بسم الله الرحمن الرحيم
يورد المشبِّهة ابن تيميَّة وأتباعه إيراداً على أهل السنَّة في مسألة كلام الله تعالى ويتقافزون به فرحين كأنَّه القاصمة لقول أهل السنَّة...!
مع أنَّه في نفسه فارغ تافه لأنَّه منبنٍ على مغالطة...
وقبل ذك الشُّبهة فليُبيَّن الآتي...
معلوم أنَّ أهل السنَّة والجماعة يصفون الله تعالى بصفات المعاني، القدرة والإرادة والعلم والكلام...
وهم يقولون إنَّ الله تعالى موصوف بصفة علم واحدة وبصفة قدرة واحدة وبصفة إرادة واحدة وبصفة كلام واحدة وبصفة سمع واحدة...
ويقولون إنَّ صفة القدرة الواحدة متعلِّقة بجميع المقدورات، وبأنَّ صفة العلم الواحدة متعلِّقة بجميع المعلومات، وبأنَّ صفة الإرادة واحدة متعلِّقة بجميع المرادات...
وتعلُّقات الصفات ليس هي عين الصفات.
فليس لله تعالى قدرات بعدد الأفعال، وليس له تعالى علوم، بل هو علم واحد متعلِّق بجميع المعلومات، وليس له تعالى صفات إرادة متعدِّدة، بل الصفة واحدة...
وصفة القدرة ليست هي نفس التأثير في شيء، وصفة الإرادة ليست نفس ترجيح وجود شيء، وصفة العلم ليست هي عين العلم بكذا وكذا...
أي إنَّ صفات المعاني ليست هي المعاني المصدريَّة، فنحن قد نُطلق الإرادة ونريد بها عين الترجيح، وقد نطلقها ونريد بها الصفة التي يكون الموصوف بها مريداً لما يريد.
وقد نطلق العلم ونريد به المعنى المصدريَّ، أي كون الله تعالى عالماً بزيد وكون زيد معلوماً له تعالى، وقد نُطلق العلم ونريد به صفة المعنى لله تعالى.
فكذا أثبتوا صفة الكلام بأنَّها صفة معنى واحدة، وأثبتوا أنَّها متعلِّقة بكلِّ ما تعلَّق به العلم تعلُّقاً قديماً، وكذلك أطلقوا الكلام على ما تعلَّقت به صفة الكلام دلالة، وقالوا إنَّ الله تعالى لم يزل متكلِّماً بكلِّ ما تكلَّم به.
فهناك صفة الكلام الواحدة، وهي صفة معنى، وهناك تعلُّقات لصفة الكلام هي تعلُّقات دلالة.
فالتعلُّقات متعدِّدة، والصفة واحدة.
والكلُّ قديم.
.................................................. ...
فإذا ما عرفتَ هذا فلتُذكَر شبهة أهل الزيغ...
.................................................. ......
فيقول ابن أبي العزِّ لجرحه الذي سمَّاه شرحاً للطَّحاويَّة: "ويقال لِمَن قال: إنه معنى واحد: هل سمع موسى عليه السلام جميع المعنى أو بعضه؟ فإن قال: سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله، وفساد هذا ظاهر، وإن قال: بعضه، فقد قال: يتبعض وكذلك كل من كلمه الله، أو أنزل إليه شيئاً من كلامه .
ولمَّا قال تعالى للملائكة"إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة" [البقرة:30] ولما قال لهم "اسْجُدُوا لِآدَمَ" [البقرة:34] وأمثال ذلك هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه، فهذا مكابرة، وإن قال بعضه فقد اعترف بتعدده".
وقال الدكتور سفر الحوالي في شرح كلام ابن أبي العزِّ: " فيقال: ما الذي سمع موسى عليه السلام من ربه -عز وجل- لما كلمه؟
إن قالوا: سمع جميع كلام الله؛ لأنه معنى واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، فهذا واضح البطلان؛ لأنه إنما سمع بعضه.
وإن قالوا: سمع البعض.
قلنا: إذاً قد أقررتم أنتم بالتبعيض وبالتعدد، فقد ناقضتم أنفسكم، وهذا اعتراف منكم بأن قولكم: "إنه معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد قائم بالنفس" باطل، ثم نقول: هل سمع موسى عليه السلام كل ما في نفس الله سبحانه وتعالى، فإن قالوا نعم فهذا باطل؛ لأنه -سبحانه وتعالى- لا أحد يحيط بعلمه أبداً فعلمه -سبحانه وتعالى- فوق إدراك كل إنسان".
.................................................. ........................................
فإذا ما فهمنا شبهة هؤلاء بعد أن أدركنا قول السادة الأشاعرة فسيكون واضحاً بإذن الله تعالى بيان تهافتها...
فببساطة: نحن لا نقول إنَّ سيدنا موسى على نبيِّنا وعليه الصلاة والسلام قد سمع عين صفة الكلام!
بل نقول إنَّه على نبينا وعليه الصلاة والسلام قد سمع بعض متعلَّقات صفة الكلام، وهذه المتعلَّقات قديمة.
فالمسموع قديم والسماع حادث بأن خلق الله تعالى في نفس سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام إدراكاً لبعض ما تعلَّقت به صفة الكلام.
فلا إشكال من أيِّ وجه في أن نقول إنَّ سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قد سمع (بعض) الكلام القديم لله تعالى قاصدين به بعض ما تعلَّقت به صفة الكلام.
..................................................
يبقى أن يُقال أنَّه قد ورد عن بعض العلماء أنَّ كلام الله تعالى إن كان بالعربيَّة فهو قرآن وإن كان بالعبريَّة فهو توراة وإن بالسريانيَّة فإنجيل...
فهذا القول هو بنظر القائل إلى توسُّط الألفاظ، فالعربيَّة والعبريَّة والسريانيَّة لغات لفظيَّة، والألفاظ ليست هي عين الصفة القديمة...
فالصفة القديمة إن تعلَّقت تعلُّقاً لغويّاً فمتعلَّقها كذا أو كذا.
وبهذا يكون هذا مثالاً آخر على أنَّ المشبِّهة مغالطون يُلبِّسون قول أهل الحقِّ ما ليس منه، فهم لا ييفهمون قول أهل الحقِّ أصلاً...!
ثمَّ يوردون عليهم بفهمهم التَّافه السقيم.
أو إنَّ ذلك من مكابرة منهم وتشنيع بالباطل والمغالطة المتعمَّدة والتمويه، وهو من هؤلاء كثير ككثرة عدم فهمهم وتحقيقهم لأقوال خصومهم.
.................................................. ...
فائدة: في بيان إحدى كذبات ابن تيمية
قال ابن تيميَّة في [مجموع الفتاوى]: "وهذا كما أن أقواما ابتدعوا : أن حروف القرآن ليست من كلام الله وأن كلام الله إنما هو معنى قائم بذاته هو الأمر والنهي والخبر وهذا الكلام فاسد بالعقل الصريح والنقل الصحيح فإن المعنى الواحد لا يكون هو الأمر بكل مأمور والخبر عن كل مخبر ولا يكون معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحدا وهم يقولون : إذا عبر عن ذلك الكلام بالعربية صار قرآنا وإذا عبر عنه بالعبرية صار توراة وهذا غلط فإن التوراة يعبر عنها بالعربية ومعانيها ليست هي معاني القرآن والقرآن يعبر عنه بالعبرية وليست معانيه هي معاني التوراة .
وهذا القول أول من أحدثه ابن كلاب ولكنه هو ومن اتبعه عليه : كالأشعري وغيره يقولون مع ذلك : إن القرآن محفوظ بالقلوب حقيقة متلو بالألسن حقيقة مكتوب في المصاحف حقيقة . ومنهم من يمثل ذلك بأنه محفوظ بالقلوب كما أن الله معلوم بالقلوب ومتلو بالألسن كما أن الله مذكور بالألسن ومكتوب في المصاحف كما أن الله مكتوب في المصاحف وهذا غلط في تحقيق مذهب ابن كلاب والأشعري فإن القرآن عندهم معنى عبارة عنه والحقائق لها أربع مراتب : وجود عيني وعلمي ولفظي ، ورسمي .
فليس العلم بالمعنى له المرتبة الثانية وليس ثبوته في الكتاب كثبوت الأعيان في الكتاب فزاد هؤلاء قول ابن كلاب والأشعري قبحا. ثم تبع أقوام من أتباعهم أحد أهل المذهب وأن القرآن معنى قائم بذات الله فقط وأن الحروف ليست من كلام الله بل خلقها الله في الهواء أو صنفها جبريل أو محمد فضموا إلى ذلك أن المصحف ليس فيه إلا مداد وورق.
وأعرضوا عما قاله سلفهم من أن ذلك دليل على كلام الله فيجب احترامه لما رأوا أن مجرد كونه دليلا لا يوجب الاحترام كالدليل على الخالق المتكلم بالكلام فإن الموجودات كلها أدلة عليه ولا يجب احترامها.
(((فصار هؤلاء يمتهنون المصحف حتى يدوسوه بأرجلهم ومنهم من يكتب أسماء الله بالعذرة إسقاطا لحرمة ما كتب في المصاحف ، والورق من أسماء الله وآياته))).
وقد اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف مثل أن يلقيه في الحش أو يركضه برجله إهانة له إنه كافر مباح الدم".
فأين هذا قد حصل في المسلمين يا أيُّها المسلمون؟!
فهذا كذب صريح من ابن تيميَّة على السادة الأشاعرة.
هذا وإنَّ التَّقليل من تشريف المصحف الشريف هو من فعل الوهابيَّة، أمَّا أهل السُّنَّة فهم أكثر النَّاس احتراماً للمصحف الشريف بتقبيله وتعليقه في أرفع مكان والقيام لحامله...
أمَّا المشبِّهة فنرى بعضهم عياناً لا يتحاشون وضع المصحف الشريف بإزاء الأرجل، وإن كان هذا لا يعني تعميم ذلك فيهم.
والسلام عليكم...
تعليق