عثمان حمزة المنيعي

( ليس في الإمكان أبدع مما كان )

تقييم هذا المقال
*************
*************
( ليس في الإمكان أبدع مما كان )

هذه العبارة الشهيرة المنسوبة للإمام أبي حامد الغزالي ، كم أثارت من جدل بين الناس ، فكانوا بين معجب بها مفسر لمعناها و بين منكر لها مكفر لفحواها ، بل تخطت شهرتها مدارس علم الكلام ، و وصل صداها إلى مجالس الأدب و الثقافة و البيان ، فصارت تستعمل شعارا لتقريع المتقاعسين عن الإبداع في كافة المجالات .

نقرأ في إحياء علوم الدين ( من كتاب التوحيد و التوكل ) :

( و هو أن يصدق تصديقاً يقينياً لا ضعف فيه ولا ريب أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل أعقلهم وعلم أعلمهم ... ثم كشف لهم عن عواقب الأمور وأطلعهم على أسرار الملكوت وعرفهم دقائق اللطف وخفايا العقوبات حتى اطلعوا به على الخير والشر والنفع والضر ثم أمرهم أن يدبروا الملك والملكوت بما أعطوا من العلوم والحكم لما اقتضى تدبير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه أن يزاد فيما دبر الله سبحانه الخلق به في الدنيا والآخرة جناح بعوضة ولا أن ينقص منها جناح بعوضة ... )
( ...و كل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق وأجل وسرور وحزن وعجز وقدرة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية فكله عدل محض لا جور فيه وحق صرف لا ظلم فيه بل هو على الترتيب الواجب الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي وليس في الإمكان أصلاً أحسن منه ولا أتم ولا أكمل ... )
( ... بل كل فقر وضر في الدنيا فهو نقصان من الدنيا وزيادة في الآخرة وكل نقص في الآخرة بالإضافة إلى شخص فهو نعيم بالإضافة إلى غيره إذ لولا الليل لما عرف قدر النهار ولولا المرض لما تنعم الأصحاء بالصحة ولولا النار لما عرف أهل الجنة قدر النعمة ... )
( ... فكذلك الأمر في التفاوت الذي بين الخلق في القسمة في الدنيا والآخرة فكل ذلك عدل لا جور فيه وحق لا لعب فيه وهذا الآن بحر آخر عظيم العمق واسع الأطراف مضطرب الأمواج قريب في السعة من بحر التوحيد فيه غرق طوائف من القاصرين ولم يعلموا أن ذلك غامض لا يعقله إلا العالمون ووراء هذا البحر سر القدر الذي تحير فيه الأكثرون ومنع من إفشاء سره المكاشفون‏ ) .


يخبرنا الإمام الغزالي أن الله تعالى حكيم في جميع أفعاله ، و أن كل شيء خلقه من دنيا أو آخرة أو جنة أو نار أو نعيم أو شقاء ... فإنما كل ذلك لحكمة يعلمها .
و لذلك فإنه لا يمكن أن يكون العالم أبدع مما هو عليه .
و بما أن حكمة الله تعالى كاملة فإن كل شيء في مكانه اللائق به بما اقتضته الحكمة الإلهية .
و كل ما ينتقده المنتقدون فإنما ذلك لقصور علمهم بالحكمة من وجود الأشياء على ما هي عليه .

هذا ما عناه الإمام الغزالي بهذه العبارة التي أثارت خصومه عليه .

و ربما يمكننا الاجتهاد في توجيه هذه العبارة بأن نقول :

إن الله يفعل ما يشاء و يختار ، و لا يضطر لفعل شيء لأنه حكمة ، بل هو يفعل ما يشاء و يختار ، و ما شاءه و اختاره فهو الحكمة .
و إذا شاء الله تعالى شيئا ، فإن مشيئته تتحقق بكاملها .
هذا هو المعنى الحقيقي لكمال الإبداع بتحقق المشيئة .
إن الله فعال لما يريد .
و كل ما شاءه الله تعالى من خلق هذا العالم فهو متحقق بتمامه و كماله .
و لو كانت مشيئة الله تعالى هي امتحان الخلق في عبادته بمكافأة المؤمن بالجنة و معاقبة الكافر بالنار ، فإن مشيئته تتحقق بكاملها .
و لو كانت مشيئته امتحانهم بالترغيب و الترهيب ، و بإظهار آياته لهم ليدركوا عظمته و جليل سلطانه ، فإن مشيئته تتحقق بكاملها .

و ليس من شيء شاءه الله من خلقه لهذا العالم إلا و هو متحقق على أبدع وجه و أكمله .

إذ ليس في الإمكان أبدع من مشيئة الله لما كان .
الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد إضافة/ تعديل الكلمات الدلالية
التصانيف
غير مصنف

التعليقات