عثمان حمزة المنيعي

دعوى مقتل الصحابي سعد بن عبادة

تقييم هذا المقال
************
************
كان الغرض من كتابة هذه الأسطر هو أن نُقرِّرَ أنَّ :

الصحابي سعد بن عبادة رضي الله عنه لم يمت مقتولا ، بل مات من وعكة صحية مفاجئة ألمَّتْ به .


لقد وجد أعداء الصحابة مبتغاهم في قصة مقتل سيدنا سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري بسهم من سهام الجن ، فطاروا بهذه القصة كل مطار ، و فرحوا بها أيما فرح ، و جعلوها دليلا على أمرين :
*غدر الخليفة عمر بن الخطاب بسعد بن عبادة ، و قمع المعارضة في الإسلام و بداية الاغتيال السياسي .
*دجل التاريخ الإسلامي ، بتغطية جريمة قتل الصحابي سعد بن عبادة ، بخرافة قتل الجن له .

و تولى كبر هذا الأمر ، فريقان من الناس : غلاة الشيعة و بعض المثقفين المغرورين بثقافتهم .

و من الطرائف التي قرأتها عن هؤلاء الشيعة الغلاة أن من يسمونه (مؤمن الطاق) ناظر أباحنيفة على مذهبه، فـقال أبو حنيفة لمؤمن الطّاق: «لِمَ لَمْ يطالب عليّ بن أبي طالب بحقه في الخلافة إن كان له حقُّ ؟» فأجابه (مؤمن الطاق): «خاف أن تقتله الجن كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم المغيرة بن شعبة».
و إنْ أدري لعلَّ من يُسمونه (مؤمن الطاق) لم يدرك أن هنالك فرقا بين سهام البشر و سهام الجان ، و لكن الهوى سلطان على صاحبه .

و أما عن هؤلاء المثقفين المغرورين بثقافتهم ، فهم بزعمهم لا يخضعون إلا للبحث العلمي ، و البحث العلمي منهم براء ، و إن هي إلا الأهواء .

و أستهل الرد على هؤلاء و هؤلاء بالإشارة إلى أمرين :

*معارضة سعد بن عبادة لما تم في مؤتمر السقيفة .
*شهرة قصة قتل الجن لسعد بن عبادة عند أهل السير .

أولا : معارضة سعد بن عبادة لما تم في مؤتمر السقيفة :


جاء في (طبقات ابن سعد) :

(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْمَرٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ الأَنْصَارَ حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَمَعَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَتَشَاوَرُوا فِي الْبَيْعَةِ لَهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَاهُمْ وَمَعَهُمَا نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. فَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الأَنْصَارِ كَلامٌ وَمُحَاوَرَةٌ فِي بَيْعَةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ
فَقَامَ خَطِيبُ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ. مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. فَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ فَقَال عُمَرُ: فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ ابْسُطْ يَدَكَ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَبَايَعَهُ الأَنْصَارُ وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَكَانَ مُزَمَّلا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ قَالُوا: وَجِعٌ. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدًا. فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا. إِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا فِيمَا حَضَرْنَا مِنْ أَمْرِنَا أَقْوَى مِنْ مُبَايَعَةِ أَبِي بَكْرٍ. خَشِينَا إِنْ فَارَقْنَا الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُبَايِعُوا بَعْدَنَا فَإِمَّا أَنْ نُبَايِعَهُمْ عَلَى مَا لا نَرْضَى وَإِمَّا أَنْ نُخَالِفَهُمْ فَيَكُونَ فَسَادًا.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنْ أَقْبِلْ فَبَايِعْ فَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ وَبَايَعَ قَوْمُكَ. فَقَالَ: لا وَاللَّهِ لا أُبَايِعُ حَتَّى أُرَامِيَكُمْ بِمَا فِي كِنَانَتِي وَأُقَاتِلَكُمْ بِمَنْ تَبِعَنِي مِنْ قَوْمِي وَعَشِيرَتِي. فَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ أَبَى وَلَّجَ وَلَيْسَ بِمُبَايِعِكُمْ أو يقتل ولن يقتل ولن يقتل الْخَزْرَجُ حَتَّى تُقْتَلَ الأَوْسُ. فَلا تُحَرِّكُوهُ فَقَدِ اسْتَقَامَ لَكُمُ الأَمْرُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِضَارِّكُمْ إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ
وَحْدَهُ مَا تُرِكَ. فَقَبِلَ أَبُو بَكْرٍ نَصِيحَةَ بَشِيرٍ. فَتَرَكَ سَعْدًا. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ لَقِيَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: إِيهِ يَا سَعْدُ:
فَقَالَ سَعْد:ِإيهِ يَا عُمَرُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ صَاحِبُ مَا أَنْتَ صَاحِبُهُ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: نَعَمْ أَنَا ذَاكَ وَقَدْ أَفْضَى إِلَيْكَ هَذَا الأَمْرُ. كَانَ وَاللَّهِ صَاحِبُكَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْكَ وَقَدْ وَاللَّهِ أَصْبَحْتُ كَارِهًا لِجِوَارِكَ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مَنْ كَرِهَ جِوَارَ جَارِهِ تَحَوَّلَ عَنْهُ فَقَالَ سَعْدٌ: أَمَا أَنِّي غَيْرُ مُسْتَنْسِئٍ بِذَلِكَ وَأَنَا مُتَحَوِّلٌ إِلَى جِوَارِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ قَالَ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا قَلِيلا حَتَّى خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الشَّامِ فِي
أَوَّلِ خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَمَاتَ بِحَوْرَانَ )اهـ


فكان وقوع الخلاف سببه أن الخلافة كانت شورى بين المسلمين ، و ما كانت بالنص أو التعيين ، و في هذا رد على الشيعة و افتراءاتهم .

مع إقرارنا بخطإ سيدنا سعد في اجتهاده ، و أن الحق كان مع الغالبية بما فيهم الأنصار .

ثانيا : قصة قتل الجن لسعد بن عبادة .

جاء في (طبقات ابن سعد):

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بِحَوْرَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ لِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرُ: كَأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَمَا عُلِمَ بِمَوْتِهِ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى سَمِعَ غِلْمَانٌ فِي بِئْرِ مُنَبِّهٍ أَوْ بِئْرِ سَكَنٍ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ نِصْفَ النَّهَارِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ قَائِلا يَقُولُ مِنَ الْبِئْرِ:
قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادُهْ
فَذُعِرَ الْغِلْمَانُ فَحَفِظُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدُوهُ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَعْدٌ فَإِنَّمَا جَلَسَ يَبُولُ فِي نَفَقٍ فَاقْتُتِلَ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَوَجَدُوهُ قَدِ اخْضَرَّ جِلْدُهُ.
أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سيرين يُحَدِّثُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ قَائِمًا
فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لأَصْحَابِهِ: إِنِّي لأَجِدُ دَبِيبًا. فَمَاتَ فَسَمِعُوا الْجِنَّ تَقُولُ:
قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادُهْ

و جاء في (الاستيعاب في معرفة الأصحاب):


... وتخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه، وخرج من المدينة، ولم ينصرف إليها إلى أن مات بحوران من أرض الشام .... ولم يختلفوا أنه وجد ميتا في مغتسله، وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى
سمعوا قائلا يقول- ولا يرون أحدا:
قتلنا سيّد الخزرج ... سعد بن عباده
رميناه بسهم ... فلم يخط فؤاده
ويقَالَ: أن الجن قتلته.
وروى ابن جريج عن عطاء، قَالَ: سمعت الجن قالت في سعد بن عبادة، فذكر البيتين.

و في المستدرك على الصحيحين للحاكم:


5102- حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَالَوَيْهِ، ثنا أَبُو مُسْلِمٍ، ثنا بَكَّارُ بْنُ مُحَمَّدِ، ثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ" أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَخَرَّ مَيِّتًا، فَقَالَتِ الْجِنُّ:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ... سَعْدَ بْنَ عُبَادَة
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ ... فَلَمْ تُخْطِ فُؤَادَهْ"

[التعليق - من تلخيص الذهبي]
5102- حذفه الذهبي من التلخيص لضعفه

5103- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ بِمَكَّةَ، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: " أَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَا يَبُولُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ فِي ظَهْرِي شَيْئًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَنَاحَتِ الْجِنُّ فَقَالُوا:
نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ... سَعْدَ بْنَ عُبَادَةْ
وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ ... فَلَمْ تُخْطِ فُؤَادَهْ

[التعليق - من تلخيص الذهبي]
5103- حذفه الذهبي من التلخيص لضعفه

و قد وردت القصة في مصادر غير هذه ....،

و بالرغم من عدم ثبوت القصة بسند صحيح ، إلا أن شهرتها بين مؤرخي الإسلام ، تستدعي الوقوف عندها .

معنى قتل سعد بسهام الجن :

ما هي سهام الجن ؟ و ما الفرق بينها و بين سهام البشر ؟

إنّ الفرق ظاهِرٌ جدّا.

فإنّ سهام البشر مرئية لنا وتجرح و تدمي ،
و سهام الجن غير مرئية لنا ولا تجرح و لا تدمي .

هذا هو الفرق بينهما .


وخز أعدائكم من الجن

روى الإمام أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي موسى والطبراني في الأوسط عن ابن عمر رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فناء أمتي بالطعن والطاعون» قيل يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال
«وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة»:

و إذا نظرنا في الآثار الواردة في سبب وفاة سيدنا سعد بن عبادة :

نجد الإشارة ظاهرة إلى وجود سبب خفي للوعكة المفاجئة التي ألمَّتْ بسيدنا سعد ، كما في هذه العبارات :( فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ فِي ظَهْرِي شَيْئًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ) ( أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَخَرَّ مَيِّتًا) (فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لأَصْحَابِهِ: إِنِّي لأَجِدُ دَبِيبًا) .


من هنا نقرر بكل ثبات: أن الصحابي سعد بن عبادة رضي الله عنه لم يمت مقتولا ، بل مات من وعكة صحية مفاجئة ألمَّتْ به .
و لو كان قد قتل بالمعنى المتعارف عليه، لَمَا أغفلت المصادر ذلك ، لِمَا للرجل مِن شهرة بين الناس .
رحم الله سعدا و رضي الله عنه .

تم تحديثة 03-02-2017 في 08:13 بواسطة عثمان حمزة المنيعي

الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

التعليقات