* مذاهب العلماء في تعليل الأحكام(1)(2).
المقدمة:
الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدي وقرة عيني، نور العيون وسراج القلوب، القائل: " إنّما الأعمال بالنيات " (3) فأسأله تعالى العلي العظيم أن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم- ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى سنته ، وسار على نهجه من الحياة إلى الممات ، سيما أئمتنا الأربعة المتبوعين ، الذين تلقتهم الأمة بالقبول ، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وعلى مقلديهم إلى يوم الدين .
وبعد :
فهذه دراسة متواضعة لموضوع "تعليل الأحكام" ، حاولت فيه قدر جهدي تجلية الأمر فيه وتوضيحه، مع ذكر لأقوال العلماء وأدلتهم لما ذهبوا إليه في تعليل أحكام الله تعالى، مع تطرق بسيط لتعليل أفعاله سبحانه وتعالى ورد الشبهة الواردة في ذلك.
وقد قسمت الدراسة إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة .
تكلَّمت في المقدمة عمّا يحتويه البحث.
وتكلمت في الفصل الأول في مبحثين:
* المبحث الأول: في التعريف اللغوي لعنوان البحث، وتحته ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف المذهب لغة.
المطلب الثاني: تعريف العلة لغة.
المطلب الثالث: تعريف الحكم لغة.
.............................................
1.قال الإمام رضي الدين محمد بن إبراهيم الشهير (بابن الحلبي) والمتوفى رحمه الله سنة 971 في حاشيته المسماة (أنوار الحلك على شرح المنار لابن ملك) ص/760 .مطبوه بهامش شرح ابن ملك على المنار. طبعة دار السعادة-تركيا/1315 هـ. : طعن أهل اللغة في إطلاق الفقهاء لفظ المعلول على النص فقالوا: العلة التي هي المصدر لازم والنعت منه عليل فالصواب أن يقال: هذا النص معلّ بكذا، وأجيب عنه بأنه قد جاء علّ وهو معلول أي ذو علة، الحكم نص عليه في المغرب كذا في فتح المجني، وقد وقع في عبارة كثير من أهل الحديث تسمية الحديث الذي شملته علة من علل الحديث بالمعلول، ولكن قال العراقي: الأجود في التسمية المعلّ. ثم نقل عن بعض العلماء أنه قال: ليست من لفظة معلول على ثقة ولا ثلج لأن المعروف إنما أعله الله فهو معلّ. اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومسلول من أنهما جاآ على جننته وسللته، وإن لم يستعملا في الكلام.
2.وقال الإمام الرهاوي في حاشيته على شرح ابن ملك على المنار/670: استقبح لفظ المعلول لأن العلة التي هي مصدر لازم والنعت منه عليل. فالصواب أن يقال: هذا النص معلل أو غير معلل. والجواب بأنه قد جاء فهو معلول قال في المغرب: يقال رجل عليل ومعلول أي ذو علة.
3.البخاري/ كتاب بدء الوحي . عن عمر بن الخطاب . حديث رقم 1 ، مسلم/ كتاب الإمارة رقم الحديث 1907 .
* المبحث الثاني: العلة اصطلاحاً، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف للعلة اصطلاحاً وذكر لتعريف العلماء لها.
المطلب الثاني: العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
* الفصل الثاني: وفيه مبحث ومطلبان:
المبحث الأول: التعليل في الكتاب والسنة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أمثلة للتعليل في القرآن الكريم.
المطلب الثاني: أمثلة للتعليل في السنة النبوية.
* الفصل الثالث: وفيه مبحث وطلبان وخاتمة:
المبحث الأول: تعليل أحكام الله تعالى، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أحكام الشريعة قائمة على رعاية المصالح في الدارين.
المطلب الثاني: نصوص العلماء في تعليلهم للأحكام وأدلتهم لما ذهبوا إليه.
الخاتمة: وضمنتها أهم نتائج البحث.
فإن كنت قد وفقت فبضل الله ومنّته وكرمه عليّ، وإن كانت الأخرى فمني والشيطان، والله أسأل السلامة من الإثم وما يتبعه، وأن يجنبني الزلل والخطل بحسن قصدي وتوجهي.
وأسأله تعالى أن يتقبله مني، وأن يجعل تعبي فيه وسيلة لنجاتي، وذخيرة لمعادي، إنّه ولي ذلك والقادر
عليه.
والحمد لله رب العالمين
وكتبه راجي عفو ربه:
لؤي بن عبد الرؤوف الخليلي الحنفي.
مذاهبُ العلماءِ في تَعليل الأَحكام
* الفصل الأول: التعريف اللغوي والاصطلاحي
وفيه مبحثان
* المبحث الأول: التعريف اللغوي للموضوع، وفيه ثلاثة مطالب.
* المطلب الأول: تعريف المذهب لغة
ذهب: ذهاباً وذهوباً ومذهباً: مرّ، والذهاب: السير والمرور، فهو ذاهب وذهوب
والمذهب مصدر، كالذهاب
يقال: ذهب الأثر: زال وامّحى، وذهب به وأذهبه غيره: أزاله.
والمذْهب: المتوضأ، لأنه يذهب إليه. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الغائط أبعد المذهب، وهو مَفعلٌ من الذهاب
وذهب فلان مذهب فلان: قصد قصده وطريقه، وذهب في الدين مذهبه: رأى فيه رأياً أو أحدث فيه بدعة.
والمذهب: الطريقة والمعتقد الذي يذهب إليه. يقال: ذهبت مذهباً حسنا، ويقال: ما يدرى له مذهب
وعند العلماء: مجموعة من الآراء والنظريات العلمية والفلسفية ارتبط بعضها ببعض ارتباطاً يجعلها وحدة منسقة(1).
* المطلب الثاني: تعريف العلّة لغة:
ووجدتها في معاجم اللغة تطلق على عدة أمور(2):
العَلّ والعلَلُ، سميت الشربة الثانية، وقيل: الشرب بعد الشرب تباعاً، فقيل إذا وردت الإبل الماء، فالسقية الأولى النهل، والثانية العلل. يقال: علل بعد نهل
العِلّة: المرض الشاغل، يقال: علّ يعلّ واعتلّ فهو عليل أي مرض، وحروف العلة سميت بذلك للينها وموتها.
العلة بمعنى السبب، هذا علة لهذا أي سبب. وفي حديث عائشة: فكان عبد الرحمن يضرب رجلي بعلة الراحلة أي بسببها، يظهر أنه يضرب جنب البعير برجله وإنما يضرب رجلي.
..............................
1.انظر المعجم الوسيط 1/316/317 باب ذهب. ط2/اخراج د.إبراهيم أنيس وأصحابه، لسان العرب1/393 باب ذهب. دار الفكر-دار صادر ط3/1994.
2.انظر: الوافي :الشيخ عبدالله التلمساني 434 مكتبة لبنان/1980، المعجم الوسيط 2/623/624 باب العلة، لسان العرب11 /467-473، القاموس المحيط4/29-30 دار إحياء التراث ط1/1991.
وتعلل الرجل: أبدى الحجة وتمسك بها، والتعلة والعُلالة بالضم: ما يتعلل به، والتعليل عند أهل المناظرة: تبيين علة الشيء وما يستدل به من العلة على المعلول ويسمى برهاناً لِميّاً.
والعلة عند الفلاسفة: كل ما يصدر عنه أمر آخر بالاستقلال أو بوساطة انضمام غيره إليه فهو علة لذلك الأمر، والأمر معلول له، وهي علة فاعلية أو مادية أو صورية أو غائية ومن كل شيء سببه.
* المطلب الثالث: تعريف الحكم:
حكم: الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، وهو الحكيم له الحكم سبحانه وتعالى.
والحُكمُ: العلم والفقه قال تعالى "وآتيناه الحكم صبياً" أي علماً وفقهاً. وفي الحديث: إن من الشعر لحُكما أي أن في الشعر كلاما نافعا يمنع من الجهل والسفه وينهى عنهما.
والحُكمُ: العلم والفقه والقضاء بالعدل وهو مصدر حَكمَ يَحكمُ ومنه الحديث: " الخلافة في قريش والحكم في الأنصار" خصهم بالحكم لأن أكثر فقهاء الصحابة فيهم كمعاذ وأبي وزيد وغيرهم.
والحُكمُ: مصدر قولك حكم بينهم: أي قضى، وحكم له وحكم عليه.
وأحكم الأمر: أتقنه، والحكيم المتقن للأمور، وأحكمت الشيء فاستحكم: صار مُحكماً، واحتكم الأمر واستحكم: وثُق " أحكمت آياته ثم فصلت" ، وحكّم اليتيم كما تحكّم ولدك: أي امنعه من الفساد وأصلحه كما تصلح ولدك وكما تمنعه من الفساد. وحكمه وأحكمه: منعه مما يريد، ومنه الحاكم لأنه يمنع الظالم، وحكمت السفيه إذا أخذت على يده ومنه قول جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم(1).
* المبحث الثاني: العلة اصطـــلاحاً:
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: في التعريف للعلة اصطلاحاً، ونقل أقوال العلماء في ذلك.
ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء: أي ثبوته بلا واسطة خرج علة العلة والسبب والشرط والعلامة والتعلقات، وهذا التعريف يشمل العلل الموضوعة كالبيع والنكاح وغيرهما والعلل المستنبطة بالاجتهاد كالعلل المؤثرة في القياسات(2).
............................
1.انظر: لسان العرب 12/ 140-144 باب حكم.
2.انظر: حاشية نسمات الأسحار لمحمد أمين عابدين على شرح إفاضة الأنوار على متن المنار لمحمد علاء الدين الحصني/243 مطبعة البابي الحلبي ط2/1979 ، فتح الغفار بشرح المنار لابن نجيم الحنفي/432 دار الكتب العلمية ط1/2001 ، شرح عبد اللطيف بن فرشتة الشهير بابن ملك/ 321 دار الكتب العلمية ط1/2044 مصورة بالاوفست عن نسخة المطبعة النفيسة العثمانية. شرح مختصر المنار لابن قطلوبغا/166 دار ابن كثير- دمشق ط1/1993، المغني في أصول الفقه جلال الدين الخبازي/322 تحقيق محمد مظهر بقا . معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى ط2/2001 .
وعرفها ابن أمير الحاج(1): (ما) وصف (شرع الحكم عنده) أي عند وجوده لا به (لحصول الحكمة، جلب مصلحة) أي ما يكون لذة أو وسيلة إليها (أو تكميلها أو دفع مفسدة) أي ما يكون ألما أو وسيلة إليه، (أو تقليلها) سواء كان نفسيا أو بدنيا دنيويا أو أخروياً(2).
وذكر العلاء الأُسمندي(3) بأنه في عرف الفقهاء: ماأثرت حكماً شرعياً.
وفي تغيير التنقيح(4): ما يكون دالا على وجوب الحكم. وقالوا العلل الشرعية كلها معرفات لأنها ليست بالحقيقة مؤثرة بل المؤثر هو الله تعالى.
وعرفها الخادمي بأنها: (ما)وصف مشترك بين الأصل والفرع (جعل علامة) وأمارة (على حكم النص) وجعل الفرع مماثلاً للنص أي المنصوص عليه في حكمه من الجواز والفساد والحل والحرمة بسبب وجود ذلك الوصف في الفرع فإن المؤثر حقيقة هو الله تعالى.(5).
وعرفها منلا خسرو بأنها: ما جعل علماً على حكم النص. قال العلامة الأزميري: أي أمارة وعلامة، فإن المؤثر حقيقة هو الله تعالى(6).
...................
1.محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي بن سليمان بن عمر بن محمد الشهير بابن أمير الحاج الحلبي، وبابن الموقت، القاضي شمس الدِّين الحنفي . ولد بحلب سنة 825 ، فقيه أصولي مفسر ، توفى رحمه الله بحلب سنة 879. وله من المؤلفات الكثير منها: حلبة المجلي شرح منية المصلي، شرح المختار للموصلي، أحسن المحامل في شرح المحامل. انظر: هدية العارفين2/ 208 ، كشف الظنون2/ 1886 ، معجم المؤلفين11/ 274 .
2.انظر: التقرير والتحبير 3/141 دار الكتب العلمية 1983 مصورة بالأوفست عن الطبعة البولاقية ط1/ 1316، وما بين القوسين هو تعريف ابن الهمام في التحرير وعليه توضيح ابن أمير الحاج. وانظر تيسير التحرير لمحمد أمين المعروف بأمير بادشاه 3/303 دار الفكر.
3.انظر: بذل النظر في الأصول: محمد بن عبد الحميد الأسمندي/583 تحقيق محمد زكي عبد البر. مكتبة التراث-القاهرة ط1/1992.
4.انظر: تغيير التنقيح في الأصول: شمس الدين أحمد بن سليمان المعروف بابن كمال باشا/ 178 مطبعة سي- استانبول 1308.
5.عبدالله بن أبي سعيد الخادمي محمد بن مصطفى الخادمي الرومي الحنفي، توفى سنة 1192، وله من المصنفات: الهمزية في مدح خير البرية، وشرح البسملة لوالده. هدية العارفين1/485. وانظر منافع الدقائق شرح مجامع الحقائق في الأصول: لأبي سعيد الخادمي الحنفي/225 . دار الطباعة العامرة- استانبول 1308. وهو شرح على كتاب والده مجامع الحقائق( وما بين قوسين هو تعريف الوالد ومابينهما شرح الابن)
6.انظر: مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول للعلامة منلا خسرو، وبهامشه حاشية العلامة الإزميري 2/398 المكتبة الأزهرية للتراث/2005 مصورة بالأوفست عن طبعة الحاج محرم أفندي البوسنوي.
وعرفها ابن ملك في شرحه على منار النسفي بأنها: وصف يكون الحكم متعلقاً به(1).
وعرفها الإمام الغزالي(2): هي الوصف المؤثر في الأحكام بجعل الشارع لا لذاته(3).
وعرفها الآمدي وابن الحاجب بأنها: هي الباعث على الحكم أي المشتمل على حكمة صالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم(4).
واختار الأمام البيضاوي أنها: المعرف للحكم(5).
وعرفها الاسنوي بأنها: هي المعرف لحكم الفرع الذي من شأنه أنه إذا وجد فيه كان معرفاً لحكمه(6).
وعرفها الإمام الشاطبي(7) رحمه الله بأنها: الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي.
فالمشقة علة في إباحة القصر والفطر في السفر. والسفر هو السبب الموضوع سببا للإباحة. فعلى الجملة، العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة منضبطة أو غير منضبطة.
وعلق الشيخ عبد الله دراز على قوله فقال: وظاهر كلامه قصرها على ما تعلق به حكم تكليفي، مع أن الواقع أن العلة أعم. فدفع حاجة المتعاقدين في البيوع مثلاً حكمة تعلق بها انتقال الملك.
وعرفها المعتزلة بأنها: المؤثر بذاته في الحكم. وفي لفظ آخر: هي الموجب للحكم بناء على جلب مصلحة أو دفع مفسدة قصده الشارع.(8)
.........................
1.انظر: شرح عبد اللطيف بن ملك على منار الإمام النسفي/265. دار الكتب العلمية مصورة عن طبعة العثمانية.ط1/2004.
2.حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي ، جامع أشتات العلوم والمبرز في المنقول منها والمفهوم كان ضرغاما إلا أنّ الأسود تتضاءل بين يديه وتتوارى ، وبدراً تماماً إلا أنّ هُداه يشرق نهاراً . ولد سنة 450 وتوفى رحمه الله سنة 505 . من مؤلفاته أساس القياس وإحياء علوم الدين والاقتصاد في الاعتقاد وغيرها. انظر: انظر هدية العارفين2 / 79 ، ذيل كشف الظنون1 / 23 ، مفتاح السعادة لطاش كبري زاده 2/ 301 .
3.شرح الاسنوي على المنهاج المسمى: نهاية السول شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاوي3/4 دار الكتب العلمية مطبوع بهامش التقرير والتحبير ط2/1983 مصورة بالأوفست عن الطبعة البولاقية 1316 هـ.
4.المرجع السابق 3/5، وانظر تعليل الأحكام لمحمد شلبي/117 دار النهضة العربية ط2، ومباحث العلة في القياس عند الأصوليين لعبد الحكيم الهيتي/90.
5.المرجع السابق3/5
6.المرجع السابق3/5
7.الموافقات في أصول الشريعة: لأبي إسحاق الشاطبي إبراهيم بن موسى اللخمي1/196 دار الكتب العلمية ط7/2005 بشرح الشيخ عبدالله دراز.
8.انظر: تعليل الأحكام للشلبي/119 ، مباحث العلة في القياس عند الأصوليين/77 : عبد الحكيم عبد الرحمن السعدي الهيتي. دار البشائر الإسلامية ط1/1986.
* المطلب الثاني: العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
ذكرنا في ما سبق التعريف اللغوي، وذكرنا بأن العلة مأخوذة من المرض، بجامع أن تأثير العلة في الحكم كتأثير العة في المريض.
وذكرنا أيضاً من تعريفات العلة بأنها مأخوذة من العلل، فالسقية الأولى نهل والثانية علل لذا قيل: علل بعد نهل. فالمجتهد يعاود في إخراجها النظر بعد النظر، أو لأن الحكم يتكرر بتكرر وجودها.
والعلة بمعنى السبب، حيث عرّف كثير من الأصوليين السبب بما عرّف به العلة، فهناك من عرفه بمعنى الباعث أي المشتمل على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم.(1).
* الفصل الثاني:
وفيه مبحث ومطلبان:
* المبحث الأول: التعليل في الكتاب والسنة.
* المطلب الأول: أمثلة للتعليل في كتاب الله تعالى.
لقد سلك القرآن الكريم في تعليلاته مسلكاً فريداً، حيث غاير ونوّع، وفصل وأجمل، وسنذكر تالياً جملة من هذه التعليلات التي تبين المسلك البديع والمحكم الذي سلكه القرآن الكريم في تعليلاته:
*فأحيانا يذكر وصفا مرتباً عليه حكماً:
كما في قوله: " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ"(2)، وكما في قوله: " وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ "(3).
* وأحياناً يذكر الحكم مع سببه مقروناً بحرف السببية:
كما في قوله : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا "(4)، وكما في قوله: " فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ "(5) .
....................................
1.انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية: د. زياد محمد حميدان/63 . مؤسسة الرسالة ط1/2004.
2.سورة النور2
3.سورة النساء101
4.سورة الحج39
5.سورة النساء160
* وأحياناً يأمر بشيء ويردفه بوصفه بأنه أطهر أو أزكى
كما في قوله: " قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ "(1) ، وكما في قوله: " وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ "(2)
* وأحياناً يذكر الحكم معللاً إياه بحرف من حروف التعليل
كما في قوله: " مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ "(3)، وكما في قوله: " فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً "(4)
* وأحياناً يأمر بالشيء مبيناً مصالحه، أو يحرم الشيء مبيناً مفاسده المترتبة على فعله
كما في قوله: " وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ "(5)، وكما في قوله: " وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ "(6)(7)
ونأتي لبيان طائفة من هذه الآيات الكريمة:
* " فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً " الأحزاب37
قال الإمام الرازي رحمه الله في تفسيره(8): أي إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي لم يكن لقضاء شهوة النبي عليه السلام بل لبيان الشريعة بفعله فإن الشرع يستفاد من فعل النبي وقوله. اهـ
...........................
1.سورة النور30
2.سورة الأحزاب53
3.سورة الحشر7
4.سورة الأحزاب37
5.سورة الأنفال60
6.سورة الأنعام108
7.انظر لمزيد من التفصيل حول مسلك القرآن الكريم في التعليل: تعليل الأحكام لمحمد مصطفى شلبي14-22.
8.تفسير الرازي(مفاتيح الغيب)9/170 دار إحياء التراث ط4/2001.
وهو المعروف بالتفسير الكبير للإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الطبرستاني الرازي المعروف بابن الخطيب الشافعي ، ولد بالري سنة 543 وتوفى رحمه الله بهراة سنة 606 . وله من المصنفات الكثير منها: المطالب العالية، الآيات البينات، إبطال القياس. انظر : هدية العارفين2/ 107 ، كشف الظنون2/ 1756 .
فأنت ترى أن القرآن قد علل حكم زواج النبي صلى الله عليه وسلم بدفع الحرج والمشقة عن المؤمنين في
الزواج من زوجات الأبناء بالتبني، وكان هذا فيه ما فيه من الحرج حيث أن التبني كان عادة فاشية فيهم، وأوجبوا للأدعياء ما للأبناء من حقوق.
فكان هذا الحكم بمثابة قطع لمفاسد التبني، حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة في ذلك.
* " مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "الحشر7
قال الإمام القرطبي رحمه الله(1):
أي : فعلنا ذلك في هذا الفيء كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع، ثم يصفي منها أيضا بعد المرباع ما شاء وفيها قال شاعرهم: لك المرباع منها والصفايا.
يقول: كي لا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. فجعل الله هذا لرسوله صلى الله عليه وسلم يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعا. اهـ
المقدمة:
الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدي وقرة عيني، نور العيون وسراج القلوب، القائل: " إنّما الأعمال بالنيات " (3) فأسأله تعالى العلي العظيم أن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم- ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى سنته ، وسار على نهجه من الحياة إلى الممات ، سيما أئمتنا الأربعة المتبوعين ، الذين تلقتهم الأمة بالقبول ، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وعلى مقلديهم إلى يوم الدين .
وبعد :
فهذه دراسة متواضعة لموضوع "تعليل الأحكام" ، حاولت فيه قدر جهدي تجلية الأمر فيه وتوضيحه، مع ذكر لأقوال العلماء وأدلتهم لما ذهبوا إليه في تعليل أحكام الله تعالى، مع تطرق بسيط لتعليل أفعاله سبحانه وتعالى ورد الشبهة الواردة في ذلك.
وقد قسمت الدراسة إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة .
تكلَّمت في المقدمة عمّا يحتويه البحث.
وتكلمت في الفصل الأول في مبحثين:
* المبحث الأول: في التعريف اللغوي لعنوان البحث، وتحته ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف المذهب لغة.
المطلب الثاني: تعريف العلة لغة.
المطلب الثالث: تعريف الحكم لغة.
.............................................
1.قال الإمام رضي الدين محمد بن إبراهيم الشهير (بابن الحلبي) والمتوفى رحمه الله سنة 971 في حاشيته المسماة (أنوار الحلك على شرح المنار لابن ملك) ص/760 .مطبوه بهامش شرح ابن ملك على المنار. طبعة دار السعادة-تركيا/1315 هـ. : طعن أهل اللغة في إطلاق الفقهاء لفظ المعلول على النص فقالوا: العلة التي هي المصدر لازم والنعت منه عليل فالصواب أن يقال: هذا النص معلّ بكذا، وأجيب عنه بأنه قد جاء علّ وهو معلول أي ذو علة، الحكم نص عليه في المغرب كذا في فتح المجني، وقد وقع في عبارة كثير من أهل الحديث تسمية الحديث الذي شملته علة من علل الحديث بالمعلول، ولكن قال العراقي: الأجود في التسمية المعلّ. ثم نقل عن بعض العلماء أنه قال: ليست من لفظة معلول على ثقة ولا ثلج لأن المعروف إنما أعله الله فهو معلّ. اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومسلول من أنهما جاآ على جننته وسللته، وإن لم يستعملا في الكلام.
2.وقال الإمام الرهاوي في حاشيته على شرح ابن ملك على المنار/670: استقبح لفظ المعلول لأن العلة التي هي مصدر لازم والنعت منه عليل. فالصواب أن يقال: هذا النص معلل أو غير معلل. والجواب بأنه قد جاء فهو معلول قال في المغرب: يقال رجل عليل ومعلول أي ذو علة.
3.البخاري/ كتاب بدء الوحي . عن عمر بن الخطاب . حديث رقم 1 ، مسلم/ كتاب الإمارة رقم الحديث 1907 .
* المبحث الثاني: العلة اصطلاحاً، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف للعلة اصطلاحاً وذكر لتعريف العلماء لها.
المطلب الثاني: العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
* الفصل الثاني: وفيه مبحث ومطلبان:
المبحث الأول: التعليل في الكتاب والسنة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أمثلة للتعليل في القرآن الكريم.
المطلب الثاني: أمثلة للتعليل في السنة النبوية.
* الفصل الثالث: وفيه مبحث وطلبان وخاتمة:
المبحث الأول: تعليل أحكام الله تعالى، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أحكام الشريعة قائمة على رعاية المصالح في الدارين.
المطلب الثاني: نصوص العلماء في تعليلهم للأحكام وأدلتهم لما ذهبوا إليه.
الخاتمة: وضمنتها أهم نتائج البحث.
فإن كنت قد وفقت فبضل الله ومنّته وكرمه عليّ، وإن كانت الأخرى فمني والشيطان، والله أسأل السلامة من الإثم وما يتبعه، وأن يجنبني الزلل والخطل بحسن قصدي وتوجهي.
وأسأله تعالى أن يتقبله مني، وأن يجعل تعبي فيه وسيلة لنجاتي، وذخيرة لمعادي، إنّه ولي ذلك والقادر
عليه.
والحمد لله رب العالمين
وكتبه راجي عفو ربه:
لؤي بن عبد الرؤوف الخليلي الحنفي.
مذاهبُ العلماءِ في تَعليل الأَحكام
* الفصل الأول: التعريف اللغوي والاصطلاحي
وفيه مبحثان
* المبحث الأول: التعريف اللغوي للموضوع، وفيه ثلاثة مطالب.
* المطلب الأول: تعريف المذهب لغة
ذهب: ذهاباً وذهوباً ومذهباً: مرّ، والذهاب: السير والمرور، فهو ذاهب وذهوب
والمذهب مصدر، كالذهاب
يقال: ذهب الأثر: زال وامّحى، وذهب به وأذهبه غيره: أزاله.
والمذْهب: المتوضأ، لأنه يذهب إليه. وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الغائط أبعد المذهب، وهو مَفعلٌ من الذهاب
وذهب فلان مذهب فلان: قصد قصده وطريقه، وذهب في الدين مذهبه: رأى فيه رأياً أو أحدث فيه بدعة.
والمذهب: الطريقة والمعتقد الذي يذهب إليه. يقال: ذهبت مذهباً حسنا، ويقال: ما يدرى له مذهب
وعند العلماء: مجموعة من الآراء والنظريات العلمية والفلسفية ارتبط بعضها ببعض ارتباطاً يجعلها وحدة منسقة(1).
* المطلب الثاني: تعريف العلّة لغة:
ووجدتها في معاجم اللغة تطلق على عدة أمور(2):
العَلّ والعلَلُ، سميت الشربة الثانية، وقيل: الشرب بعد الشرب تباعاً، فقيل إذا وردت الإبل الماء، فالسقية الأولى النهل، والثانية العلل. يقال: علل بعد نهل
العِلّة: المرض الشاغل، يقال: علّ يعلّ واعتلّ فهو عليل أي مرض، وحروف العلة سميت بذلك للينها وموتها.
العلة بمعنى السبب، هذا علة لهذا أي سبب. وفي حديث عائشة: فكان عبد الرحمن يضرب رجلي بعلة الراحلة أي بسببها، يظهر أنه يضرب جنب البعير برجله وإنما يضرب رجلي.
..............................
1.انظر المعجم الوسيط 1/316/317 باب ذهب. ط2/اخراج د.إبراهيم أنيس وأصحابه، لسان العرب1/393 باب ذهب. دار الفكر-دار صادر ط3/1994.
2.انظر: الوافي :الشيخ عبدالله التلمساني 434 مكتبة لبنان/1980، المعجم الوسيط 2/623/624 باب العلة، لسان العرب11 /467-473، القاموس المحيط4/29-30 دار إحياء التراث ط1/1991.
وتعلل الرجل: أبدى الحجة وتمسك بها، والتعلة والعُلالة بالضم: ما يتعلل به، والتعليل عند أهل المناظرة: تبيين علة الشيء وما يستدل به من العلة على المعلول ويسمى برهاناً لِميّاً.
والعلة عند الفلاسفة: كل ما يصدر عنه أمر آخر بالاستقلال أو بوساطة انضمام غيره إليه فهو علة لذلك الأمر، والأمر معلول له، وهي علة فاعلية أو مادية أو صورية أو غائية ومن كل شيء سببه.
* المطلب الثالث: تعريف الحكم:
حكم: الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، وهو الحكيم له الحكم سبحانه وتعالى.
والحُكمُ: العلم والفقه قال تعالى "وآتيناه الحكم صبياً" أي علماً وفقهاً. وفي الحديث: إن من الشعر لحُكما أي أن في الشعر كلاما نافعا يمنع من الجهل والسفه وينهى عنهما.
والحُكمُ: العلم والفقه والقضاء بالعدل وهو مصدر حَكمَ يَحكمُ ومنه الحديث: " الخلافة في قريش والحكم في الأنصار" خصهم بالحكم لأن أكثر فقهاء الصحابة فيهم كمعاذ وأبي وزيد وغيرهم.
والحُكمُ: مصدر قولك حكم بينهم: أي قضى، وحكم له وحكم عليه.
وأحكم الأمر: أتقنه، والحكيم المتقن للأمور، وأحكمت الشيء فاستحكم: صار مُحكماً، واحتكم الأمر واستحكم: وثُق " أحكمت آياته ثم فصلت" ، وحكّم اليتيم كما تحكّم ولدك: أي امنعه من الفساد وأصلحه كما تصلح ولدك وكما تمنعه من الفساد. وحكمه وأحكمه: منعه مما يريد، ومنه الحاكم لأنه يمنع الظالم، وحكمت السفيه إذا أخذت على يده ومنه قول جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم(1).
* المبحث الثاني: العلة اصطـــلاحاً:
وفيه مطلبان:
* المطلب الأول: في التعريف للعلة اصطلاحاً، ونقل أقوال العلماء في ذلك.
ما يضاف إليه وجوب الحكم ابتداء: أي ثبوته بلا واسطة خرج علة العلة والسبب والشرط والعلامة والتعلقات، وهذا التعريف يشمل العلل الموضوعة كالبيع والنكاح وغيرهما والعلل المستنبطة بالاجتهاد كالعلل المؤثرة في القياسات(2).
............................
1.انظر: لسان العرب 12/ 140-144 باب حكم.
2.انظر: حاشية نسمات الأسحار لمحمد أمين عابدين على شرح إفاضة الأنوار على متن المنار لمحمد علاء الدين الحصني/243 مطبعة البابي الحلبي ط2/1979 ، فتح الغفار بشرح المنار لابن نجيم الحنفي/432 دار الكتب العلمية ط1/2001 ، شرح عبد اللطيف بن فرشتة الشهير بابن ملك/ 321 دار الكتب العلمية ط1/2044 مصورة بالاوفست عن نسخة المطبعة النفيسة العثمانية. شرح مختصر المنار لابن قطلوبغا/166 دار ابن كثير- دمشق ط1/1993، المغني في أصول الفقه جلال الدين الخبازي/322 تحقيق محمد مظهر بقا . معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى ط2/2001 .
وعرفها ابن أمير الحاج(1): (ما) وصف (شرع الحكم عنده) أي عند وجوده لا به (لحصول الحكمة، جلب مصلحة) أي ما يكون لذة أو وسيلة إليها (أو تكميلها أو دفع مفسدة) أي ما يكون ألما أو وسيلة إليه، (أو تقليلها) سواء كان نفسيا أو بدنيا دنيويا أو أخروياً(2).
وذكر العلاء الأُسمندي(3) بأنه في عرف الفقهاء: ماأثرت حكماً شرعياً.
وفي تغيير التنقيح(4): ما يكون دالا على وجوب الحكم. وقالوا العلل الشرعية كلها معرفات لأنها ليست بالحقيقة مؤثرة بل المؤثر هو الله تعالى.
وعرفها الخادمي بأنها: (ما)وصف مشترك بين الأصل والفرع (جعل علامة) وأمارة (على حكم النص) وجعل الفرع مماثلاً للنص أي المنصوص عليه في حكمه من الجواز والفساد والحل والحرمة بسبب وجود ذلك الوصف في الفرع فإن المؤثر حقيقة هو الله تعالى.(5).
وعرفها منلا خسرو بأنها: ما جعل علماً على حكم النص. قال العلامة الأزميري: أي أمارة وعلامة، فإن المؤثر حقيقة هو الله تعالى(6).
...................
1.محمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي بن سليمان بن عمر بن محمد الشهير بابن أمير الحاج الحلبي، وبابن الموقت، القاضي شمس الدِّين الحنفي . ولد بحلب سنة 825 ، فقيه أصولي مفسر ، توفى رحمه الله بحلب سنة 879. وله من المؤلفات الكثير منها: حلبة المجلي شرح منية المصلي، شرح المختار للموصلي، أحسن المحامل في شرح المحامل. انظر: هدية العارفين2/ 208 ، كشف الظنون2/ 1886 ، معجم المؤلفين11/ 274 .
2.انظر: التقرير والتحبير 3/141 دار الكتب العلمية 1983 مصورة بالأوفست عن الطبعة البولاقية ط1/ 1316، وما بين القوسين هو تعريف ابن الهمام في التحرير وعليه توضيح ابن أمير الحاج. وانظر تيسير التحرير لمحمد أمين المعروف بأمير بادشاه 3/303 دار الفكر.
3.انظر: بذل النظر في الأصول: محمد بن عبد الحميد الأسمندي/583 تحقيق محمد زكي عبد البر. مكتبة التراث-القاهرة ط1/1992.
4.انظر: تغيير التنقيح في الأصول: شمس الدين أحمد بن سليمان المعروف بابن كمال باشا/ 178 مطبعة سي- استانبول 1308.
5.عبدالله بن أبي سعيد الخادمي محمد بن مصطفى الخادمي الرومي الحنفي، توفى سنة 1192، وله من المصنفات: الهمزية في مدح خير البرية، وشرح البسملة لوالده. هدية العارفين1/485. وانظر منافع الدقائق شرح مجامع الحقائق في الأصول: لأبي سعيد الخادمي الحنفي/225 . دار الطباعة العامرة- استانبول 1308. وهو شرح على كتاب والده مجامع الحقائق( وما بين قوسين هو تعريف الوالد ومابينهما شرح الابن)
6.انظر: مرآة الأصول في شرح مرقاة الوصول للعلامة منلا خسرو، وبهامشه حاشية العلامة الإزميري 2/398 المكتبة الأزهرية للتراث/2005 مصورة بالأوفست عن طبعة الحاج محرم أفندي البوسنوي.
وعرفها ابن ملك في شرحه على منار النسفي بأنها: وصف يكون الحكم متعلقاً به(1).
وعرفها الإمام الغزالي(2): هي الوصف المؤثر في الأحكام بجعل الشارع لا لذاته(3).
وعرفها الآمدي وابن الحاجب بأنها: هي الباعث على الحكم أي المشتمل على حكمة صالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم(4).
واختار الأمام البيضاوي أنها: المعرف للحكم(5).
وعرفها الاسنوي بأنها: هي المعرف لحكم الفرع الذي من شأنه أنه إذا وجد فيه كان معرفاً لحكمه(6).
وعرفها الإمام الشاطبي(7) رحمه الله بأنها: الحكم والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي.
فالمشقة علة في إباحة القصر والفطر في السفر. والسفر هو السبب الموضوع سببا للإباحة. فعلى الجملة، العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة منضبطة أو غير منضبطة.
وعلق الشيخ عبد الله دراز على قوله فقال: وظاهر كلامه قصرها على ما تعلق به حكم تكليفي، مع أن الواقع أن العلة أعم. فدفع حاجة المتعاقدين في البيوع مثلاً حكمة تعلق بها انتقال الملك.
وعرفها المعتزلة بأنها: المؤثر بذاته في الحكم. وفي لفظ آخر: هي الموجب للحكم بناء على جلب مصلحة أو دفع مفسدة قصده الشارع.(8)
.........................
1.انظر: شرح عبد اللطيف بن ملك على منار الإمام النسفي/265. دار الكتب العلمية مصورة عن طبعة العثمانية.ط1/2004.
2.حجة الإسلام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الشافعي ، جامع أشتات العلوم والمبرز في المنقول منها والمفهوم كان ضرغاما إلا أنّ الأسود تتضاءل بين يديه وتتوارى ، وبدراً تماماً إلا أنّ هُداه يشرق نهاراً . ولد سنة 450 وتوفى رحمه الله سنة 505 . من مؤلفاته أساس القياس وإحياء علوم الدين والاقتصاد في الاعتقاد وغيرها. انظر: انظر هدية العارفين2 / 79 ، ذيل كشف الظنون1 / 23 ، مفتاح السعادة لطاش كبري زاده 2/ 301 .
3.شرح الاسنوي على المنهاج المسمى: نهاية السول شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاوي3/4 دار الكتب العلمية مطبوع بهامش التقرير والتحبير ط2/1983 مصورة بالأوفست عن الطبعة البولاقية 1316 هـ.
4.المرجع السابق 3/5، وانظر تعليل الأحكام لمحمد شلبي/117 دار النهضة العربية ط2، ومباحث العلة في القياس عند الأصوليين لعبد الحكيم الهيتي/90.
5.المرجع السابق3/5
6.المرجع السابق3/5
7.الموافقات في أصول الشريعة: لأبي إسحاق الشاطبي إبراهيم بن موسى اللخمي1/196 دار الكتب العلمية ط7/2005 بشرح الشيخ عبدالله دراز.
8.انظر: تعليل الأحكام للشلبي/119 ، مباحث العلة في القياس عند الأصوليين/77 : عبد الحكيم عبد الرحمن السعدي الهيتي. دار البشائر الإسلامية ط1/1986.
* المطلب الثاني: العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي.
ذكرنا في ما سبق التعريف اللغوي، وذكرنا بأن العلة مأخوذة من المرض، بجامع أن تأثير العلة في الحكم كتأثير العة في المريض.
وذكرنا أيضاً من تعريفات العلة بأنها مأخوذة من العلل، فالسقية الأولى نهل والثانية علل لذا قيل: علل بعد نهل. فالمجتهد يعاود في إخراجها النظر بعد النظر، أو لأن الحكم يتكرر بتكرر وجودها.
والعلة بمعنى السبب، حيث عرّف كثير من الأصوليين السبب بما عرّف به العلة، فهناك من عرفه بمعنى الباعث أي المشتمل على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم.(1).
* الفصل الثاني:
وفيه مبحث ومطلبان:
* المبحث الأول: التعليل في الكتاب والسنة.
* المطلب الأول: أمثلة للتعليل في كتاب الله تعالى.
لقد سلك القرآن الكريم في تعليلاته مسلكاً فريداً، حيث غاير ونوّع، وفصل وأجمل، وسنذكر تالياً جملة من هذه التعليلات التي تبين المسلك البديع والمحكم الذي سلكه القرآن الكريم في تعليلاته:
*فأحيانا يذكر وصفا مرتباً عليه حكماً:
كما في قوله: " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ"(2)، وكما في قوله: " وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ "(3).
* وأحياناً يذكر الحكم مع سببه مقروناً بحرف السببية:
كما في قوله : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا "(4)، وكما في قوله: " فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ "(5) .
....................................
1.انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية: د. زياد محمد حميدان/63 . مؤسسة الرسالة ط1/2004.
2.سورة النور2
3.سورة النساء101
4.سورة الحج39
5.سورة النساء160
* وأحياناً يأمر بشيء ويردفه بوصفه بأنه أطهر أو أزكى
كما في قوله: " قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ "(1) ، وكما في قوله: " وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ "(2)
* وأحياناً يذكر الحكم معللاً إياه بحرف من حروف التعليل
كما في قوله: " مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ "(3)، وكما في قوله: " فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً "(4)
* وأحياناً يأمر بالشيء مبيناً مصالحه، أو يحرم الشيء مبيناً مفاسده المترتبة على فعله
كما في قوله: " وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ "(5)، وكما في قوله: " وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ "(6)(7)
ونأتي لبيان طائفة من هذه الآيات الكريمة:
* " فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً " الأحزاب37
قال الإمام الرازي رحمه الله في تفسيره(8): أي إذا طلقوهن وانقضت عدتهن، وفيه إشارة إلى أن التزويج من النبي لم يكن لقضاء شهوة النبي عليه السلام بل لبيان الشريعة بفعله فإن الشرع يستفاد من فعل النبي وقوله. اهـ
...........................
1.سورة النور30
2.سورة الأحزاب53
3.سورة الحشر7
4.سورة الأحزاب37
5.سورة الأنفال60
6.سورة الأنعام108
7.انظر لمزيد من التفصيل حول مسلك القرآن الكريم في التعليل: تعليل الأحكام لمحمد مصطفى شلبي14-22.
8.تفسير الرازي(مفاتيح الغيب)9/170 دار إحياء التراث ط4/2001.
وهو المعروف بالتفسير الكبير للإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي التميمي البكري الطبرستاني الرازي المعروف بابن الخطيب الشافعي ، ولد بالري سنة 543 وتوفى رحمه الله بهراة سنة 606 . وله من المصنفات الكثير منها: المطالب العالية، الآيات البينات، إبطال القياس. انظر : هدية العارفين2/ 107 ، كشف الظنون2/ 1756 .
فأنت ترى أن القرآن قد علل حكم زواج النبي صلى الله عليه وسلم بدفع الحرج والمشقة عن المؤمنين في
الزواج من زوجات الأبناء بالتبني، وكان هذا فيه ما فيه من الحرج حيث أن التبني كان عادة فاشية فيهم، وأوجبوا للأدعياء ما للأبناء من حقوق.
فكان هذا الحكم بمثابة قطع لمفاسد التبني، حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة في ذلك.
* " مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "الحشر7
قال الإمام القرطبي رحمه الله(1):
أي : فعلنا ذلك في هذا الفيء كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا أخذ الرئيس ربعها لنفسه وهو المرباع، ثم يصفي منها أيضا بعد المرباع ما شاء وفيها قال شاعرهم: لك المرباع منها والصفايا.
يقول: كي لا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. فجعل الله هذا لرسوله صلى الله عليه وسلم يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعا. اهـ
تعليق