحمه الله: ثم ائت الروضة، وهي بين القبر والمنبر فصلِّ فيها وادع بما شئت، ثم ائت قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقل: السلام عليك يارسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يامحمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، أشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ماجزى نبياً عن أمته، ورفع درجتك العليا، وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤلك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبراهيم، اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه ، واسقنا بكأسه مشرباً روياً لا نظمأ بعدها أبداً ... فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصلِّ ركعتين وودِّع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل سلامك الأول ، وسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وحول وجهك إلى القبلة وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تقض من الله عز وجل .
حث الإمام أحمد على التوسل :
وقول الإمام أحمد هنا: (وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم) له معنيان:
ـ إما أن يقول: اللهم إني أسألك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم أن تقضي حوائجي، وهذا هو الأقرب؛ لأنه أمر به بعد الزيارة عند التوجه إلى القبلة لدعاء آخر غير دعاء الزيارة. وإما أن يقول عند الزيارة: يا رسول الله ادع لي بكذا، وقد نقل ابن تيمية التوسل هنا عن الإمام أحمد، رغم أنه يخالفه ويقول: بأن ذلك لا يجوز، ومن أراد اتباع السنة فحسبه الإمام أحمد قدوة؛ لكمال علمه بالسنة، ولكونه من كبار أئمة الاجتهاد، وفهمه للسنة أجدر بالاتباع ، فإن كان مصيباً ـ وهو حقيق بذلك ـ فله أجران وتابعه مأجور أيضاً؛ لأنه بأمر الله اتبعه {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}[الأنبياء/7]، وإن لم يكن مصيباً فله أجر، وتابعه مأجور أيضاً؛ لأنه بأمر الله اتبعه ، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بعض من يحفظ السنة لا يفقهها فقال : رب حامل فقه ليس بفقيه ومن كان غير فقيه لا سبيل له إلا أن يسأل أهل الذكر، عن فقه السنة النبوية، وحسبه الإمام أحمد بن حنبل إمام السنة، مع أنه وافقه على ذلك آخرون من أئمة الهدى، وليس الاكتفاء بنقل قوله رضي الله عنه من باب التقليد الأعمى، كما يزعم المخالفون، بل لأن هذه المسألة تحتاج بحثاً موسعاً يدفع عنها الشبهات، ويكشف سداد قول الإمام أحمد وموافقيه، ويذكر الموافقين له أو أكثرهم، وليس لمن اختار قولاً آخر وفهماً آخر أن يضللهم أو يبدعهم، وفيما يلي موجز في ذلك.
بعض أدلة التوسل :
فقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الضرير، (عن عثمان بن حنيف: أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك وهو خير، وإن شئت دعوت، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء فيقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه فتقضى لي، اللهم شفعه في، وشفعني فيه قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه) . وفي رواية قال عثمان: (فو الله ما تفرقنا، ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر قط) . وهذا الحديث صريح باستحباب أن يقول المرء في دعائه : اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم.
فزعم الذين يحرمون هذا التوسل أن هذا الحديث فيه التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، لا بذاته ولا بجاهه، وإن كان ظاهره يدل على التوسل بهما، واعتمدوا على وجوه من التأويلات:
(1) زعموا أن التوسل نوعان: النوع الأول: يكون بدعائه صلى الله عليه وسلم، أي بطلب الدعاء منه، وهو مشروع في حياته فقط. والثاني: يكون بسؤال الله به، كقول الداعي: اللهم إني أسألك بنبيك محمد وهذا غير مشروع، بل هو بدعة ضلالة، وحديث الضرير دلت الأدلة ـ بزعمهم ـ على أنه من النوع الأول لا الثاني.
والجواب على ذلك: أن الموجود في الحديث ليس لفظ التوسل الذي ينقسم إلى نوعين، بل الموجود هو لفظ السؤال به، وهو النوع الثاني نفسه، فلا ينقسم هذا الانقسام، ولا يحتمل أن يكون من النوع الأول أصلاً، فالتماس الأدلة على معنى لا يحتمله اللفظ شبيه بما لو أولنا قوله صلى الله عليه وسلم: صل ركعتين بأنه دعا له.
(2) وزعموا أن من أجاز هذا التوسل ومن منعه يتفقان على تقدير مضاف إما بدعاء نبيك كما يقوله المانعون وإما بذات نبيك أو بجاه نبيك كما يقوله المجيزون، وطلبه الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ووعد النبي صلى الله عليه وسلم له به يدلان على أنه بدعائه كأنه قال: اللهم إني طلبت من نبيك الدعاء فاشفني، فيكون هذا التوسل الذي علمه إياه من النوع الأول المشروع، لا النوع الثاني الممنوع.
والجواب هنا من جهتين: الأولى: أن الثابت في الحديث هو لفظ النوع الثاني، وهو لا يحتمل النوع الأول، فالتماس الأدلة على معنى لا يحتمله اللفظ ليس له فائدة.
والثانية: هي أن الذين يجيزون التوسل بذاته لا يحتاجون إلى تقدير مضاف؛ لأن لفظ نبيك يدل على الذات بنفسه صراحة، دون حاجة إلى تقدير، ولا داعي لدليل يقويه، بينما التقدير الأول فيه زيادة على النص، والنص لا يحتملها فهو تأويل مجرد فيسقط.
(3) زعموا أن قوله في الحديث اللهم فشفعه في يوجب حمله على النوع الأول؛ لأن الشفاعة لا تجيء إلا بمعنى
طلب المرء من المسؤول حاجة لآخر.
والجواب عن هذا الإشكال من ثلاث جهات:
أولاها: أن اللفظ صريح في النوع الثاني لا يحتمل المعنى الأول، فهذا الاستدلال ليس له فائدة.
ثانيتها: أن معاجم اللغة ذكرت استعمال الشفاعة بما يشمل السؤال به أيضاً، ففي المصباح المنير: الشفاعة هي الطلب بوسيلة أو ذمام والذمام: الحق، فقولك: أسألك بحق فلان يسمى شفاعة ـ بناء على تعريف الشفاعة في المصباح المنير ـ .
ثالثتها: لو سلمنا بأنه دعا له ، فلا يصح هذا التأويل ، الذي لا يحتمله اللفظ ، بل يجب تفسير ذلك حينئذٍٍ بأنه دعا له ، وعلمه التوسل بذاته ومكانته ـ زيادة على ما طلبه ـ كما علمه أن يتوضأ ويصلي ركعتين ، زيادة على الدعاء ليكون توسلاً بالعمل الصالح مع سؤال الله بنبيه صلى الله عليه وسلم.
زيادتان في روايتين تبطلان التأويل :
وقد جاءت زيادتان في بعض روايات حديث الضرير توجبان بقاء الحديث دون تأويل، فضعفوهما بأدلة واهية.
الزيادة الأولى: ذكر ابن تيمية في كتابه قاعدة جليلة ص (97): أنه رواها ابن أبي خيثمة ـ في تاريخه ـ من طريق حماد بن سلمة، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للضرير ـ بعدما علمه ذلك الدعاء ـ: وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك وهذا إذن منه صلى الله عليه وسلم للرجل أن يدعو بهذا الدعاء كلما كانت له حاجة وذلك يشمل حالة غياب النبي صلى الله عليه وسلم وبدون أن يطلب منه الدعاء.
أما الذين يحرمون هذا التوسل فزعموا أن هذه الزيادة ضعيفة؛ لأنها خالفت رواية شعبة الخالية منها، وهو أوثق من حماد، فتكون زيادة حماد شاذة.
وهذه دعوى لا تثبت، بل هي معاكسة للقواعد الحديثية؛ لأن هذه الزيادة تتفق مع ظاهر الحديث في المعنى ، ولا تخالفه إلا بعد تأويلهم، فأيهما أحق بالرد: تأويلهم ، أم زيادة الثقة المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟! والزيادة لا ترد بمجرد كونها زيادة، بل بمخالفة معناها لأصل الحديث ؛ لأنه ليس الشذوذ أن يروي الثقة مالا يرويه الأوثق ، بل الشذوذ أن يروي ما ينافي رواية الأوثق ، بحيث لا يمكن العمل بهما معاً.
وقالوا: لو ثبتت فالإشارة في قوله: افعل مثل ذلك راجعة إلى مجموع القصة أي ائتني واطلب الدعاء وأدعو لك وأعلمك وهذا تأويل لا يصح؛ لأن حكاية مجيئه وطلبه ـ في الرواية ـ ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا من كلام الضرير، حتى تعود الإشارة إليها، بل من كلام عثمان راوي القصة حين روايتها، فلا يصح أن تعود إشارته صلى الله عليه وسلم إليها أصلاً، ولأنه مبني على تأويل أسألك بنبيك على معنى أتوسل إليك بنبيك، وهو لا يحتمله، كما تقدم، وهذا التأويل أدى إلى اختلاف الروايتين، والتأويل يقبل إذا أدى إلى اتفاق الروايات ، ويسقط إذا أدى إلى اختلافها.
الزيادة الثانية: رواية الطبراني في معجميه الصغير والكبير أن راوي الحديث عثمان بن حنيف علَّم هذا الدعاء رجلاً كانت له حاجة عند عثمان بن عفان رضي الله عنه فدعا بهذا الدعاء، فقضاها له، وذلك يدل على أن قوله: أسألك بنبيك ليس توسلاً بدعائه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفتوى بعد وفاته ، وطلب الدعاء عند هؤلاء ممنوع بعد الموت، فيبقى الحديث على ظاهره دون تأويل ، والصحابي أفقه في السنة منا .
تعليق