متون التوحيد

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 760

    #16
    عقيدة السلف (1)

    تأليف : الإمام أبي إسحاق الشيرازي الشافعي رحمه الله ( 467 هـ )



    اعلم أن ما تصور في الأوهام فإنه سبحانه وتعالى بخلاف ذلك , وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصر , من عزم على معرفة تدبر فإن أخلد إلى موجود أحاط به فكره فهو مُشبَّه , إن اطمأن إلى البقاء المحض فهو مُعطَّل , وإن قطع بموجود واعترف بأن العجز عن إدراك حقيقته وحقيقة صفاته فهو مُوحَّد .

    هذا معنى قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - : العجز عن درك الإدراك إدارك .


    فإن قيل : إذاً صار أمركم حَيرْة ودهشة .

    قلنا : العقول حائرة عن إدراك الحقيقة , ناطقة بالموجود المنزّه عن صفات الأجسام


    وهذا أنفع وأنجع من كتب مجلدات كثيرة
    والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً .



    __________________________________________________ ______

    (1- توجد هذه القطعة في مكتبة برلين تحت رقم 1964
    أنظر : كتاب الأشارة إلى مذهب أهل الحق ص 303 - دراسة وتحقيق الدكتور محمد الزبيدي
    وهناك كتاب آخر للإمام الشيرازي بهذا الأسم ( عقيدة السلف ) غير هذه العقيدة

    تعليق

    • حماد محمد الشنقيطي
      طالب علم
      • Feb 2010
      • 252

      #17
      من أقوال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:

      اقتطفتها من جمع الجوامع للحافظ السيوطي رحمه الله:
      الحديث الأول:
      عَنْ جَعْفَرَ بنِ مُحَمَّدٍ: عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قِيلَ لِعَلِي بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّ هٰهُنَا رَجُلاً يَتَكَلَّمُ فِي المَشِيئَةِ؛ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، خَلَقَكَ اللَّهُ لِمَا شَاءَ؟ أَوْ لِمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ لِمَا شَاءَ، قَالَ: فَيُمْرِضُكَ إِذَا شَاءَ؟ أَوْ إِذَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ إِذَا شَاءَ؛ قَالَ: فَيُمِيتُكَ إِذَا شَاءَ؟ أَوْ إِذَا شِئْتَ؟ قَالَ: إِذَا شَاءَ؛ قَالَ: فَيُدْخِلُكَ حَيْثُ شَاءَ؟ أَوْ حَيْثُ شِئْتَ؟ قَالَ: حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: وَ اللَّهِ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هٰذَا لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ تَلاَ عَلِيٌّ: ﴿وَ مَا تَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَ أَهْلُ المَغْفِرَةِ﴾؛ (ابن أَبي حاتم، و الأَصبَهَانِي، و اللاَّلكائِي، و الْخلعي فِي الْخَلعيَّات).
      الحديث الثاني:
      عَنِ الْحَارِثِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلٰى عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ، لاَ تَسْلُكْهُ؛ قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ، لاَ تَلِجْهُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: سِرُّ اللَّهِ، قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ، فَلاَ تُفْشِهِ؛ قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا السَّائِلُ، إِنَّ اللَّهَ خَالِقُكَ كَمَا شَاءَ؟ أَوْ كَمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ كَمَا شَاءَ؛ قَالَ: فَيَسْتَعْمِلُكَ كَمَا شَاءَ؟ أَوْ كَمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ كَمَا شَاءَ؛ قَالَ: فَيَبْعَثُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا شَاءَ؟ أَوْ كَمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ كَمَا شَاءَ؛ قَالَ: أَيُّهَا السَّائِلُ، أَلَسْتَ تَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ؟ قَالَ: بَلٰى؛ قَالَ: فَمِنْ أَي شَيْءٍ تَسْأَلُهُ الْعَافِيَةَ؟ أَمِنَ الْبَلاَءِ الَّذِي ابْتَلاَكَ بِهِ؟ أَمْ مِنَ الْبَلاَءِ الَّذِي ابْتَلاَكَ بِهِ غَيْرُهُ؟ قَالَ: مِنَ الْبَلاَءِ الَّذِي ابْتَلاَنِي بِهِ؛ قَالَ: يَا أَيُّهَا السَّائِلُ، تَقُولُ: "لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِمَنْ"؟ قَالَ: "إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِي الْعَظِيمِ"؛ قَالَ: فَتَعْلَمُ مَا فِي تَفْسِيرِهَا؟ قَالَ: تُعَلمُنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ قَالَ: إِنَّ تَفْسِيرَهَا: لاَ يَقْدِرُ عَلٰى طَاعَةِ اللَّهِ، وَ لاَ يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فِي الأَمْرَيْنِ جَمِيعَاً إِلاَّ بِاللَّهِ؛ أَيُّهَا السَّائِلُ، أَلَكَ مَعَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ؟ أَوْ فَوْقَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ؟ أَوْ دُونَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ؟ فَإِنْ قُلْتَ: لَكَ دُونَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ، فَقَدِ اكْتَفَيْتَ بِهَا عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ وَ إِنْ زَعَمْتَ أَنَّ لَكَ فَوْقَ اللَّهِ مَشِيئَةً، فَقَدِ ادَّعَيْتَ مَعَ اللَّهِ شِرْكَاً فِي مَشِيئَتِهِ؛ أَيُّهَا السَّائِلُ، إِنَّ اللَّهَ يَشُجُّ وَ يُدَاوِي، فَمِنْهُ الدَّوَاءُ، وَ مِنْهُ الدَّاءُ؛ أَعَقَلْتَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ عَلِيٌّ: الآنَ أَسْلَمَ أَخُوكُمْ، فَقُومُوا فَصَافِحُوهُ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لَوْ أَنَّ عِنْدِي رَجُلاً مِنَ الْقَدَرِيَّةِ لأَخَذْتُ بِرَقَبَتِهِ، ثُمَّ لاَ أَزَالُ أَجَأُهَا حَتَّىٰ أَقْطَعَهَا، فَإِنَّهُمْ يهودُ هٰذِهِ الأُمَّةِ، وَ نَصَارَاهَا، وَ مَجُوسُهَا»؛ (كر).
      الحديث الثالث:
      عَنْ عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَتَاهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ لَهُ: مَتَىٰ كَانَ رَبُّنَا؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ عَلِيَ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَمْ يَكُنْ فَكَانَ، هُوَ كَمَا كَانَ، وَ لاَ كَيْنُونَةَ كَانَ، بِلاَ كَيْفٍ كَانَ، لَيْسَ قَبْلٌ وَ لاَ غَايَةٌ، انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ دُونَهُ، فَهُوَ غَايَةُ كُل غَايَةٍ، فَأَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ؛ (كر).
      الحديث الرابع:
      عَنِ الأَصْبَغِ بنِ نَبَاتَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسَاً عِنْدَ عَلي بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَأَتَاهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَتىٰ كَانَ اللَّهُ؟ فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَلَهَزْنَاهُ، حَتَّىٰ كِدْنَا نَأْتِي عَلٰى نَفْسِهِ؛ فَقَالَ عَليٌّ: خَلُّوا عَنْهُ؛ ثُمَّ قَالَ: اسْمَعْ يَا أَخَا الْيَهُودِ مَا أَقُولُ لَكَ بِأُذُنِكَ، وَ احْفَظْهُ بِقَلْبِكَ؛ فَإِنَّمَا أُحَدثُكَ عَنْ كِتَابِكَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ بْنُ عِمْرَانَ، فَإِنْ كُنْتَ قَدْ قَرَأْتَ كِتَابَكَ وَ حَفِظْتَهُ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ كَمَا أَقُولُ؛ إِنَّمَا يَقُولُ "مَتىٰ كَانَ" لِمَنْ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَزَلْ كَيْف يَكُونُ، كَانَ بِلاَ كَيْنُونَةٍ، كَائِنٌ لَمْ يَزَلْ قَبْلَ الْقَبْلِ، وَ بَعْدَ الْبَعْدِ، لاَ يَزَالُ بِلاَ كَيْفٍ، وَ لاَ غَايَةٍ، وَ لاَ مُنْتَهَىٰ إِلَيْهِ غَايَةٌ؛ انْقَطَعَتْ دُونَهُ الْغَايَاتُ، فَهُوَ غَايَةُ كُل غَايَةٍ؛ فَبَكَىٰ الْيَهُودِيُّ، وَ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّهَا لَفِي التَّوْرَاةِ هٰكَذَا، حَرْفَاً، حَرْفَاً، وَ إِني أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ؛ (الأَصبهاني في الْحُجَّةِ).
      الحديث الخامس:
      عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ: عَنِ النُّعْمَانِ بنِ سَعْدٍ: أَنَّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْيَهُودِ دَخَلُوا عَلٰى عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا رَبَّكَ هٰذَا الَّذِي في السَّمَاءِ؛ كَيْفَ هُوَ؟ وَ كَيْفَ كَانَ؟ وَ مَتَىٰ كَانَ؟ وَ عَلٰى أَي شَيْءٍ هُوَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَعْشَرَ الْيَهُودِ اسْمَعُوا مِني، وَ لاَ تُبَالُوا أَنْ لاَ تَسْأَلُوا أَحَدَاً غَيْرِي؛ إِنَّ رَبي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هُوَ الأَوَّلُ، لَمْ يَبْدُ مِنْ مَاءٍ، وَ لاَ مُمَازَجٍ مَعَ مَاءٍ، لاَ حَالٌ وَهْمَاً، وَ لاَ شَبَحٌ يُتَقَصَّا، وَ لاَ مَحْجُوبٌ فَيَجْرِي، وَ لاَ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَيُقَالُ حَادِثٌ؛ بَلْ جَلَّ أَنْ يُكَيَّفَ بِتَكَيُّفِ الأَشْيَاءِ، كَيْفَ كَانَ، بَلْ لَمْ يَزَلْ، وَ لاَ يَزُولُ لاِخْتِلاَفِ الأَزْمَانِ، وَ لاَ لِسَبَبٍ كَانَ بَعْدَ صَارَ، وَ كَيْفَ يُوصَفُ بِالأَشْبَاحِ، وَ كَيْفَ يُنْعَتُ بِالأَلْسُنِ الْفِصَاحِ، مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الأَشْيَاءِ فَيُقَالِ كَائِنٌ، وَ لَمْ يَبِنْ مِنْهَا فَيُقَالُ بَائِنٌ، بَلْ هُوَ بِلاَ كَيْفِيَّةٍ، وَ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَ أَبْعَدُ فِي النسْبَةِ مِنْ كُل بَعِيدٍ، لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ، وَ لاَ كُرُورُ لَفْظَةٍ، وَ لاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَةٍ، وَ لاَ انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي غَسَقِ لَيْلٍ دَاجٍ وَ لاَ إِدْلاَجٍ، وَ لاَ يَتَغَشَّىٰ عَلَيْهِ الْقَمَرُ المُنِيرُ، وَ لاَ انْبِسَاطُ الشَّمْسِ ذَاتَ النُّورِ بِضَوْئِهِمَا فِي الْكُرُورِ، وَ لاَ إِقْبَالُ لَيْلٍ مُقْبِلٍ، وَ لاَ إِدْبَارُ نَهَارٍ، إِلاَّ وَ هُوَ مُحِيطٌ بما يُرِيدُ مِنْ تَكْوِينِهِ، فَهُوَ الْعَالِمُ بِكُل مَكَانٍ، وَ كُل حِينٍ وَ أَوَانٍ، وَ كُل نِهَايَةٍ وَ مُدَّةٍ، وَ الأَمَدُ إِلٰى الْخَلْقِ مَضْرُوبٌ، وَ الْحَدُّ إِلٰى غَيْرِهِ مَنْصُوبٌ، لَمْ يَخْلُقِ الأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَوَّلِيَّةٍ، وَ لاَ بِأَوَائِلَ كَانَتْ قَبْلَهُ بَدِيَّةً، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ خَلْقَهُ، فَصَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ، تَوَحَّدَ فِي عُلُوهِ فَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ، وَ لاَ لَهُ لِطَاعَةِ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ انْتِفَاعٌ، أَجَابَتْهُ لِلدَّاعِينَ سَرِيعَةٌ، وَ المَلاَئِكَةُ فِي السَّمٰوَاتِ وَ الأَرَضِينَ لَهُ مُطِيعَةٌ، عِلْمُهُ بِالأَمْوَاتِ الْبَائِدِينَ كَعِلْمِهِ بِالأَحْيَاءِ المُنْقَلِبِينَ، وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمٰوَاتِ الْعُلٰى كَعِلْمِهِ بما فِي الأَرَضِينَ السُّفْلَىٰ، وَ عِلْمُهُ بِكُل شَيْءٍ، لاَ تُحَيرُهُ الأَصْوَاتُ، وَ لاَ تُشْغِلُهُ اللُّغَاتُ، سَمِيعٌ لِلأَصْوَاتِ المُخْتَلِفَة، فَلاَ جَوَارِحَ مَعَهُ مُؤْتَلِفَةً، مُدَبرٌ بَصِيرٌ عَالِمٌ بِالأُمُورِ، وَ هُوَ حَيٌّ قَيُّومٌ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالٰى، كَلَّمَ مُوسَىٰ تَكْلِيمَاً بِلاَ جَوَارِحَ، وَ لاَ أَدَوَاتٍ، وَ لاَ شَفَةٍ، وَ لاَ لَهَوَاتٍ؛ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالٰى عَنْ تَكْيِيفِ؛ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلهَنَا مَحْدُودٌ، فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ المَعْبُودَ، وَ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ الأَمَاكِنَ بِهِ تُحِيطُ، لَزِمَتْهُ الْحَيْرَةُ وَ التَّخْلِيطُ، بَلْ هُوَ المُحِيطُ بِكُل مَكَانٍ؛ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقَاً أَيُّهَا المُتَكَلفُ لِوَصْفِ الرَّحْمٰنِ بِخِلاَفِ التَّنْزِيلِ، فَصِفْ لَنَا جِبْرَائِيلَ، وَ مِيكَائِيلَ، وَ إِسْرَافِيلَ؛ هَيْهَاتَ، أَتَعْجِزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِكَ، وَ تَصِف الْخَالِقَ المَعْبُودَ، وَ أَنْتَ لاَ تُدْرِكُ صِفَةَ رَب الْهَيْئَةِ، وَ الأَدَوَاتِ؛ فَكَيْفَ مَنْ لَمْ تَأْخُذْهُ سِنَةً وَ لاَ نَوْمٌ، لَهُ مَا فِي السَّمٰوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؛ (حل، وقال غريب من حديثِ النعمان، كذا رواهُ ابنُ إسحاقَ مُرْسَلاً).
      الحديث السادس:
      عَنِ النَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِعَليَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ هٰهُنَا قَوْمَاً يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالٰى لاَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ، حَتَّىٰ يَكُونَ؛ فَقَالَ: ثَكِلَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ، مِنْ أَيْنَ قَالُوا هٰذَا؟ قِيلَ: يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلَكَ، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَ أَثْنَىٰ عَلَيْهِ، وَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، وَ اعْمَلُوا بِهِ، وَ عَلمُوهُ، وَ مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلْيَسْأَلْنِي؛ بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمَاً يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَكُونُ حَتَّىٰ يَكُونَ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ﴾؛ وَ إِنَّمَا قَوْلُهُ تَعَالٰى: ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾، يَقُولُ: حَتَّىٰ نَرَىٰ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، وَ الصَّبْرُ؛ إِنْ جَاهَدَ، وَ صَبَرَ عَلٰى مَا نَابَهُ، وَ أَتَاهُ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، وَ الصَّبْرُ، إِنْ جَاهَدَ، وَ صَبَرَ عَلٰى مَا نَابَهُ؛ وَ أَتَاهُ مِمَّا قَضَيْتُ عَلَيْهِ؛ (ابنُ عبدِ البَر فِي الْعِلْمِ).
      الحديث السابع:
      عَنْ عُثْمَانَ بنِ عبدِ اللَّهِ الْقُرَشِي: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: عَن مُخلَّدِ الضبي: عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْعِي: عَنْ عَلْقَمَةَ: عَنْ أَبِي ذَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ أَوَّلُ يَوْمَ فِي الْبَيْعَةِ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، اجْتَمَعَ المُهَاجِرُونَ وَ الأَنْصَارُ فِي المَسْجِدِ، وَ جَاءَ عَليُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِنَّ أَحَقَّ مَا ابْتَدَأَ بِهِ المُبْتَدِئُونَ، وَ نَطَقَ بِهِ النَّاطِقُونَ، وَ تَفَوَّهَ بِهِ الْقَائِلُونَ: حَمْدُ اللَّهِ، وَ ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بما هُوَ أَهْلُهُ، وَ الصَّلاَةُ عَلٰى النَّبِي مُحَمَّدٍ؛ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ المُتَفَردِ بِدَوَامِ الْبَقَاءِ، المُتَوَحدِ بِالمُلْكِ الَّذِي لَهُ الْفَخْرُ وَ المَجْدُ وَ السَّنَاءُ، خَضَعَتِ الآلِهَةُ لِجَلاَلِهِ -يَعْنِي الأَصْنَامَ-، وَ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ، وَ وَجِلَتِ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ، وَ لاَ عِدْلَ لَهُ، وَ لاَ نِدَّ لَهُ، وَ لاَ يَشْبَهُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَ نَشْهَدُ لَهُ بِمَا شَهِدَ لِنَفْسِهِ، وَ أُولُو الْعِلْمِ مِنْ خَلْقِهِ: أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ؛ لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ، وَ لاَ حَدُّ تُضْرَبُ لَهُ فِيهِ الأَمْثَالُ، المُدِرُّ صَوْبَ الْغَمَامِ بِبَنَانِ النطَاقِ، وَ مُهْطِلُ الرَّبَابَ بِوَابِلِ الطَّل، فَرَشَ الفَيَافِي وَ الآكَامَ بِتَشْقِيقِ الدمَنِ، وَ أَنِيقِ الزَّهْرِ، وَ أَنْوَاعِ المُتَحَسنِ مِنَ النَّبَاتِ؛ وَ شَقَّ الْعُيُونَ مِنْ جُيُوبِ المَطَرِ، إِذْ شَبِعَتِ الدلاَءُ حَيَاةً لِلطَّيْرِ، و الْهَوَام، وَ الْوَحْشِ، وَ سَائِرِ الأَنَامِ، وَ الأَنْعَامِ، فَسُبْحَانَ مَنْ يُدَانُ لِدِينِهِ، وَ لاَ يُدَانُ لِغَيْرِ دِينِهِ دِينٌ، وَ سُبْحَانَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ صِفَةُ وَ نَعْتُ نَفَرٍ مَوجُودٍ، وَ لاَ حَدٌّ مَحْدُودٍ؛ وَ نَشْهَدُ أَنَّ سَيدَنَا مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ المُرْتَضَىٰ، وَ نَبِيُّهُ المُصْطَفَىٰ، وَ رَسُولُهُ الْمُجْتَبِىٰ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْنَا كَافَّةً، وَ النَّاسُ أَهْلُ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَ خُضُوعِ الضَّلاَلَةِ، يَسْفِكُونَ دِمَاءَهُمْ، وَ يَقْتُلُونَ أَوْلاَدَهُمْ، وَ يَحِيفُونَ سَبِيلَهُمْ، عَيْشُهُمُ الظُّلُمْ، وَ أَمْنُهُمُ الْخَوْفُ، وَ عِزُّهُمُ الذُّلُّ؛ فَجَاءَ رَحْمَةً، حَتَّىٰ اسْتَنْقَذَنَا اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ مِنَ الضَّلاَلَةِ، وَ هَدَانَا بِمُحَمَّدٍ مِنَ الْجَهْلِ، وَ نَحْنُ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ أَضْيَقُ الأُمَمِ مَعَاشَاً، وَ أَخَسُّهُمْ رِيَاشَاً، جُلُّ طَعَامِنَا الْهَبِيدُ -يَعْنِي شَحْمَ الْحَنْظَلِ-، وَ جُلُّ لِبَاسِنَا الْوَبَرُ وَ الْجُلُودُ، مَعَ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَ النيرَانِ، وَ هَدَانَا اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ أَنْ أَمْكَنَهُ اللَّهُ شُعْلَةَ النُّورِ، فَأَضَاءَ بِمُحَمَّدٍ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا، فَقَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا أَجَلَّ رَزِيَّتَهُ، وَ أَعْظَمَ مُصِيبَتَهُ، فَالمُؤْمِنُونَ فِيهِمْ سَوَاءٌ، مُصِيبَتُهُمْ فِيهِ وَاحِدَةٌ..... الخ الحديث (كر).
      الحديث الثامن:
      عَنْ أَبِي إِسحاق: عَنْ عاصم بن ضمرةَ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَا تَقُولُ الْحَرُورِيَّةُ؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: "لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ"؛ قَالَ: الْحُكْمُ لِلَّهِ، وَ فِي الأرْضِ حُكَّامٌ، وَ لٰكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: "لاَ إِمَارَةَ"، وَ لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَارَةٍ يَعْمَلُ فِيهَا المُؤْمِنُ، وَ يَسْتَمِعُ فِيهَا الْفَاجِرُ، وَ الْكَافِرُ، وَ يُبَلغُ اللَّهُ فِيهَا الأجَلَ؛ (عب، ق).
      الحديث التاسع:
      عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الْحَرُورِيَّةَ، قَالُوا: مَنْ هٰؤُلاَءِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا، قِيلَ: فَمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: إِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً، وَ هٰؤُلاء يَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرَاً، قِيلَ: فَمَا هُمْ؟ قَالَ: قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ فَعَمُوا فِيهَا وَ صَمُّوا؛ (عب).
      الحديث العاشر:
      عَنْ أَبِي البختري قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ المَسْجِدَ، فَقَالَ: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ؛ ثُمَّ قَالَ آخَرُ: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: لاَ حُكْمَ إِلاَّ لِلَّهِ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾؛ فَمَا تَدْرُونَ مَا يَقُولُ هٰؤُلاَءِ؛ يَقُولُونَ: "لاَ إِمَارَةَ"، أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ يُصْلِحُكُمْ إِلاَّ أَمِيرٌ بَرٌّ، أَوْ فَاجِرٌ؛ قَالُوا: هٰذَا الْبَرُّ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا بَالُ الْفَاجِرِ؟ فَقَالَ: يَعْمَلُ المُؤْمِنُ، وَ يَمْلأُ لِلْفَاجِرِ، وَ يُبَلغُ اللَّهُ الأجَلَ، وَ تَأْمَنُ سُبُلُكُمْ، وَ تَقُومُ أَسْوَاقُكُمْ، وَ يُجْبِىٰ فَيْئُكُمْ، وَ يُجَاهَدُ عَدُوُّكُمْ، وَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ مِنْكُمْ؛ (ش).
      الحديث الحادي عشر:
      عَنْ عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ذِمَّتِي رَهِينَةٌ، وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ، لِمَنْ صَرَّحْتُ لَهُ الْعِبَرَ، أَنْ لاَ يَهِيجَ عَلٰى التَّقْوٰى زَرْعُ قَوْمٍ، وَ لاَ يَظْمَأَ عَلٰى الْهُدٰى سِنْخُ أَصْلٍ، أَلاَ وَ إِنَّ أَبْغَضَ خَلْقِ اللَّهِ إِلٰى اللَّهِ رَجُلٌ قَمَشَ عِلْمَاً، غَارًّا فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ، عَمِيًّا بما فِي غَيْبِ الْهُدْنَةِ، سَمَّاهُ أَشْبَاهُهُ مِنَ النَّاسِ عَالِمَاً، وَ لَمْ يَعِشْ فِي الْعِلْمِ يَوْمَاً سَالِمَاً، بَكَّرَ فَاسْتَكْبَرَ، فَمَا قَلَّ مِنْهُ فَهُوَ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ، حَتَّى إِذَا مَا ارْتَوٰى مِنْ مَاءٍ آجِنٍ، وَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ؛ قَعَدَ لِلنَّاسِ مُفْتِيَاً، لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلٰى غَيْرِهِ، إِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدٰى المُبْهَمَاتِ هَيَّأَ حَشْواً مِنْ رَأْيِهِ، فَهُوَ مِنْ قَطْعِ المُشْتَبِهَاتِ فِي مِثْلِ غَزْلِ الْعَنْكَبُوتِ، لاَ يَعْلَمُ إِذَا أَخْطَأَ، لأنَّهُ لاَ يَعْلَمُ أَخْطَأَ أَمْ أَصَابَ، خَبَّاطَ عَشَوَاتٍ، رَكَّابَ جَهَالاَتٍ، لاَ يَعْتَذِرُ مِمَّا لاَ يَعْلَمُ فَيَسْلَمُ، لاَ يَعَضُّ فِي الْعِلمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ، ذَرَأَ الروَايَةَ ذَرْوَ الريحِ الْهَشِيمِ، تَبْكِي مِنْهُ الدمَاءُ، وَتَصْرُخُ مِنْهُ المَوَارِيثُ، وَ يُسْتَحِلُّ بِقَضَائِهِ الْحَرَامُ، لاَ مِلْءَ وَ اللَّهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَ لاَ أَهْلٌ لِمَا فَرَّطَ بِهِ؛ (المعافٰى بن زكريَّا، ووكيع، كر).

      تعليق

      • حماد محمد الشنقيطي
        طالب علم
        • Feb 2010
        • 252

        #18
        عقيدة القاضي أبو الوليد ابن رشد الجد، من كتاب المقدمات الممهدات:

        فصل: في وجوب الاستدلال:
        و قد نبه الله تبارك و تعالى عباده المكلفين على<1/14> الاستدلال بمخلوقاته على ما هو عليه من صفات ذاته و أفعاله في غير ما آية من كتابه، و ضرب لهم في ذلك الأمثال، و تلا عليهم فيه القصص و الأخبار، ليتدبروها و يهتدوا بها، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:185]، و قال: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ [ق:8]، و قال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَ إِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَ إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾[الغاشية:17-20]، و قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾[آل عمران:190]، و قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَ الأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[البقرة:164]، ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ﴾[الواقعة:58-59] الآية، إلى آخرها.
        و قال: ﴿وَ فِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَ فِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾[الذاريات:20-21]، و قال: ﴿وَ فِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَ جَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَ غَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الرعد:4]، و قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ<1/14> فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الروم:48-50]، و قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾[الحج:73]، و قال: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الروم:28].
        و قال عز و جل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَ يُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَ أُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:258].
        فصل:
        و ليس رجوع إبراهيم صلى الله عليه و سلم عما استدل به أولا، من أن "الله يحيى و يميت"، إلى أنه "يأتي بالمشس من المشرق" انتقالاً من دليل إلى دليل؛ لأن الانتقال من دليل إلى دليل عجز عن قطع الخصم بالدليل، الذي استفتح الكلام به، و لا يصح ذلك؛ بل إنما قطع الكافر بالدليل، الذي استدل به أولاً، و لم يخرج عنه إلى غيره.
        لأنه إنما حكم بالربوبية لمن يقدر على خلق الأفعال و اختراعها، فقال: "إن الله يحيى و يميت"، أي<1/16> يفعل الموت و الحياة، فلما ادعى الكافر القدرة على ما يصح أن يراد بالإحياء و الإماتة، من فعل ما أجرى الله العادة بخلق الموت و الحياة عنده في الجسد المفعول به ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾[المائدة:32].
        و كان القتل أيضاً قد يعبر عنه بالإماتة عند العرب، بيّن له إبراهيم صلى الله عليه و سلم أن علته ليست الأفعال التي حمل عليها كلامه جهلاً منه بمراده، أو تمويهاً؛ لأن الإحياء و الإماتة إذا أطلقت أظهرُ في اختراع الموت و الحياة، منها فيما حمله عليه الكافر؛ فكيف إذا اقترنت بها قرينة تدل على أنه لم يُرد بها إلا ذلك، و هي ما استفتحا الكلام فيه من الربوبية التي تقتضي ذلك.
        و أتاه صلى الله عليه و سلم بألفاظ لا يمكنه فيها تمويه و لا يسعه فيها عمل، و لم يخرج عما ابتدأ به الكلام معه من الحكم بالربوبية لمن يقدر على اختراع الأفعال، و خلقها، لأن الصفة في ذلك واحدة لا تتزايد، و لا تختلف، فقال له: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، أي إذا كان ما ادعيت حقا من أن الإحياء و الإماتة أنت فاعلها و تقع بحسب إرادتك، لأن من يقدر على فعل شيء يقدر على فعل مثله.
        فلما رأى الكافر ما ألزمه عليه الصلاة و السلام به، و لم يقدر على دفعه، و لا أمكنه فيه تمويهٌ، و لا عملٌ، بُهِت كما قال تعالى.
        فلم يخرج إبراهيم صلى الله عليه و سلم من دليل إلى دليل، بل إنما قطعه، و أبهته بالدليل الذي استفتح به كلامه، و الحمد لله.
        و قال تبارك و تعالى: ﴿وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ...﴾، إلى قوله: ﴿وَ مَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[الأنعام:75-79]، فاستدل إبراهيم عليه الصلاة و السلام بما عاين من حركة الكواكب، و الشمس، و القمر، على أنها محدثة؛ لأن الحركة و السكون من علامات المحدثات، ثم علم أن كل مُحدَث فلا بد له من مُحدِث، و هو الله رب العالمين.
        و هذا وجه الاستدلال، و حقيقته قصَّهُ الله تبارك و تعالى علينا تنبيهاً لنا، و إرشاداً إلى ما يجب علينا، و هذا في القرآن كثير<1/17>، لا يحصى كثرة.
        و لم يستدل إبراهيم صلى الله عليه و سلم بما عاينه في الكواكب، و الشمس، و القمر لنفسه، إذ لم يكن جاهلاً بربه، و لا شاكاًّ في قدمه، و إنما أراد أن يُري قومه وجه الاستدلال بذلك، و يعيرهم بالذهول على هذا الدليل الواضح، و يوقفهم على باطل ما هم عليه، و كان من أحج الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، و ذلك بين من كتاب الله تعالى.
        ألا ترى إلى ما حكى الله عز و جل من قوله، بعد أن أراهم أنهم على غير شيء: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضَ حَنِيفاً وَ مَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ..﴾، إلى قوله: ﴿وَ تِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ...﴾[الأنعام:79-83]، و قوله في أول الآية: ﴿وَ كَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾[الأنعام:75].
        و قد قيل: إن ذلك كان في صباه، و في أول ما عقل؛ و الأول أصح، و أبينُ، و الله سبحانه و تعالى أعلم.
        فصل: في وحدانية الله عز و جل، و أسمائه، و ما هو عليه من صفات ذاته، و أفعاله:
        فالله تبارك و تعالى إله واحدٌ، قديمٌ، بصفاته العلى، و أسمائه الحسنى، لا أول لوجوده، و باق أبداً إلى غير غاية، و لا انتهاء، تعالى عن مشابهة المخلوقات، و ارتفع عن مماثلة المحدثات، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، وردت بذلك كله النصوص عن الرسول عليه الصلاة و السلام، و دلت عليه دلائل العقول.
        فمن أدلة العقول، على أنه واحد، أنهما لو كانا اثنين فأكثر، لجاز أن يختلفا، و إذا اختلفا، لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام لا رابع لها.
        أحدها: أن يتم مرادهما جميعا؛ و الثاني: أن لا يتم مرادهما جميعاً؛ و الثالث: أن يتم مراد أحدهما، و لا يتم مراد الآخر.
        فيستحيل منها وجهان، و هو أن يتم مرادهما جميعا، و أن لا يتم مراد<1/18> واحدٍ منهما، لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم، و أراد الآخر إماتته فتمت إرادتهما جميعاً، لكان الجسم حيا ميتاً في حال واحد، و لو لم تتم إرادة واحد منهما، لكان الجسم لا حياًّ و لا ميتا في حال واحد، و هذا من المستحيل في العقل، فلم يبق إلا أن يتم مراد أحدهما، و لا يتم مراد الآخر؛ فالذي تتم إرادته هو الله القادر، و الذي لم تتم إرادته ليس بإله، لأنه عاجز مغلوب.
        و هذا الدليل يسمونه دليل التمانع، و قد نبه الله تعالى عليه في كتابه بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء:22]، و بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَ لَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[المؤمنون:91].
        و من أدلة العقول على أنه "قديم"، أنه لو كان مُحدثاً، لوجب أن يكون له محدث، إذ لو جاز وجود محدث دون مُحدِث، لجاز وجود كتابة دون كاتب، و بناء دون بانٍ، و هذا من المستحيل في العقل.
        و كذلك القول في مُحدِثه، و محدِث محدِثه، حتى يستند ذلك إلى محدث أولٍ، لا محدِثَ له، و هو الله رب العالمين.
        فصل:
        و من أسمائه، التي دلت دلائل العقول على استحقاقه لها، كونه حيا، عالماً، قادراً، مريدا.
        فمن أدلة العقول: على أنه عالم، مريد، كونه خالقاً لجميع المخلوقات، مُخرجاً لها من العدم إلى الوجود.
        فلو لم يكن قادراً، لما تأتى له الفعل، لأن الفعل لا يتأتى إلا لقادر؛ و قد نبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:81].
        و لو لم يكن عالماً، لما ميز ما يوجِدُه، و يخلقه، مما لا يوجده و لا يخلقه، و لاشتبهت عليه صفات المخلوقات، على اختلاف أجناسها تعالى الله عن ذلك علواًّ كبيراً؛ و قد نبه الله تعالى<1/19> على هذا الدليل بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14].
        و لو لم يكن مريداً، لما صح تقدم المتقدم من الحوادث، و المخلوقات على المتأخر، و لا المتأخر بأولى بالتأخر من المتقدم، و لما صح اختصاص كل جنس منها بصفته دون صفة صاحبه، لاحتماله صفة صاحبه.
        فعلمنا بهذا أن المتقدم إنما تقدم على المتأخر، و أن المتأخر إنما تأخر عن المتقدم، و أن كل جنس من الأجناس إنما اختص بصفته دون صفة صاحبه بقصد الفاعل إلى ذلك، و إرادته له؛ و قد نبه الله تبارك و تعالى أيضاً على هذا الدليل، بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل:40].
        فصل:
        و إذا علمنا أنه عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ؛ علمنا أنه حيٌّ، لاستحالة وجود العلم، و القدرة، و الإرادة من الموات؛ و قد نبه الله تبارك و تعالى على هذا، و أعلم به، بقوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[غافر:65]، ﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاَ نَوْمٌ﴾[البقرة:255]، و قوله: ﴿ الم * اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾[آل عمران:3].
        يريد عز و جل من الكتب المنزلة على من قبله من الأنبياء، و مثل هذا في القرآن كثير.
        و إذا علمنا أنه حي، عالم، قادر، مريد؛ علمنا أنه سميع بصير، متكلم، مدرِك لجميع المُدرَكات من المشمومات، و المذوقات، و الملموسات، لاستحالة خلوه منها، إذ لو خلا منها، لكان موصوفاً بضدها، و أضدادُها نقائص، يستحيل وجودها به<1/20> تعالى.
        إذ لو جازت عليه صفات النقص، و صفات الكمال، لما اختص بإحداهما دون صاحبتها، إلا بمصص يخصصه بها، و ذلك باطل.
        و إذا علمنا أنه حي، مريد، عالم، قادر، سميع، بصير، متكلم، مدرك لجميع المدركات، علمنا أن له علما، و حياة، و قدرة، و إرادة، و سمعاً، و بصرا، و كلاماً، و إدراكاً يدرك به جميع الملموسات، و إدراكاً يدرك به جميع المذوقات، و إدراكاً يدرك به جميع المشمومات، لاستحالة وجود حي بلا حياة، و عالم بلا علم، و قادر بلا قدرة، و مريد بلا إرادة، و سميع بلا سمع، و بصير بلا بصر، و متكلم بلا كلام، و مدرك بلا إدراك.
        فصل:
        فهذه عشر من صفات ذاته تعالى، لا تفارقه، و لا تغايره، تدرك من جهة العقل، و من جهة السمع، و لا اختلاف فيها بين أحد من أهل السنة.
        و أما ما وصف به نفسه تعالى في كتابه من أن له وجهاً، و يدين، و عينين، فلا مجال للعقل في ذلك، و إنما يُعلم من جهة السمع، فيجب اعتقاد ذلك و الإيمان به من غير تكييف و لا تحديد، إذ ليس بذي جسم، و لا جارحة، و لا صورة؛ هذا قول المحققين من المتكلمين.
        و قد توقف كثير من الشيوخ عن إثبات هذه الصفات الخمس، و قالوا: لا يجوز أن يثبت في صفات الله تعالى ما لا يعلم، بضرورة العقل، و لا بدليله، و تأولوها على غير ظاهرها، فقالوا: المراد بالوجه الذات، كما يقال وجه الطريق، و وجه الأمر، أي ذاته، و نفسه.
        و المراد بـ "العينين": إدراك المرئيات، و المراد بـ "اليدين": النعمتان.
        و قوله تعالى: ﴿بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، أي ليديّ، لأن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض.
        و الصواب قول المحققين، الذين أثبتوها صفات لذاته تعالى، فعلى هذا تأتي صفات ذاته تعالى خمس عشرة صفة<1/21>.
        و اختلفوا فيما وصف به نفسه من الاستواء على العرش؟
        فمنهم من قال: إنها صفة فعل، بمعنى أنه فعل في العرش فعلاً، سمى به نفسه مستوياًّ على العرش.
        و منهم من قال: إنها صفة ذات من العلو، و إن قوله "استوى"، بمعنى علا، كما يقال: استوى على الفرس، بمعنى علا عليه.
        و أما من قال: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء، فقد أخطأ؛ لأن الاستيلاء لا يكن إلا بعد المغالبة و المقاهرة، و الله يتعالى عن أن يغالبه أحد.
        و حمل الاستواء على العلو، و الارتفاع أولى ما قيل؛ كما يقال: "استوت الشمس في كبد السماء"، أي علت.
        و لا يمتنع أن يكون صفة ذات، و إن لم يصح وصفه تعالى بها، إلا بعد وجود العرش، كما لا يوصف بأنه غير، لما غايره، إلا بعد وجود سواه.
        و اختلفوا أيضاً في "القدم"، و "البقاء"؛ فمنهم من أثبتهما صفتين، و منهم من نفى أن يكونا صفتين؛ و قال: إنه قديم لنفسه، و باق لنفسه، لا لمعنى موجود به.
        و الذي عليه الأكثر، و المحققون: إثبات البقاء، و نفي القدم.
        فصل:
        و أما صفات أفعاله تعالى فكثيرة؛ منها: التفضل، و الإنعام، و الإحسان، و الخلق، و الإماتة، و الإحياء، و ما أشبه ذلك.
        فصل:
        و كذلك أسماؤه تعالى كثيرة.
        3. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن لله تسعة و تسعين اسماً مائةً إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة».
        و هي تنقسم على أربعة أقسام:
        قسم<1/22> منها: راجعٌ إلى نفسه و ذاته، كشيء، و موجود، و غير لما غايره، و خلاف لما خالفه، و قديم، و باق على مذهب من قال من أهل السنة إنه قديم لنفسه، و باق لنفسه، و ما أشبه ذلك.
        و قسم منها: راجع إلى صفة ذاته، كـ "حي"، و "عالم"، و "قدير"، و "سميع"، و "بصير"، و ما أشبه ذلك.
        و قسم منها: راجع إلى نفي النقائص عنه تعالى، كـ "غني"، و "قدوس"، و "سلام"، و "كبير"، و "عظيم"، و "وكيل"، و "جليل".
        لأن معنى "غني": لا يحتاج إلى أحد؛ و "القدوس": الطاهر من العيوب؛ و "السلام": السالم من العيوب؛ و "الكبير"، و "العظيم": الذي لا يقع عليه مقدار لعظمته، و كبره؛ و "الجليل": الذي جل عن أن تجري عليه النقائص؛ و "الوكيل": إنما تسمى الرب به، لما كانت المنافع في أفعاله لغيره، إذ لا تلحقه المنافع و المضار، فهو على هذا التأويل راجعٌ إلى نفي نقيصة؛ و يحتمل أن يكون "الوكيل"، بمعنى الرقيب، و الشهيد؛ فيرجع ذلك إلى معنى العالم.
        و قسم منها: راجع إلى صفة فعله، كـ "خالق"، و "رازق"، و "محيي"، و "مميت"، و ما أشبه ذلك.
        فصل:
        و لا يجوز أن يسمى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسوله صلى الله عليه و سلم، و أجمعت الأمة عليه؛ هذا قول أبي الحسن الأشعري.
        و ذهب القاضي أبو بكر ابن الباقلاني، إلى أنه يجوز أن يسمى الله تعالى بكل ما يرجع إلى ما يجوز في صفته، مثل: "سيد"، و "جليل"، و "جميل"، و "حنان"، و ما أشبه ذلك؛ ما لم يكن ذلك الجائز في صفته مما أجمعت الأمة على أن تسميته به لا تجوز، مثل: "عاقل"، و "فقيه"، و "سخي"، و ما أشبه ذلك.
        و إلى القول الأول ذهب مالك رحمه الله تعالى؛ فقد سئل في رواية أشهب: عنه، من العتبية: عن الرجل يدعو بـ "يا سيدي"، فكرهه، و قال: أحب إلي أن يدعو بما في القرآن، و بما دعت به الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم.
        و كره الدعاء بـ "يا حنان".
        فصل:
        فأما ما لا يجوز في صفته تعالى، فلا يجوز باتفاق أن يسمى الله تعالى به، و إن كان الله عز و جل قد وصف نفسه بالفعل المشتق منه ذلك الاسم، نحو قوله: ﴿اللّهُ<1/23> يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾[البقرة:15]، و قوله: ﴿سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ﴾[التوبة:79]؛ فلا يقال: "يا مستهزئ"، و لا "يا ساخر"؛ لأن من يستحيل في صفته تعالى، فلا يجوز أن يجري عليه منه إلا قدر ما أطلقه السمع عليه مع الاعتقاد بأنه على ما يجب كونُه تعالى عليه من صفاته الجائزة عليه.
        و اختلف في "وقور"، و "صبور"؟
        فذهب القاضي أبو بكر إلى أنه: لا يجوز أن يسمى الله تعالى بهما؛ لأن "الوقور": الذي يترك العجلة بدفع ما يضره؛ و "الصبور": الذي يصبر على ما يصيبه من الأذى؛ و ذلك ما لا يجوز في صفته تعالى.
        و من أجاز ذلك على أحد المذهبين، فإنما يرجع معناهما إلى الحلم.

        ...... يتبع

        تعليق

        • حماد محمد الشنقيطي
          طالب علم
          • Feb 2010
          • 252

          #19
          .... تابع:
          فصل:
          و لا يجوز عليه تعالى ما يجوز على الجواهر، و الأجسام من الحركة، و السكون، و الزوال، و الانتقال، و التغير، و المنافع، و المضار؛ و لا تحويه الأمكنة، و لا تحيط به الأزمنة.
          فصل:
          فإذا علمنا الله تبارك و تعالى على ما هو عليه من صفات ذاته، و أفعاله، و ما يجوز عليه مما لا يجوز، عرفنا صحة نبوة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، بما أظهره الله تعالى على أيديهم من المعجزات، لأن المعجزة لا تكون إلا من الله تعالى.
          فإذا أظهرها على يدي من يدعي الرسالة عليه، فهي بمنزلة قوله تعالى صدق رسولي.
          و لا يصح عليه تعالى أن يصدق إلا صادقاً، لأنه لو صدق كاذبا لكان كاذبا، و الكذب مستحيل عليه تعالى، لأنها صفة نقص، و صفات النقص لا تجوز عليه تعالى، و لا تليق به سبحانه و تعالى، على ما قلناه و بيناه.
          فصل:
          و إذا علمنا صحة نبوة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، علمنا صدقهم فيما<1/24> جاءوا به عن الله تبارك من الشرائع، و غيرها؛ و أنه أوجب على عباده أن يؤمنوا به، و يوحدوه، و يعبدوه، و لا يشركوا به شيئاً؛ لأنه قال في كتابه الذي أنزله على رسوله: ﴿وَ مَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً﴾[الفتح:13]، و قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ * وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَ عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾[الانشقاق:20-25]؛ و قال تعالى: ﴿آمِنُواْ بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ﴾[النساء:136]؛ و الأمر على الوجوب.
          و من قال من أصحابنا: إن الأمر ليس على الوجوب، فقد وافقنا على أن الأمر بالإيمان على الوجوب، لما اقترن به من الإجماع؛ و قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:21]، و قال تعالى: ﴿وَ اعْبُدُواْ اللّهَ وَ لاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾[النساء:36]، و قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[العنكبوت:17]، و قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الحج:77]، و هذا في القرآن كثير.
          و أما قوله تعالى: ﴿وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[الذاريات:56]، فإنها آية عامة، و ليست على عمومها؛ و المراد بها السعداء من الجن، و الإنس؛ لأنهم هم الذين خلقهم الله تعالى لعبادته، و أما الأشقياء منهم، فإنهم خلقهم لما يسرهم له، و استعملهم به من الكفر و الضلال؛ قال الله تبارك و تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَ مَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي<1/25> السَّمَاء﴾[الأنعام:125]، و قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾[المدّثر:31].
          4. و قال النبي صلى الله عليه و سلم: «كل ميسر لما خلق له».
          5. و جاء في الحديث: أن رجلاً من مزينة أتى النبي عليه الصلاة و السلام، فقال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس فيه، و يكدحون؛ أشيء قضي عليهم، و مضى؟ أو فيما يستقبلون؟ فقال: «بل شيء قُضي عليهم، و مضى»؛ قال: فلم نعمل إذاً؟ قال: «من خلقه الله لواحدة من المنزلتين، فهو يستعمل لها»؛ و تصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا﴾[الشمس:7-8].
          و قد قيل: إن معنى الآية، و ما خلقت الجن و الإنس، إلا لآمرهم بعبادتي.
          و قيل: معناها ليذعنوا لي بالعبودية، و يعترفوا لي بالربوبية، لأن معنى العبادة التذلل للمعبود.
          فكل الخلق على هذا التأويل متذلل لأمر الله، مذعن لقضائه، لأنه جار عليه، لا قدرة له على الامتناع منه إذا نزل به؛ و إن خالف الكافر أمر الله تعالى، فيما أمره به من الإيمان، و الطاعة، فالتذلل لقضاء الله الجاري عليه موجود منه.
          فصل:
          و حكم الله تعالى أن لا يعذب الخلق على ترك ما أمرهم به، و إتيان ما نهاهم عنه، إلا بعد إقامة الحجة عليهم ببعثة الرسل إليهم، قال تعالى: ﴿وَ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾[الإسراء:15]، و قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى﴾[الملك:8-9]، و قال عز و جل: ﴿وَ لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ﴾[النحل:36]؛ فبعث الله عز و جل في كل أمة رسولاً بما أوجب عليهم من الإيمان به، و الانقياد لعبادته، و التزام طاعته، و اجتناب معصيته.
          فكان من آخر المرسلين<1/26> بشيراً، و نذيراً، و داعياً إلى الله بإذنه و سراجاً منيراً، نبينا محمد صلى الله عليه و سلم سيد المرسلين، و أمين رب العالمين، و أكرم البشر، و أفضل الأنبياء و الرسل، بعثه الله إلى الخلق كافة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾[الأعراف:158] بالمعجزات التي دلت على نبوته، و أوجبت العلم بصحة رسالته.
          فدعا إلى الإسلام و الإيمان، و نهى عن عبادة غير الرحمن، و بين مجمل التنزيل، و دل على طرق العلم و وجوه التأويل، لأن الله تعالى فصل كتابه، فجعل منه نصا جليا، و متشابها خفيا، ابتلاء و اختبارا، ليرفع الله الذين آمنوا و الذين أوتوا العلم درجات، بتدبرهم آياته، و اعتبارهم بها، و استنباطهم منها الأحكام التي فرض الله عليهم امتثالها، و تعبدهم بها، لأنه تعالى رد إليهم الأمر في ذلك بعد الرسول عليه الصلاة و السلام، فقال تعالى: ﴿وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء:83]؛ فجعل المستنبط من الكتاب علماً، و المصير إليه عند عدم النص و الإجماع فرضاً.

          تعليق

          • حماد محمد الشنقيطي
            طالب علم
            • Feb 2010
            • 252

            #20
            عقيدة القاضي عياض اليحصبي، رحمه الله تعالى، من كتابه الإعلام بقواطع الإسلام:

            بسم الله الرحمن الرحيم
            قال الشيخ، الإمام، الحافظ، القاضي، أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، رضي الله عنه:
            الحمد لله الذي لا ينبغي الحمد إلا له، و أسأله أن يخص بأزكى صلواته، و أنمى بركاته محمدا صلى الله عليه و سلم، نبينا، و آله؛ و أن يُخلص لوجهه أقوال الكل منا، و أعماله.
            و بعد،
            أيها الراغب في الخير، الحريص على تدريب المتعلمين لوجوه البر، فإنك سألتني في جمع فصول سهلة المأخذ، قريبة المرام، مفسرة حدود قواعد الإسلام.
            فاعلم وفقنا الله و إياك، أن مباني الإسلام خمس، كما قاله نبينا عليه الصلاة و السلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، و أن محمدا عبده و رسوله، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و حج البيت».
            القاعدة الأولى، و هي: الشهادتان:
            شرح القاعدة الأولى، و هي الشهادتان؛ و لا بد فيها من اعتقاد بالقلب، و نطق باللسان.
            و تفاصيلها أربعون عقيدة: عشر يعتقد وجوبها، و عشر يعتقد استحالتها، و عشر يتحقق وجودها، و عشر متيقن ورودها.
            فالعشر الواجبات:
            أن يعتقد أن الله واحد، أحد، غير منقسم في ذاته.
            و أنه ليس معه ثان في إلهيته.
            و أنه حي، قيوم، لا تأخذه سنة و لا نوم.
            و أنه إله كل شيء، و خالقه.
            و أنه على كل شيء قدير.
            و أنه عالم بما ظهر، و ما بطن: ﴿... لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض...﴾[سبأ:3].
            و أنه مدبر لكل شيء، كائن من خير، أو شر؛ ما شاء كان، و ما لم يشأ لم يكن.
            و أنه سميع، بصير، متكلم؛ بغير جارحة، و لا آلة؛ بل سمعه، و بصره، و كلامه صفات له، لا تشبه صفاته الصفات، كما لا تشبه ذاته الذوات، ﴿... ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير﴾[الشورى:11].
            و العشر المستحيلات:
            أن يعتقد أنه تعالى يستحيل عليه الحدوث، و العدم، بل هو تعالى بصفاته، و اسمائه، قديمٌ، باق، دائم الوجود، ﴿... قائم على كل نفس بما كسبت ....﴾[الرعد:33]؛ ليس له أول، و لا آخر، بل ﴿هو الأول و الآخر...﴾[الحديد:3]، و أنه لا إله سواه، ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا...﴾[الأنبياء:22].
            و أنه مستغن عن جميع خلقه، غير محتاج إلى ظهير في ملكه.
            و أنه لا يشغله شأن عن شأن في قضائه و أمره.
            و أنه لا يحويه مكان في سماواته و لا أرضه، بل هو كما كان قبل خلق المكان.
            و أنه ليس بجوهر، و لا جسم، و لا على صورة، و لا شكل، و لا له شبيه، و لا مثيل؛ بل هو الأحد، الصمد، الذي لم يلد، و لم يولد، و لم يكن له كفوا أحد.
            و أنه لا تحله الحوادث، و لا التغييرات، و لا تلحقه النقائص، و لا الآفات.
            و أنه لا يليق به الظلم، بل قضاؤه كله حكمة و عدل.
            و أنه ليس شيء من أفعال خليقته بغير قضائه، و خلقه، و إرادته، بل ﴿تمت كلمت ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته...﴾[الأنعام:115]، ﴿... يضل من يشاء و يهدي من يشاء ...﴾[فاطر:8]، ﴿لا يسأل عما يفعل و هم يسألون﴾[الأنبياء:23].
            و العشر المتحقق وجودها:
            أن يعتقد أن الله تعالى أرسل لعباده أنبياءه، و رسله.
            و أنه أنزل عليهم آياته، و كتبه.
            و أنه ختم الرسالة بمحمد نبينا صلى الله عليه و سلم.
            و أنه أنزل عليه القرآن هدى للناس، و بينات من الهدى و الفرقان.
            و أنه كلام ربنا ليس بمخلوق.
            و أنه عليه الصلاة و السلام، فيما أخبر به، صادق.
            و أن شريعته ناسخة لجميع الشرائع.
            و أن الجنة حق، و النار حق، و أنهما موجودتان، لأهل الشقاء و السعادة معدتان.
            و أن الملائكة حق، منهم حفظة يكتبون أعمال العباد، و منهم رسل الله إلى أنبيائه، و ﴿...ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون﴾[التحريم:6].
            و العشر المتيقن ورودها:
            أن تعتقد أن الدنيا فانية، و ﴿كل من عليها فان﴾[الرحمن:26].
            و أن الخلق يفتنون في قبورهم، و ينعمون، و يعذبون.
            و أن الله تعالى يحشرهم يوم القيامة، كما بدأهم يعودون.
            و أن الحساب حق، و الميزان حق.
            و أن الصراط حق.
            و أن الحوض حق.
            و أن الأبرار في الجنة، في نعيم؛ و الكفار في النار، في جحيم.
            و أن المؤمنين يرون الله عز و جل بأبصارهم في الآخرة.
            و أن الله تعالى يعذب بالنار من يشاء من أهل الكبائر من المؤمنين، و يغفر لمن يشاء، و يخرجهم من النار إلى الجنة بفضل رحمته، و شفاعة الأنبياء و الصالحين من عباده، حتى لا يبقى في جهنم إلا الكافرون ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ...﴾[النساء:116].

            تعليق

            • حماد محمد الشنقيطي
              طالب علم
              • Feb 2010
              • 252

              #21
              خُطُوطُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُحْضَرٍ فِي تَصْدِيقِ عَقِيدَةِ الْقُشَيْرِيِ:

              قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ عَسَاكِرٍ فِي "تَبْيِينِ كَذِبِ الْمُفْتَرِي": (من ص 310 إلى ص 317).
              وَ مِمَّا وَقَعَ إِلَى الْإِمَامِ، الْعَالِمِ، الْحَافِظِ، الثِّقَةِ، بَهَاءِ الدِّينِ، نَاصِرِ السُّنَّةِ، مُحَدِّثِ الشَّامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْقَاسِمِ، بَعْدَ وَفَاةِ وَالِدِهِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْحَافِظِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللهِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الْفَوَائِدِ، الَّتِي تَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ، مُحْضَرٌ بِخَطِّ بَعْضِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الْعَالِمِ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ، فِيهِ خُطُوطُ الْأَئِمَّةِ، بِتَصْحِيحِ مَقَالِهِ، وَ مُوَافَقَتِهِ فِي إِعْتِقَادِهِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مَذْكُورٌ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
              فَأَوْقَفَنَا عَلَيْهِ شَيْخُنُا أَبُو مُحَمَّدِ الْقَاسِمُ، وَ أَسْمَعَنَاهُ، وَ أَمَرَنَا بِكِتَابَتِهِ، فَاكْتَتَبْنَاهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَ أَثْبَتْنَاهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ اللَّائِقَةِ بِهِ؛ وَ هُوَ:
              بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
              يَشْهَدُ مَنْ ثَبَتَ اِسْمُهُ وَ نَسَبُهُ، وَ صَحَّ نَهَجُهُ وَ مَذْهَبُهُ، وَ اخْتَبَرَ دِينَهُ وَ أَمَانَتَهُ، مِنَ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَ الْأَمَاثِلِ الْعُلَمَاءِ، وَ أَهْلِ الْقُرْآَنِ، وَ الْمُعَدَّلِينَ الْأَعْيَانِ، وَ كَتَبُوا خُطُوطَهُمُ الْمَعْرُوفَةَ، بِعِبَارَاتِهِمُ الْمَأْلُوفَةِ، مُسَارِعِينَ إِلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَ تَوَخَّوْا فِي ذَلِكَ مَا تَحْظُرُهُ الدِّيَانَةُ، مَخَافَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: )وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ([البقرة:140].
              إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحَشَوِيَّةِ، وَ الْأَوْبَاشِ الرِّعَاعِ، الْمُتَوَسِّمِينَ بِالْحَنْبَلِيَّةِ، أَظْهَرُوا بِبَغْدَادَ مِنَ الْبِدَعِ الْفَظِيعَةِ، وَ الْمَخَازِي الشَّنِيعَةِ، مَا لَمْ يَتَسَمَّحْ بِهِ مُلْحِدٌ، فَضْلاً عَنْ مُوَحِّدٍ، وَ لَا تَجَوَّزَ بِهِ قَادِحٌ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ وَ لَا مُعَطِّلٌ، وَ نَسَبُوا كُلَّ مَنْ يُنَزِّهُ الْبَارِي تَعَالَى وَ جَلَّ عَنِ النَّقَائِصِ وَ الْآَفَاتِ، وَ يَنْفِي عَنْهُ الْحُدُوثَ وَ التَّشْبِيهَاتِ، وَ يُقَدِّسُهُ عَنِ الْحُلُولِ وَ الزَّوَالِ، وَ يُعَظِّمُهُ عَنِ التَّغَيُّرِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَ عَنْ حُلُولِهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ فِيهِ؛ إِلَى الْكُفْرِ وَ الطُّغْيَانِ، وَ مُنَافَاةِ أَهْلِ الْحَقِّ وَ الْإِيمَانِ، وَ تَنَاهَوْا فِي قَذْفِ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، وَ ثَلْبِ أَهْلِ الْحَقِّ وَ عِصَابَةِ الدِّينِ، وَ لَعْنِهِمْ فِي الْجَوَامِعِ وَ الْمَشَاهِدِ، وَ الْمَحَافِلِ وَ الْمَسَاجِدِ، وَ الْأَسْوَاقِ وَ الطُّرُقَاتِ، وَ الْخُلْوَةِ وَ الْجَمَاعَاتِ، ثُمَّ غَرَّهُمُ الطَّمَعُ وَ الْإِهْمَالُ، وَ مَدَّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمُ الْغَيُّ وَ الضَّلَالُ، إِلَى الطَّعْنِ فِيمَنْ يَعْتَضِدُ بِهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى، وَ هُوَ لِلشَّرِيعَةِ الْعُرْوَةَ الْوُثْقَى، وَ جَعَلُوا أَفْعَالَهُ الدِّينِيَّةَ مَعَاصِي دَنِيَّةً، وَ تَرَقَّوْا مِنْ ذَلِكَ إِلَى الْقَدْحِ فِي الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ وَ أَصْحَابِهِ.
              وَ اتَّفَقَ عَوْدُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ أَبِي نَصْرٍ اِبْنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ زَيْنِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ حَرَسَهَا اللهُ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَ قَدَّسَ الْبَرِيَّ عَنِ الْحَوَادِثِ وَ التَّحْدِيدِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنَ الصُّدُورِ الْأَفَاضِلِ، السَّادَةِ الْأَمَاثِلِ، وَ تَمَادَتِ الْحَشَوِيَّةُ فِي ضَلَالَتِهَا، وَ الْإِصْرَارِ عَلَى جَهَالَتِهَا، وَ أَبَوْا إِلَّا التَّصْرِيحَ بِأَنَّ الْمَعْبُودَ ذُو قَدَمٍ، وَ أَضْرَاسٍ، وَ لَهَوَاتٍ، وَ أَنَامِلَ، وَ إِنَّهُ يَنْزِلُ بِذَاتِهِ، وَ يَتَرَدَّدُ عَلَى حِمَارٍ فِي صُورَةِ شَابٍّ أَمْرَدَ، بِشَعْرٍ قَطَطٍ، وَ عَلَيْهِ تَاجٌ يَلْمَعُ، وَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ ذَهَبٍ، وَ حُفِظَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَ عَلَّلُوهُ وَ دَوَّنُوهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَ إِلَى الْعَوَامِّ أَلْقَوْهُ، وَ أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَا تَأْوِيلَ لَهَا، وَ أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَ تُعْتَقَدُ كَمَا وَرَدَ لَفْظُهَا، وَ إِنَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ كَالرَّعْدِ، كَصَهِيلِ الْخَيْلِ، وَ يَنْقُمُونَ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ لِقَوْلِهِمْ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ، مَنْعُوتٌ بِالْعِلْمِ، وَ الْقُدْرَةِ، وَ السَّمْعِ، وَ الْبَصَرِ، وَ الْحَيَاةِ، وَ الْإِرَادَةِ، وَ الْكَلَامِ؛ وَ هَذِهِ الصِّفَاتُ قَدِيمَةٌ، وَ إِنَّهُ يَتَعَالَى عَنْ قُبُولِ الْحَوَادِثِ، وَ لَا يَجُوزُ تَشْبِيهُ ذَاتِهِ بِذَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَ لَا تَشْبِيهِ كَلَامِهِ بِكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ.
              وَ مِنَ الْمَشْهُورِ الْمَعْلُومِ، أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْفُقَهَاءَ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْفُرُوعِ، كَانُوا يُصَرِّحُونَ بِهَذَا الْإِعْتِقَادَ، وَ يُدَرِّسُونَهُ ظَاهِراً مَكْشُوفاً لِأَصْحَابِهِمْ، وَ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْبِلاَدِ إِلَيْهِمْ، وَ لَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌٌ عَلَى إِنْكَارِهِ، وَ لَا تَجَوَّزَ مُتَجَوِّزٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، دُونَ الْقَدْحِ وَ الطَّعْنِ فِيهِمْ، وَ أَنَّ هَذِهِ عَقِيدَةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، يَدِينُونَ اللهَ تَعَالَى بِهَا، وَ يُلْقُونَهُ بِاعْتِقَادِهَا، وَ يَبْرَؤُنِ إِلَيْهِ مِنْ سِوَاهَا، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَ لَا إِنْحِرَافٍ عَنْهَا.
              وَ مَا لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ مُسْتَنَدٌ، وَ لَا لِلْحَقِّ مُغِيثٌ، يُعْتَمَدُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَ رَأْفَةُ الْمَجْلِسِ السَّامِي الْأَجَلِيِّ، الْعَالَمِيِّ، الْعَادِلِيِّ، الْقِوَامِيِّ، النِّظَامِيِّ، الرَّضَوِيِّ، أَمْتَعَهُ اللهُ بِحَيَاةٍ يَأْمَنُ خُطُوبَهَا، بَاسِمَةً فَلَا يَعْرِفُ قُطُوبَهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْ مَا أَظْهَرَهُ، وَ يُشَيِّدْ مَا أَسَّسَهُ وَ عَمَّرَهُ، بِأَمْرٍ جَزْمٍ، وَ عَزْمٍ حَتْمٍ، يَزْجُرْ أَهْلَ الْغِوَايَةِ عَنْ غَيِّهِمْ، وَ يَرْدَعْ ذَوِي الْاِعْنَادِ عَنْ بَغْيِهِمْ، وَ يَأْمُرْ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَأْدِيبِهِمْ، رَجَعَ الدِّينُ بَعْدَ تَبَسُّمِهِ قَطُوباً، وَ عَادَ الْإِسْلَامُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً.
              وَ عُيُونُهُمْ مُمْتَدَّةٌ إِلَى الْجَوَابِ بِنَيْلِ الْمَأْمُولِ وَ الْمُرَادِ، وَ قُلُوبُهُمْ مُتَشَوِّفَةٌٌ إِلَى النُّصْرَةِ وَ الْإِمْدَادِ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُنْعِمِ النَّظَرَ فِي الْحَادِثِ الَّذِي طَرَقَهُمْ، وَ يَصْرِفْ مُعْظَمَ هِمَمِهِ الْعَالِيَةِ إِلَى الْكَارِثِ الَّذِي أَزْعَجَهُمْ وَ أَقْلَقَهُمْ، وَ يَكْشِفْ عَنِ الشَّرِيعَةِ هَذِهِ الْغُمَّةَ، وَ يَحْسِمْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَانَ عَنْ هَذِهِ الظَّلَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَسْؤُولاٌٌ.
              إِذْ قُدْ أُدِّيَتْ إِلَيْهِ النَّصَائِحُ وَ الْأَمَانَاتُ، مِنْ أَهْلِ الْمَعَارِفِ وَ الدِّيَانَاتِ، وَ بَرِئُوا مِنْ عُهْدَةِ مَا سَمِعُوهُ، بِمَا أَدَّوْهُ إِلَى سَمْعِهِ الْعَالِي وَ بَلَّغُوهُ، وَ الْحُجَّةُ للهِ تَعَالَى مُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَهُ، بِمَا مَكَّنَهُ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَ غَرْبِهَا، وَ بَسَطَ قُدْرَتَهُ فِي عُجْمِهَا وَ عُرْبِهَا، وَ جَعَلَ إِلَيْهِ الْقَبْضَ وَ الْإِبْرَامَ، وَ اصْطَفَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنَامِ، فَمَا تُرَدُّ نَوَاهِيهِ وَ أَوَامِرُهُ، وَ لَا تُعْصَى مَرَاسِمُهُ وَ زَوَاجِرُهُ.
              وَ اللهُ تَعَالَى بِكَرَمِهِ يُوَفِّقُهُ وَ يُسَدِّدُهُ، وَ يُؤَيِّدُ مَقَاصِدَهُ وَ يُرْشِدُهُ، وَ يَقِفُ فِكْرَتَهُ وَ خَوَاطِرَهُ، عَلَى نَصْرَةِ مِلَّتِهِ، وَ تَقْوِيَةِ دِينِهِ وَ شَرِيعَتِهِ، بِمَنِّهِ وَ رَأْفَتِهِ، وَ فَضْلِهِ وَ رَحْمَتِهِ.
              صُورَةُ الْخُطُوطِ:
              الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمُحْضَرِ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِي؛ أَكْثَرَ اللهُ فِي أَئِمَّةِ الدِّينِ مِثْلَهُ، مَنْ عَقَدَ الْمَجَالِسَ، وَ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ، بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ تَوْحِيدِهِ وَ صِفَاتِهِ، وَ نَفْي التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ قَمْعِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَ الْقَدَرِيَّةِ، وَ غَيْرِهِمْ، وَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَ الْجَمَاعَةِ، وَ بِهِ أَدِينُ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ إِيَّاهُ اَعْتَقِدُ، وَ هُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ أَئِمَّةَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ، وَ اهْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ، وَ صَارُوا كُلُّهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَحَمَلَهُمُ الْحَسَدُ وَ الْغَيْظُ، عَلَى سَبِّهِ وَ سَبِّ الشَّافِعِيِّ، وَ أَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ وَ نُصَّارِ مَذْهَبِهِ، وَ هَذَا أَمْرٌ لَا يَجُوزُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، وَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَوْلَى أَعَزَّ اللهُ نَصْرَهُ، التَّنْكِيلَ بِهَذَا النَّفَرِ الْيَسِيرِ، الَّذِينَ تَوَلَّوْا كِبْرَ هَذَا الْأَمْرِ، وَ طَعَنُوا فِي الشَّافِعِيِّ وَ أَصْحَابِهِ، لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَقْدَرَهُ، وَ هُوَ الَّذِي بَدَأَ فِي هَذَا الْبَلَدِ بِإِعْزَازِ هَذَا الْمَذْهَبِ، بِمَا بَنَى فِيهِ مِنَ الْمَدْرَسَةِ، الَّتِي مَاتَ كُلُّ مُبْتَدِعٍ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَ الْقَدَرِيَّةِ غَيْظاً مِنْهَا، وَ بِمَا يَرْتَفِعُ فِيهَا مِنَ الْأَصْوَاتِ بِالدُّعَاءِ لِأَيَّامِهِ، اِسْتَجَابَ اللهُ فِيهِ صَالِحَ الْأَدْعِيَةِ، وَ مَتَى أَهْمَلَ نَصْرَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ.
              وَ كَتَبَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَيْرُوزْأَبَادِي

              الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمُحْضَرِ، مِنْ حَالِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ، أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيِّ، جَمَّلَ اللهُ الْإِسْلَامَ بِهِ، وَ كَثَّرَ فِي أَئِمَّةِ الدِّينِ مِثْلَهُ، مَنْ عَقَدَ الْمَجَالِسَ، وَ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، مِنَ التَّنْزِيهِ، وَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ قَمْعِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَ الْقَدَرِيَّةِ وَ غَيْرِهِمْ، وَ لَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ غَيْرَ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَ الْجَمَاعَةِ، وَ بِهِ نَدِينُ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ أَصْحَابِنَا، وَ اهْتَدَى بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ وَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى، فَصَارُوا أَكْثَرَهُمْ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَحَمَلَهُمُ الْحَسَدُ وَ الْغَيْظُ عَلَى سَبِّهِ، وَ سَبِّ الشَّافِعِيِّ t، وَ نُصَّارِ مَذْهَبِهِ، حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ، وَ هَذَا الْأَمْرُ لَا يَحِلُّ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، وَ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ قِوَامُ الدِّينِ، وَ النَّظَرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، أَنْ يَنْظُرَ فِي هَذَا، وَ يُزِيلَ هَذَا الْمُنْكَرَ، فَإِنَّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَتِهِ، وَ يَتَوَقَّفُ فِيهِ يَأْثَمُ، وَ لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ مَنْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَمْرَ عِبَادِهِ إِلَيْهِ، إِلَّا الْمَوْلَى أَعَزَّ اللهُ أَنْصَارَهُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ عَلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَ التَّنْكِيلُ بِهِمْ، لِأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَقْدَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَ هُوَ الْمَسْؤُلُ عَنْهُ غَداً إِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ، وَ صَارَ قَصْدُ الْمُبْتَدِعَةِ أَكْثَرُهُ مُعَادَاُة الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْمَدْرَسَةِ الْمَيْمُونَةِ، فَإِنَّهُمْ يَمُوتُونَ غَيْظاً مِنْهُمْ، لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ مُذَاكَرَةِ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ وَ إِحْيَاءِ مَذْهَبِهِ.
              وَ كَتَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ

              الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمُحْضَرِ، مِنْ حَالِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ، أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيِّ، أَدَامَ اللهُ حِرَاسَتَهُ، مِنْ عَقْدِ الْمَجَالِسِ لِلْوَعْظِ وَ التَّذْكِيرِ، فِي الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ الْمَعْمُورَةِ وَ الرِّبَاطِ، وَ أَطْنَبَ فِي تَوْحِيدِ اللهِ ، وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، بِمَا يَسْتَوْجِبُهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَ تَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ، وَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ اسْتَوْفَى فِي الْإِعْتِقَادِ مَا هُوَ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، بِأَوْضَحِ الْحِجَجِ، وَ أَقْوَى الْبَرَاهِينِ، فَوَقَعَ فِي النُّفُوسِ كَلَامُهُ، وَ مَالَ إِلَيْهِ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ مِنَ الْعَامَّةِ، وَ رَجَعَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ عَنْ إِعْتِقَادِ التَّجْسِيمِ وَ التَّشْبِيهِ، وَ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا الْآَنَ بَانَ لَهَا الْحَقُّ، فَحَسَدَهُ الْمُبْتَدِعَةُ الْمُجَسِّمَةُ وَ غَيْرُهُمْ، فَحَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى بَسْطِ اللِّسَانِ فِيهِ، غَيْظاً مِنْهُ، وَ سَبِّ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، وَ أَئِمَّةُ أَصْحَابِهِ، وَ مَنْ يَنْصُرُهُمْ، وَ تَظَاهَرُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ مَعَهُ، وَ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ جَعَلَ اللهُ إِلَيْهِ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ، أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَحْسِمُ مَادَّةَ الْفَسَادِ، لِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ فَرَطُ غَيْظِهِمْ مِنْ اِجْتِمَاعِ شَمْلِ الْعِصَابَةِ الشَّافِعِيَّةِ، فِي الْاِشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، بِعِمَارَةِ الْمَدْرَسَةِ الْمَيْمُونَةِ، وَ تَوَفُّرِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ لِأَيَّامِ مَنْ بِهِ عِزُّهُمْ، وَ لَا عُذْرَ لِلتَّفْرِيطِ فِي ذَلِكَ.
              وَ كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّاشِيُّ

              الْأَمْرُ عَلَى مَا شُرِحَ فِي صَدْرِ هَذَا الْمُحْضَرِ.
              وَ كَتَبَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَلَّامَةَ الْكَرْخِيُّ

              الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ.
              وَ كَتَبَ سَعْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَاطِبُ

              الْأَمْرُ عَلَى الْمَشْرُوحِ فِي هَذَا الصَّدْرِ مِنْ حَالِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَوْحَدِ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقُشَيْرِيِّ، أَكْثَرَ اللهُ فِي أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلَهُ، مِنْ عَقْدِ الْمَجَالِسِ، وَ نَشْرِ الْعِلْمِ، وَ وَصَفَ اللهَ تَعَالَى بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، مِنْ تَوْحِيدَهِ، وَ صِفَاتِهِ، وَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ قَمْعِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْمُجَسِّمَةِ، وَ الْقَدَرِيَّةِ، وَ غَيْرِهِمْ، وَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ عُدُولاً عَنْ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَ السُّنَّةِ، وَ الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَ الْمَنْهَجِ الْمُسْتَقِيمِ، الَّذِي بِهِ يُدَانُ اللهُ تَعَالَى، وَ يُعْبَدُ، وَ يُعْمَلُ بِهِ، وَ يُعْتَقَدُ، فَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ خَلْقٌ مِنَ الْمُخَالِفِينَ، وَ صَارَ إِِلَى قَوْلِهِ وَ مُعْتَقَدِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، إِلَّا مَنْ شَقِيَ بِهِ مِنَ الْحَاسِدِينَ، فَأَخْلَدُوا إِلَى ذَمِّهِ، وَ سَبِّهِ، وَ سَبِّ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيِّينَ، وَ قَدَحُوا فِي الشَّافِعِيِّ وَ أَصْحَابِهِ، وَ صَرَّحُوا بِالطَّعْنِ فِيهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ، وَ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ، وَ هَذِهِ غُمَّةٌ، وَ رَدُّهُ لَا يُرْجَى لِكَشْفِهَا بَعْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا الْمَجْلِسُ السَّامِي، الْأَجَلِيِّ، النِّظَامِيِّ، الْقِوَامِيِّ، الْعَادِلِيِّ، الرَّضَوِيِّ، أَمْتَعَ اللهُ الدُّنْيَا وَ الدِّينَ بِبِقَائِهِ، وَ حَرَسَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَ الْمُسْلِمِينَ ظَلِيلَ ظِلِّهِ وَ نَعْمَائِهِ، وَ يَفْعَلُ اللهُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ، وَ طَوْلِهِ وَ مَشِيئَتِهِ.
              وَ كَتَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ

              حَضَرْتُ الْمَدْرَسَةَ النِّظَامِيَّةَ الْمَنْصُورَةَ الْمَعْمُورَةَ، أَدَامَ اللهُ سُلْطَانَ إِعْزَازِهَا، وَ الرِّبَاطَ الْمُقَدَّسَ لِلصُّوفِيَّةِ، أَجَابَ اللهُ صَالِحَ أَدْعِيَّتِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ، مَجَالِسَ هَذَا الشَّيْخِ الْأَجَلِّ، الْإِمَامِ نَاصِرِ الدِّينِ مُحْيِي الْإِسْلَامِ، أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ زَيْنِ الْإِسْلَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ، أَحْسَنَ اللهُ عَنِ الشَّرِيعَةِ جَزَاءَهُ، فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ قَطُّ إِلَّا مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ عِلْمُهُ، وَ تَصْحِيحِ الْعَقِيدَةِ بِهِ، مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ، وَ تَنْزِيهِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى، وَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ عَنْهُ، وَ إِقْمَاعِ الْأَبَاطِيلِ، وَ الْأَضَالِيلِ، وَ إِظْهَارِ الْحَقِّ وَ الصِّدْقِ، حَتَّى أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ -بِبَرَكَةِ التَّوْحِيدِ وَ التَّنْزِيهِ- مِنْ أَنْوَاعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَشَرَاتٌ، وَ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ وَ عِلْمِ الصِّدْقِ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ مِئَاتٌ، وَ تَبِعَهُ خَلْقٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ، بِحَيْثُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، أَوْ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ، أَنْ يَشُقُّوا غُبَارَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، فَخَامَرَهُمُ الْحَسَدُ، وَ عَدَاوَةُ الْجَهْلِ، وَ حَمْلِهِمْ عَلَى الطَّعْنِ فِيهِ عُدْوَاناً وَ بُهْتَاناً، ثُمَّ تَمَادَى بِهِمُ الْجَهْلُ إِلَى اللَّعْنِ الظَّاهِرِ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، وَ سَائِرَ أَصْحَابِهِ، عُجْماً وَ عُرْباً.
              وَ قَائِلُو ذَلِكَ شِرْذِمَةٌ مِنْ نَاشِئَةِ أَغْبِيَاءِ الْمُجَسِّمَةِ، وَ طَائِفَةٌ مِنْ أَرْذَالِ الْحَشَوِيَّةِ، اِسْتَغْنَوْا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْإِسْمِ، وَ مِنَ الْعِلْمِ بِالرَّسْمِ، وَ تَبِعَهُمْ سُوقَةٌ لَا نَسَبَ لَهُمْ وَ لَا حَسَبَ، وَ تَظَاهَرَتْ هَذِهِ اللَّعْنَةُ مِنْهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ، وَ لَمْ يَسْتَحْسِنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ -كَثَّرَهُمُ اللهُ- دَفْعَ السَّفَاهَةِ بِالسَّفَاهَةِ، وَ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ.
              وَ يَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، مَنِ الَّذِي قَدْ اِنْتَشَرَ فِي الْمَشَارِقِ وَ الْمَغَارِبِ عِلْمُهُ وَ عَدْلُهُ، وَ أَمْرُهُ وَ نَهْيُهُ، الَّذِي لِطَاعَتِهِ نَبَاتُ صُدُورِ الْأَوْلِيَاءِ وَ الْأَعْدَاءِ، رَغْبَةُ وَ رَهْبَةُ نُصْرَتِهِ، وَ مَدِّ ضَبْعَيْهِ، وَ الشَّدِّ عَلَى يَدَيْهِ، وَ تَقْدِيمِ كَلِمَتِهِ الْعُلْيَا، وَ تَدْحِيضِ كَلِمَةِ أَعْدَائِهِ السُّفْلَى، فَالصَّبْرُ فِي الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَ هَذِهِ الصَّدْمَةُ الَّتِي كَانَتْ قُلُوبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ -كَثَّرَهُمُ اللهُ- وَ غِرَةٌ وَغِلَةٌ، شَغَلَهُ بِهَا مُنْذُ سِنِينَ، فَانْقَشَعَ ذَلِكَ، وَ انْكَشَفَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُؤَيَّدَةِ، الْمَنْصُورَةِ، الْمُؤَبَّدَةِ، النِّظَامِيَّةِ، الْقِوَامِيَّةِ، الْعَالِمَيَّةِ، الْعَادِلِيَّةِ، نَصَرَهَا اللهُ وَ أَعْلَاهَا، وَ قَدْ وَقَفَ تَمَامَهُ عَلَى الْأَمْرِ الْمَاضِي الْمَنْصُورِ مِنْهُ، فَإِنَّ فِي شُعْبَةٍ مِنْ شُعَبِ عِنَايَتِهِ وَ نَصْرَتِهِ وَ كَلِمَتِهِ لِلدِّينِ، الَّذِي مَدَّ أَطْرَارَهُ كِفَايَةً وَ بَلَاغاً، وَ عَلَى الْغَارِسِ تَعَهُّدَ غِرَاسِهِ فَضْلاً وَ تَعَصُّباً فِي كُلِّ وَقْتٍ.
              وَ كَتَبَ عَزِيزِي بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي التَّارِيخِ.
              حَامِداً للهِ، وَ مُصَلِّياً عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَ عَلَى آَلِهِ وَ صَحْبِهِ وَ سَلَّمَ وَ شَرَّفَ وَ كَرَّمَ.

              تعليق

              • حماد محمد الشنقيطي
                طالب علم
                • Feb 2010
                • 252

                #22
                العقيدة النسفية: نجم الدين أبو حفص عمر النسفي (-537هـ)

                قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: حَقَائِقُ الْأَشْيـَاءِ ثَابِتَةٌ، وَ الْعِلْمُ بِهَا مُتَحَقِّقٌ؛ خِلَافاً لِلسُّوفَسطَائِيَّةِ.
                وَ أَسْـبَابُ الْعِـلْـمِ لِلْخَلْقِ ثَلَاثَةٌ: الْحَوَاسُّ السَّلِيمَةُ، وَ الْخَبَرُ الصَّادِقُ، وَ الْعَقْلُ.
                فَالْحَوَاسُّ خَمْسٌ: السَّمْعُ، وَ الْبَصَرُ، وَ الشَّمُّ، وَ اللَّمْسُّ، وَ بِكُلِّ حَاسَّةٍ مِنْهَا يُوقَفُ عَلَى مَا وُضِعَتْ هِيَ لَهُ.
                وَ الْخَبَرُ الصَّادِقُ عَلَى نَوْعَينِ:
                أَحَدُهُمَا: الخَـبَرُ المُتَواتِرُ، وَ هُوَ: الْخَبَرُ الثَّابِتُ عَلَى أَلْسِنَةِ قَوْمٍ لَا يُتَصَوَّرُ تَـوَاطُؤُهُمْ عَـلَى الْكَذِبِ؛ وَ هُوَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، كَالْعِلْمِ بِالْمُلُوكِ الْخَالِيَةِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَ الْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ.
                وَ النَّوْعُ الثَّانِي: خَبَرُ الرَّسُولِ الْمُؤَيَّدِ بِالْمُعْجِزَةِ؛ وَ هُوَ يُوجِبُ الْعِلْمَ الْاِسْتِدْلَالِيَّ، وَ الْعِلْمُ الثَّابِتُ بِهِ يُضَاهِي الْعِلْمَ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ فِي التَّيَقُّنِ وَ الثَّبَاتِ.
                وَ أَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ أَيْضاً.
                وَ مَا ثَبَتَ مِنْهُ بِالْبَدِيهَةِ فَهُوَ ضَرُورِيٌّ، كَالْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ جُزْئِهِ.
                وَ مَا ثَبَتَ بِالْاِسْتِدْلَالِ فَهُوَ اِكْتِسَابِيٌّ.
                وَ الْإِلْهَامُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ.
                وَ الْعَالَمُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُحْدَثٌ؛ إِذْ هُوَ أَعْيَانٌ وَ أَعْرَاضٌ.
                فَالْأَعْيَانُ: مَا لَهُ قِيَامٌ بِذَاتِهِ؛ وَ هُوَ: إِمَّا مُرَكَّبٌ، أَوْ غَيْرُ مُرَكَّبٍ؛ كَالْجَوْهَرِ، وَ هُوَ: الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ.
                وَ الْعَرَضُ: مَا لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ، وَ يَحْدُثُ فِي الْأَجْسَامِ وَ الْجَوَاهِرِ، كَالْأَلْوَانِ، وَ الْأَكْوَانِ، وَ الطُّعُومِ، وَ الرَّوَائِحِ.
                وَ الْمُحْدِثُ لِلْعَالَمِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، الْوَاحِدُ، الْقَدِيمُ، الْحَيُّ، الْقَادِرُ، الْعَلِيمُ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الشَّائِيُّ، الْمُرِيدُ؛ لَيْسَ بِعَرَضٍ، وَ لَا جِسْمٍ، وَ لَا جَوْهَرٍ، وَ لَا مُصَوَّرٍ، وَ لَا مَحْدُودٍ، وَ لَا مَعْدُودٍ، وَ لَا مُتَبَعِّضٍ، وَ لَا مُتَجَزِّئٍ، وَ لَا مُتَنَاهٍ، وَ لَا يُوصَفُ بِالْمَاهِيَّةِ، وَ لَا بِالْكَيْفِيَّةِ، وَ لَا يَتَمَكَّنُ فِي مَكَانٍ، وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ، وَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَ لَا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وَ قُدْرَتِهِ شَيْءٌ.
                وَ لَهُ صِفَاتٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَ هِيَ لَا هُوَ، وَ لَا غَيْرُهُ؛ وَ هِيَ: الْعِلْمُ، وَ الْقُدْرَةُ، وَ الْحَيَاةُ، وَ الْقُوَّةُ، وَ السَّمْعُ، وَ الْبَصَرُ، وَ الْإِرَادَةُ، وَ الْمَشِيئَةُ، وَ الْفِعْلُ، وَ التَّخْلِيقُ، وَ التَّرْزِيقُ، وَ الْكَلَامُ.
                وَ هُوَ مُتْكَلِّمٌ بِكَلَامٍ هُوَ صِفَةٌ لَهُ أَزَلِيَّةٌ، لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ وَ الْأَصْوَاتِ؛ وَ هُوَ صِفَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلسُّكُوتِ وَ الْآَفَّةِ؛ وَ اللهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِهَا، آَمِرٌ، نَاهٍ، مُخْبِرٌ.
                وَ الْقُرْآَنُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى غَيْرَ مَخْلُوقٍ، وَ هُوَ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا، مَحْفُوظٌ فِي قُلُوبِنَا، مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا، مَسْمُوعٌ بِآَذَانِنَا، غَيْرَ حَالٍّ فِيهَا.
                وَ التَّكْوِينُ: صِفَةٌ للهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ، وَ هُوَ تَكْوِينُهُ تَعَالَى لِلْعَالَمِ، وَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ؛ لَا فِي الْأَزَلِ، بَلْ لِوَقْتِ وُجُودِهِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَ إِرَادَتِهِ.
                وَ هُوَ غَيْرُ الْمُكَونِ عِنْدَنَا.
                وَ الْإِرَادَةُ: صِفَةٌ للهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ، قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ.
                وَ رُؤْيَةُ اللهِ تَعَالَى: جَائِزَةٌ فِي الْعَقْلِ، وَاجِبَةٌ بِالنَّقْلِ؛ وَرَدَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ بِإِيجَابِ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ اللهَ تَعَالَى فِي دَارِ الْآَخِرَةِ؛ فَيُرَى لَا فِي مَكَانٍ، وَ لَا عَلَى جِهَةٍ مِنْ مُقَابَلَةٍ، وَ لَا اِتِّصَالِ شُعَاعٍ، وَ لَا ثُبُوتِ مَسَافَةٍ بَيْنَ الرَّائِي وَ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى.
                وَ اللهُ تَعَالَى خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ كُلِّهَا: مِنَ الْكُفْرِ، وَ الْإِيمَانِ، وَ الطَّاعَةِ، وَ الْعِصْيَانِ؛ وَ هِيَ كُلُّهَا بِإِرَادَتِهِ، وَ مَشِيئَتِهِ، وَ حُكْمِهِ، وَ قَضَائِهِ، وَ تَقْدِيرِهِ.
                وَ لِلْعِبَادِ أَفْعَالٌ اِخْتِيَارِيَّةٌ يُثَابُونَ بِهَا، وَ يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا.
                وَ الْحُسْنُ مِنْهَا بِرِضَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَ الْقَبِيحُ مِنْهَا لَيْسَ بِرِضَاهُ.
                وَ الْاِسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ، وَ هِيَ حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفِعْلُ.
                وَ يَقَعُ هَذَا الْاِسْمُ عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ، وَ الْآَلَاتِ، وَ الْجَوَارِحِ، وَ صِحَّةُ التَّكْلِيفِ تَعْتَمِدُ هَذِهِ الْاِسْتِطَاعَةَ.
                وَ لَا يُكَلَّفُ الْعَبْدُ لِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ.
                وَ مَا يُوجَدُ مِنَ الْأَلَمِ فِي الْمَضْرُوبِ عُقَيْبَ ضَرْبِ إِنْسَانٍ، وَ الْاِنْكِسَارُ فِي الزُّجَاجِ عُقَيْبَ كَسْرِ إِنْسَانٍ، وَ مَا أَشْبَهَهُ؛ كُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ للهِ تَعَالَى، لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِي تَخْلِيقِهِ.
                وَ الْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ، وَ الْأَجَلُ وَاحِدٌ.
                وَ الْحَرَامُ رِزْقٌ، وَ كُلٌّ يَسْتَوْفِي رِزْقَ نَفْسِهِ؛ حَلَالاً كَانَ، أَوْ حَرَاماً؛ وَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِنْسَانٌ رِزْقَهُ، أَوْ يَأْكُلُ رِزْقَ غَيْرِهِ.
                وَ اللهُ تَعَالَى يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
                وَ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْعَبْدِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَى اللهِ تَعَالَى.
                وَ عَذَابُ الْقَبْرِ لِلْكَافِرِينَ، وَ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَ تَنْعِيمُ أَهْلِ الطَّاعَةِ فِي الْقَبْرِ بِمَا يَعْلَمُهُ اللهُ تَعَالَى، وَ يُرِيدُهُ؛ وَ سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَ نَكِيرٍ ثَابِتٌ بِالدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ.
                وَ الْبَعْثُ حَقٌّ، وَ الْوَزْنُ حَقٌّ، وَ الْكِتَابُ حَقٌّ، وَ السُّؤَالُ حَقٌّ، وَ الْحَوْضُ حَقٌّ، وَ الصِّرَاطُ حَقٌّ، وَ الْجَنَّةُ حَقٌّ؛ وَ النَّارُ حَقٌّ، وَ هُمَا مَخْلُوقَتَانِ، مَوْجُودَتَانِ، بَاقِيَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ، وَ لَا يَفْنَى أَهْلُهُمَا.
                وَ الْكَبِيرَةُ لَا تُخْرِجُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ لَا تُدْخِلُهُ فِي الْكُفْرِ.
                وَ اللهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنَ الصَّغَائِرِ وَ الْكَبَائِرِ.
                وَ يَجُوزُ الْعِقَابُ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَ الْعَفْوُ عَنِ الْكَبِيرَةِ -إِذَا لَمْ تَكُنْ عَنْ اِسْتِحْلَالٍ، وَ الْاِسْتِحْلَالُ كُفْرٌ-.
                وَ الشَّفَاعَةُ ثَابِتَةٌ لِلرُّسُلِ وَ الْأَخْيَارِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ.
                وَ الْإِيمَانُ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَ الْإِقْرَارِ بِهِ.
                فَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَهِيَ تَتَزَايَدُ فِي نَفْسِهَا، وَ الْإِيمَانُ لَا يَزِيدُ وَ لَا يَنْقُصُ.
                وَ الْإِيمَانُ وَ الْإِسْلَامُ وَاحِدٌ.
                وَ إِذَا وُجِدَ مِنَ الْعَبْدِ التَّصْدِيقُ وَ الْإِقْرَارُ صَحَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ: "أَنَا مُؤْمِنٌ حَقاًّ"، وَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ".
                وَ السَّعِيدُ قَدْ يَشْقَى، وَ الشَّقِيُّ قَدْ يَسْعَدُ، وَ التَّغْيِيرُ يَكُونُ عَلَى السَّعَادَةِ وَ الشَّقَاوَةِ دُونَ الْإِسْعَادِ وَ الْإِشْقَاءِ؛ وَ هُمَا مِنْ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَ لَا تَغَيُّرَ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَ لَا عَلَى صِفَاتِهِ.
                وَ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ حِكْمَةٌ، وَ قَدْ أَرْسَلَ اللهُ رُسُلاً مِنَ الْبَشَرِ إِلَى الْبَشَرِ مُبَشِّرِينَ، وَ مُنْذِرِينَ، وَ مُبَيِّنِينَ لِلنَّاسِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَ الدِّينِ.
                وَ أَيَّدَهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ النَّاقِضَاتِ لِلْعَادَاتِ.
                وَ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ آَدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَ آَخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، وَ قَدْ رُوِيَ بَيَانُ عِدَّتِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَصَرَ عَلَى عَدَدٍ فِي التَّسْمِيَةِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾[غافر:78]، وَ لَا يُؤْمَنُ فِي ذِكْرِ الْعَدَدِ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، أَوْ يُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِيهِمْ، وَ كُلُّهُمْ كَانُوا مُخْبِرِينَ مُبَلِّغِينَ عَنِ اللهِ تَعَالَى، صَادِقِينَ، نَاصِحِينَ.
                وَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ.
                وَ الْمَلَائِكَةُ عِبَادُ اللهِ تَعَالَى الْعَامِلُونَ بِأَمْرِهِ، لَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَ لَا أُنُوثَةٍ.
                وَ للهِ كُتُبٌ أَنْـزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ، وَ بَيَّنَ فِيهَا أَمْرَهُ، وَ نَهْيَهُ، وَ وَعْدَهُ، وَ وَعِيدَهُ.
                وَ الْمِعْرَاجُ لِرَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ فِي الْيَقَظَةِ بِشَخْصِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الْعُلَى حَقٌّ.
                وَ كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ حَقٌّ، فَتَظْهَرُ الْكَرَامَةُ عَلَى طَرِيقِ نَقْضِ الْعَادَةِ لِلْوَلِيِّ مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَ ظُهُورِ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ وَ اللِّبَاسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَ الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ وَ فِي الْهَوَاءِ، وَ كَلَامِ الْجَمَادِ الْعَجْمَاءِ، وَ انْدِفَاعِ الْمُتَوَجَّهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَ كِفَايَةِ الْمُهِمِّ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ.
                وَ يَكُونُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ الَّذِي ظَهَرَتْ هَذِهِ الْكَرَامَةُ لِوَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِهَا أَنَّهُ وَلِيٌّ، وَ لَنْ يَكُونَ وَلِياًّ إِلَّا وَ أَنْ يَكُونَ مُحِقاًّ فِي دِيَانَتِهِ، وَ دِيَانَتُهُ الْإِقْرَارُ بِرِسَالِةِ رَسُولِهِ.
                وَ أَفْضَلُ الْبَشَرِ بَعْدَ نَبِيِّنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثُمَّ عُمَرُ الْفَارُوقُ، ثُمَّ عُثْْمَانُ ذِي النُّورَيْنِ، ثُمَّ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى، وَ خِلَافَتُهُمْ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ؛ وَ الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَهَا مُلْكٌ وَ أَمَارَةٌ.
                وَ الْمُسْلِمُونَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إِمَامٍ، يَقُومُ بِتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِمْ، وَ إِقَامَةِ حُدُودِهِمْ، وَ سَدِّ ثُغُورِهِمْ، وَ تَجْهِيزِ جُيُوشِهِمْ، وَ أَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ، وَ قَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَ الْمُتَلَصِّصَةِ وَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَ إِقَامَةِ الْجُمَعِ وَ الْأَعْيَادِ، وَ قَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَ قُبُولِ الشَّهَادَاتِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْحُقُوقِ، وَ تَزْوِيجِ الصِّغَارِ وَ الصَّغَائِرِ الَّذِينَ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمْ، وَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ.
                ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ ظَاهِراً، لَا مُخْتَفِياً، وَ لَا مُنْتَظَراً، وَ يَكُونُ مِنْ قُرَيْشٍ؛ وَ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَ لَا يْخَتَصُّ بِبَنِي هَاشِمٍ.
                وَ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُوماً، وَ لَا أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ الْمُطْلَقَةِ الْكَامِلَةِ، سَائِساً، قَادِراً عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ، وَ حِفْظِ حُدُودِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَ إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ.
                وَ لَا يَنْعَزِلُ الْإِمَامُ بِالْفِسْقِ وَ الْجُورِ.
                وَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَ فَاجِرٍ، وَ يُصَلَّى عَلَى كُلِّ بَرٍّ وَ فَاجِرٍ.
                وَ يَكُفَّ عَنْ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ إِلَّا بِخَيْرٍ.
                وَ نَشْهَدُ لِلْعَشَرِةِ الْمُبَشَّرَةِ الَّذِينَ بَشَّرَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ.
                وَ نَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَ الْحَضَرِ، وَ لَا نُحَرِّمُ نَبِيذَ التَّمْرِ.
                وَ لَا يَبْلُغُ الْوَلِيُّ دَرَجَةَ الْأَنْبِيَاءِ، وَ لَا يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى حَيْثُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ.
                وَ النُّصُوصُ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، فَالْعُدُولُ عَنْهَا إِلَى مَعَانٍ يَدَّعِيهَا أَهْلُ الْبَاطِنِ إِلْحَادٌ، وَ رَدُّ النُّصُوصِ كُفْرٌ.
                وَ اسْتِحْلَالُ الْمَعْصِيَةِ كُفْرٌ، وَ الْاِسْتِهَانَةُ بِهَا كُفْرٌ، وَ الْاِسْتِهْزَاءُ عَلَى الشَّرِيعَةِ كُفْرٌ.
                وَ الْيَأْسُ مِنَ اللهِ تَعَالَى كُفْرٌ، وَ الْأَمْنُ مِنَ اللهِ تَعَالَى كُفْرٌ.
                وَ تَصْدِيقُ الْكَاهِنِ بِمَا يُخْبِرُهُ عَنِ الْغَيْبِ كُفْرٌ.
                وَ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
                وَ فِي دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ، وَ تَصَدُّقِهِمْ عَنْهُمْ نَفْعٌ لَهُمْ.
                وَ اللهُ تَعَالَى يُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَ يَقْضِي الْحَاجَاتِ.
                وَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةِ وَ السَّلَامُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَ دَابَّةِ الْأَرْضِ، وَ يَأْجُوجٍ وَ مَأْجُوجٍ، وَ نُـزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْسَّمَاءِ، وَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَهُوَ حَقٌّ.
                وَ الْمُجْتَهِدُ قَدْ يُخْطِئُ وَ يُصِيبُ.
                وَ رُسُلُ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ رُسُلِ الْمَلَائِكَةِ، وَ رُسُلُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ، وَ عَامَّةُ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْمَلَائِكَةِ.
                تَمَّتِ الْعَقَائِدُ النَّسْفِيَّةُ؛ وَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

                تعليق

                • حماد محمد الشنقيطي
                  طالب علم
                  • Feb 2010
                  • 252

                  #23
                  عقيدة الإمام تاج الدين السبكي، من كتابه جمع الجوامع:

                  مَسْأَلَةٌ:
                  اُخْتُلِفَ فِي التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ؛ وَ قِيلَ: النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ؛ وَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ: لَا يَصِحُّ إيمَانُ الْمُقَلِّدِ؛ وَ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ؛ وَ التَّحْقِيقُ: إنْ كَانَ أَخْذَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، مَعَ احْتِمَالِ شَكٍّ، أَوْ وَهْمٍ، فَلَا يَكْفِي؛ وَ إِنْ كَانَ جَزْمًا، فَيَكْفِي، خِلَافًا لِأَبِي هَاشِمٍ.
                  فَلْيَجْزِمْ عَقْدَهُ: بِأَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ، وَ لَهُ صَانِعٌ، وَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ.
                  وَ الْوَاحِدُ: الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ، وَ لَا يُشَبَّهُ بِوَجْهٍ.
                  وَ اَللَّهُ تَعَالَى: قَدِيمٌ، لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، حَقِيقَتُهُ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الْحَقَائِقِ؛ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَيْسَتْ مَعْلُومَةً الْآنَ، وَ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُمْكِنُ عِلْمُهَا فِي الْآخِرَةِ؟
                  لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَ لَا جَوْهَرٍ، وَ لَا عَرَضٍ.
                  وَ لَمْ يَزَلْ وَحْدَهُ، وَ لَا مَكَانَ، وَ لَا زَمَانَ، وَ لَا قُطْرَ، وَ لَا أَوَانَ.
                  ثُمَّ أَحْدَثَ هَذَا الْعَالَمَ، مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ، وَ لَوْ شَاءَ مَا اخْتَرَعَهُ؛ لَمْ يَحْدُثْ بِابْتِدَاعِهِ فِي ذَاتِهِ حَادِثٌ.
                  الْقَدَرُ خَيْرُهُ وَ شَرُّهُ، مِنْهُ.
                  عِلْمُهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَعْلُومٍ، جُزْئِيَّاتٍ، وَ كُلِّيَّاتٍ ؛ وَ قُدْرَتُهُ لِكُلِّ مَقْدُورٍ.
                  مَا عُلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ، إرَادَةً، وَ مَا لَا، فَلَا.
                  بَقَاؤُهُ غَيْرَ مُسْتَفْتَحٍ، وَ لَا مُتَنَاهٍ.
                  لَمْ يَزَلْ بِأَسْمَائِهِ، وَ صِفَاتِ ذَاتِهِ؛ مَا دَلَّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ: مِنْ قُدْرَةٍ، وَ عِلْمٍ، وَ حَيَاةٍ، وَ إِرَادَةٍ؛ أَوْ التَّنْزِيهُ عَنْ النَّقْصِ: مِنْ سَمْعٍ، وَ بَصَرٍ، وَ كَلَامٍ، وَ بَقَاءٍ؛ وَ مَا صَحَّ فِي الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ، مِنْ الصِّفَاتِ، نَعْتَقِدُ ظَاهِرَ الْمَعْنَى، وَ نُنَزِّهُهُ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُشْكِلِ.
                  ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا: أَنُؤَوِّلُ؟ أَمْ نُفَوِّضُ مُنَزِّهِينَ؟ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ: عَلَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتَفْصِيلِهِ، لَا يَقْدَحُ.
                  الْقُرْآنُ كَلَامُهُ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَا الْمَجَازِ؛ مَكْتُوبٌ فِي مَصَاحِفِنَا، مَحْفُوظٌ فِي صُدُورِنَا، مَقْرُوءٌ بِأَلْسِنَتِنَا.
                  يُثِيبُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَ يُعَاقِبُ، إلَّا أَنْ يَغْفِرَ -غَيْرَ الشِّرْكِ- عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ وَ لَهُ إثَابَةُ الْعَاصِي، وَ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ، وَ إِيلَامُ الدَّوَابِّ، وَ الْأَطْفَالِ؛ وَ يَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِالظُّلْمِ.
                  يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَ اخْتُلِفَ: هَلْ تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا؟ وَ فِي الْمَنَامِ؟
                  السَّعِيدُ مَنْ كَتَبَهُ فِي الْأَزَلِ سَعِيدًا، وَ الشَّقِيُّ عَكْسُهُ؛ ثُمَّ لَا يَتَبَدَّلَانِ؛ وَ مَنْ عَلِمَ مَوْتَهُ مُؤْمِنًا، فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ؛ وَ أَبُو بَكْرٍ مَا زَالَ بِعَيْنِ الرِّضَا.
                  وَ الرِّضَا، وَ الْمَحَبَّةُ غَيْرُ الْمَشِيئَةِ، وَ الْإِرَادَةِ؛ فَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، ﴿وَ لَوْ شَاءَ رَبُّك مَا فَعَلُوهُ﴾.
                  هُوَ الرَّزَّاقُ، وَ الرِّزْقُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَ لَوْ حَرَامًا.
                  بِيَدِهِ الْهِدَايَةُ وَ الْإِضْلَالُ؛ خَلْقُ الضَّلَالِ، وَ الِاهْتِدَاءِ، وَ هُوَ الْإِيمَانُ.
                  وَ التَّوْفِيقُ: خَلْقُ الْقُدْرَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى الطَّاعَةِ؛ وَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: خَلْقُ الطَّاعَةِ؛ وَ الْخِذْلَانُ ضِدُّهُ.
                  وَ اللُّطْفُ: مَا يَقَعُ عِنْدَهُ صَلَاحُ الْعَبْدِ أَخَرَةً.
                  وَ الْخَتْمُ، وَ الطَّبْعُ، وَ الْأَكِنَّةُ: خَلْقُ الضَّلَالِ فِي الْقَلْبِ.
                  وَ الْمَاهِيَّاتِ مَجْعُولَةً.
                  وَ ثَالِثُهَا إنْ كَانَتْ مُرَكَّبَةً.
                  أَرْسَلَ الرَّبُّ تَعَالَى رُسُلَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، وَ خُصَّ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ الْمَبْعُوثُ إلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، الْمُفَضَّلُ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ، وَ بَعْدَهُ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ.
                  وَ الْمُعْجِزَةُ: أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي، مَعَ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ.
                  وَ التَّحَدِّي: الدَّعْوَى.
                  وَ الْإِيمَانُ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ؛ وَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْقَادِرِ؛ وَ هَلْ التَّلَفُّظُ شَرْطٌ؟ أَوْ شَطْرٌ فِيهِ تَرَدُّدٌ؟
                  وَ الْإِسْلَامُ: إعْمَالُ الْجَوَارِحِ؛ وَ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ.
                  وَ الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك.
                  وَ الْفِسْقُ لَا يُزِيلُ الْإِيمَانَ.
                  وَ الْمَيِّتُ مُؤْمِنًا، فَاسِقًا، تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؛ إمَّا أَنْ يُعَاقَبَ، ثُمَّ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَ إِمَّا أَنْ يُسَامَحَ بِمُجَرَّدِ فَضْلِ اللَّهِ، أَوْ مَعَ الشَّفَاعَةِ.
                  وَ أَوَّلُ شَافِعٍ، وَ أَوْلَاهُ، حَبِيبُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ.
                  وَ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إلَّا بِأَجَلِهِ.
                  وَ النَّفْسُ بَاقِيَةٌ بَعْدَ قَتْلِ الْبَدَنِ.
                  وَ فِي فَنَائِهَا عِنْدَ الْقِيَامَةِ تَرَدُّدٌ؛ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: وَ الْأَظْهَرُ لَا تَفْنَى أَبَدًا.
                  وَ فِي عَجْبِ الذَّنَبِ قَوْلَانِ؛ قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَ الصَّحِيحُ يَبْلَى، وَ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ.
                  وَ حَقِيقَةُ الرُّوحِ، لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، فَنُمْسِكُ عَنْهَا.
                  وَ كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ حَقٌّ؛ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَ لَا يَنْتَهُونَ إلَى نَحْوِ وَلَدٍ دُونَ وَالِدٍ.
                  وَ لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
                  وَ لَا نُجَوِّزُ الْخُرُوجَ عَلَى السُّلْطَانِ.
                  وَ نَعْتَقِدُ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَ سُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ، وَ الصِّرَاطَ، وَ الْمِيزَانَ، حَقٌّ.
                  وَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ نَصْبُ إمَامٍ، وَ لَوْ مَفْضُولًا.
                  وَ لَا يَجِبُ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ.
                  وَ الْمَعَادُ الْجُسْمَانِيُّ بَعْدَ الْإِعْدَامِ حَقٌّ.
                  وَ نَعْتَقِدُ أَنَّ خَيْرَ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتُهُ، فَعُمَرُ، فَعُثْمَانُ، فَعَلِيٌّ أُمَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ أَجْمَعِينَ.
                  وَ بَرَاءَةَ عَائِشَةَ مِنْ كُلِّ مَا قُذِفَتْ بِهِ.
                  وَ نُمْسِكُ عَمَّا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَ نَرَى الْكُلَّ مَأْجُورِينَ.
                  وَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَ مَالِكًا، وَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَ السُّفْيَانَيْنِ، وَ أَحْمَدَ، وَ الْأَوْزَاعِيَّ، وَ إِسْحَاقَ، وَ دَاوُد، وَ سَائِرَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ.
                  وَ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ، إمَامٌ فِي السُّنَّةِ مُقَدَّمٌ.
                  وَ أَنَّ طَرِيقَ الشَّيْخِ الْجُنَيْدِ وَ صَحْبِهِ طَرِيقٌ مُقَوَّمٌ.
                  وَ مِمَّا لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ، وَ تَنْفَعُ مَعْرِفَتُهُ: الْأَصَحُّ إنَّ وُجُودَ الشَّيْءِ عَيْنُهُ، وَ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: غَيْرُهُ؛ فَعَلَى الْأَصَحِّ: الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَ لَا ذَاتٍ، وَ لَا ثَابِتٍ؛ وَ كَذَا عَلَى الْآخَرِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ.
                  وَ أَنَّ الِاسْمَ الْمُسَمَّى.
                  وَ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ.
                  وَ أَنَّ الْمَرْءَ يَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَ الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، لَا شَكًّا فِي الْحَالِ.
                  وَ أَنَّ مَلَاذَّ الْكَافِرِ اسْتِدْرَاجٌ.
                  وَ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِأَنَّهُ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ.
                  وَ أَنَّ الْجَوْهَرَ هُوَ الْفَرْدُ، وَ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، ثَابِتٌ.
                  وَ أَنَّهُ لَا حَالَّ -أَيْ لَا وَاسِطَةَ- بَيْنَ الْمَوْجُودِ وَ الْمَعْدُومِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي، إمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
                  وَ أَنَّ النَّسَبَ، وَ الْإِضَافَاتِ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، لَا وُجُودِيَّةٌ.
                  وَ أَنَّ الْعَرَضَ لَا يَقُومُ بِالْعَرَضِ؛ وَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ؛ وَ لَا يَحِلُّ مَحَلَّيْنِ.
                  وَ أَنَّ الْمِثْلَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ، كَالضِّدَّيْنِ، بِخِلَافِ الْخِلَافَيْنِ؛ أَمَّا النَّقِيضَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ.
                  وَ أَنَّ أَحَدَ طَرَفَيْ الْمُمْكِنِ لَيْسَ أَوْلَى بِهِ.
                  وَ أَنَّ الْبَاقِيَ مُحْتَاجٌ إلَى السَّبَبِ، وَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ عِلَّةَ احْتِيَاجِ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ الْإِمْكَانُ، أَوْ الْحُدُوثُ، أَوْ هُمَا جُزْءَا عِلَّةٍ، أَوْ الْإِمْكَانُ بِشَرْطِ الْحُدُوثِ، وَ هِيَ أَقْوَالٌ.
                  وَ الْمَكَانُ: قِيلَ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمَحْوِيِّ فِيهِ، وَ قِيلَ: بُعْدٌ مَوْجُودٌ يَنْفُذُ فِيهِ الْجِسْمُ، وَ قِيلَ: بُعْدٌ مَفْرُوضٌ، وَ هُوَ الْخَلَاءُ؛ وَ الْمُرَادُ مِنْهُ كَوْنُ الْجِسْمَيْنِ لَا يَتَمَاسَّانِ، وَ لَا بَيْنَهُمَا مَا يُمَاسُّهُمَا.
                  وَ الزَّمَانُ: قِيلَ: جَوْهَرٌ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَ لَا جُسْمَانِيٍّ؛ وَ قِيلَ: فَلَكُ مَعْدِلِ النَّهَارِ؛ وَ قِيلَ: عَرَضٌ، فَقِيلَ حَرَكَةُ مَعْدِلِ النَّهَارِ؛ وَ قِيلَ: مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ؛ وَ الْمُخْتَارُ: مُقَارَنَةُ مُتَجَدِّدٍ مَوْهُومٍ، لِمُتَجَدِّدٍ مَعْلُومٍ، إزَالَةً لِلْإِيهَامِ.
                  وَ يَمْتَنِعُ تَدَاخُلُ الْأَجْسَامِ.
                  وَ خُلُوُّ الْجَوْهَرِ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْرَاضِ، وَ الْجَوْهَرُ غَيْرُ مُرَكَّبٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ، وَ الْأَبْعَادُ مُتَنَاهِيَةٌ.
                  وَ الْمَعْلُولُ: قَالَ الْأَكْثَرُ يُقَارِنُ عِلَّتَهُ زَمَانًا، وَ الْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ، يَعْقُبُهَا مُطْلَقًا؛ وَ ثَالِثُهَا: إنْ كَانَتْ وَضْعِيَّةً لَا عَقْلِيَّةً.
                  أَمَّا التَّرْتِيبُ رُتْبَةً فَوِفَاقٌ.
                  وَ اللَّذَّةُ حَصَرَهَا الْإِمَامُ، وَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فِي الْمَعَارِفِ.
                  وَ قَالَ ابْنُ زَكَرِيَّا: هِيَ الْخَلَاصُ مِنْ الْأَلَمِ.
                  وَ قِيلَ: إدْرَاكُ الْمُلَائِمِ، وَ يُقَابِلُهَا الْأَلَمُ.
                  وَ مَا تَصَوَّرَهُ الْعَقْلُ: إمَّا وَاجِبٌ، أَوْ مُمْتَنِعٌ، أَوْ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ ذَاتَهُ إمَّا أَنْ تَقْتَضِيَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِج، أَوْ عَدَمَهُ، أَوْ لَا تَقْتَضِيَ شَيْئًا.
                  خَاتِمَةٌ: فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ مَبَادِئِ التَّصَوُّفِ الْمُصَفِّي لِلْقُلُوبِ:
                  أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ الْمَعْرِفَةُ؛ وَ قَالَ الْأُسْتَاذُ: النَّظَرُ الْمُؤَدِّي إلَيْهَا؛ وَ الْقَاضِي: أَوَّلُ النَّظَرِ؛ وَ ابْنُ فَوْرَكٍ، وَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ.
                  وَ ذُو النَّفْسِ الْأَبِيَّةِ يَرْبَأُ بِهَا عَنْ سَفْسَافِ الْأُمُورِ، وَ يَجْنَحُ إلَى مَعَالِيهَا.
                  وَ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ، تَصَوَّرَ تَبْعِيدَهُ وَ تَقْرِيبَهُ، فَخَافَ وَ رَجَا، فَأَصْغَى إلَى الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ، فَارْتَكَبَ وَ اجْتَنَبَ، فَأَحَبَّهُ مَوْلَاهُ، فَكَانَ سَمْعَهُ، وَ بَصَرَهُ، وَ يَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا.
                  وَ دَنِيءُ الْهِمَّةِ لَا يُبَالِي، فَيَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ، وَ يَدْخُلُ تَحْتَ رِبْقَةِ الْمَارِقِينَ؛ فَدُونَكَ صَلَاحًا، أَوْ فَسَادًا، وَ رِضًا، أَوْ سَخَطًا؛ وَ قُرْبًا أَوْ بُعْدًا؛ وَ سَعَادَةً أَوْ شَقَاوَةً؛ وَ نَعِيمًا أَوْ جَحِيمًا.
                  وَ إِذَا خَطَرَ لَكَ أَمْرٌ، فَزِنْهُ بِالشَّرْعِ؛ فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا فَبَادِرْ، فَإِنَّهُ مِنْ الرَّحْمَنِ؛ فَإِنْ خَشِيتَ وُقُوعَهُ، لَا إيقَاعَهُ عَلَى صِفَةٍ مَنْهِيَّةٍ، فَلَا عَلَيْكَ؛ وَ احْتِيَاجُ اسْتِغْفَارِنَا إلَى اسْتِغْفَارٍ، لَا يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِغْفَارِ.
                  وَ مِنْ ثَمَّ قَالَ السُّهْرَوَرْدِيّ: اعْمَلْ وَ إِنْ خِفْتَ الْعُجْبَ مُسْتَغْفِرًا، وَ إِنْ كَانَ مَنْهِيًّا، فَإِيَّاكَ فَإِنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنْ مِلْتَ فَاسْتَغْفِرْ.
                  وَ حَدِيثُ النَّفْسِ مَا لَمْ يَتَكَلَّم، أَوْ يَعْمَلُ، وَ الْهَمُّ، مَغْفُورَانِ؛ وَ إِنْ لَمْ تُطِعْكَ الْأَمَّارَةُ، فَجَاهِدْهَا؛ فَإِنْ فَعَلْتَ فَتُبْ، فَإِنْ لَمْ تُقْلِعْ لِاسْتِلْذَاذٍ، أَوْ كَسَلٍ، فَتَذَكَّرْ هَادِمَ اللَّذَّاتِ وَ فَجْأَةَ الْفَوَاتِ؛ أَوْ لِقُنُوطٍ، فَخَفْ مَقْتَ رَبِّكَ، وَ اذْكُرْ سَعَةَ رَحْمَتِهِ.
                  وَ اعْرِضْ التَّوْبَةَ وَ مَحَاسِنَهَا؛ وَ هِيَ النَّدَمُ، وَ تَتَحَقَّقُ بِالْإِقْلَاعِ، وَ عَزْمٍ أَنْ لَا يَعُودَ، وَ تَدَارُكِ مُمْكِنَ التَّدَارُكِ؛ وَ تَصِحُّ وَ لَوْ بَعْدَ نَقْضِهَا عَنْ ذَنْبٍ، وَ لَوْ صَغِيرًا، مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى آخَرَ، وَ لَوْ كَبِيرًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
                  وَ إِنْ شَكَكْت أَمَأْمُورٌ؟ أَمْ مَنْهِيٌّ؟ فَأَمْسِكْ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْمُتَوَضِّئِ، يَشُكُّ أَيَغْسِلُ ثَالِثَةً؟ أَمْ رَابِعَةً؟ لَا يَغْسِلُ.
                  وَ كُلٌّ وَاقِعٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ إِرَادَتُهُ، هُوَ خَالِقُ كَسْبِ الْعَبْدِ، قَدَّرَ لَهُ قُدْرَةً، هِيَ اسْتِطَاعَتُهُ، تَصْلُحُ لِلْكَسْبِ، لَا لِلْإِبْدَاعِ؛ فَاَللَّهُ خَالِقٌ غَيْرُ مُكْتَسِبٍ، وَ الْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ غَيْرُ خَالِقٍ.
                  وَ مِنْ ثَمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ.
                  وَ أَنَّ الْعَجْزَ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ، تُقَابِلُ الْقُدْرَةَ، تَقَابُلَ الضِّدَّيْنِ، لَا الْعَدَمِ وَ الْمَلَكَةِ.
                  وَ رَجَّحَ قَوْمٌ التَّوَكُّلَ، وَ آخَرُونَ الِاكْتِسَابَ، وَ ثَالِثٌ الِاخْتِلَافَ.
                  وَ مِنْ ثَمَّ قِيلَ: "إرَادَةُ التَّجْرِيدِ مَعَ دَاعِيَةِ الْأَسْبَابِ شَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ، وَ سُلُوكُ الْأَسْبَابِ مَعَ دَاعِيَةِ التَّجْرِيدِ، انْحِطَاطٌ عَنْ الذِّرْوَةِ الْعَلِيَّةِ".
                  وَ قَدْ يَأْتِي الشَّيْطَانُ بِاطِّرَاحِ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي صُورَةِ الْأَسْبَابِ، أَوْ بِالْكَسَلِ وَ التَّمَاهُنِ فِي صُورَةِ التَّوَكُّلِ؛ وَ الْمُوَفَّقُ يَبْحَثُ عَنْ هَذَيْنِ.
                  وَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَا يُرِيدُ، وَ لَا يَنْفَعُنَا عِلْمُنَا بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى.

                  تعليق

                  • حماد محمد الشنقيطي
                    طالب علم
                    • Feb 2010
                    • 252

                    #24
                    صغرى الصغرى (العقيدة الحفيدة): أبو عبد الله محمد بن يوسف السَّنُوسِي (-895هـ):

                    قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّنُوسِيُّ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَ إِمَامِ الْمُرْسَلِينَ.
                    اِعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَوْلَانَا جَلَّ وَ عَزَّ، وَ مَا يَسْتَحِيلُ، وَ مَا يَجُوزُ؛ وَ كَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ.
                    [الْوَاجِبُ، وَ الْمُسْتَحِيلُ، وَ الْجَائِزُ]:
                    وَ حَقِيقَةُ "الْوَاجِبُ": مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ؛ إِمَّا بِلَا تَأَمُّلٍ، وَ يُسَمَّى "الضَّرُورِيَّ"، كَكَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفِ الْإِثْنَيْنِ مَثَلاً؛ وَ إِمَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ، وَ يُسَمَّى "النَّظَرِيَّ"، كَكَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفُ سُدُسِ الْإِثْنَيْ عَشَرَ مَثَلاً.
                    وَ "الْمُسْتَحِيلُ": مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ ثُبُوتُهُ؛ إِمَّا بِلَا تَأَمُّلٍ أَيْضاً، كَكَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفُ الْأَرْبَعَةِ؛ وَ إِمَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ، كَكَوْنِ الْوَاحِدِ سُدُسُ الْإِثْنَيْ عَشَرَ مَثَلاً.
                    وَ "الْجَائِزُ": مَا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ ثُبُوتُهُ، وَ نَفْيُهُ؛ إِمَّا بِلَا تَأَمُّلٍ، كَكَوْنِ الْجِسْمِ أَبْيَضَ مَثَلاً؛ وَ إِمَّا بَعْدَ التَّأَمُّلِ، كَتَمَنِّي الْإِنْسَانِ الْمَوْتَ مَثَلاً.
                    [مَا يَجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]:
                    فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ لِمَوْلَانَا جَلَّ وَ عَزَّ: الْوُجُودُ، لِتَوَقُّفِ وُجُودِ الْحَوَادِثِ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى، وَ دَلِيلُ حُدُوثِهَا لُزُومُهَا لِمَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْمُخَصِّصِ.
                    وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْقِدَمُ، وَ الْبَقَاءُ؛ وَ إِلَّا لَكَانَ مُحْتَاجاً إِلَى الْفَاعِلِ، فَيَكُونُ حَادِثاً؛ فَيَجِبُ لَهُ مِنَ الْعَجْزِ مَا وَجَبَ لِسَائِرِ الْحَوَادِثِ؛ بَلْ يَكُونُ حِينَئِذٍ وُجُودُهُ مُسْتَحِيلاً؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِ حُدُوثِهِ مِنَ الدَّوْرِ، أَوِ التَّسَلْسُلِ الْمُسْتَحِيلَيْنِ.
                    وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: أَنْ يَكُونَ مُخَالِفاً فِي ذَاتِهِ، وَ صِفَاتِهِ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْحَوَادِثِ؛ وَ إِلَّا كَانَ حَادِثاً مِثْلَهَا.
                    وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: أَنْ يَكُونَ قَائِماً بِنَفْسِهِ؛ أَيْ ذَاتاً مَوْصُوفاً بِالصِّفَاتِ، غَنِياًّ عَنِ الْمَحَلِّ وَ الْفَاعِلِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ فِي مَحَلٍّ، لَكَانَ صِفَةً؛ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَّصِفَ بِالصِّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ، وَ لَا لَوَازِمِهَا؛ إِذْ لَوْ قَبِلَتِ الصِّفَةُ صِفَةً وُجُودِيَّةً لَزِمَ أَنْ لَا تَعْرَى عَنْهَا صِفَةٌ كَالذَّاتِ؛ وَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ، وَ دُخُولَ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي الْوُجُودِ؛ وَ لَوْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى الْفَاعِلِ، لَكَانَ حَادِثاً؛ وَ هُوَ مُحَالٌ.
                    وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْوَحْدَانِيَّةَ؛ أَيْ لَا مِثْلَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَ لَا صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؛ وَ لَا مُؤَثِّرَ مَعَهُ فِي فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مَعَهُ مِثْلٌ، أَوْ مُؤَثِّرٌ، لَمَا كَانَ وَاجِبَ الْوُجُودِ، لِاحْتِيَاجِهِ حِينَئِذٍ إِلَى مَنْ يُخَصِّصُهُ بِمَا يَمْتَازُ بِهِ عَمَّا يُمَاثِلُهُ عُمُوماً أَوْ خُصُوصاً؛ وَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْحُدُوثَ وَ الْعَجْزَ عَنْ كُلِّ مُمْكِنٍ.
                    وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْقُدْرَةُ، وَ الْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَتَانِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ؛ إِذِ الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِلْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِهَا؛ وَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اِسْتِحَالَةَ وُجُودِهَا، لِتَوَقُّفِ كُلِّ حَادِثٍ فِي وُجُودِهِ وَ إِعْدَامِهِ عَلَى اِقْتِدَارِ فَاعِلِهِ؛ وَ فِي تَخْصِيصِهِ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَ فِي كَوْنِهِ مُرَاداً عَلَى عِلْمِهِ.
                    وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِكُلِّ وَاجِبٍ، وَ جَائِزٍ، وَ مُسْتَحِيلٍ؛ لِأَنَّ الْاِخْتِصَاصَ بِالْبَعْضِ يَسْتَلْزِمُ الْحُدُوثَ، لِافْتِقَارِ الصِّفَةِ حِينَئِذٍ إِلَى الْفَاعِلِ، وَ حُدُوثُهَا يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ مَوْصُوفِهَا، لِاسْتِحَالَةِ تَعَرِّيهِ عَنْهَا، وَ عَنْ أَضْدَادِهَا.
                    وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: السَّمْعُ، وَ الْبَصَرُ الْمُتَعَلِّقَانِ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ؛ وَ الْكَلَامُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْحَرْفِ، وَ الصَّوْتِ، وَ التَّقْدِيمِ وَ التَّأْخِيرِ، وَ الْكُلِّ وَ الْبَعْضِ، وَ التَّجْدِيدِ وَ السُّكُوتِ -الْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْعِلْمُ-، وَ دَلِيلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الشَّرْعُ.
                    وَ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْحَيَاةُ؛ لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ الصِّفَاتِ السَّابِقَةِ بِدُونِهَا.
                    [مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]:
                    وَ أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: فَكُلُّ مَا يُنَافِي هَذِهِ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَاتِ.
                    [مَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى]:
                    وَ أَمَّا الْجَائِزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى: فَفِعْلُ كُلِّ مُمْكِنٍ، أَوْ تَرْكُهُ؛ صَلَاحاً كَانَ، أَوْ ضِدَّهُ، لِمَا عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ عُمُومِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَ إِرَادَتِهِ لِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، وَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَوَازُ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى الرُّؤْيَةَ لِذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ؛ وَ السَّمْعِ لِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ، وَ الثَّوَابِ فِي دَارِ النَّعِيمِ، وَ الْبَعْثِ لِرُسُلِهِ الْأَكْرَمِينَ؛ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
                    [مَا يَجِبُ فِي حَقِّ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهِ وَ سَلَامُهُ عَلَيْهِمْ]:
                    وَ أَمَّا الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ، فَيَجِبُ لَهُمْ: الصِّدْقُ؛ أَيْ مُطَابَقَةَ كُلَّ مَا أَخْبَرُوا مِنْ أَحْكَامٍ، وَ ثَوَابٍ، وَ عِقَابٍ، وَ غَيْرِهِمَا؛ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ صَدَّقَهُمْ بِمَا تَنَزَّلَ مِنَ الْمُعْجِزَةِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللهُ بِهَا مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي".
                    وَ تَجِبُ لَهُمُ: الْأَمَانَةُ؛ أَيْ حِفْظِ ظَوَاهِرِهِمْ، وَ بَوَاطِنِهِمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّ أَتْبَاعَهُمْ أُمِرُوا بِالْاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي جَمِيعِ أَقْوَالِهِمْ، وَ أَفْعَالِهِمْ؛ وَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عِصْمَتَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ.
                    وَ يَجِبُ لَهُمْ أَيْضاً: أَنَّهُمْ بَلَّغُوا كُلَّ مَا أَمَرَ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ بِتَبْلِيغِهِ، وَ لَمْ يَتْرُكُوا شَيْئاً مِنْهُ لَا نِسْيَاناً، وَ لَا عَمْداً؛ أَمَّا عَمْداً فَلِمَا سَبَقَ فِي الْأَمَانَةِ، وَ أَمَّا نِسْيَاناً فَلِلْإِجْمَاعِ.
                    فَالْوَاجِبُ الْأَوَّلُ: يَزِيدُ عَلَى الْأَمَانَةِ بِمَنْعِ الْكَذِبِ سَهْواً.
                    وَ يَزِيدُ عَلَى التَّبْلِيغِ، بِمَنْعِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ عَمْداً أَوْ نِسْيَاناً.
                    وَ تَزِيدُ الْأَمَانَةُ عَلَى الصِّدْقِ، بِمَنْعِ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ فِي غَيْرِ كَذِبِ اللِّسَانِ.
                    وَ تَزِيدُ عَلَى التَّبْلِيغِ بِمَنْعِ الْمُخَالَفَةِ فِي غَيْرِ التَّبْلِيغِ.
                    وَ يَزِيدُ التَّبْلِيغُ عَلَى الصِّدْقِ بِمَنْعِ تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ عَمْداً أَوْ نِسْيَاناً، مَعَ لُزُومِ الصِّدْقِ فِيمَا بَلَّغُوا مِنْ ذَلِكَ.
                    وَ يَزِيدُ عَلَى الْأَمَانَةِ بِمَنْعِ تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ نِسْيَاناً.
                    وَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ بَعْدَ هَذَا مَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْوَاجِبَاتُ الثَّلَاثَةُ، وَ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ اِثْنَانِ مِنْهَا دُونَ الثَّالِثِ؛ وَ مَا يَزِيدُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَجْمُوعِ الْبَاقِينَ.
                    [مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ]:
                    وَ أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ: فَأَضْدَادُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
                    [مَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهُمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ]:
                    وَ أَمَّا الْجَائِزُ فِي حَقِّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ: فَالْأَعْرَاضُ الْبَشَرِيَّةُ الَّتِي لَا تُنَافِي عُلُوَّ رُتْبَتِهِمْ -كَالْمَرَضِ، وَ نَحْوِهِ- بِدَلِيلِ مُشَاهَدَةِ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ وَ فِي اِتِّصَافِهِمْ بِهَا فَوَائِدَ لَا تَخْفَى.
                    وَ بِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ مَا أَوْهَمَ فِي حَقِّهِمْ، أَوْ حَقِّ الْمَلَائِكَةِ نَقْصاً مِنَ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ؛ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ.
                    وَ أَفْضَلُهُمْ سَيِّدُنَا وَ مَوْلَانَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، وَ عَلَى آَلِهِ عَدَدَ مَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ، وَ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ؛ وَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ أَجْمَعِينَ، وَ سَلَامٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ؛ وَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

                    تعليق

                    • حماد محمد الشنقيطي
                      طالب علم
                      • Feb 2010
                      • 252

                      #25
                      الصغرى (أم البراهين): أبو عبد الله السَّنُوسِي (-895هـ):

                      قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّنُوسِيُّ:
                      أعْلَمْ أّنَّ الْحُكْمَ العَقْليَّ يَنْحَصِرُ فِي ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الْوُجُوبِ، وَالاِسْتِحَالَةِ، وَالجَوَازِ.
                      فَالْوَاجِبُ: مَالا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ.
                      وَالمُسْتَحِيلُ: مَالاَ يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ.
                      وَالجَائِزُ: مَا يَصِحُّ فِي الْعَقْلِ وَجَودَهَ وَعَدَمُهُ.
                      وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ شَرْعًا أّنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ فِي حَقِّ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، وَمَا يَسْتَحِلُ، وَمَا يَجُوزُ.
                      وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ مِثْلَ ذلِكَ فِي حَقِّ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وّالسَّلاَمُ.
                      فِمَمَّا يَجِبُ لِمَوْلاِنَا جَلَّ وَعَزَّ عِشْرُونَ صِفَةً، وَهِيَ: الْوَجُودُ، وَالْقِدَمُ، وَالبَقَاءُ، وَمُخَالَفَتُهَ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ.
                      وَقِيَامُةُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ: أَيْ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى مَحَلَّ، وَلاَ مُخصِّصٍ.
                      وَالْوَحْدَانِيَّةُ: أَيْ لاَ ثَانِيَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلاَ فِي صِفَاتِهِ، وَلاَ فِي أَفْعَالِهِ.
                      فَهذِهِ سِتُّ صِفَاتٍ: اْلأُولَى نَفْسِيَّةٌ، وَهِيَ: الْوَجُودُ؛ وَالخَمْسَةُ بَعْدَهَا سَلْبيَّةٌ.
                      ثُمَّ يَجِبُ لَهُ تَعَالَى سَبْعُ صِفَاتٍ، تُسَمَّى "صفَاتِ المَعَانِي"، وَهِيَ:
                      الْقًدْرَةُ، وَاْلإِرادَةُ: المُتَعَلِّقَانِ بِجَمِيعِ المُمْكِنَات.
                      وَالْعِلْمُ: المُتَعَلِّقُ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ، وَالجَائِزَاتِ، وَالمُسْتَحِيلاَتُ.
                      وَالحَيَاةُ، وَهِيَ: لاَ تتَعَلَّقُ بِشْيءِ.
                      وَالسَّمْعُ، وَالبصَرُ: المُتَعَلِّقَان بِجَمِيعِ المَوْجُدَات.
                      وَالْكَلامُ: الذَّي لَيْسَ بِحَرْفٍ، وَلاَ صَوْتٍ، وَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ مِنَ المُتَعَلَّقَاتِ.
                      ثُمَّ سَبْعُ صِفَاتٍ، تُسَمَّى "صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةً"، وَهِيَ: مُلاَزِمَةٌ لِلسَّبْعْ اْلأُولَى، وَهِيَ كَوْنهُ تعالى: قادراً، وَمُريداً، وَعَالِمًا، وَحَيَّا، وَسَمِيعًا، وَبَصِيراً، وَمُتَكَلِّمًا.
                      وَمِمَّا يسْتَحِيلُ فِي حَقَّهِ تَعَالى عِشْرُونَ صِفَةً، وَهِيَ أَضْدَادُ الْعِشْرِينَ اْلأُولَى، وَهِيَ: الْعَدَمُ، وَالحُدُوثُ، وَطُرُؤُ الْعَدَمِ.
                      وَالمُمَاثَلَةُ لِلْحَوَادِثِ: بِأَنْ يَكُونَ جِرْمًا؛ أَيْ تَأخُذَ ذَاتُهُ الْعَلِيةُ قَدْراً مِنَ الْفَرَاغِ، أَوْ يَكُونَ عَرَضًا يَقُومُ بِالْجِرْم، أَوْ يَكُونَ فِي جِهَةٍ للْجْرمِ، أَوْلهُ هُوَ جِهَةٌ، أَوْ يَتَقَيَّد بِمَكَانٍ، أَوْ زَمَانٍ، أَوْ تَتَّصِفَ ذَاتُهُ الْعِلِيةُ بِالحَوَادِثِ، أَوْ يَتَّصِفَ بِالصِّغَرِ، أَوْ الْكِبَرِ، أَوْ يَتَصَّفَ بَاْلأَغْرَاض فِي اْلأَفْعَالِ، أَوْ اْلأَحْكامِ.
                      وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: أَنْ لاَ يَكُونَ قائِمًا بِنَفْسِهِ، بِأَنْ يَكُونَ صِفَةً يَقُومُ بِمَحلٍ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَصَّصٍ.
                      وَكَذَا يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: أَنْ لاَ يَكُوُنَ وَاحِداً بِأَنْ يَكُونَ مُرَكبًا فِي ذَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ لَهُ مُمَاثِلٌ فِي ذَاتِهِ، أَوْ صِفَاتِهِ، أَوْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْوُجُودِ مُؤَثَّرٌ فِي فِعْلٍ مِنَ اْلأَفْعَالِ.
                      وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: الْعَجْزُ عَنْ مَمْكِنٍ مَّا، وَإِيجَادُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِوُجُودِهِ؛ أَيْ عَدَمِ إِرَادَتِهِ لَهُ تَعَالَى أَوْ مَعَ الذُهُولِ، أَوْ الْغَفْلَةِ، أّوْ بِالتَّعْلِيلِ، أَوْ بِالطَّبْعِ.
                      وَكَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى: الجَهْلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بَمعْلُومٍ مَّا، وَالمَوْتُ، وَالصَّمَمُ، وَالْعَمى وَالْبَكَمُ.
                      وَأَضْدَادُ الصِّفَاتٍ المَعْنَوِيَّةِ وَاضِحَةٌ مِنْ هَذِهِ.
                      وَأَمَّا الجَائِزُ فِي حقِّهِ تَعَالَى: فَفِعْلُ كَلِّ مَمْكِنٍ أَوْ تَرْكُهُ.
                      أَمَّا بُرْهَانُ وَجَودِهِ تَعَالَى: فَحُدوثُ الْعَالَمِ؛ لأَنَّهُ لَوْ لًمْ يَكُنْ لَهُ مُحْدِثٌ بَلْ حَدَثَ بِنَفْسِهِ، لَزمَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ اْلأَمْرَيْنِ المُتَسَاويَيْنِ مُسَاوِيًا لِصَاحِبِهِ، رَاجِحًا عَلَيْهِ بِلاَ سَبَبٍ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
                      وَدّلِيلٌ حُدُوثِ الْعَالَمِ: مُلاَزَمَتُهُ لِلأَعْرَاضِ الحَادِثَةِ مِنْ: حَرَكَةٍ، أوَسُكُونٍ، أوَغَيْرِهِمَا، وَمُلاَزِمُ الحَادِثِ حَادِثٌ.
                      وَدَلِيلُ حُدُوثِ اْلأَعرَاضِ: مُشَاهَدَةُ تَغَيُّرِهَا مِنْ عَدَمٍ إِلَى وَجَودٍ، وَمِنْ وُجُودٍ إِلَى عَدَمٍ.
                      وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الْقِدَمِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ يَكُنْ قَديمًا، لَكَانَ حَادِثًا فَيَفْقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ، فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، أوِ التَّسَلْسُلُ.
                      وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ الْبَقَاءِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعَدَمُ، لاَنْتَفَى عَنْهُ القْدَمُ لِكَوْنِ وُجُودِهِ حِينَئِذٍ جَائِزًا لاَ وَاجِبًا، وَالجَائِزُ لاَ يَكُونُ وُجُودُهُ إِلاَّ حَادِثًا، كَيْفَ! وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا وُجُوبُ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبَقَائِه.
                      وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ: فَلأَنَّهُ لَوْ مَائَلَ شَيْئًا مِنْهَا، لَكانَ حَادِثًا مِثْلَهَا، وَذلِكَ مُحَالٌ لِما عَرَفْتَ قَبْلُ مِنْ وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبَقَائِهِ.
                      وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوب قِيَامِهِ تَعَالَى بِنَفْسِهِ: فَلأَنَّهُ تَعَالَى لَوِ احْتَاجَ إِلَى مَحَلٍ لَكَانَ صفَةً، وَالصِّفَةُ لاَ تَتَّصِفُ بِصِفَاتِ المَعَانِي، وَلاَ المَعْنويَّةِ، وَمَوْلاِنَا جَلَّ وَعَزَّ يَجِب اتِّصَافُهُ بِهِمَا فَلَيْسَ بِصِفَةٍ؛ وَلَو احْتَاجَ إِلَى مُخَصِّصٍ لَكانَ حَادِثًا، كَيْفَ! وَقَدْ قامَ الْبُرْهَانُ عَلَى وُجُوبِ قِدَمِهِ تَعَالَى وَبقَائِهِ.
                      وَأَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ الْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا لَزِمَ أَنْ لاَ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الْعَالَمِ لِلَزَومِ عَجْزِهِ حِينَئِذٍ.
                      وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ اتِّصَافِهِ تَعالَى بِالْقُدْرَةِ وَاْلإِرَادَةِ وَالْعِلْم وَالحَيَاةِ: فَلأَنَّهُ لَوِ انْتَفى شَيْءٌ مِنْهَا لَمَا وَجِدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ.
                      وَأَمَّا بُرْهَانُ وَجَوبِ السَّمْعِ لَهُ تَعَالَى، وَالْبَصَرِ، وَالْكَلاَمِ: فَالْكِتَابُ، والسُّنة، وَالإِجْمَاعُ؛ وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يتَّصِفَ بِهَا لَزِمَ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا، وَهِيَ نَقَائِصُ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ تَعَالَى مُحَالٌ.
                      وَأَمَّا بُرْهَانُ كَوْنِ فِعْل المُمْكِنَاتِ، أَوْ تَرْكِهَا جَائِزًا فِي حَقِّهِ تَعَالَى: فَلأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً، أَوِ اسْتَحالَ عَقْلاَ لاَ نْقَلَبَ المَمْكِنُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحِيلاً، وّذلِكَ لاَ يُعْقَلُ.
                      وَأَمَّا الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ وَالسَّلاَمُ: فَيَجِبُ فِي حَقِّهِمُ: الصُّدْقُ، وَاْلأَمَانَةُ، وَتَبْلِيغُ مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
                      وَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ عَليْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أَضْدَادُ هذه الصِّفَاتِ، وَهِيَ: الْكَذِبُ، وَالْخِيَانَةُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا نُهُوا نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ، أَوْ كِتمْانُ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ لِلْخَلْقِ.
                      وَيَجُوزُ فِي حَقَّهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا هُوَ مِنَ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ، التَّي لاَ تُؤَدِّي إِلَى نَقْصٍ فِي مَرَاتِبِهِمِ الْعَلِيَّةِ؛ كالْمَرَضِ، وَنَحْوِهِ.
                      أَمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ صِدْقِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: فَلأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصْدُقُوا، لَلَزِمَ الَكَذِبُ فِي خَيَرِهِ تَعَالَى؛ لِتَصْدِيقِهِ تَعَالَى لَهُمْ بِالْمُعْجزَةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "صَدَقَ عَبِدْي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي".
                      وَأمَّا بُرْهَانُ وُجُوبِ اْلأَمَانَةِ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وّالسَّلاَمُ: فَلأَنَّهُمْ لَوْ خَانُوا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ، لاَ نْقَلَبَ المُحَرَّمُ، أَوِ المَكْروهُ طَاعَةً فِي حَقِّهِمْ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِالاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي أَقْوالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلاَ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِفِعْلِ مُحَرَّمِ وَلاَ مَكْرُوه.
                      وَهذَا بِعَيْنِهِ هُوَ بُرْهَانُ وُجُوبِ الثَّالِثِ.
                      وَأَمَّا دَلِيلُ جَوَازِ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهِمْ: فَمْشَاهَدَةُ وُقُوعِهَاَ بِهِمْ؛ إِمَّا لِتَعْظِيمِ أُجُورِهِمْ، أَوْ لِلتَّشْرِيعِ، أَوْ لِلتَّسَلِّي عَنِ الدُّنْيَا، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ لِخِسَّةِ قَدْرِهَا عِنْدَ الله تَعَالَى، وَعَدَمِ رِضَاهُ بِهَا دَارً جَزَاءٍ لأَنْبِيَائِهِ وَأَوْليَائِهِ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِهِمْ فِيهَا عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
                      وَيَجْمَعُ مَعَانِيَ هذِهِ العَقَائِدِ كُلهَا قَوْلُ: "لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ".
                      إِذ مَعْنَى اْلأُلُوهِيَّةِ: اسْتِغْنَاءُ اْلإِلهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَافْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ.
                      فَمَعْنى لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ: لاَ مُسْتَغْنَي عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَمُفْتَقِرًا إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ إِلاَّ اللهُ تَعَالَى.
                      أَمَّا اسْتِغْنَاؤُهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالَى: الْوُجُودَ، وَالْقِدَمَ، وَالْبَقَاءَ، وَالمُخَالَفَةَ لِلْحَوَادِثِ، وَالْقِيَامَ بِالنَّفْسِ، وَالتَّنَزُّهَ عَن النَّقَائِصِ.
                      وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ وُجُوبُ السَّمْعِ لَهُ تَعَالَى، وَالْبَصَرِ، وَالْكَلاَمِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ تَجِبْ لَهُ هذِهِ الصِّفَاتُ لكَانَ مُحُتَاجًا إِلَى المُحْدِثِ، أَوِ المَحَلِّ، أَوْ مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ النَّقَائِصَ.
                      وَيُؤُخذُ مِنْهُ: تَنَزُّهُهُ تَعَالَى عَنِ اْلأَغْرَاضِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْكامِهِ، وَإِلاَّ لَزِمَ افْتِقَارُهُ إِلَى مَا يُحَصِّلُ غَرَضَهُ، كَيْفَ! وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
                      وَيُؤُخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَالَى فعْلُ شَيْءٍ مَنْ المُمْكنَاتِ عقلا وَلاَ تَرْكُهُ؛ إِذْ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْهَا عَقْلاً كالثَّوَابِ مَثَلاً، لَكانَ جَلَّ وَعَزَّ مُفْتِقَرًا إِلَى ذلِكَ الشَّيْءِ لِيَتَكَمَّلَ بِهِ غَرَضُهُ، إِذْ لاَ يَجِبُ فِي حَقِّهَ تَعَالَى إلاَّ مَا هُوَ كَمَالٌ لَهُ، كَيْفَ وَهُوَ جَلَّ وَعَزَّ الْغَنِيُّ كُلَّ مَا سِوَاهُ.
                      وَأَمَّا افْتِقَارُ كُلِّ مَا عَدَاهُ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَزَّ؛ فَهُوَ يُوجِبُ لَهُ تَعَالَى الحَيَاةَ، وَعُمُومَ الْقُدْرَةِ، وَاْلإِرَادَةِ، وَالْعِلْمِ؛ إِذْ لَو انِتَفى شَيْءٌ مِنْهَا، لَمَا أَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ الحَوَادِثِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفتْقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ.
                      وَيُوجِبُ لَهُ تَعَالَى أَيْضًا: الْوَحْدَانِيةَ، إِذْ لَوْ كانَ مَعَهُ ثَانٍ فِي اْلأُلُوهِيَّةِ، لما افْتقَرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ لِلُزُومِ عَجْزِهِمَا حِينَئِذٍ، كًيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَلُّ مَا سِوَاهُ.
                      وَيُؤْخّذُ منْهُ أَيْضًا: حُدُوثُ الْعَالَمِ بِأَسْرهِ، إِذْ كانَ شَيْءٌ مِنْهُ قَديمًا لَكَانَ ذلِكَ الشَّيْءُ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ تَعَالَى، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّيِ يَجِبُ أَنْ يَفتْقِرُ إِلِيْهِ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
                      وَيُؤُخَذُ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ تَأْثِيرَ لِشَيْءِ مِنَ الْكَائِنَاتِ فِي أَثَر مَّا، وَإلّا لَزِمَ أَنْ يَسْتَغْنَي ذلِكَ اْلأَثَرُ عَنْ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، كَيْفَ! وَهُوَ الذَّي يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ عُمُومًا.
                      وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، هذَا إِنْ قَدَّرْتَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْكائِنَاتِ يُؤَثّرُ بِطَبْعِهِ، وَأَمَّا إِنْ قَدَّرْتَهُ مُؤَثِّرًا بِقَوَّةٍ جَعَلَهَا اللهُ فِيهِ كم يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ فَذلِكَ محَالٌ أَيْضًا، لأَنَّهُ يَصِيرُ حيِنَئِذٍ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ مُفْتَقِرًا فِي إِيجَادِ بَعْضِ اْلأَفْعَالِ إِلَى وَاسِطَةٍ، وَذلِكَ بَاطِلٌ لِمَا عَرَفْتَ مِنْ وُجُوبِ اسْتِغْنَائِهِ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
                      فَقَدْ بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ قَوْلِ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ لِلأَقْسَامِ الثَّلاَثَةِ التَّيِ يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهَا فِي حَقِّ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ، وَهِيَ: مَا يًجِبُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَمَا يَجُوزُ.
                      وَأَمَّا قَوْلُنَا: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ": فَيَدْخُلُ اْلإِيمَانُ بِاْلأَنْبِيَاءِ، وَالمَلاَئِكَةِ، وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، وَاْليَوْمِ الآخِرِ؛ لأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ جَاءَ بِتَصْدِيقِ جَمِيعِ ذلِكَ كُلِّهِ.
                      وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: وُجُوبُ صِدْقِ الرّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
                      وَاسْتِحَالَةُ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُونُوا رُسُلاَ أْمَنَاءَ لِمَوْلاَنَا الْعَالِمِ بِالخَفِيَّاتِ جَلَّ وَعَزَّ.
                      وَاسْتِحَالَةُ فِعْلِ المَنْهِيَّاتِ كلِّهَا لأَنَّهُمْ أُرْسِلُوا لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَأفْعَالِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ، فَيَلْزَمُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي جَمِيعِهَا مُخَالَفَةٌ لأَمْرِ مَوْلاَنَا جَلَّ وَعَزَّ الذَّي اخْتَارَهُمْ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَأَمِنَهُمْ عَلَى سِرِّ وَحِيْهِ.
                      وَيُؤْخَذُ مِنْهُ: جَوَازُ اْلأَعْرَاضِ الْبَشَرِيةِ عَلَيْهِمْ، إِذْ ذَاكَ لاَ يَقْدَحُ فِي رِسَالَتهمْ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى بَلْ ذَاكَ مِمَّا يَزِيدُ فِيهَا.
                      فَقْد بَانَ لَكَ تَضَمُّنُ كَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا لِجَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَفِي حَقِّ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
                      وَ لَعَلَّهَا لاِخْتِصَارِهَا مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذكَرْنَاهُ جَعَلَهَا الشَّرْعُ تَرْجمَةً عَلَى مَا فِي الْقلْبِ مِنَ اْلإِسْلامِ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ اْلإِيمَان إِلاَّ بِهَا.
                      فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِهَا، مُسْتَحْضِرًا لِمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَقَائِدِ اْلإِيمَانِ، حَتَّى تَمْتَزِجَ مَعَ مَعْنَاهَا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ؛ فَإِنَّهُ يَرَى لَهَا مَنِ اْلأَسْرَارِ وَالْعَجَائِبِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مَالاَ يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ؛ وَباللهِ التَّوْفِيقُ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، وَلاَ معْبُودَ سِوَاهُ.
                      نَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَجعَلَنَا وَأحِبَّتَنَا عِنْدَ المَوْتِ، نَاطِقِينَ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَة، عَالِمِينَ بِهَا.
                      وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّدِ،كُلَّمَا ذَكًرًهً الذَّاكرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ.
                      وَرَضِىَ اللهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِين لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
                      وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ.
                      وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينِ.

                      تعليق

                      • حماد محمد الشنقيطي
                        طالب علم
                        • Feb 2010
                        • 252

                        #26
                        قسم التوحيد من النقاية: جلال الدين السيوطي (-911هـ)

                        بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
                        الْحَمْدُ للهِ، وَ الشُّكْرُ لَهُ، وَ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عَلَى خَيْرِ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ؛ هَذِهِ نُقَايَةٌ مِنْ عِدَّةِ عُلُومٍ يَحْتَاجُ الطَّالِبُ إِلَيْهَا، وَ يَتَوَقَّفُ كُلُّ عِلْمٍ دِينِيٍّ عَلَيْهَا؛ وَ اللهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهَا؛ وَ يُوصِلَ أَسْبَابَ الْخَيْرِ بِسَبَبِهَا.
                        أُصُولُ الدِّينِ:
                        عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ.
                        الْعَالَمُ: حَادِثٌ؛ وَ صَانِعُهُ اللهُ؛ الْوَاحِدُ؛ قَدِيمٌ، لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، وَ لَا انْتِهَاءَ؛ ذَاتُهُ مُخَالِفَةٌ لِسَائِرِ الذَّوَاتِ؛ وَ صِفَاتُهُ -الْحَيَاةُ، وَ الْإِرَادَةُ، وَ الْعِلْمُ، وَ الْقُدْرَةُ، وَ السَّمْعُ، وَ الْبَصَرُ، وَ الْكَلَامُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ، الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْقُرْآَنِ، الْمَكْتُوبِ فِي الْمَصَاحِفِ، الْمَحْفُوظِ فِي الصُّدُورِ، الْمَقْرُوءِ بِالْأَلْسِنَةِ- قَدِيمَةٌ.
                        مُنَزَّهٌ تَعَالَى عَنْ: الْجِسْمِ، وَ اللَّوْنِ، وَ الطَّعْمِ، وَ الْعَرَضِ، وَ الْحُلُولِ، وَ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ مِنَ الْمُشْكِلِ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهِ، وَ نُنَزِّهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ؛ ثُمَّ نُفَوِّضُ مَعْنَاهُ إِلَيْهِ تَعَالَى؛ أَوْ نُؤَوِّلُ.
                        وَ الْقَدَرُ -خَيْرُهُ وَ شَرُّهُ- مِنْهُ، مَا شَاءَهُ كَانَ، وَ مَا لَا، فَلَا؛ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، بَلْ غَيْرَهُ -إِنْ شَاءَ-؛ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
                        أَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، وَ خَتَمَ بِهِمْ مُحَمَّداً r.
                        وَ الْمُعْجِزَةُ: أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، عَلَى وِفْقِ التَّحَدِّي؛ وَ يَكُونُ كَرَامَةً لِلْوَلِيِّ إِلَّا نَحْوَ وَلَدٍ دُونَ وَالِدٍ-.
                        وَ نَعْتَقِدُ أَنَّ: عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ؛ وَ سُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ حَقٌّ؛ وَ الْحَشْرَ وَ الْمَعَادَ حَقٌّ؛ وَ الْحَوْضَ حَقٌّ؛ وَ الصِّرَاطَ حَقٌّ؛ وَ الْمِيزَانَ حَقٌّ؛ وَ الشَّفَاعَةَ حَقٌّ؛ وَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ تَعَالَى حَقٌّ؛ وَ الْمِعْرَاجَ بِجَسَدِ الْمُصْطَفَى حَقٌّ؛ وَ نُزُولَ عِيسَى قُرْبَ السَّاعَةِ، وَ قَتْلَهُ الدَّجَّالَ حَقٌّ؛ وَ رَفْعَ الْقُرْآَنِ حَقٌّ.
                        وَ أَنَّ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ مَخْلُوقَتَانِ الْيَوْمَ؛ وَ أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ؛ وَ نَقِفُ عَنِ النَّارِ؛ وَ أَنَّ الرُّوحَ بَاقِيَّةٌ؛ وَ أَنَّ الْمَوْتَ بِالْأَجَلِ.
                        وَ أَنَّ الْفِسْقَ لَا يُزِيلُ الْإِيمَانَ، وَ لَا الْبِدْعَةَ؛ إِلَّا التَّجْسِيمُ، وَ إِنْكَارُ عِلْمِ اللهِ الْجُزْئِيَّاتِ؛ وَ لَا نَقْطَعُ بِعَذَابِ مَنْ لَمْ يَتُبْ، وَ لَا يُخَلَّدُ.
                        وَ أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقَ: حَبِيبُ اللهِ الْمُصْطَفَى، فَخَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَمُوسَى، وَ عِيسَى، وَ نُوحٌ، وَ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ؛ فَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ.
                        فَالْمَلَائِكَةُ، وَ أَفْضَلُهُمْ جِبْرِيلُ.
                        فَأَبُو بَكْرٍ، فَعُمَرَ، فَعُثْمَانَ، فَعَلِيٌّ، فَبَاقِي الْعَشَرَةِ، فَأَهْلُ بَدْرٍ، فَالْبَيْعَةُ، فَالْحُدَيْبِيَةُ، فَسَائِرُ الصَّحَابَةِ، فَبَاقِي الْأُمَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَوْصَافِهِمْ.
                        وَ أَنَّ أَفْضَلَ النِّسَاءِ: مَرْيَمُ، وَ فَاطِمَةُ، وَ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ: خَدِيجَةُ، وَ عَائِشَةُ.
                        وَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ، وَ أَنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ، وَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، وَ مَالِكاً، وَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَ أَحْمَدَ، وَ سَائِرَ الْأَئِمَّةِ عَلَى هُدىً.
                        وَ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا الْحَسَنَ الْأَشْعَرِيَّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ مُقَدَّمٌ؛ وَ أَنَّ طَرِيقَ الْجُنَيْدِ، وَ صَحْبِهِ طَرِيقٌ مُقَوَّمٌ.

                        تعليق

                        • حماد محمد الشنقيطي
                          طالب علم
                          • Feb 2010
                          • 252

                          #27
                          محمد الحسن بن أحمد الخديم: عقيدة الأسلاف:

                          بسم الله الرحمن الرحيم
                          و صلى الله على نبيه الكريم
                          1 عَقِيدَةُ الْأَسْلَافَ، حَسْبُ الْمُتَّبِعْ لَمْ يَأْتِ أَهْدَى الْيَوْمَ مِنْهَا مُبْتَدِعْ
                          2 مِمَّا مَضَتْ لَهُ قُرُونٌ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرَةٍ، بَيْنَ الْهُدَاةِ يُؤْثَرُ
                          3 يُسْتَبْعَدُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِالْخَطَا، بِلْ بَدَلٌ مِنْهُ يَكُونُ غَلَطَا
                          4 [وَ الْأَشْعَرِيُّ الْحُجَّةُ الْمُعَظَّمُ، إِمَامُنَا فِي السُّنَّةِ الْمُقَدَّمُ]
                          5 كَمَا السُّيُوطِيُّ قَالَهُ فِي كَوْكَبِهْ لَا يَنْبَغِي عُدُولُنَا عَنْ مَذْهَبِهْ
                          6 إِلَى ابْنُ تَيْمِيَةَ، أَوْ مَنْ شَابَهَا؛ مِمَّنْ يَرَى اتِّبَاعَ مَا تَشَابَهَا
                          7 حَسْواً مِنَ الْجِهَةِ، وَ التَّجْسِيمِ، عِنْدَ ارْتِغَا مَا نُصَّ فِي الْقَدِيمِ
                          8 مَعْنَى "اتِّبَاعَ المُشْتَبَهِ"، انْظُرِ أَوْجُهَهُ فِي الْقُرْطُبِيِّ الُمْفُسِّرِ
                          9 وَ انْظُرْ لِقِصَّةِ صُبَيْغٍ وَ عُمَرْ، وَ مَا فِي الْاسْتِوَاءِ مَالِكٌ ذَكَرْ
                          القرطبي ج 4، ص 11.
                          10 وَ لَا يُحَدِّثُ بِالَّذِي تَنْبُو الْفُهُومْ عَنْهُ1، وَ جَنِّبْ مَا تَشَابَهَ الْعُمُومْ2
                          1. ففي الخبر: "حدثوا الناس بما يعرفون"، أي يفهمونه؛ "أتحبون أن يكذب الله و رسوله".
                          2. قال في طلعة الأنوار، في آداب المحدث:
                          و جنب العموم ما تشابها * غرائب الحديث، بعض عابها
                          11 فَضْلاً عَنْ أَنْ يَجْعَلَهُ عَقِيدَةْ، تَقْضِي عَلَى الْعَقَائِدِ السَّدِيدَةْ
                          12 فِي فِتْنَةٍ يُوقِعُ مَنْ يَقُولُ، مَا لَمْ يَكُنْ تَبْلُغُهُ الْعُقُولُ
                          أخرج مسلم ج 1، ص 9: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة".
                          13 فَالْمُتَشَابِهُ أَتَى بِهِ فِي الشَّرْعِ مُفَرَّقاً، وَ لَمْ يَرِدْ بِالْجَمْعِ
                          14 وَ مَعْهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بَدَتْ، قَرِينَةٌ، إِلَى الْمُرَادِ أَرْشَدَتْ
                          15 فَقَدْ أَضَلَّ جَامِعٌ لَهُ جَمَعْ، ضَلَالاً -إِذْ ذَاكَ- مُبِيناً، وَ ابْتَدَعْ
                          16 ذَكَرَ ذَا فِي "الطَّبَقَاتِ" السُّبْكِي؛ فَانْظُرْ كَلَامَهُ الْبَدِيعَ السَّبْكِ
                          و ها أنا ذا أذكر ما أشار إليه الناظم، ناقلاً من طبقات الشافعية الكبرى -مختصراً-، للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي رحمه الله تعالى، و رحمه والده الإمام تقي الدين، و ملأ قبورهما نوراً، و حبوراً.
                          طبقات السبكي، (طبعة الحلو: ج:6، ص:143)؛ في ترجمة محمد بن عبد الملك الكَرَجِي؛ حيث قال في (ص:142): [ثم قال ابن السمعاني: "و له قصيدة بائية في السنة، شرح فيها اعتقاده، و اعتقاد السلف؛ تزيد على مائتي بيت، قرأتها عليه في داره بالكرج".
                          قلت: ثبتَ لنا بهذا الكلام، إن ثبتَ، أن ابن السمعاني قاله، أن لهذا الرجل قصيدةً في الاعتقاد، على مذهب السلف، موافقة للسنة، و ابن السمعاني كان أشعري العقيدة؛ فلا نعترف بأن القصيدة على السنة، و اعتقاد السلف، إلا إذا وافقت ما نعتقد أنه كذلك، و هو رأي الأشعري.
                          إذا عرفت هذا، فاعلم أناوقفنا على قصيدة تعزى إلى هذا الشيخ، و تلقب بـ "عروس القصائد في شموس العقائد"، نال فيا من أهل السنة، و باح بالتجسيم، فلا حيا الله معتقدها، و لا حيى قائلها كائنا من كانَ، و تكلم فيها في الأشعري أقبح كلام، و افترى عليه أي افتراء]؛ ثم حكى نقل الذهبي له بعض هذه القصيدة.
                          ثم قال: [و كان يتمنى فيما أعرفه منه أن يحكي الأبيات الأخر، ذات الطامات الكبر، التي سأذكرها لك، و لكن يخشى صولة الشافعية، و سيف السنة المحمدية.
                          و أقول أولاً: إني ارتبت في أمر هذه القصيدة، و صحة نسبتها إلى هذا الرجل، و غلب على ظني أنها مكذوبة عليه، كلها، أو بعضها، و الذي يرجح أنها مكذوبة عليه كلها، أن ابن الصلاح ترجم هذا الرجل، و حكى كلام ابن السمعاني، إلا فيما يتعلق بهذه القصيدة، فلم يذكره، فيجوز أن يكون ذلك قد دُسَّ في كتاب ابن السمعاني، ليصحح به نسبة القصيدة إلى الكرجي، و قد جرى كثير مثل ذلك.
                          و يؤيد هذا أيضا: أن ابن السمعاني ساق كثيرا من شعره، و لم يذكر من هذه القصيدة بيتاً واحداً، و لو كان قد قرأها عليه، لكان يوشك أن يذكر و لو بعضها.
                          و يحتمل أن يكون له بعضها، و لكن زيدت الأبيات المقضتية للتجسيم، و للكلام في الأشاعرة.
                          و يؤيد ذلك: أن القصيدة المشار إليها تزيد على المائتين و أربعين، و ابن السمعاني قال: "تزيد على المائتين"؛ و ظاهر هذه العبارة أنها تزيد بدون عقد، و أنها لو كانت مائتين و أزيد من أربعين، لقال: "تزيد على المائتين و أربعين".
                          و يؤيده أيضا: أن ابياتها غير متناسبة، فإن بعضها شعر مقبول، و أظنه شعره، و بعضها، و هو المشتمل على القبائح، في غاية الردائة، لا يرضى به من يُحسن الشعر....]؛ ثم حكى بعضها.
                          إلى أن قال: [و هذا أسهل ما فيها، و ليس فيها ما ينكر معناه إلا قوله: "بذاته"، و هي عبارة سبقه إليها ابن أبي زيد المالكي في "الرسالة"..].
                          ثم قال: [.... ثم ساق أبياتاً في اليدين، و الكيف، و الصوت، و الضحك، و وضع القدم، و الأصابع، و الصورة، و الغيرة، و الحياء، و أنحاء ذلك.
                          و ليس فيه كبير أمر، إلا أن جمعَها دليلٌ منه على محاولة التجسيم، فإنها لم ترد في الشريعة مجموعةً، بل مفرَّقةً، و في كل مكان قرينةٌ ترشِد إلى المراد، فإذا جمعها جامعٌ أضلّ ضلالاً مبيناً....].
                          17 وَ لْتَصْرِفَنَّ عَنْ "مُوهِمِ الْمُحَالِ"، مَا مِنْ "صِفَاتِ السَّمْعِ"، ذُو إِشْكَالِ
                          18 فَالظَّاهِرُ الْمُحَالِ، لَمْ يَكُ اخْتَلَفْ، فِي الصَّرْفِ عَنْهُ، سَلَفٌ، وَ لَا خَلَفْ
                          19 وَ بَعْدَ ذَاكَ الصَّرْفِ تَفْوِيضٌ سَمَا، كَمَا سَمِيُّ الدِّينِ، الْأَسْمَى نَظَمَا
                          الأخ الدين بن محمد علي اليعقوبي الموسوي.
                          20 فَقَدْ أَبَانَ ذَاكَ فِيمَا يَاتِي، مُضَمَّناً فِي سِتَّةِ الْأَبْيَاتِ
                          21 [عَقِيدَةُ السَّلَفِ، يَا نِعْمَ السَّلَفْ: فَرَقْمُ وَاحِدٍ، لَدَى مَنْ قَدْ سَلَفْ
                          22 وَ بَعْدَهَا عَقِيدَةُ الْأَشَاعِرَةْ، تَكْفِيكَ، إِنْ تَجِئْ بِهَا فِي الْآَخِرَةْ
                          23 لَكِنَّ مَا أَوْجَبَهُ الْجَلِيلُ لِنَفْسِهِ، إِنْكَارُهُ تَعْطِيلُ
                          24 وَ لَيْسَ فِي التَّعْطِيلِ خُلْقٌ يَا فَتَى، أَثْبِتْ لِرَبِّكَ الَّذِي قَدْ أَثْبَتَا
                          25 مِنِ اسْتِوَاءٍ، وُ عُلُوٍّ، وَ يَدَا؛ عَلَى مُرَادِهِ، فَذَا هُوَ الْهُدَى
                          26 وَ لْتَصْرِفِ الْقَلْبَ عَنِ التَّعْطِيلِ، وَ اصْرِفْهُ عَنْ تَشْبِيهٍ، أَوْ تَأْوِيلِ]
                          27 نَعَمْ، وَ أَيْضاً قَدْ رَأَى تَأْوِيلَهْ بِاللَّائِقِ الْبَعْضُ؛ وَ فِي الْوَسِيلَةْ
                          28 [وَ كُلُّ تَأْوِيلٍ بِمَعْنىً قَدْ صَدَقْ، فَاقْبَلْ؛ فَمَا دَلَ عَلَى الْحَقِّ، فَحَقْ]
                          29 بَلْ بَعْضُهُمْ بِلَا خِلَافٍ- أَوْجَبَهْ، إِذَا تَعَيَّنَ دِفَاعاً لِلشُّبَهْ
                          انظر روح المعاني؛ ج 16، ص 156.
                          30 وَ عَمَّتِ الْبَلْوَى بِذَا، إِذْ قَلَّ مَنْ تَعَقَّلَ التَّفْوِيضَ، مِنْ بَنِي الزَّمَنْ
                          31 فَلَيْسَ مِنْ أَوَّلَ بِالْمَلُومِ، خَوْفاً عَلَى عَقَائِدِ الْعُمُومِ
                          32 لَكِنْ لَدَى التَّأْوِيلِ لَيْسَ يَجْزِمُ إِلَّا لِقَاطِعٍ؛ فَذَاكَ أَحْزَمُ
                          33 هَذَا، وَ قَدْ وَفَى بِذَا الْمُرَامِ قَوْلُ السّيُوطِيِّ، الْحَافِظِ، الْإِمَامِ
                          34 [وَ مَا أَتَى بِهِ الْهَدْيُ وَ السُّنَنُ، مِنَ الصِّفَاتِ، الْمُشْكِلَاتِ، نُؤْمِنُ
                          35 بِهَا، كَمَا جَاءَتْ، مُنَزِّهِينَا، مُفَوِّضِينَ، أَوْ مُأَوِّلِينَا
                          36 وَ الْجَهْلُ بِالتَّفْصِيلِ، لَيْسَ يَقْدَحُ؛ بِالْاِتِّفَاقِ؛ وَ السُّكُوتُ أَصْلَحُ]
                          37 يَا أَيُّهَا الْمُنْصِفُ، ذَا النَّهْجُ الْأَسَدْ عِنْدِي، وَ أَبْوَابُ الْجِدَالِ لَا تُسَدْ
                          38 فَاقْبَلْهُ، عَمَّنْ لَمْ يَكُنْ جُذَيْلَهْ؛ لَكِنْ تَطَفُّلٌ عَلَى سُخَيْلَةْ

                          تعليق

                          • أشرف سهيل
                            طالب علم
                            • Aug 2006
                            • 1843

                            #28
                            عقيدة الإمام الفقيه المحدث ابن الملقن الشافعي

                            قال رحمه الله تعالى في أول كتابه التذكرة في الفقه :

                            ( كتاب التوحيد )

                            [ الإلهيات ]

                            وأول الواجبات معرفة الرب جل جلاله

                            واعتقاد وجوب وجوده

                            وفردانيته

                            وقدمه

                            وعدم شبهه ومثله

                            وأنه لم يزل بأسمائه وصفات ذاته ، وعلمه بالأمر كليه وجزئيه


                            [ النبوات ]

                            وأنه تعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لتنقطع الحجة ، وتتضح المحجة


                            [ السمعيات ]

                            والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره

                            وبالغيب ، وهو كل ما غاب عنا وأخبر به الصادق من أحوال البرزخ والحشر والجزاء والعقاب والجنة والنار


                            [ الإيمان والكفر ]

                            ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا يخلد


                            [ ما شجر بين الصحابة ]

                            ونمسك عما شجر بين الصحابة، ونؤول ما صح عنهم بإحسان ، بوأنا وإياهم الجنان اهـ
                            اللهمَّ أخرِجْنَا مِنْ ظُلُمَاتِ الوَهْمِ ، وأكْرِمْنَا بِنُورِ الفَهْمِ ، وافْتَحْ عَلَيْنَا بِمَعْرِفَةِ العِلْمِ ، وحَسِّنْ أخْلَاقَنَا بالحِلْمِ ، وسَهِّلْ لنَا أبْوَابَ فَضْلِكَ ، وانشُرْ عَلَيْنَا مِنْ خَزَائنِ رَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين

                            تعليق

                            • حماد محمد الشنقيطي
                              طالب علم
                              • Feb 2010
                              • 252

                              #29
                              دقائق الحقائق الإيمانية: للحافظ زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (-806هـ):
                              مخطوط من جامعة الملك سعود، تحت رقم (3324/ مجموع به 8 رسائل).
                              بسم الله الرحمن الرحيم
                              الحمد لله رب العالمين، ذي الفضل الرشيد، و العرش المجيد، و الوعد و الوعيد.
                              و الصلاة و السلام على سيدنا محمد، و آله، و صحبه، أولي الفصاحة و البلاغة، و التجويد.
                              أما بعد، فهذه الرسالة في أصول الدين، لا بد لكل مكلف من معرفتها، أو معرفة مثلها.
                              فاعلم، أن أول الدين معرفة الله تعالى، لأن من لم يكن له معرفة الله تعالى، استحال منه التوحيد، و الإيمان، و الإسلام، و غيرهما من أنواع الخيرات.
                              فإن قيل: ما معنى الدين؟
                              فقل: له معنيان:
                              أحدهما: الطاعة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾[آل عمران:19]، أي الطاعة المقبولة، المرضية عند الله الإسلام.
                              الثاني: الجزاء، لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[الفاتحة:4]؛ أي يوم الجزاء، و قول العرب: "كما تدين تدان"، كما تطيع تجازى.
                              فإن قيل: ما الدين الواجب شرعاً؟
                              فقل: الدين لله.
                              فإن قيل: ما صفة الدين؟
                              فقل: اجتماع أربعة معانٍ؛ و هي: "المعرفة"، و "التوحيد"، و "الإيمان"، و "الإسلام".
                              فإن قيل: ما معنى "المعرفة"؟
                              فقل: العلم بوحدانية الله تعالى، و صفاته.
                              فإن قيل: ما معنى "العلم"؟
                              فقل: "اعتقاد معلوم"، مع "الجزم"، و "الثبات"، و "المطابقة"؛ لا مع الشك، و الظن، و الوهم.
                              لأنه إن لم يكن جازماً، و استوى طرفاه، فهو "الشك"؛ فإن لم يستويا، فالراجح هو "الظن"، و المرجوح هو "الوهم"؛ و إن لم يكن ثابتاً، فهو "التقليد".
                              و "التقليد": متابعة الغير في قول، أو فعل بلا دليل.
                              و معنى "الدليل" في اللغة: الشيء المرشد إلى المطلوب؛ و في الاصطلاح: كتاب، و سنة، و إجماع، و قياس.
                              و إن لم يكن مطلقاً، فهو "الجهل".
                              و "الجهل": تصوير الشيء على خلاف ما هو فيه.
                              فإن قيل: ما المعرفة الواجبة في الشرع؟
                              فقل: معرفة الله تعالى، و رسله، و صدقهم.
                              فإن قيل: ما صفة المعرفة؟
                              فقل: العلم بكونه تعالى إلهاً، موجوداً، لا بداية لوجوده، و لا نهاية له، موصوفاً بصفات الكمال، منزه عن النقص، و الزوال.
                              فإن قيل: ما معنى التوحيد؟
                              فقل: العلم بوحدة ذات الشيء.
                              فإن قيل: ما التوحيد الواجب شرعاً؟
                              فقل: توحيد ذات الله تعالى، و صفاته، و أفعاله.
                              فإن قيل: ما صفة التوحيد؟
                              فقل: الإقرار، و التصديق بوحدانية ذات الله تعالى، و بالألوهية بلا شريك، و لا ضد، و لا ند، و لا شبيه، و لا كفؤ.
                              فإن قيل: ما الإيمان الواجب شرعاً؟
                              فقل: إيمان بالله تعالى، و بما قال الله؛ و بالرسول، و بما قال الرسول.
                              فإن قيل: ما صفة الإيمان؟
                              فقل: إيمان بالله، و ملائكته، و كتبه، و رسله، و اليوم الآخر، و القدر خيره و شره من الله تعالى.
                              فإن قيل لك: كيف تؤمن بالله؟
                              فقل: آمنت بالله تعالى، إلهٌ، حقٌّ، ثابتٌ، موجودٌ، قديمٌ، باقٍ، صمدٌ، فردٌ، حيٌّ، عالمٌ، قادرٌ، مريدٌ، سميعٌ، بصيرٌ، متكلمٌ؛ مكوِّنٌ أي: خالقٌ، رازق، موجدٌ، صانع، محيي، مميتٌ، مبدئٌ، معيدٌ، هادٍ، مضلٌّ، ......، معذبٌ، مقدر، قدير، آمر، ناه، حاكم، مجاز، لطيف، قاهر.
                              و له صفات قديمة بذاته أزليا، أبديا بلا انفصال، و لا تغير، و هي لا هو و لا غيره، و كذا كل صفة مع صفة أخرى كالحياة مع العلم، و العلم مع القدرة، و هي الحياة، و العلم، و القدرة، و الإرادة، و السمع، و البصر، و الكلام.
                              و التكوين: أي أعني التخليق، و الترزيق، و الإيجاد، و الصنع، و الإحياء، و الإماتة، و الإبداء، و الإعادة، و الهداية، و الضلالة، و التقدير، و التدبير، و الأمر، و النهي، و الحكم، و المجارات، و النعيم، و المعاقبة، و اللطف، و القهر؛ و هو الله موصوف بهذه الصفات الكريمة، العظيمة، التي عرف بها المؤمن.
                              مسلوبٌ عن ضد هذه الصفات، بأن يسلب الكمال نقصان المعنى، و سلبه النقصان كمال المعنى، و الله تعالى موصوفٌ بصفات الكمال، منزه عن النقص و الزوال.
                              فمن نفى ما أثبت لله، فقد أثبت ما هو منفي عنه، و من أثبت ما نفى الله تعالى فقد نفى ما هو ثابت لله تعالى، و من نفى ما أثبت، أو أثبت ما نفى له تعالى، فهو كافرٌ نعوذ بالله من الكفر.
                              فإن قيل لك: و كيف تؤمن بالملائكة؟
                              فقل: آمنت بأن الملائكة عباد الله تعالى، يسمون ملائكة، مطهرون من المعاصي، مقربون إلى الله تعالى، مطيعون ما أمرهم الله به، لا يعصونه أبداً، و هم أجسام لطيفة مقدسة، خلقوا من نورٍ، لا يأكلون، و لا يشربون، و لا ينامون، ليسوا بذكورة، و لا بأنوثة، و ليس لهم شهوة، و لا نفس، و لا أب، و لا أم.
                              و أنهم على صورة متنوعة، و على أمور مختلفة، منهم يقومون، و منهم يركعون، و منهم يقعدون، و منهم يسجدون، و منهم يسبحون، و يهللون، و يحمدون، و يكبرون، و يستغفرون، و منهم يكتبون، و منهم يحفظون، و غير ذلك أراد الله بهم.
                              و الإيمان بهم واجبٌ، و إن لم يعلم أسماؤهم، و أعدادهم، و أصنافهم، و حب الملائكة شرط الإيمان، و بغضهم كفر، نعوذ بالله منه.
                              فإن قيل لك: و كيف نؤمن بالكتاب؟
                              فقل: آمنت بأن الكتاب كلام الله، أنزلها على بعض أنبيائه، و هي منزلة، غير مخلوقة؛ قديمة، غير محدثة.
                              فإن قيل لك: كيف المُنَزَّلة غير مخلوقة، قديمة؛ لأنها من أمارات الحدوث؟
                              فقل: المنزلة هنا بمعنى المقروء؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً﴾[يوسف:2]، أي قرآناه؛ و كذلك أيضاً جعل في تأويل وصف، و قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾[الزخرف:3]، أي وصفناه، لأن الكتاب كلام الله تعالى، و كلامه صفته، و الصفات قائمة بالذات، و ذات الله تعالى قديمة، و كذا صفاته قطعاً بلا خلاف.
                              و فيها أمره، و نهيه، و حكمه، و وعده، و وعيده، و تبيين الحلال، و الحرام، و الطاعة، و المعصية، و أخبار الجزاء كالثواب، و العقاب.
                              و الكتاب كلام الله تعالى مقروء بألسنتنا، مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا؛ و هو مغاير لهذه الحروف، و الألفاظ، و الكتابة؛ و تسمى هذه الحروف، و الألفاظ، و الكتابة كلام الله تعالى مجازاً، لكونها دالة على كلام الله الحقيقي؛ كقول الشاعر:
                              إن الكلام لفي الفؤاد، و إنما جعل الفؤاد على اللسان دليلا
                              و هو مائة و أربعة كتب.
                              أنزل الله تعالى منها على آدم عشرة كتب، و خمسين كتاباً على شيث، و ثلاثين كتاباً على إدريس، و عشرة كتب على إبراهيم، و كتاباً واحداً على سيدنا موسى قبل التوراة، و بعده أنزل التوراة عليه، و واحد على عيسى و هو الإنجيل، و واحد على داود و هو الزبور، و واحد على سيدنا محمد  و هو الفرقان.
                              و كلها منسوخة إلا الفرقان، فإنه لا ينسخ إلى يوم القيامة؛ فمن أنكرها، أو شك فيها، أو .....، أو بعض منها، فقد كفر، نعوذ بالله من الكفر.
                              فإن قيل لك: و كيف تؤمن بالرسل؟
                              فقل: آمنت بأن الرسل، و الأنبياء حق، الأول منهم آدم، و آخرهم، و أفضلهم محمد عليهم الصلاة و السلام.
                              و كلهم كانوا مخبرين، ناصحين، آمرين، ناهين، صادقين، مصدِّقين، مبلغين رسالات الله تعالى إلى الخلق، مبينين لهم الأحكام، و الشرائع، مخبريهم بالغيب كذات الله تعالى، و صفاته، و أفعاله، و القيامة، و البعث، و عذاب القبر، و السؤال، و الحساب، و الميزان، و الصراط، و الحوض، و الشفاعة، و الجنة، و نعيمها، و النار و عذابها حق.
                              و أن الأنبياء معصومون من الزلل، و الكبائر، و أنهم على دين واحد، و هو دين الإسلام؛ و إن كانوا مختلفين بالشرائع، و هم أفضل الخلق، مكرمون بوحي الله، و نهيه، و نزل الملائكة عليهم، مؤيدون بالمعجزات الباهرات، الناقضات للعادات، كأحياء الموتى، و تكليمهم الجمادات، و النباتات، و الحيوانات، و تسليمها، و غير ذلك مما يعجز الخلق الإتيان به.
                              و الله فضل بعضهم على بعض، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:253]؛ فأفضلهم على الإطلاق حبيب الله المصطفى ، فخليله إبراهيم، فموسى، فعيسى، و نوح؛ و هم "أولوا العزم"، أي ذووا الثبات، و الصبر على الشدائد؛ أفضل من غيرهم، فسائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام تفاوت درجاتهم، فالمرسل منهم أفضل من غير المرسل، و صاحب الشريعة أفضل من غير صاحب الشريعة.
                              فالأنبياء في رواية مائة و ألف و أربعة و عشرون ألف؛ فالمرسلون منهم ثلثمائة و ثلاثة عشر مرسلاً.
                              و صاحبوا الكتاب ثمانية: آدم، و شيث، و إدريس، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و داود، و محمدا صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين.
                              و صاحب الشريعة ستة: آدم، و نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمد صلى الله عليهم أجمعين.
                              و ليس عددهم شرط الإيمان، بل الإيمان بكلهم واجبٌ، و محبتهم شرط الإيمان، و بغضهم من الأول إلى الآخر، أو واحدٌ منهم كفرٌ.
                              و من أنكر صدق أحدٍ من الأنبياء، أو شك في صدقهم، أو في شيء مما يخبروا به؛ فقد كفر، نعوذ بالله من الكفر.
                              فإن قيل لك: و كيف تؤمن باليوم الآخر؟
                              فقل: آمنت بأن اليومَ الآخر حقٌّ، لا ريب فيه؛ يسمى بـ "اليوم الآخر"، كما قال النبي : «إذا مات أحدكم، قامت قيامته»؛ لأنه آخر الدنيا، و يدخل في قولنا "اليوم الآخر": الموت، و السؤال، و عذاب القبر، و نعيم فيها.
                              و القيامة إلى .... الله العوالم، و أمات أهلها من الإنس، و الجن، و الملائكة، و غيرهم، إلا ما أراد الله البقاء له؛ و هو العرش، و الكرسي، و اللوح، و القلم، و الأرواح، و الجنة، و النار، و أهلها؛ ثم بعد ذلك أعادها.
                              و أخرج من في القبور، أي بعثهم، و أحياهم، ثم يحشرهم، و يحاسبهم، و يسألهم، و يعطي كتابهم، منهم بيمينه، و منهم بشماله، و منهم وراء ظهره؛ ثم يحكم بينهم بالعدل، و يرون أعمالهم من الخير و الشر، و يجزي كل نفس بما عملت، فمنهم من يدخل الجنة بفضله و رحمته، و منهم من يدخل النار بعدله من المؤمنين، و لا يخلدون فيها، بل يدخل الجنة بعد أن يعذّب على قدر جرمه، لن المؤمنين في الجنة يخلدون أبداً، و الكافرين في النار يخلدون أبداً.
                              فإن قيل لك: لم سمي ذلك اليوم القيامة؟
                              فقل: إن الله تعالى يقوّم الخلق فيها فزّعاً من أهوال يوم القيامة العظيمة.
                              فإن قيل لك: و كيف ذلك؟
                              فقل: إذا أراد الله قبض أرواح جميع الخلق، أمر أن ينفخ في الصور، فصعق من في السماوات و من في الأرض إلا من شاء الله، يعني جبريل، و ميكائيل، و إسرافيل، و عزرائيل ملك الموت؛ و أن هؤلاء يموتون بعد الخلائق.
                              «فيقول الله تعالى لملك الموت: من بقي؟ و هو أعلم، فيقول: وجهك الكريم، و بقي جبريل، و ميكائيل، و إسرافيل، و عزرائيل عبدك الضعيف؛ فيقول: يا ملك الموت اقبض روح ميكائيل، فإذا ميكائيل صريع لا روح فيه؛ ثم يقول: من بقي؟ فيقول: وجهك الكريم، و جبريل، و إسرافيل، و عزرائيل عبدك الضعيف؛ فيقول الله : يا ملك الموت اقبض روح جبريل، فيقبضه، فإذا هو صريع لا روح فيه؛ ثم يقول: اقبض روح إسرافيل، فإذا إسرافيل صريع لا روح فيه؛ ثم يقول: من بقي؟ و هو أعلم؛ فيقول: ما بقي إلا وجهك الكريم، و عبدك الضعيف؛ فيقول الله تبارك و تعالى: يا ملك الموت، مت بإذني، فإذا هو صريع لا روح فيه؛ فتبقى السماوات و الأرض خالية من أهلها، و الأرض خالية ليس فيها أحد ينطق و ....؛ فيقول الله : ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾[غافر:16]! فلا يجيبه أحد، ثم ينادي ثانيا، فلا يجيبه أحدٌ، ثم ينادي ثالثاً، فلا يجيبه أحد؛ فيرد الجبار على نفسه : ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾[غافر:16]؛ فيبقى الذي لا شريك له في ملكه».
                              و إذا أراد الله أن يبعثهم من القبور، فأول ما يحيى منهم إسرافيل، و يأمر بنفخ الصور، فينفخ فيه أولاً، فيبعثهم في قبورهم؛ ثم ينفخ فيه ثانية، فيخرج الأجساد من أجداثهم، ثم ينفخ فيه ثالثاً، فينطلقون إلى المحشر، و الموقف، ثم يقفون هناك مائة عام، ثم يحاسبهم، و يحكم بينهم بالعدل، و إلى غير ذلك، مما هو مذكور في الأحاديث، و كتب التفسير، و الله أعلم.
                              ستقوم القيامة يوم عاشوراء، بين طلوع الشمس، و ارتفاعها.
                              و من شك في القيامة، أو قال: لا أخاف القيامة، أو شيئاً من أهوالها، فقد كفر؛ اللهم اهدنا للإيمان، و أعذنا من الكفر و العصيان.
                              فإن قيل لك: و كيف تؤمن بالقدر؟
                              فقل: آمنت بالخير و الشر، و الإيمان و الكفر، و الطاعة و المعصية، و الصحة و المرض، و الغنى و الفقر، و الحياة و الموت، و غيرهما؛ مما يجري في العالم، كلها بتقدير الله تعالى، و إرادته، و مشيئته، و حكمه لأنه لا خالق إلا هو، فالخير أي الإيمان و الطاعة بتقدير الله تعالى، و مشيئته و حكمه، و هدايته إلى رضائه و أمره.
                              و الشر، أي الكفر، و المعصية أيضاً بتقدير الله تعالى، و إرادته، و مشيئته، و حكمه، لكن دون هدايته، و رضائه، و أمره، بل بإضلاله، و سخطه، و نهيه؛ و إن كان بتخليقه.
                              و إن سئلَ: ما معنى قوله تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء:79]؟
                              قلنا: معناه لا يضيف الشر و المعصية إلى الله تعالى عند الإنفراد، رعاية للأدب، بل يضاف إليه عند الجملة، كما يقال: يا خالق الخلق، و لا يقال: يا خالق الخنازير، و الحياة، و العقارب؛ و قيل: إن هذه الآية منسوخة بآية أخرى، و هو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾[النساء:78].
                              فمن قال بأن الله لا يرضى على الخير، أو لا يسخط بالشر؛ أو قال: بأن الخير، و الشر لله تعالى؛ و أن الخير و الشر من الله تعالى؛ فكلهما بإرادته، و رضائه؛ فقد كفر.
                              هذه مسئلة مختلفة بيننا و بين القدرية، و الجبرية.
                              فالقدرية قال: الخير من الله، و الشر من النفس، و الاختيار للعبد فيه.
                              و نحن نقول: الخير و الشر من الله، و لكن للعبد أفعال اختيارية، و لأجل هذا يثابون بها، و يعاقبون عليها؛ و بيانها في المطولات؛ هدانا الله إلى سبيل الرشاد.......... يتبع ......

                              تعليق

                              • حماد محمد الشنقيطي
                                طالب علم
                                • Feb 2010
                                • 252

                                #30
                                ..... تابع
                                فإن قيل لك: ما معنى الإسلام؟
                                فقل: الانقياد لأمر أحد، و التجانب عن نهيه.
                                فإن قيل: ما الإسلام الواجب شرعاً؟
                                فقل: الانقياد لأمر الله، و الاجتناب عن نهيه.
                                فإن قيل لك: ما صفة الإسلام؟
                                فقل: شهادة أن لا إله إلا الله، و أن محمداً رسول الله؛ و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و حج البيت، لمن استطاع إليه سبيلا.
                                فإن قيل لك: ما معنى الشهادة؟
                                فقل: الشهادة في اللغة: البينة، و العلم.
                                و في الشرع: خبر قاطع عن معاينة، و علم بدليل قاطع؛ لأن الشاهد إذا شهد شيئاً، وجب أن يقع علمه عليه، لقوله : «إذا علمت مثل الشمس، فاشهده».
                                فإن قيل لك: ما معنى الصلاة؟
                                فقل: الصلاة في اللغة: الدعاء.
                                و شرعاً: أقوال، و أفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم غالباً.
                                فإن قيل لك: ما معنى الزكاة؟
                                فقل: الزكاة في اللغة: النماء، و التطهير.
                                و في الشرع: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، يصرف لطائفة مخصوصة؛ و هي ركن من أركان الإسلام.
                                فإن قيل لك: ما معنى الصوم؟
                                فقل: في اللغة: الإمساك.
                                و في الشرع: الإمساك عن مفطر، بنية مخصوصة، على وجه مخصوص.
                                فإن قيل لك: ما معنى الحج؟
                                فقل: الحج في اللغة: القصد.
                                و في الشرع: قصد الكعبة، للأفعال المذكورة في كتب الفقه.
                                فإن قيل لك: ما معنى الاستطاعة هناك؟
                                فقل: الاستطاعة أنواع مختلفة فيه؛ في مذهب الشافعي : و جود الزاد، و الراحلة، و أمن الطريق؛ فإن كان له قوة حج بنفسه؛ و إن لم يكن له قوة يعطي المال إلى من يحج عنه.
                                و مذهب أبي حنيفة : الاستطاعة: وجود الزاد، و الراحلة، و القوة؛ و لا يجوز أن يحج أحد على أحد حي، و إن كان ضعيفاً.
                                و مذهب مالك : الاستطاعة: القوة فقط.
                                فهذه الخمسة أركان الإسلام.
                                فإن قيل لك: الإيمان و الإسلام، هما واحدٌ؟ أم لا؟
                                فقل: هما واحدٌ من طريق الحكم؛ لأن كل مؤمن مسلم، و كل مسلم مؤمن؛ و لا فرق بينهما إلا في معناه.
                                لأن معنى الإسلام: الانقياد لأوامر الله و رسوله، و قبوله؛ و هو عام لما في القلب، و اللسان، و الجسد؛ لأن كل ما يفعله أحد بأمر أحد، فهو انقياد، سواء كان مصدقاً به، أو لا.
                                و معنى الإيمان: تصديق قوله تعالى، و رسوله؛ و هو خاص لما في القلب، و الإقرار شرط للإثبات، ظاهراً، فأوجبه الشرع، حتى لم يحكم بالإيمان بدونه؛ و إن صدق باطناً.
                                فإن قيل لك: ما محل المعرفة، و محل التوحيد؟
                                فقل: محل المعرفة الفؤاد، لقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾[النجم:11]؛ و محل التوحيد السر.
                                فإن قيل لك: محل الإيمان، و الإسلام، واحد؟ أم لا؟
                                فقل: محل الإيمان القلب، لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾[المجادلة:22]، ﴿[وَ لَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ] وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[الحجرات:7].
                                و محل الإسلام: الصدر؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر:22].
                                فإن قيل لك: ما الفرق بين المعرفة، و التوحيد، و الإسلام، و الإيمان؟
                                فقل: هذه المعاني واحدة من جهة الحكم؛ لأن كل عارف، لا بد أن يكون موحداً، مؤمناً؛ و إذا انتفى واحدٌ منها انتفى الكل؛ و إذا اجتمعت كلها، صح الكل.
                                و من جهة المعنى متغايرة معنىً، و كل واحدٍ منهما قد ذكر في اللغة، و شرعاً.
                                و لم يصح العلم بذات الله، و صفاته إلا بالعلم بوحدة ذات الله، و صفاته، و أفعاله؛ و لم يصح العلم بوحدة ذاته إلا بتصديق قوله؛ و لم يصح تصديق قوله إلا بانقياد أمره، و اجتناب نهيه.
                                فكان الكل كشخص واحد، له عصا كالرأس، و اليدان، و الرجلان، و غيرها؛ اتخذت كلها لشخصٍ واحدٍ، و اختلفت بصفاتها.
                                فإن قيل لك: ما معنى جوابك: "مقرونة بالحمد له"، و السؤال عن إسلامك؟
                                فقل: لإن الإسلام نعمة من أكبر نعماء الله تعالى، فالحمد شكرا عليها، فإن نِعَمَه علينا إذا سمعنا ذكرها، فنحمد الله تعالى شكراً عليها.
                                فإن قيل لك: متى كنت مسلماً؟
                                فقل: يوم الميثاق.
                                فإن قيل لك: ما معنى الميثاق؟
                                فقل: أخذ العهد من كل أحد، على شيء من أمر، و نهي.
                                فإن قيل لك: ما يوم الميثاق؟
                                فقل: هو يوم خلق الله فيه أرواح عباده، و أحضرهم، و سألهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف:172].
                                و كانوا طائفة واحدة، فلما أمرهم بالسجود له، صاروا طائفتين، طائفة سجدوا تحقيقاً، لقولهم: "بلى"، و طائفة لم يسجدوا جحوداً، لقولهم: "بلى"؛ فلما رفع الساجدون من السجود، صاروا طائفة لم يسجدوا، و علموا أن هذه الطائفة كفروا بالله.
                                فصارت الطائفة الأولى طائفتين، طائفة سجدوا سجدة ثانية، شكراً على إيمانهم، و نجاتهم من الكفر؛ و طائفة لم يسجدوا ثانية، ارتداداً عن الإيمان، و ندماً من السجدة التي سجدوها.
                                ثم الطائفة الذين لم يسجدوا أوّلا صاروا طائفتين أيضاً؛ طائفة سجدوا في السجدة الثانية، توبة من الكفر، و ندماً من ترك السجدة الأولى؛ و طائفة لم يسجدوا في الأولى، و لا في الثانية، إصراراً على الكفر.
                                فهم حينئذٍ أربع طوائف: الأولى: أسلموا حياة، و موتاً؛ و الثانية: أسلموا حياة، و كفراً، و موتاً؛ و الثالثة: كفروا حياة، و أسلموا موتاً؛ و الرابعة: كفروا حياةً، و موتاً.
                                فإن قيل لك: ما أركان الإيمان؟
                                فقل: الإقرار باللسان، و التصديق بالقلب.
                                فإن قيل لك: ما أكمله؟
                                فقل: الإقرار باللسان، و التصديق بالجنان، و العمل بالأركان، و الاتباع بالبرهان.
                                فإن قيل لك: ما حكم من ترك هذه الأشياء؟
                                فقل: من ترك الإقرار، فهو كافر؛ و من ترك التصديق، فهو منافق؛ و من ترك العمل، فهو فاسق -إن كان فرضاً-؛ و من ترك الاتباع، فهو مبتدع، لقوله : «من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو خداج».
                                فإن قيل لك: ما معنى الكافر؟
                                فقل: الكافر في اللغة: الساتر في الشرع، الساتر لنعمة الله تعالى، و لرحمته، و عفوه؛ فذلك حرمت عليه الجنة.
                                فإن قيل لك: ما معنى المنافق؟
                                فقل: المنافق في اللغة: الكاذب.
                                و في الشرع: مظهر الإسلام، و مبطن الكفر؛ و هو أشد عذاباً من الكافر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾[النساء:145].
                                فإن قيل لك: ما معنى الفاسق؟
                                فقل: الفاسق، و العاصي واحد؛ و هو تارك الواجب، مع التصديق، و الإقرار بوجوبه؛ أو فاعل الحرام، مع التصديق و الإقرار بحرمته.
                                فإن قيل لك: ما معنى المبتدع؟
                                فقل: في اللغة: محدث الأمور.
                                و مخالف للصحابة اعتقاداً، و أفعالاً في أمور الدينية.
                                فإن قيل لك: ما حكم الكافر؟
                                فقل: حكم الكافر، و المنافق واحدٌ؛ و هو الخلود المؤَيَّدْ في النار.
                                فإن قيل: ما حكم الفاسق؟
                                فقل: إن لم يكن له شفاعة من ذوي الشفاعة، أو عفو من الله تعالى؛ يعذب بالعدل على قدر ذنبه، فيغفر له، و يدخل الجنة.
                                فإن قيل لك: ما حكم المبتدع؟
                                فقل: اختلف العلماء في حكم أهل البدعة.
                                فقال بعضهم: المبتدعون ليسوا بكافرين؛ و قال بعضهم: جميع المبتدعين كفار؛ و قال بعضهم: إذا ظهر منهم كفر، حكم بكفرهم، و إلا فلا.
                                و الأصح: أن المبتدعون مؤمنون، إلا التجسيم؛ و إنكار الجزئيات؛ و لكن المبتدع أشر من الفاسق؛ لأن الفاسق يري التوبة، و المبتدع لا يرى التوبة.
                                فإن قيل لك: أمؤمن أنت حقاًّ؟
                                فقل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى.
                                فإن قيل لك: ما ثواب الإيمان، و ما ثواب العمل؟
                                فقل: ثواب الإيمان لقاء الله تعالى، و رؤيته، و ثواب العمل بالجنة، و نعيمها.
                                فإن قيل لك: الاستثناء شك، و الشك في الإيمان كفر؟
                                فقل: إن قصد به الشك في الإيمان يكون كفرا، و إن قصد به الشك في العاقبة.
                                و التبرك بذكر الله، و التأكيد، و الأدب، فلا يكون كفراً، بل واجب.
                                و لا ينبغي أن يقول: "أنا مؤمن حقا"، عند الشافعي ، خلافاً للحنفي.
                                فإن قيل لك: في أي دين أنت؟
                                فقل: في دين الإسلام، و هو دين الأنبياء، و الملائكة صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين.
                                فإن قيل: في أي ملة أنت؟
                                فقل: ملة إبراهيم عليه السلام.
                                فإن قيل لك: في أية أمة أنت؟
                                فقل: من أمة محمد .
                                فإن قيل لك: في أي مذهب أنت؟
                                فقل في مذهب أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي رحمة الله عليه.
                                فإن قيل لك: كم عدد المذاهب؟
                                فقل: أربعة؛ الأول: مذهب أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي رحمة الله عليه؛ و الثاني: مذهب مالك؛ و الثالث: مذهب الحنفي؛ و الرابع: مذهب الحنبلي رضوان الله عليهم أجمعين.
                                فإن قيل لك: هم في مذهب من؟
                                فقل: مذهب أبي الحسن الأشعري، و هو المسمى بأهل السنة و الجماعة.
                                فإن قيل لك: ما شرط الإيمان؟
                                فقل: الحب لله، و الأنبياء، و الأولياء؛ و البغض لأعداء الله، و الخوف من عذاب الله، و الرجى إلى رحمة الله، و التعظيم لأوامر الله، و نواهيه.
                                فإن قيل لك: ما علامة الإسلام؟
                                فقل: على أربع خصال: الصبر لحكم الله، و الرضا بالقدر، و الإخلاص، و التوكل، و الإسلام للمولى.
                                و قال بعض العلماء: علامة الإسلام عشرون خصلة: السكينة، و الوقار، و الحياء، و الحلم، و الصبر، و الشكر، و الرأفة، و الرحمة، و الاحتمال، و التواضع، و المروة، و الخلق الحسن، و كظم الغيظ، و العفر عن الناس، و ترك الخصومة، و ترك المنازعة، و صدق الحديث، و وفاء العهد، و الأمانة، و الشفقة، و النصيحة، و ترك ما لا يعنيه.
                                فإن قيل لك: ما الفرق بين الإيمان، و العمل؟
                                فقل: اثنا عشر شيئاً:
                                1. الإيمان متبوع، و العمل تابع.
                                2. و الإيمان دائمٌ، و العمل موقوتٌ.
                                3. و الإيمان فرض على المسلمين و الكافرين، و العمل فرض على المسلمين خاصة.
                                4. و الإيمان يقبل بغير العمل، و العمل لا يقبل إلا بالإيمان.
                                5. و الإيمان لا يوزن، و العمل يوزن.
                                6. و أحكام المسلمين متعلقة بالإيمان، لا بالعمل.
                                7. و الجنة تجب مع الإيمان، لا بالعمل.
                                8. و يعطى ثواب العمل إلى الخصماء، و لا يعطى ثواب الإيمان.
                                9. و تجوز الوصية بالعمل، لا بالإيمان.
                                10. و ترك الإيمان كفر، وترك العمل ليس بكفر.
                                11. و الأنبياء متفقون بالإيمان، و مختلفون بالشرائع.
                                12. و الأنبياء معصومون بالإيمان قبل الوحي، و بعده، لا بالعمل، لأنه قد يصدر عنهم الصغائر سهواً، و أما الكبائر فلا يصدر عنهم لا عمداً، و لا سهواً.
                                فإن قيل لك: الإيمان يزيد، و ينقص؟ أم لا؟
                                فقل: إن أريد بالإيمان أصله، و هو الإقرار، و التصديق بكلية الدين لا يزيد و لا ينقص؛ لأن النقصان في أصل الدين كفر، و إن أريد به كماله، فيزيد و ينقص؛ لأن الأصل يزيد كمالاً و حسنا بالفروع، و الورق، و الثمر؛ هذا مذهب الشافعي رحمة الله عليه.
                                فإن قيل: الإيمان مخلوقٌ؟ أم غير مخلوق؟
                                فقل: الإيمان جهتان؛ فعل الله، و فعل العبد؛ ففعل الله أمره، و هدايته، و توفيقه، و هو غير مخلوق؛ و فعل العبد إقراره، و تصديقه، و قبوله، و هو مخلوق؛ قال الله تعالى: ﴿وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ﴾[الصافات:96].
                                فإن قيل لك: الإيمان فريضة؟ أم سنة؟
                                فقل: إن أريد بالإيمان قول لا إله إلا الله محمد رسول الله باللسان، فالإيمان فريضة على الكافرين؛ كالوضوء لمن لا وضوء له، و سنة، و فضيلة على المؤمنين، كالوضوء.
                                و إن أريد بالإيمان تصديق لا إله إلا الله محمد رسول الله بالقلب، فالإيمان فريضة على المؤمنين و الكافرين، لأن من لم يكن له تصديق، يكون منافق و كافر.
                                فإن قيل لك: ما معنى كل واحد منهما؟
                                فقل: معنى الفرض ما يثاب على فعله، و يعاقب على تركه؛ و السنة ما يثاب على فعلها، و لا يعاقب على تركها.
                                و معنى الحلال، الحلال: ما يثاب على فعله، و تركه، و لا يعاقب على فعله و تركه؛ و معنى الحرام ما يثاب على تركه، و يعاقب على فعله.
                                فإن قيل: ما معنى الحكم في اللغة؟
                                فقل: إسناد شيء إلى شيء آخر، و قيل: إثبات أمرٍ و نهي؛ و في الشرع هذه الأشياء مذكورة.
                                فإن قيل لك: إيمان المقلد، هل يكون معتبراً؟ أم لا؟
                                فقل: نعم، إن كان التقليد صحيحاً، فيكون معتبراً عند المتأخرين؛ و لكنه عاص، بترك الاستدلال هذا عند المتأخرين؛ و أما عند المتقدمين، فلا يكون معتبراً، لأنه بعد معرفة أدلة قواعد الدين؛ فالتقليد الصحيح مثل إن سأل أحدٌ أحداً: ممّ قلت: لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟ قال: مما علمت أن الأنبياء و العلماء كلهم صادقون، فوجب أن يكون قولهم صدقاً؛ و هم يقولون، فقلت ما قالوا تقليداً لهم، و لكني لا أعلم بدليل صدق ما قالوا؛ فهذا التقليد تقليد صحيح، و المتقلد به يكون مؤمناً.
                                و التقليد الفاسد، مثل أن يسأل أحدٌ أحداً: مما قلت لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ قال: مما علمت أنا لأنبياء، و العلماء كلهم يقولونه؛ فقلت مثل ما قالوا؛ إن كانوا صادقين فقد أصبت، و إلا فلا.
                                و هذا التقليد تقليد فاسد، و المتقلد به لا يكون مؤمناً، لأنه شاك في صدق من وجب صدقه؛ و هم الأنبياء و العلماء، و من بعدهم، و الشك في صدق الأنبياء قبيح، و حرام؛ لأنه كفر.
                                فإن قيل: إيمانُ عبدٍ حال بأس، و هو حال مشاهد، لا عذاب الآخرة، يكون مقبولاً؟ أم لا؟
                                فقل: لا، لأن الإيمان المقبول هو الإيمان بالغيب، لا الإيمان بالمشاهدة، لأن الإيمان بالمشاهدة هو الإيمان بالإكراه، لا بالاختيار، فعمل المكره غير معتبر، و لا مقبول، و لا يثاب عليه.
                                كمن أكره الكافر على قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فقال: في حال إكراهه فقط، لم يحكم بكونه مؤمناً بما قال في تلك الحالة، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾[غافر:84-85]؛ و قال تعالى: ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾[الأنعام:158].
                                فإن قيل لك: إيمان الباس، و هو حال مشاهدة عذاب الآخرة عند قرب الموت؛ هل يكون مسموعاً؟ أم لا؟
                                فقل: لا يكون مسموعاً لأحد من العباد، كما ذكر من قبل؛ حتى لو من مجوسيا، أو ذميا، و سمع كلامه منه في تلك الحالة، لا يكون ذلك إيمان اختيار، بل يكون إيمان ياس؛ و قيل: لا يكون ذلك إيمان بل قد يكون.
                                فإن قيل لك: ما مثل الإيمان؟
                                فقل: هو مثل شجرة طيبة، لها أصل، و فرع؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَ فَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾[إبراهيم:24-25].
                                فأصله: ما إذا تركه العبد يكون كافراً، و هو الإقرار، و التصديق، بكلية الدين، و اعتقاد ما يجب اعتقاده.
                                و فرعه: ما إذا تركه العبد لا يكون كافراً، بل يكون عاصٍ في ترك البعض، كترك الواجبات من الأعمال؛ و ترك الفضيلة في ترك البعض، كترك المسنونات من الأعمال.
                                فاعلم أن إحسان الدين، و كماله، واجبٌ علينا.
                                فإن قيل لك: ما معنى الإحسان؟
                                فقل: تحسين صفة الشيء، بعد تحصيله.
                                فإن قيل لك: ما صفة الإحسان؟
                                فقل: عبادة العبد لربه كما يراه، و هو أصعب؛ لأنه غاية القصور، و نهاية منازل الدين؛ لأنه عبادة العبد لربه، كما يراه هو، عبارة عن المبالغة في العبادة، و تكميل العبادات درجات كثيرة، و لا تعدد له، و لا يليق ذكره للمبتدي.
                                ثم اعلم أن هذه الطريق إلى الله  هذه الثلاثة المذكورة -أعني: الإسلام، و الإيمان، و الإحسان-؛ و من زعم أن الطريق إلى الله تعالى غير هذه الثلاثة، فقد أخطأ، أعاذنا الله تعالى من الكفر، و النفاق، و من الغلط، و الخبط؛ لقوله تعالى: ﴿وَ مَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[آل عمران:85].
                                و قد سميت هذا الكتاب بـ: "دقائق الحقائق الإيمانية".
                                و سبحان الله العظيم، و بحمده، عدد خلقه، و رضا نفسه، و مداد كلماته، و الحمد لله رب العالمين حمداً كثيرا، طيباً، مباركاً، على كل حال.
                                ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[البقرة:127]، ﴿وَ تُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[البقرة:128].
                                و صلى الله على سيدنا محمد، و آله، و صحبه، و سلم.

                                تعليق

                                يعمل...