حسام الدين حسن إسماعيل

بين الأشاعرة و الشيخ الأكبر محي الدين .

التقييم: الأصوات 2, بمعدل 1.00.
إعمال قواعد السادة الأشاعرة على مقولات الشيخ الأكبر محي الدين إبن عربي في فصوص الحكم و عنقاء مغرب و الفتوحات أنتجت رفضاً لعقيدته التي فاه بها لما ترقى في المشاهدات القدسية فرأى تعلقات للصفات بالذات خالفت ما استقرأه أهل السنة و الجماعة في صفات الله الأزلية .
ليس هناك الكثير كي يقال فوقما فتح الله به على بصائر أشياخنا في منتدى الأصلين؛ نفعنا الله بهم و بصحبهم و تلاميذهم؛ غير إن الفقير بصدد تقرير موجز لسبب الاختلاف بين الشيخ الأكبر محي الدين و صحبه و الأشعري و صحبه رضي الله عن الجميع و قدس سرهم ؛ فلعل معرفة سبب الخلاف – وفق تصوري القاصر- تبصرنا بكيفية المواءمة بين الرأيين و درء ما قد يترتب من تخالفهما المحمود في الرأي على فئام السالكين من طلبة العلم العقلي ؛ أو المتكلمة أولي التدرج في مراقي التصوف.

فرق التصور للصفات و الذات بين الشيخ الأكبر محي الدين و تلاميذ أبي الحسن الأشعري

فتصور الصفات و تعلقاتها عند الشيخ الأكبر على طبقتين : طبقة تخص العوام و أهل الرسوم كما أسماهم و قصد بهم المتكلمة و بهذا قال في مقدمة الفتوحات و تجليات التسليم ؛ و على هذا التصور اعتقد القوم من مشايخ الطرق المعاصرين و السابقين و السالكين بولاية الشيخ الكبرى و عدوا ذلك مثالا لتطابق الأشعرية و التصوف ؛ و طبقة أخرى تخص خُلّص أولياء الله من المفتوح عليهم من الحضرة الإلهية بعلوم جلَت صفات الذات المنزهة على نحوٍ لا يتضح للعوام و علماء الرسوم لكن يتضح -بقول الشيخ في مؤلفاته الأخرى -للواقفين في رضاب الشهود أمام الحضرة الإلهية؛ و بهذه الطبقة ظهر الشيخ ببعض المعتزلية و الفلسفية وفق قواعد السادة الأشاعرة.
و في هذا أقول نقلا عن معاني ما أورداه الإمام الرئيس سيدي أحمد بن إدريس و الشيخ الأستاذ إسماعيل الولي في مؤلفاتهما : أن مقامات التصوف تسمح لمعتليها بدرجات و كموم متباينة من فيوضات العلم تختلف بحسب ما فتح الله به لعباده من الفتوح ؛ فقد يفتح الله لولي بفيض من العلم و إباحةٍ النظر لوجهه و فهمٍ متعلقات صفات ذاته ما لم يفتح به لآخر من أوليائه ؛ و في ذلك إيكال لفضل الله و مشيئته و توفيقه ؛ فهو الفاعل المختار ؛ فلا مدخلية للولي فيها غير أنه محل سريان توفيق الله ؛ و قد اتفق القوم على أن قصور النظر في ذات الله ليس مانعا من التسربل بأخلع الولاية و الترقي في مصاف العبودية ؛ لكن كلما كان اجتباء الله لعبده أعلى كلما كان تجليه بصفاته و أسمائه أعلى و أرسخ في قلب الولي ؛ و أعلى التجلي الصفاتي ما وافق ظاهر الشرع و ما تواتر إلينا من كمل الأولياء الذين جمعوا بين الظاهر و الباطن و بين التمكن من علم الكلام و التصوف ؛لكلٍ مقام يفوه به حسب علمه (أحزاب السيد أحمد بن إدريس؛ مفتاح باب الدخول للشيخ إسماعيل) . كما إن القوم اتفقوا على أن مقاربة المقام السلوكي لا تعني التمكن من وصفه ؛ فقد يمر الولي بمقام عبودية لم يمكث فيه إلا قليلا ثم ينتقل إلى مقام آخر؛ فثم إذا أراد أن يصف ذلك المقام وصفه تجلياته ناقصة ؛ فقد يخلط حينها و عندها بين المعتزلية و الأشعرية و الفلسفية إن لم يثبته الله و إن لم يتكسب في مقام الإسلام علما صافيا بالتوحيد. و تقرير ذلك ما ذكره سيدي عبد العزيز الدباغ في مكتوبات تلميذه أحمد بن المبارك الإبريزية ؛ أذ ذكر السيد السند أن الولاية و الفتح الكاملين لا تتحققان إلا لمن اعتقد مذهب أهل السنة و الجماعة ؛ و عضد ذلك حينما زار أحد أهل الأحوال في جزيرة في البحر المتوسط فوجده على حال عظيم رغم جهله بالشرع و اعتقاده " بالجهة" ؛ فصحح له السيد الدباغ عقيدته ثم فٌتح عليه ؛ انظر الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز. و انظر المكتوب الثالث و السبعين من مكتوبات الإمام السرهندي النقشبندي: " و لما وقع السير لهذا الفقير بكرم الله و سبحانه في ذلك الشأن عظيم الشأن صار مشهودا أن الشيخ –يعني إبن عربي- له حجرة تحت ذلك المقام بمسافة بعيدة و أنه اختار الإقامة فيه و لعله نال من هذا المقام حظا وافرا في الآخر و اطلاق بد المسافة في مثل هذه الأبعاد اللاكيفية يمكن بإعتبارين ضيق ميدان العبارة أو أن صورة ذلك البعد المثالية مشهودة في عالم المثال في صورة بعد المسافة ... " ا.هـ قول الإمام السرهندي قُدِّسَ سرُّه.
أقول : يقر الإمام السرهندي النقشبندي بولاية إبن عربي و التمس له العذر في ضيق عبارته التي أظهرته بخلع المعتزلة و الفلاسفة بحسب ما أقامه الله في مقامه .
و قد ذكر الأستاذ الشيخ إسماعيل الولي بعضا من عقيدة الشيخ الأكبر الموافقة لعقيدة الأشاعرة فيما يتعلق بوضع الله العلي الكبير قوة التأثير في بعض المخلوقات و نزعها من أخرى في رسالته " كتاب تخليص المؤمنين عن سلوك طريق المخسرين" مرتجعاً فيها لكتاب الشيخ محي الدين " بلغة الخواص" فليس كل عقيدة الشيخ شاذة عن قواعد الأشاعرة فتدبر.

المسألة القديمة الجديدة : إعمال الكشف و الإلهام ليس حجة في العقليات عند المتكلمة و لا يقول به كمل أولياء الله في التصوف
المسألة من الوضوح بحيث لا يسع الخوض فيها مطولا؛ ففهم تعلقات الصفات بالذات يتكمل بالتصور و بالتصديق المفضيين ليقين العلم وفق قواعد التنزيه العقلي و السمعي , و بذا قال الجمهور من أولياء الله الكمل ممن تربع على القطبانية و الغوثية كالدباغ قدس الله سره – انظر الإبريز- و كالغزالي الذي جمع بين الكلام و التصوف – انظر الإحياء في قول الشيخ في المكاشفة- و كالسعد التفتازاني كما ورد في ترجمته برؤيته الرسول صلى الله عليه و سلم مناما ؛ بل حتى عند المتكلمة الذين اشتهروا بالفلسفة و الكلام و لم يترجم لهم كثير عبادة و تأله لكنهم لم يتخذوا موقفا سلبيا من التصوف كالفخر الرازي و السيف الآمدي. فلا حجة بإعمال الكشف و الإلهام في تقرير التعلقات و فهم الوجوب و السلوب بلزوم السياحة في الأرض أو التأمل أو التخشن , و إن كانت هذه المسالك مساعدة للترقي و تنقية الروح ؛ فذلك مردود عند مقاميْ الإسلام و الإيمان اللذان هما مستند مقام الإحسان الذي يَبني عليه التصوف أركانه و درجاته ؛ و لا حوجة للإرتجاع لشرح العقائد النسفية للتفتازاني و للسنوسية الصغرى في هذا الصدد .

أين يكمن الخطر على متصوفة العصر في تمرير رأي الشيخ الأكبر مطلقا

يكمن الخظر في سهولة استدراج السالكين غير المحيطين بعلم الكلام إلى مستوى معقول من معرفة ما يجب و يجوز و يستحيل على الله .
في آخر مئة عام ظهرت في بلاد الإسلام فئام من المتصوفة زعمت ورود سواطع الإلهام علي قلوبها و تجلي الحضرة الإلهية لبصائرها إثر قِصرِ تسلك صوفي صوري غير مقترن بعلم شرعي محقق و لا سلوك نبوي و مجاهدة ؛ فزاغوا عن طريق السادة الصوفية الأُوَلِ باستدراج الأبالسة و المردة في الخلوات بل و حادوا عن طريق متأخرة الصوفية النوابغ الذين شهد لهم الجمع الذي تطمئن له النفس بيُمنِ النقيبة و ناصع السيرة و ارشاد الخلق ؛ تتحد هاتيك الفئام في أن جلها قد قال بأقوال الفلاسفة في الطبيعيات و خلطوا قول المعتزلة بالمجسمة في التعبير عن الصفات ؛ بل استنوا شرائع فقهية متراخية في العبادات و المعاملات ليس على سنن الديانة و لا أعملوا أصول الاجتهاد في تأطير قواعدها بل و استبطنوا النصوص القرآنية و النبوية فأتوا بغرائب االتفاسير و عجائب التآويل لناصع النص و ظاهر العبارة ؛ بل منهم من تمادى و زعم النبوة و الرسالة و المهدوية و الوصال بالحضرة النبوية :

تلوا باطلا و جلوا صارما *** و قالوا صدقنا , فقلنا نعم

؛ فمنهم من قُتل جزاءً بأيدي ظالمين مثله و منهم من ينتظر؛ و ما بدلوا تبديلا. شاهدنا؛ ارتجع جمع منهم لعقائد الشيخ الأكبر محي الدين بتسويغ ضلالاتهم ظانين أن لهم الحق بلا قاعدة أن يقولوا في الذات مثل ما قال و أن يفوهوا كما فاه ؛ و ما علموا أن مسلك الشيخ و مجاهداته كانت غير مسالكهم و مجاهداتهم؛ بل جهلوا أن ما فاه به الشيخ كان عن مقام حقيقي في درجات و فوههم كان عن قيعة واهمة في دركات ؛ فشتان بين من رمى فأصاب جوار المرمى و لم يصب عينَهُ؛ و بين من رمى فارتدت الرمية في أم عينه.

ثم إن بقايا هذه الفئام عاثت بجاه أسلافها فسادا في الأمة و أوروثوا شعوبهم النزاعات و التحزب ؛ و انتهى الأمر بهم إلى ظهور طوائف أخذت صحيح التصوف بجريرة أسلاف أؤلئك الضالين ؛ و التصوف منهم بريئ.

فخطورة الترقي في السلوك الصوفي يأتي حال دخول الخلوات بلا إحاطة بعلم التوحيد بمقدار كاف يكفل للسالك التمييز بين الفتح الرباني و الاستدراج الشيطاني – و حاصل ذلك أنه يخرج للأمة الكثير من منحرفي العقيدة الظانين أنهم يقولون بفتوحات نورانية و ما هي إلا زندقة معتزلية و فلسفية باطلة .

تم تحديثة 26-08-2016 في 07:27 بواسطة حسام الدين حسن إسماعيل

الكلمات الدلالية (Tags): محي الدين بن عربي, الأشاعرة, التصوف إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

التعليقات