بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد فالذب عن العلماء الربانيين من أفضل القربات ، وكان الإمام الرازي من أكابر العلماء الذين عرف المسلمون قدرهم جيلا بعد جيل أما في زماننا فتطاول عليه أصاغر المبتدعة ممن لا يقرأون ولا يفقهون إلا قليلا ، وكانت مسألة تصنيف السر المكتوم مما كثر فيه الكلام واستفاض فوجب بيان الحق فيها والذب عن هذا الإمام
فتكلم عن ذلك شيخنا سعيد فودة أدام الله أيامه في شرحه لأساس التقديس
ونقل أخي عثمان النابلسي حفظه الله نقولا واضحة عن الرازي في مسألة السحر وموقفه منها مما كتبه الرازي في التفسير الكبير وفي المطالب العالية وفي السر المكتوم نفسه
ونقل أخي ورفيقي أشرف سهيل وفقه الله كلام الإمام القرافي في المسألة
وما قالوه كاف شاف في المسألة
ثم وقفت على نصين في غاية النفاسة لم يقف عليهما أحد من العصريين بعد ، وهذان النصان من كتابين مخطوطين كتبهما الإمام الرازي بالفارسية لغة أهل البلدان الشرقية في ذلك الزمان كخوارزم وهراة وطوس وغيرها من تلك البلدان
وقد ساعدني في ترجمة هذه النصوص إلى العربية أخي الفاضل الأستاذ / محمد عبد الرحيم الحنفي الأشعري المتخصص في اللغة الفارسية وعلومها
وأهدي هذين النصين لشيخنا سعيد فودة حفظه الله ولكل تلاميذه فإليكم سادتي:
النص الأول من كتاب جامع العلوم الستيني
وهو كتاب مفيد جليل تكلم فيه الإمام عن العلوم التي يتداولها أهل عصره
ولما تكلم عن الطلاسم وذكر ما يفعله أهلها في دعوتهم الكواكب كوكبا كوكبا بطلسم خاص بكل كوكب منها ، لما انتهى مما يقوله هؤلاء قال رحمه الله :
"أما في ديننا وشريعتنا شريعة الإسلام فهذا حرام ، بل كل من يفعل هذه الأفعال كافر وفي عداد المرتدين ، ولولا أن بعض الناس سمعوا باسم هذا النوع لما أوردناه في هذا الكتاب ، لكن ذكرنا نبذة منه على وجه النصيحة والتنبيه لئلا يفعله الناس ؛ فهو ـ وإن تحصّل منه مقصود دنيوي ـ مفسدٌ للدين والإسلام ، نعوذ بالله من بيع الآخرة بالدنيا . " اهـ
فهو إذن يتكلم في هذه الأشياء على سبيل المباحثة والبيان لا على سبيل الاعتقاد والإقرار
كمن يجمع كلام أهل البدعة في مسألة ما ليقف على حقيقة أقوالهم لا ليتبنى أقوالهم ، وهذا واضح جلي لكن زاده الإمام وضوحا بهذا النقل الذي قدمناه .
النص الثاني من كتاب الاختيارات العلائية في الاختبارات السمائية
قال الإمام الرازي في مقدمة الاختيارات العلائية في الاختبارات السمائية
"ينبغي أن تعلم أن النظر في النجوم على ستة أوجه :
الأول : النظر في هذه الأجرام لتدل علي الخالق عز اسمه وحياته وعلمه وقدرته، وهذا عين الإيمان بل أعلى درجات الإيمان ؛ لأن إبراهيم عليه السلام نظر في النجوم والقمر والشمس فاستدل بهذا النظر على وجود الباري سبحانه وتعالي .
الثاني : النظر في حركاتها لتحديد أوقات الصلاة والصيام والزكاة والحج وسمت القبلة ، والنظر في النجوم على هذا الوجه واجب
الثالث : النظر في مقاديرها وأجرامها وأبعادها ودوراتها كما في علم الهيئة والنظر في النجوم على هذا الوجه مندوب إليه لفهم آثار حكمة الله
الرابع : اعتقاد أن النجوم غير مؤثرة أبدا في العالم بالطبع ، لكن أجرى الله تعالى العادة أن طلوع الشمس سبب ضياء العالم وغروبها سبب ظلمته ، والقرب منها سبب حرارة الهواء والابتعاد عنها سبب برودته ، ومثل هذا النظر في هذه النجوم كأسباب للسعادة والنحوسة من طريق العادة لا من طريق الطبع ، واتفق جملة المحققين والمتكلمين على أن علم النجوم على هذا الوجه ليس بكفر ولا ضلالة .
الخامس : اعتقاد أن النجوم مؤثرة في العالم بالطبع ، وهذا الاعتقاد خطأ ولكنه ليس بكفر
السادس : اعتقاد أن النجوم مدبرة للعالم وعبادتها ، وهذا كفر صريح
وبسبب هذا التفصيل أوردنا في هذا الكتاب ما يحدث بالنظر فيه منفعة ولا يضر الاعتقاد. اهـ كلامه
فها هو الإمام يبين المسألة بجلاء وما يحل منها وما يحرم ويؤكد حرصه على حدوث النفع مع صون الاعتقاد من الضرر
وهذه التفرقة بين السبب العادي والتأثير بالطبع تكلم عليها العلماء قديما وحديثا
وإليكم ما قاله العلماء في شرح أحاديث متعلقة بهذا :
1- في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال : أتدرون ما قال ربكم ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم
قال : قال: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب "
قال أبو الحسن القلصادي في لب الأزهار ص 249 :
"أما من جعل النسبة في المطر للكوكب فذلك كافر بالله
وأما من جعل النسبة لله تعالى وجعل ذلك أمارة تدل على المطر فقد لا يكون كذلك لما جاء عنه عليه السلام :" إذا انشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة" أي كثيرة الماء"
2ــ و في الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب .
قال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي : اختلف الناس في الغاسق إذا وقب على أقوال لا نطول بذكرها ؛ لأنه قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هو القمر ؛ فلا يلتفت إلى غيره ووجه إضافة الشر إلى القمر ما يحدث عنده من فعل الله فهو علامته ووقته فأضيف إليه كسائر إضافة الأسباب إلى مسبباتها. اهـ
3- وقال البخاري في صحيحه :
باب ما يتقى من شؤم المرأة
وقوله تعالى : "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم"
وأورد حديثي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وسهل بن سعد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ، وَالمَرْأَةِ، وَالفَرَسِ»
وحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»
قال الحافظ ابن حجر : قال الشيخ تقى الدين السبكي : في ايراد البخاري هذا الحديث عقب حديثي ابن عمر وسهل بعد ذكر الآية في الترجمة إشارة إلى تخصيص الشؤم بمن تحصل منها العداوة والفتنة لا كما يفهمه بعض الناس من التشاؤم بكعبها أو أن لها تأثيرا في ذلك وهو شئ لا يقول به أحد من العلماء ومن قال إنها سبب في ذلك فهو جاهل وقد أطلق الشارع على من ينسب المطر إلى النوء الكفر فكيف بمن ينسب ما يقع من الشر إلى المرأة مما ليس لها فيه مدخل؟!
وإنما يتفق موافقة قضاء وقدر فتنفر النفس من ذلك فمن وقع له ذلك فلا يضره أن يتركها من غير أن يعتقد نسبة الفعل إليها اهـ كلامه
أقول :
فالخلاصة أن غاية المسألة أن من جعل النجوم ونحوها سببا عاديا غير مؤثر بالطبع فلا يخلو الأمر من :
ــ أن تكون سببا شرعيا فيحل النظر فيها ،
ــ أو تكون سببا ثبت بالتجربة ولم ينهَ عنه الشرع ؛ فلا بأس بالبحث فيها كما هي الحال في تجارب الأدوية ،
ــ أو لا تكون سببا شرعيا ولا سببا ثبت بالتجربة فيكون البحث عن أحوالها عبثا عديم الفائدة ،
ــ أو تكون سببا ثبت بالتجربة ولكن نهى الشرع عن تعاطيه فيحرم النظر فيها كما هي الحال في التداوي بالمحرمات .
وعلي هذا التفصيل فمسألة النجوم كأسباب عادية باختلاف صورها أقصاها أن تدور بين الحل والحرمة لا بين الإيمان والكفر
وفي هذا القدر كفاية لمن أراد فهم مقاصد الإمام الرازي في كتبه
ومن تعنت فلا يهمنا أمره بعد تبيين الحق ، والله من وراء القصد .
وأرجو ممن استفاد شيئا مما سطرته أن يدعو لي ولوالدي بالمغفرة والرحمة
والحمد لله على توفيقه
تعليق