المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ردود ابن جهبل على ابن تيمية



جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 15:35
الرَّدُّ عَلَى المُدَّعِي وشُبُهاتِ الحَشْوِيَّة

[ دعوى الاتباع ]

ونحن الآن نبتدئ بإفساد ما ذكره، ثم بعد ذلك نقيم الحجة على نفي الجهة والتشبيه، وعلى جميع ما يدعيه، وبالله المستعان، فأقول:

ادَّعى أولاً: أنه يقول بما قاله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، ثم إنه قال ما لم يقُله اللهُ، ولا رسوله، ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ولا شيئاً منه.

فأما الكتاب والسنة: فسنبين مخالفته لهما.

وأما ( السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ): فذكره لهم في هذا الموضع اسْتَعَارَهُ للتهويل، وإلا فهو لم يُورِد من أقوالهم كلمةً واحدةً، لا نفياً ولا إثباتاً، وإذا تصفحت كلامه عرفت ذلك، اللهم إلا أن يكون مراده بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: مشايخ عقيدته، دون الصحابة!

وأخَذَ بعد هذه الدَّعْوَى في مَدْحِه صلى الله عليه وسلم، وفي مدح دِينه، وأن أصحابه أعلم الناس بذلك، والأمر كما قالَه، وفوق ما قاله؛ وكيف المدائح تستوفي مناقبه؟! ولكنَّ كلامه _ كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه _: كلمة حقٍّ أرِيْدَ بها باطل.

ثم أخذ بعد ذلك في ذمِّ الأئمَّة وأعلام الأمَّة؛ حيث اعترفوا بالعجز عن إدراكه سبحانه وتعالى!! مع أن سيد الرُّسل صلى الله عليه وسلم قال: { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك }، وقال الصِّدِّيقُ رضي الله عنه:" العَجْز عن إدراك الإدراك إدراك ".

وتجاسر على دعوى المعرفة، وأن ابن الحيض قد عرف القديم على ما هو عليه! ولا غرور ولا جهل أعظم ممن يدعي ذلك، فنعوذ بالله من الخذلان.

ثم أخذ بعد ذلك في نِسبة مذهب جمهور أمة محمد صلى الله عليه وسلم[1] إلى أنه مذهب فراخ الفلاسفة، وأتباع اليونان والهنود!! { ستكتب شهادتهم ويسألون } [ الزخرف: 19 ].


--------------------------------------------------------------------------------

[

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 15:36
دعوى الجهة ]

ثم قال: ( كتاب الله تعالى من أوله إلى آخره، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو: إما نص، وإما ظاهر في الله تعالى أنه فوق كل شيء، وعلى كل شيء وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء )!! وقال في أثناء كلامه، وأواخر ما زعمه: ( إنه فوق العرش حقيقة )!! وقاله في موضع آخر عن السَّلف!!

فليت شعري، أين هذا في كتاب الله تعالى على هذه الصورة، التي نقلها عن كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟! وهل في كتاب الله تعالى كلمة مما قاله، حتى يقول: إنَّه فيه نص؟!

والنَّصُّ: هو الذي لا يحتمل التأويل البَتَّة، وهذا مراده؛ فإنه جعله غيرَ الظاهِر، لعطفه له عليه!! وأيّ آية في كتاب الله تعالى نص بهذا الاعتبار؟!

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 15:37
الصُّعُود ]

فأول ما استدل به: قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب }[ فاطر: 10 ]، فليت شعري، أيّ نصّ في الآية أو ظاهر، على أن الله تعالى في السماء؟ أو على العرش؟!!

ثم نهاية ما يتمسك به: أنه يدل على عُلُوٍّ يُفْهَمُ مِنَ الصُّعُوْد!! وهيهات، زلَّ حِمَارُ العِلْمِ في الطِّيْن؛ فإن ( الصُّعُوْدَ ) في الكلام، كيف يكون حقيقة، مع أن المفهوم في الحقائق: أن الصُّعُود من صفات الأجسام؟ فليس المُرَاد إلا القَبُوْل[1]، ومع هذا لا حَدَّ، ولا مَكَان.


--------------------------------------------------------------------------------

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 15:38
الرَّفْع ]

وأتبعها بقوله تعالى: { إني متوفيك ورافعك إلي }[ آل عمران: 55 ]!!

وما أدري من أين استنبط مِن هذا الخبر، أن الله تعالى فوق العرش من هذه الآية؟!

هل ذلك بدلالة المطابقة؟ أو التضمن؟ أو الالتزام؟ أو هو شيء أخذه بطريق الكشف والنفث في الروع؟!! ولعله اعتقد أن الرَّفع إنما يكون في العلو في الجهة!!

فإن كان كما خطر له، فذاك أيضاً لا يُعْقَل إلا في الجِسْمِيَّة والحَدِّيَّة، وإن لم يقل بهما فلا حقيقة فيما استدل به، وإن قال بهما فلا حاجة إلى المغالطة.

ولعله لم يسـمع ( الرفع في المرتبة )، و ( التقريب في المكـانة )، من استعمال العرب والعُرْف، ولا " فلان رفع الله شأنه "!

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 15:39
في السماء ]

وأتْبع ذلك بقوله: { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض }[ الملك: 17 ]!! وخص هذا المُسْتَدِلُّ: " مَنْ "، بالله تعالى!!

ولعله لمْ يُجَوِّزْ أنَّ المُراد به: ملائكة الله تعالى!!

ولعله لقوله: إن الملائكة لا تفعل ذلك!! ولا أن جبريل عليه السلام خسف بأهل سدوم!!

فلذلك استدل بهذه الآية، ولعلها هي النص الذي أشار إليه!

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 15:40
العروج ]

وأتبعه بقوله تعالى: { تعرج الملائكة والروح إليه }[ المعارج: 4 ]!!

والعروج والصعود شيء واحد، ولا دلالة في الآية على أن العروج إلى سماء، ولا عرش، ولا شيء من الأشياء التي ادَّعَاها بوجهٍ مِنَ الوُجُوْه؛ لأن حقيقته ( المستعملة في لغة العرب في الانتقال ) في حق الأجسام؛ إذ لا تعرف العرب إلا ذلك.

فليت لو أظهره واستراح مِن كتمانه.

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:06
الفَوْقِيَّة ]

وأرْدَفَهُ بقوله تعالى: { يخافون ربَّهم من فوقهم }[ النحل: 50 ]!!

وتلك أيضاً، لا دلالة له فيها على سماء، ولا عرش، ولا أنه في شيء من ذلك حقيقة.

ثم ( الفَوْقِيَّة )، تَرِد لمَعْنَيَيْن:

أحدهما: نِسْبَة جِسْمٍ إلى جِسْم، بأن يكون أحدُهما أعْلَى والآخر أسفل، بمعنى: أن أسفَل الأعلى مِن جانب رأسِ الأسْفل، وهذا لا يقول به مَنْ لا يُجَسِّم.

وبتقدير أنْ يكون المُرادَ، وأنه تعالى ليس بجسم، فلِمَ لا يجوز أن يكون { مِنْ فَوْقِهم }: صِلةً لـ{ يَخَافون }، ويكون تقدير الكلام: يخافون مِنْ فَوْقِهم ربَّهُم؟! أي: أن ( الخوف ) مِن جِهَةِ العُلوّ، وأنَّ العذاب يأتي من تلك الجِهة.

وثانيهما، بمعنى المرتبة، كما يُقَال: الخليفة فوق السُّلطان، والسُّلطان فوق الأمِيْر، وكما يُقال: جلس فلانٌ فوق فلان، والعِلْم فوق العمل، والصِّباغة فوق الدِّباغة.

وقد وقع ذلك في قوله تعالى: حيث قال: { ورفعنا بعضَهم فوق بعض درجات }[ الزخرف: 32 ]، ولم يَطْلع أحدُهم على أكتافِ الآخر.

ومن ذلك قوله تعالى: { وإنا فوقهم قاهرون }[ الأعراف: 127 ]، وما رَكِبَت القبطُ أكتافَ بني إسرائيل، ولا ظهورهم.

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:07
الاستواء ]

وأرْدَف ذلك بقوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى }[ طه: 5 ]!!

وورد هذا في كتاب الله في ستة مواضِع من كتابه، وهي: عُمْدَةُ المُشَبِّهَةِ وأقوى مُعْتَمَدهم، حتى أنهم كتبوها على باب جامع هَمَذان!!

فلنَصْرِف العِنَايةَ إلى إيضاحِها، فنقول:

إمّا أنَّهم يَعْزِلُوْنَ العَقْلَ بكل وجه وسبب، ولا يلتفتون إلى ما سُمِّي فهماً وإدراكاً[1]، فمرحباً بفعلهم، وبقول { الرحمن على العرش استوى }[ طه: 5 ].

وإنْ تَعَدّوا هذا، إلى أنّه مُسْتَوٍ على العرش[2]!! فلا حُبّاً ولا كرامة؛ فإن الله تعالى ما قالَه، مع أن علماءَ البيان كالمُتَّفِقين على ( أنّ في اسم الفاعِل مِنَ الثّبُوت ما لا يُفْهَمُ مِن الفِعْل ).

وإن قالوا هذا، على أنه فوقُه[3]!! فقد تركوا ما التزموه[4]، وبالغوا في التناقض والتَّشَهِّي والجُرأة.

وإن قالوا: بل نُبْقِي العَقْلَ، ونَفْهَمُ ما هو المُراد، فنقول لهم: ما هو الاستواء في كلام العَرَب[5]؟

فإن قالوا: الجلوس والاستقرار[6]. قلنا: هذا مَا لا تعرفه العرب إلا في الجسم، فقولوا[7]: يستوي جسم على العرش.

وإن قالوا: ( جلوس واستقرار )، نِسْبَته إلى ذات الله تعالى كنِِسبة الجلوس إلى الجسم!! فالعربُ لا تعرف هذا حتى يكون هو الحقيقة[8].

ثم العرب تفهم استواءَ القدح الذي هو: ضد الاعوجاج.

فوصفوه بذلك، وتبرءوا معه من التجسيم!! وسَدُّوا باب الحَمْل على غير الجلوس!! ولا يَسُّدونه في قوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم }[ الحديد: 4 ]، وقوله تعالى: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }[ ق: 16 ].

ولا تقولوا: ( معهم بالعِلْمِ )[9]؛ وإن قلتم هذا، فلِمَ تُحِلّوْنَهُ عَامَاً وتُحَرِّمُوْنَه عَامَاً؟!

ومِنْ أين لكم أن ليس ( الاستواءُ ) فعلاً من أفعاله تعالى في العرش؟ فإن قالوا: ليس هذا كلام العرب. قلنا: ولا كلام العرب ( استوى، بالمعنى الذي تقولونه ) بلا جِسْم.

ولقد رامَ المُّدَّعِي التَّفَلُّتَ مِن شِرْكِ التَّجْسِيْمِ، بما زعمه من أن الله في جهة، وأنه استوى على العرش يليق بجلاله!!

فنقول له: قد صرت الآن إلى قولنا في الاستواء[10]، وأما الجهة فلا تليق بالجلال.

وأخذ على المتكلمين قولهم:" إن الله تعالى لو كان في جهة، فإما أن يكون أكبر أو أصغر أو مساوياً، وكل ذلك مُحَال ". قال: ( فلم يفهموا من قول الله تعالى: { على العرش }، إلا ما يثبتون لأيّ جِسْمٍ كان على أي جسم كان )!! قال: ( وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، وأما استواء يليق بجلال الله فلا يلزمه شيء من اللوازم )!!

فنقول له: أتميمياً مرة وقيسياً أخرى؟! إذا قلت: استوى استواء يليق بجلال الله، فهو مذهب المتكلمين، وإذا قلت: استواء هو استقرار واختصاص بجهة دون أخرى، لم يُجْدِ ذلك تخلصاً من الترديد المذكور، والاستواءِ بمعنى الاستيلاء.

وأشهد له في هذه الآية: أنها لم تَرِدْ قَطّ إلا في إظهار العَظَمَة والقدرة والسلطان والملك، والعرب تكني بذلك عن الملك، فيقولون: فلان استوى على كرسي المملكة، وإن لم يكن جلس عليه مرة واحدة، ويريدون بذلك الملك.

وأما قولهم: ( فإن حَمَلْتُم الاستواء على الاستيلاء، لم يبق لذكر العرش فائدة؛ فإن ذلك في حق كل المخلوقات، فلا يختص بالعرش )!!

فالجواب عنه: أن كل الموجودات لمَّا حَوَاها العرشُ، كان الاستيلاءُ عليه استيلاءً على جميعها، ولا كذلك غيرُه.

وأيضاً: فكناية العرب السَّابقة ترجحه، وقد تقدم الكلام عن السلف في معنى الاستواء، كجعفر الصادق، ومَن تقدم.

وقولهم: ( استوى بمعنى استولى، إنما يكون فيما يدافع عليه )!!

قلنا: واستوى بمعنى جلس، أيضاً إنما يكون في جسم، وأنتم قد قلتم إنكم لا تقولون به!!

ولو وصفوه تعالى بالاستواء على العرش لما أنكرنا عليهم ذلك، بل نعدهم إلى ما يشبه التشبيه، أو هو التشبيه المحذور، والله الموفق.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - وذلك: معنى ( التفويض )؛ إذ يُثْبت اللفظ، دون الخوض في معناه المُرادِ به. ط

[2] - أي: استواءً حِسّيّاً، حقيقياً بالمعنى الخَلقي. ط

[3] - أي: ليس بمستو استقراراً وجلوساً، بل معنى الاستواء: الفوقيَّة، أي: أنه فوق العرش. ط

[4] - أي: عدم التأويل، وعدم الخوض في المعنى؛ إذْ أوّلوا الاستواءَ بالفوقيَّة. ط

[5] - باعتبارها لغة الخِطَاب الشَّرعي، التي يُفهم مراد الشارع به بناءً عليها. ط

[6] - وهو أو مستلزمه ما يتبادر إلى ذهن الحشوية عند النظر في لفظ الاستواء أو غيره من الإضافات!! مع أن لذلك في اللغة معان أخرى تُلْزِمُ المُخَاطَبِ عَدَمَ فَهْمِ الخِطَابِ على معنى منها قبل النظر في القرائن المُحتفّة به، على وجه الإجمال، وعدم فهم المعاني الحقيقيّة من تلك الألفاظ في حق الله تعالى، فعدم فهم معنى من معاني الخلق في الاستواءِ وغيره مما أضيف إلى الله تعالى، على وجه التّفصيل. ط

[7] - أي: لكونكم تطلبون حمل اللفظ على حقيقته، وهي على الوصف المذكور عند العرب. ط

[8] - فبطل التأويل به؛ لأنه من غير لغة الخطاب. ط

[9] - يعني: في قوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم }، لأنه تأويل؛ إذ تُجُوّزَ به عن حقيقته الذاتيَّة إلى المعيَّة العِلميَّة، وذلك خلاف الأصل الذي بني عليه مذهبكم. ط

[10] - يعني: كونه استواء على غير معاني الخلق؛ لأنها لا تليق بجلاله تعالى. ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:08
فرعون ]

واستدل بقوله تعالى حكاية عن فرعون: { يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى }[ غافر: 36-37 ]!!

فليت شعري، كيف فَهِم من كلام فرعونَ أن الله تعالى فوق السماوات، وفوق العرش يطلع إلى إله موسى؟!!

أمَّا أن إلهَ موسى في السماوات، فما ذَكَرَه[1]، وعلى تقدير فَهْمِ ذلك من كلام فرعون!! فكيف يُسْتَدَلُّ بظن فرعون وفهمه، مع إخْبَار الله تعالى عنه أنه زُيِّنَ له سوء عمله، وأنه حَادَ في سبيل الله عز وجل، وأن كيده في ضلال؟!!

مع أنه لما سأل موسى عليه السلام وقال: وما رب السماوات[2]؟! لم يتعرض موسى عليه السلام للجهة، بل لم يَذْكُر إلا أخصَّ الصِّفات، وهي: القُدْرَة على الاختِراع. ولو كانت الجِهَةُ ثابتةً لكان التعريفُ بها أولى؛ فإنَّ الإشارة الحِسِّيَّة مِنْ أقوَى المُعَرِّفَات حِسّاً وعُرْفاً، وفرعونُ سأل بلفظه:" ما "، فكان الجواب بالتَّحَيُّزِ أوْلَى مِنَ الصِّفَة.

وغاية ما فَهِمَه من هذه الآية، واستَدَلَّ به: ( فَهْم فرعون )، فيكون عُمْدَة هذه العقيدة كون فرعون ظنها!! فيكون هو مستندها. فليت شعري، لم لا ذَكَرَ النِّسْبَةَ إليه، كما ذَكَرَ أنَّ عقيدةَ سادات أمة محمد صلى الله عليه وسلم _ الذين خالفوا اعتقادَه في مسألة التَّحَيُّزِ والجِهَةِ، الذين ألْحَقَهُم بالجَهْمِيَّة _ مُتَلَقَّاة من لبيدِ بن الأعصم اليهودي الذي سَحَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم؟!![3]


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - يعني: سيدنا موسى عليه السلام. ط

[2] - مِن هذا السؤال، يتبيَّنُ: أن سيدنا موسى عليه السلام لم يتعرض أبداً لذِكْرِ الجِهَة والمكان، بل أخْبَرَ أن الله تعالى: ربُّ السماوات، ففَهِمَ فرعونُ المكان!! ليُثبت نفسه سَلَفاً للمُدّعي، كما أشار الشيخ ابن جهبل بعد هذا؛ إذ الحال واحد في فهم الخطاب. ط

[3] - ولِم لا ذَكرَ السلف الحقيقيّ للمُشَبِّهَة المُجَسِّمَة الحَشْوِيَّة، أنهم: اليهود؛ كما ثبتت الأخبار حول اعتقادهم الجسميَّة ولوازمها في معبودهم؟!! ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:09
النزول ]

وختم الآيات الكريمة بالاستدلال بقوله: { تنزيل من حكيم حميد }[ فصلت: 42 ]، { منزل من ربك بالحق }[ الأنعام: 114 ]!!

وما في الآيتين لا عرش، ولا كُرْسِي، ولا سماء، ولا أرض، بل ما فيهما إلا مجرد التنزيل، وما أدري مِنْ أي الدلالات استنبطها المُدعي!! فإن السَّماء لا تُفْهَم مِن التنزيل؛ فإن التنزيل قد يكون من السماء، وقد يكون من غيرها.

ولا تنزيل القرآن، كيف يفهم منه النزول، الذي هو انتقال من فوق إلى أسفل؟! فإن العربَ لا تفهم ذلك في كلام، سواء كان مِنْ عَرَضٍ أو غَيْرَ عَرَض.

وكما تُطْلِق العَرَبُ ( النزولَ ) على الانتقال، تُطْلِقه على غيره، كما جاء في كتابه العزيز: { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد }[ الحديد: 25 ]، وقوله تعالى: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج }[ الزمر: 6 ]، ولم يَرَ أحَدٌ قِطْعَةَ حَدِيْدٍ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاء في الهواء، ولا جَمَلاً يُحَلِّق من السَّماء إلى الأرض!!

فكما جَوَّزَ هنا أن ( النزولَ ): غير الانتقال من العلو إلى أسفل، فلْيُجَوِّزْهُ هناك.

هذا آخر ما استدل به من الكتاب العزيز، وقد ادعى أولاً: أنه يقول ما قاله الله [1]، وأنَّ ما ذَكَرَه من الآيات دليلٌ على قولِه، إما نصاً وإما ظاهراً!! وأنت إذا رأيت ما ادَّعاه، وأمْعَنْتَ النظرَ فيما قُلْنَاه، واسْتَقْرَيْتَ هذه الآيات [2]، لم تجد فيها كلمةً على وِفْقِ ما قاله أولاً، لا نصاً ولا ظاهراً البتة، وكل أمر بعد كتاب الله تعالى والدعوى عليه خلل [3].


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - وهو بحسب زعمه: ( أن اللهَ سبحانه وتعالى هو العليُّ الأعلى، وهو فوقَ كل شىء، وهو على كل شىء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء )!! ط

[2] - مُجَرَّداً عن العَصَبِيّة للأشخاص، بل بِنَاءً على أصول فَهْمِ الخِطَاب، وعلى قاعدة: تَجْوِيْز الخطأ بمراتبه على كل الأمّة، خلا رسولها المعصوم صلى الله عليه وسلم. ط

[3] - فانظر مَن المُتّبع، ومَن المُبْتَدع؟! ومَن الأولى بالكلام الحق في مقدّمة المُدَّعي؟! ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:10
السُّنَّة / المِعْرَاج ]

ثم استدل من السُّنَّة: بحديث المِعراج!!

ولمْ يَرِدْ في حديث المِعْراج أن الله فوق السماء، أو فوق العرش حقيقة، ولا كلمة واحدة من ذلك، وهو لم يَسْرُد حديثَ المِعْرَاج، ولا بيَّن الدَّلالة منه، حتى نجيب عنه!!

فإنْ بَيَّنَ وجهَ الاستدلال، عَرَّفْنَاه كيف الجواب[1].


--------------------------------------------------------------------------------

[1]- ولعلَّه استدل بمجرَّد العروج إلى السماء، وأن الله تعالى خاطبه هناك!! وهذا استدلال سخيف يَلِيْقُ بِمَذْهَبِ المُدَّعي الرَّقيق، الخالي عن الفَهْمِ والمَعْرِفَة والتحقيق. ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:11
السُّنَّة / نزول الملائكة ]

واستدل بنزول الملائكة من عند الله تعالى!!

والجواب عن ذلك: أن نزول الملائكة من السماء، إنما كان لأن السماءَ مقرُّهُم.

و( العِنْدِيَّة ) لا تدل على أن الله في السماء؛ لأنه يقال في الرسل الآدميين: إنهم من عند الله، وإن لم يكونوا نزلوا من السماء.

على أن ( العندية ): قد يُرَادُ بها: الشَّرَف والرُّتْبَة؛ قال الله تعالى: { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب }[ ص: 25 ]، وتُسْتَعْمَل في غير ذلك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكايةً عن ربِّه عز وجل: { أنا عند ظن عبدي بي }.

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:11
السُّنَّة / عروج الملائكة ]

وذَكَرَ عُرُوْجَ الملائكة!!

وقد سبق، وربما شَدَّ فِقَار ظَهْرَهُ، وقَوِى مِنْة مِنته بلفظة { إلى ربهم }، وأن { إلى } لانتهاء الغاية، وأنها في قطع المسافة!!

وإذا سكت عن هذا، لم يتكلم بكلام العرب؛ فإن المسافةَ لا تَفْهَم العربُ منها إلا ما تنتقل فيه الأجسام، وهو يقول إنهم لا يقولون بذلك[1]، وقد قال الخليل صلى الله عليه وسلم: { إني ذاهب إلى ربي }[ الصافات: 99 ]، وليس المراد بذلك الانتهاء الذي عناه المُدَّعِي بالاتفاق، فلم يَجْتَرِئ على ذلك في كتاب الله تعالى؟! ولا يجاب به في خبر الواحد.




--------------------------------------------------------------------------------

[1]- في محاولة منه لعدم التصريح بهذا اللازم!! ولكن هيهات .. ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:12
السُّنَّة / في السماء ]

وذَكَرَ قولَه صلى الله عليه وسلم: { ألا تأمنوني وأنا أمِيْنُ مَنْ في السَّماء، يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءً }!! وليس المُراد بـ( مَنْ ) هو: الله تعالى، ولا ذكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك، ولا خَصَّه به. ومِن أينَ لِلْمُدَّعِي أنه ليس المُرَادُ بِـ( مَنْ ): الملائكة[1]؛ فإنهم أكبر المخلوقات علماً بالله تعالى، وأشدهم اطلاعاً على القرب، وهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمين، وهو عندهم في هذه الرتبة؟! فَلْيَعْلَم المُدَّعي[2]: أنه ليس في الحديث ما ينْفِي هذا، ولا ما يُثْبِت ما ادَّعَاه.




--------------------------------------------------------------------------------

[1]- فسيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أمينٌ عند الملائكة، وهم أرفع شـأناً من هؤلاء المبتدعة. ط

[2]- ومن توَهَّم وهمَه، وسَار خلفَه. ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 16:13
السُّنَّة / حديث الرقية ]

ثم ذَكَرَ حديثَ الرُّقْيَة: { ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رزقك في السماء }[1] الحديث!!

وهذا الحديث بتَقْدِيْرِ ثُبُوْتِه، فالذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيه: { ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك }، ما سكت النبي صلى الله عليه وسلم على ( في السماء )، فلأيِّ معنىً نَقِفُ نحن عليه، ونجعل ( تقدس اسمك ) كلاماً مُسْتَأنَفاً؟! هل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا، أو أمر به؟

وعند ذلك، لا يَجِدُ المُدَّعِي مَخْلَصاً إلا أن يقول: اللهُ تَقَدَّس اسمه في السَّماء والأرض، فَلِمَ خَصَّصْتَ السَّمَاءَ بالذِّكْرِ؟

فنقول له: ما معنى ( تَقَدَّسَ )؟ إن كان المُرَادُ به: ( التنزيه من حيث هو تنزية )، فذلك ليس في سماء ولا أرض؛ إذ ( التنزيه ): نفي النقائص، وذلك لا تَعَلّق له بِجَرْباء ولا غَبْرَاء؛ فإن المُرَادَ: أن المخلوقات تُقَدِّس وتَعْتَرِفُ بالتَّنْزِيْه، فلا شك أن أهلَ السماء مُطْبِقُون على تَنٍزِيْهِهِ تعالى، كما أنه لا شك أنَّ في أهل الأرض مَنْ لَمْ يُنَزِّه، وجعل له نداً، ووَصَفَه بما لا يليق بجلاله، فيكون تخصيصُ السماءِ بذِكْرِ التَّقْدِيس فيها: لانفراد أهْلِها بالإطباقِ على التنزيه؛ كما أنه سبحانه لَمَّا انْفَرَدَ في المُلْكِ في يوم الدِّيْن عَمَّن يتَوَهَّم ملكه، خصَّصَه بقوله تعالى: { مالك يوم الدين }[ الفاتحة: 4 ]، وكما قال سبحانه وتعالى بعد دَمَار مَن ادَّعى الملك والملك: { لِمَن المُلك اليوم؟ لله الواحد القهار }[ غافر: 16 ].

قال: وذكره!! وَوَقَفَ على قوله: ( في السماء )!!

فليت شعري، هل جَوَّزَ أحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ أن يُفْعَلَ مثلُ هذا؟!

وهل هذا إلا مُجَرَّدُ إيْهَامٍ أنَّ سَيِّد المرسلين صلى الله عليه وسلم وعليهم قال: ( ربنا الله الذي في السماء )؟![2]


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - رواه الإمام أحمد رضي الله عنه من طريق ( أبي بكر بن أبي مَريَم )، وهو منكر الحديث، عن مجهول. ورواه غيره من طريق زيادة الأنصاري، وهو مُنْكَرُ الحديث، فالحديث موضوع. ط



[2]- وهل هو إلا تحريف للكَلِم عن مَواضِعه؟! وهو مع ذلك نقضٌ لغزل المُدَّعي في شعاراته، لو يعقلون؟!! ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 17:33
تتمة ردود ابن جهبل
=============================


السُّنَّة / حديث الأوعال ( فوق / مع / في ) ]

وأما حديث الأوْعَال، وما فيه من قوله: { والعرش فوق ذلك كله، والله فوق ذلك كله }[1]!! فهذا الحديث قد كثر منهم إيْهَام العَوَام أنهم يقولون به، ويُرَوِّجُوْنَ به زخارفهم، ولا يتركون دَعْوَى مِنْ دعاويهم عاطِلَةً مِنَ التَّحَلي بهذا الحديث!!

ونحن نُبَيِّنُ أنَّهُم لم يقولوا بحرف واحدٍ مِنْهُ، ولا اسْتَقَرَّ لهم قَدَمٌ بِأَنَّ الله تعالى فوق العرش حقيقة، بل نَقَضُوا ذلك.

وإيضاح ذلك: بتقديم ما أخَّرَ هذا المُدَّعِي؛ قال في آخر كلامه: ( ولا يظن الظان أن هذا يخالف ظاهر قوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم }[ الحديد: 4 ]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: { إذا قام أحدُكُم إلى الصلاة فإنّ الله قِبَلَ وَجْهِه }، ونحو ذلك )؛ قال: ( فإن هذا غلط ظاهر؛ وذلك: أن الله تعالى معنا حقيقة، فوق العرش حقيقة[2] )!! قال: ( كما بيَّنَهُما في قوله: { هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير }[ الحديد: 4 ] )!! قال هذا المُدَّعِي يملأ ماضِغَتَيْهِ من غير تكتم ولا تلعثم: ( فقد أخبر الله تعالى: أنه فوقَ العرش، ويَعْلم كلَّ شيء، وهو معنا أين ما كنا[3]، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث الأوْعَال: { والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه } )!!

فقد فَهِمْتَ: أنَّ هذا المُدَّعِي، ادَّعَى أن الله فوق العَرْشِ حقيقةً، واستدل بقوله تعالى: { ثم استوى على العرش }، وجعل أن ذلك من الله تعالى: خبر أنَّه فوق العرش!! وقد عَلِمَ كلُّ ذي ذِهْنٍ قَوِيْمٍ وفِكْرٍ مُسْتَقِيْم: أنَّ لفظَ ( استوى على العرش )، ليس مُرادِفاً للفظ ( فوق العرش ) حقيقة، وقد سَبَقَ مِنَّا الكلام عليه.

ولا في الآيةِ ما يدل على الجَمْعِ الذي ادَّعَاه، ولا بَيْنَ التقريب في الاستدلال، بل سَرَدَ آيةً مِن كتاب الله تعالى لا يدْرى هل حَفِظَهَا أو نَقَلَهَا مِنَ المُصْحَف، ثُم شَبَّه الآيةَ في الدلالة على الجمع بحديث الأوعال، قال: ( كما قال صلى الله عليه وسلم فيه: { والله فوق العرش } )!! وقد علمت: أنه ليس في الحديث ما يدل على المَعِيَّة، بل لا مَدْخَلَ لـ" مع " في الحديث.

قال: ( وذلك أن " مع "، إذا أُطْلِقَت فليس ظاهرُها في اللّغَةِ إلا للمُقَارَنَة المُطْلَقَة، من غير وجوب مُمَاسَّة، ولا مُحَاذَاةٍ عن يَمِيْنٍ أو شِمال، فإذا قُيِّدَت بِمَعْنىً مِنَ المَعَاني: دَلَّتْ على المُقَارَنَة في ذلك المَعْنَى؛ فإنَّه: يُقَال: ما زِلْنَا نَسِيْر والقَمَرُ مَعَنَا، والنَّجْمُ معنا. ويُقَالُ: هذا المَتَاع مَعَنا، وهو لِمُجَامَعَتِه لك وإنْ كانَ فوقَ رأسِك[4]. فإنما الله مع خلقه حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة. ثم هذه المَعِيَّة تختلفُ أحكامَها بِحَسَب المَوَارِد، فلمَّا قال: { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير }[ الحديد: 4 ]، دلَّ ظاهرُ الخِطَابِ على أن حكمَ هذه المَعِيَّةِ ومقتضاها: أنه مُطَّلِعٌ عليكم، عالِمٌ بكم )!! قال: ( وهذا معنى قول السلف: إنه معكم بعلمه )!! قال: ( وهذا ظاهر الخِطاب وحقيقته[5] )!! قال: ( وكذلك في قوله تعالى: { ما يكون من نجوى ثلاثة } [ المجادلة: 7 ] الآية، وفي قوله تعالى: { لا تحزن إن الله معنا }[ التوبة: 40 ]، { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون }[ النحل: 128 ]، { إنني معكما أسمع وأرى }[ طه: 46 ] )!!

قال: ( ويقول أبو الصبي له من فوق السقف: لا تخف، أنا معك؛ تنبيها على المَعِيَّة المُوْجِبَة لحكم الحال )!!

فليَفْهم الناظرُ أدبَ هذا المُّدَّعِي في هذا المَثَل، وحُسْن ألفاظه في استثمار مقاصده!!

ثم قال: ( فَفَرق بينَ المَعِيَّة وبين مُقتضاها[6] وربما صار مقتضاها من معناها فيختلف باختلاف المواضع[7] )!!

فَلْيَفْهَم الناظِرُ هذه العِبَارةَ التي ليست بالعَرَبِية ولا بالعَجَمِيَّة!! فسبحان المُسَبَّحِ باللغات المُختلفة.

قال: ( فلفظ المَعِيَّة قد استُعْمِل في الكتاب والسنة في مَواضع، يقتضي في كل موضع أموراً لا يقتضيها في الموضع الآخر )!! هذه عبارته بحروفها.

ثم قال: ( فإما أن تختلف دلالتُها بحسب المَوَاضِع، أو تدل على قَدْرٍ مشترك بين جميع مَوَارِدِهَا، وإنْ امْتَازَ كلُّ مَوْضِع بخاصِيَّة )!!

فليُفْهَم تَقَسِيْم هذا المُّدَّعِي، وحُسْن تَصَرُّفِه!!

قال: ( فَعَلَى التقدِيْرَيْن: ليس مقتضاها، أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، حتى يُقَالَ: صُرِفَتْ عن ظاهِرِهَا )!!

ثم قال في موضع آخر: ( مَنْ عَلِمَ أنَّ المَعِيَّةَ تُضَافُ إلى كلِّ نَوْعٍ من أنواع المخلوقات، كإضافة الرُّبُوبِيَّة مثلاً، وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعَرْش، وأن الله تعالى يُوْصَف بالعلو والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط، لا حقيقة ولا مجازاً، عَلِمَ: أنَّ القُرآن على ما هو عليه من غير تحريف )!!

فليَفْهَم الناظرُ هذه المُقَدِّمَات القَطْعِيَّة!! وهذه العِبَارَات الرَّاقِيَة الجَلِيَّة!!

وحَصْر ( الاستواء على الشيء ) في العَرْشِ، مما لا يقوله عاقل، فضلاً عن جاهل.

ثم قال: ( مَنْ تَوَهَّمَ أنَّ كون الله في السماء، بمعنى: أن السَّماءَ تُحِيْط به وتحويه، فهو كاذبٌ إنْ نَقَلَه عن غيره، وضَالُّ إن اعتقده في ربِّه، وما سمعنا أحداً يَفْهَمَه من اللفظ، ولا رأينا أحداً نَقَلَه عن أحد )!!

فَلْيَسْتَفِد الناظُرُ: أنَّ الفَهْمَ يُسْمَع!!

قال: ( ولو سُئِلَ سائرُ المسلمين: هل تفهمون من قول الله ورسوله: أن الله في السماء[8]، أن السماء تحويه؟ لَبَادَرَ كلُّ أحَد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا[9]!! وإذا كان الأمر هكذا، فَمِنَ التَّكَلُّفِ: أنُ يُجْعَل ظاهرُ اللفظ شيئاً محالاً، لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله )!!

قال: ( بل عند الناس: أن الله في السماء، وهو على العرش واحد؛ إذ ( السماء ) إنَّما يُرَادُ به: العُلُوّ، فالمَعْنَى: أنّ اللهَ في العُلُوِّ لا في السُّفْلِ )!!

هكذا قال هذا المُدَّعِي!! فليثن الناظِرُ على هذه بالخَنَاصِر، ولْيَعَضّ عليها بالنواجذ، وليَعْلَم أنَّ القوم { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين }[ الحشر: 2 ].

قال: ( وقد عَلِمَ المُسْلِمون: أنّ كُرْسِيَّهُ تعالى وسِعَ السماوات والأرض، وأنّ الكُرْسِيَّ في العَرْش كَحَلَقَةٍ مُلْقَاةٍ بأرْض فَلاة، وأنَّ العرش خلقٌ مِنْ مخلوقات الله تعالى، لا نسبةَ له إلا قدرة الله وعظمته[10]، فكيف يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ بَعد هذا أن خلقاً يَحْصُرُه ويحويه[11]، وقد قال تعالى: { ولأصلبَنَّكم في جذوع النخل }[ طه: 71 ]، وقال تعالى: { فسِيْرُوا في الأرض }[ آل عمران: 137 ]، بمعنى:" على "، ونحو ذلك، وهو كلام عربي، حقيقة لا مجازاً[12]. وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب )!!

هذا آخر ما تمَسَّكَ به، فنقول:

أولاً: ما معنى قولك: ( إن " مع " في اللغة للمُقَارَنَةِ المُطْلَقَة، من غير مماسة ولا محاذاة )؟! وما هي المُقَارَنة؟ فإن لم يَفْهَمْ مِنَ المُقَارَنَة غير صِفَةٍ لازِمَةٍ للجِسْمِيَّةِ، حَصَلَ المَقَصُوْدُ، وإنْ فَهِمَ غيْرَهُ، فَلْيَتَنَبَّه حتى ننظرَ: هلْ تَفْهَمُ العَرَبُ مِن المُقَارَنَةِ ذلك أو لا.

ثم قوله: ( فإذا قُيِّدَت بمعنى مِن المَعاني، دلت على المقارنة في ذلك المعنى )!! فنقول له: ومَنْ نَحَا ذلك في ذلك؟

قوله: ( إنها في هذه المواضع كلها بمعنى العلم )!! قلنا: مِنْ أينَ لك هذا؟ فإنْ قال: مِن جهة قوله تعالى: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم }[ المجادلة: 7 ] الآية، دل ذلك على المعية بالعلم، وأنه على سبيل الحقيقة!!

فنقول له: قَدِ كِلْتَ بالصَّاع الوَافِي، فَكِلْ لنا بِمِثْلِه، واعلم: أن " فوق "، كما يُسْتَعْمَل في العُلُوّ في الجِهَةِ، كذلكَ يُستعملُ في العُلُوِّ في المَرْتَبَة والسَّلْطَنَة والمُلك، وكذلك الاستواء، فيكونان متواطئين، كما ذكرته حرفاً بحرف، وقد قال الله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده }[ الأنعام: 18 ]، وقال تعالى: { وفوق كل ذي علم عليم }[ يوسف: 76 ]، وقال الله تعالى: { يد الله فوق أيديهم }[ الفتح: 10 ]، وقال تعالى حكاية عن قوم فرعون: { وإنا فوقهم قاهرون }[ الأعراف: 127 ]، وقال تعالى: { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات }[ الزخرف: 32 ]، ومعلوم: أنه ليس المراد ( جهة العلو )، فأعِدِ البَحْثَ، وقُلْ: فوقَ العَرْشِ بالاسْتِيْلاء.

وكذا في حديث الأوعال، وما فعلته في " مع "، فافعله في " فوق "، وخَرِّجْ هذا كَمَا خَرَّجْتَ ذلك، وإلا ترك الجميع.

ثم قوله: ( ومَنْ عَلِمَ أنّ المَعِيَّةَ تُضَاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات، وأن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش )!! قلنا: حتى نُبْصِرَ لك رجلاً استعملها يعلم ما تقوله من غير دليل؛ فإنك إن لم تُقِمْ دلالةً على ذلك، وإلا أبرزتَ لفْظةً تَدُلّ على تَحَتّم " فوق " للاستواء في جهة العلو.

فليت شعري، مِنْ أين تَعْلَم أن المَعِيَّة بالعلم حقيقة، وأن آية الاستواء على العرش وحديث الأوعال دالان على ( صفة الربوبية بالفوقية الحقيقية )؟! اللهم غفراً، هذا لا يكون إلا بالكشف، وإلا فالأدلة التي نَصَّبَهَا الله تعالى لتُعْرَفَ بها ذاتُه وصفاتُه وشَرَائعُه، لم يُوْرِد هذا المُدَّعِي منها حرفاً واحداً على وِفْقِ دَعْوى، ولا ثَبَتَ له قَدَمٌ إلا في مَهْوَى.

ثم قوله: ( لا يوصف الله تعالى بالسُّفُول والتحتية، لا حقيقة ولا مجازاً )!! ليت شعري، مَنْ ادَّعَى له هذه الدَّعْوَى حتى يُكَلَّفَ الكلام فيها؟!

ثم إن قوله بعد ذلك: ( من تَوَهَّمَ كون الله تعالى في السماء، بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه، فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربِّه )!!

أيها المدعي، قل ما تَفْهَم، وافْهَمْ ما تقول، وكَلِّم الناسَ كلامَ عَاقِلٍ لِعَاقِل، تفيد وتستفيد؛ إذا طلبت أن تستنبط من لفظة " في " الجهةَ، وحَمَلْتَها على حقيقتِها، هل يُفْهَمُ منها غيرَ الظَّرْفِيَّة، أو ما في معناها؟ وإذا كان كذلك، فهل يَفْهَم عاقلٌ أنَّ الظرفَ ينفكّ عن إحاطة بَعْض، أو جَمِيْع، أو يلزم ذلك؟ وهل جرى هذا على سَمْع؟ وهل يخاطر أن " في " على حقيقتها في جهة، ولا يُفْهَم منها احتواءٌ ولا إحاطةٌ ببعض ولا كل؟ فإن كان المراد بعزل الناس عقولهم، وتتكلم أنت وهم يقلدون ويصدقون، لمْ تأمن أن بعض المسئولين من المخالفين للملة يأمرك بذلك ويثبت الباطل عليك.

ثم قولك: ( لو سُئِلَ المسلمين، هل يفهمون من قول الله تعالى ورسوله أن الله في السماء أن السماء تحويه، لبادر كل واحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا )!! فنقول: ما الذي أردت بذلك؟

إن أردت: أن هذا اللفظ لا يعطي هذا المعنى، فإياك أن تسأل عن هذا من هو عارفٌ بِكَرَمِ العرب؛ فإنَّهُ لا يصدقك في أن هذا اللفظ لا يعطي هذا، مع كون " في " للظرفية، وأنها على حقيقتها في الجهة.

وإن أردت: أن العقول تأبى ذلك في حق الله تعالى، فلسنا نحن معك إلا في تقرير هذا، ونفي كل ما يُوْهِمُ نقصاً في حق الله تعالى.

ثم قولك: ( عند المسلمين: أن الله في السماء وهو على العرش واحد )!! لا ينبغي أن تضيف هذا الكلام إلا إلى نفسِكَ، أو إلى من تَلِيْقُ هذه الوَصْمَةُ مِنْه، ولا تجعل المسلمينَ يَرْتَبِكُون في هذا الكلام الذي لا يُعْقَل.

ثم استدللت على ( أن كون الله في السماء والعرش واحد ): بأن السماء يُراد بها العلو، فالمعنى: الله في العلو لا في السفل!! قل لي: هل قال الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والسابقون الأوَّلـون من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين: إن الله تعالى في العلو لا في السفل؟

وكل ما قلت من أول المقدمة إلى آخرها، لو سَلِمَ لك، لكان حاصله: أنَّ الله تعالى وَصَفَ نفسَهُ بأنه اسْتَوَى على العرش، وأن الله تعالى فوقَ العرش. وأمَّا أنَّ ( السَّمَاءَ ) المُرَادُ بها: جهة العلو!! فَمَا ظَفِرَتْ كَفَّاكَ بِنَقْله.

ثم قولك: ( قَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ: أن كُرْسِيَّه تعالى قد وَسِع السماوات والأرض، وأنَّ الكُرْسِيَّ في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة )!! فليت شعري، إذا كان حديث الأوعال، يدلك على أن الله فوق العرش، فكيف يُجمع بينه وبين طلوع الملائكة إلى السماء التي فيها الله؟! وكيف يكون مع ذلك في السماء حقيقة؟!!

ولعلك تقول: إن المراد بهما جهة العلو توفيقاً!! فليت شعري، أيُمْكِن أن تقول بعد هذا التوفيق العاري عن التوقيف والتوفيق: إن الله في السماء حقيقة، وعلى السماء حقيقة، وفي العرش حقيقة، وعلى العرش حقيقة؟!!

ثم ( حقيقة السماء ) هي: هذه المُشَاهَدَة المحسوسة، يُطْلق عليها هذا الاسم من لم يخطر بباله السُّمُوّ، وأمَّا ( أصل الاشتقاق ): فذلك لا مزية لها فيه على السقف والسحاب. فتبارك الله خالق العقول.

ثم قولك بعد ذلك: ( العرش من مخلوقات الله تعالى، لا نِسْبَةَ له إلا قُدرة الله وعظمته )!! وقَعَ إلينا: ( إلا قدرة الله )، فإن كانت بألف لام ألف، كما وقع إلينا، فقد نَفَيْتَ العَرْشَ، وجعلتَ الجِهَةَ هي العَظَمَة والقُدْرَة، وصار معنى كلامك: جهة الله عظمته وقدرته!! والآن قلتَ ما لا يُفْهَم، ولا قاله أحد.

وإن كان كلامك بألف لام ياء، فقد صَدَقْتَ وقلت الحق، ومن قال خلاف ذلك؟! ولَعَمْرِي، لَقَدْ رَمَّمْنَا لك هذا المكانَ، ولَقَّنَّاكَ إصلاحَه.

ثم قلت: ( كيف يتوهم بعد هذا أن خلقاً يحصره أو يحويه؟ )!! قلنا: نعم، ومن أي شيء بلاؤنا إلا مِمَّنْ يَدَّعِي الحَصْرَ أو يُوْهِمَه؟

ثم قلت: ( وقد قال الله تعال: { ولأصلبنكم في جذوع النخل }[ طه: 71 ]!! أوَمَا عَلِمْتَ: أن ( التَّمَكُّنَ الاسْتِقْرَارِيّ ) حاصلٌ في الجِذْعِ؛ فإنَّ تَمَكُّنَ المَصْلُوب في الجذع، كتَمَكُّنِ الكائِنِ في الظَّرْفِ. وكذلك الحُكْم في قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض }[ الأنعام: 11، النمل: 69، العنكبوت: 20، الروم: 42 ].

وهذا الذي ذكرناه هو الجواب عن حديث الأوعال، وحديث قبض الروح، وحديث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وحديث أمية بن أبي الصلت.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - رواه الإمام أحمد رضي الله عنه وغيرُه من طريق ( يحيى بن العلاء البجلي )، وهو كذّاب يضع الحديث، وغيرِه ممن فيهم الضعيف والمجهول. ورواه آخرون من طريق ( الوليد بن عبد الله المرهبي )، وهو كذاب، وغيرِه أيضاً ممن فيهم الضعيف والمجهول. فالحديث موضوعٌ، سيما أن متنه معارض للثابت والمتواتر في غير مسألة الصفات، فضلاً عنها. ط

[2] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" احفظ هذا، وراقب كيف سينتهي المُدَّعي إلى تأويل المعيَّة، وإثبات الفوقيَّة!! ونحن معك حتى لا تُغبن بكلام المُدّعي وألاعيبه. " ط

[3] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" أما الله تعالى: فلم يقل ذلك، بل أنت قد حَرَّفْتَ مرادَهُ بسوء فهمك له. " ط

[4] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" ينبغي أن تعلم حبيبي: أن فعل المُدّعي هذا تأويلٌ نقضَ به غزله، وصادَم به ما ادعاه أصلاً لمذهبه؛ وذلك: أن التأويل _ في الاصطلاح _: صرف اللفظ عن معناه الحقيقي، إلى معنى يدلّ عليه، للقرائن المُحتفّة. ومهما لاك المُدّعي عبارته، فإنه لم يخرج عن كون حقيقة المعيّة اجتماع ذاتيّ، وأنها إنما دلت على معنى آخر لاحتفافها بقرينة أوجبت ذلك. وأنه: يسعى بفعله هذا _ كعادته _ للتشويش على الأفهام، والختم على العُقول. " ط

[5] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" إن كان يُريد المُدّعي: أن هذا المعنى لمّا كان مفهوماً من القرائن _ أو ( الموارد )!! بحسب تعبيره _، كان هو ظاهر معنى الخطاب والحقيقة المقصودة به، فقد أغلظ الشبهة على العامّة؛ إذ تسمية ذلك كذلك تكلّف.

ومع ذلك، فلَيْته طبّق هذه القاعدة على تأويلنا؛ فإنّ المعاني التي نخلص إليها: إنما هي ظاهر معنى الخطاب والحقيقة المقصودة به، كما دلت القرائن ( الموارد!! ).

وإن كان يُريد: أن حقيقة اللفظ تدل على ذلك!! فقد كذب، وتقدم الرد عليه. " ط

[6] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" فلم لا قلت: فرق بين معنى الاستواء ومقتضاه؟! وكذا في اليد والوجه والعين .. الخ. " ط

[7] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" هذه فذلكة، أظنه أراد بها: أن اللفظ الذي يقتضي معنى ما، قد يفيد معنى آخر بحسب موضعه، وهو ظاهر في الذي تلاه. والله أعلم. " ط

[8] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" لن نُغفل لك هذا الحشو؛ فلا الله تعالى قال ذلك، ولا أحد من رسله، بل هو قولك!! " ط

[9] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" وهل ذلك لِلُّغَةِ، أم لِمَا نشأوا عليه من الاعتقاد؟! كفاك غبناً، وإظهاراً لحمقك. " ط

[10] - هكذا وقعت العبارة للشيخ، وقد وقعت لنا: ( لا نِسْبَةً إلى قدرة الله وعظمته )، وسوف يُنبِّه عند الرّدّ على المُدّعي لذلك، ويردّ على الوجهين. ط

[11] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" المفهوم من هذا اللغو الذي نسبه المُدَّعي إلى المسلمين بهتاناً: أن السماء لما كانت بهذا الصّغر، استحال أن تحوي الله تعالى المستوي _ بزعمه _ على العرش حقيقة!! فتأمل " ط

[12] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" دونك وإثبات ذلك خرط القتاد، بل قد جعلت نفسك ضحكة للصبيان بهذه الأغاليط. " ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 17:34
ردود ابن جهبل
==============

السُّنَّة / حديث أميَّة بن أبي الصَّلت ]

وما قال من قوله:

مجدوا الله فهو أهل لمجد *** ربنا في السماء أمسى كبيرا

فيقال: للمُدَّعِي:

إن كنت ترويه ( في السماء ) فقط، ولا تُتْبِعها: ( أمسى كبيراً )، فربما يُوْهِمُ ما تَدَّعِيْه، لكن لا يَبْقَى شعْراً ولا قافِيَة.

وإن كان قال: ( ربنا في السماء أمسى كبيراً )، فقُلْ مثلَ ما قالَ أمَيَّة، وعند ذلك لا يدري: هل هو كما قلتَ، أو قال: إن الله كبير في السماء؟

فإن قلت: وهو كبير في الأرض، فلِمَ خُصَّت السماء؟!

قلنا: التخصيص بما أشرنا إليه: مِنْ أنَّ تعظيم أهل السماوات أكثر من تعظيم أهل الأرض له، فليس في الملائكة من ينحت حجراً ويعبده، ولا فيهم دهري ولا معطل ولا مشبه؛ وخطاب أمية: لكفار العرب، الذين اتخذوا هبل ومناة واللات والعزى وغير ذلك من الأنداد، وقد علمَت العربُ: أن أهل السماء أعلم منهم، حتى كانوا يتمسكون بحديث الكاهن الذي يتلقف من الجني الذي يسترق الكلمة مِنَ المَلَك، فيُضِيف إليها مائة كذبة، فكيف اعتقادهم في الملائكة؟! فلذلك احتجَّ عليهم أميةُ بالمَلائكة.

هذا [ ليس ] ببعيد، ولا خلافه قطعي.

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 17:35
ردود ابن جهبل
==================


أدلة المُدَّعي، والرَّدِّ عليها / مزاعمه / تلقي الجهة ]

ثم قال: من المعلوم بالضرورة: ( أن الرسولَ المُبَلِّغَ عن الله، ألقى إلى أمته المدعوين: أن الله تعالى على العرش، وأنه فوق السماء )!!

فنقول له: هذا ليس بصحيح بالصَّريح، بل ألقى إليهم: أن الله استوى على العرش[1]، هذا الذي تواتر من تبليغ هذا النبي صلى الله عليه وسلم. وما ذَكَرَه المُدَّعِي من هذا الإخبار، فأخبار آحاد، لا يَصْدُق عليها جمع كثرة، ولا حُجَّة له فيها، وذلك واضح لمن سمِع كلامَ الرسول صلى الله عليه وسلم، ونَزَّلَه على استعمال العرب وإطلاقاتها، ولم يدخل عليها غير لغتها.


--------------------------------------------------------------------------------

[1]- إنما ورد: { الرحمن على العرش استوى }، وتغيير وضع ألفاظها واستبداله، وتأليف عبارة أخرى فيه، تصرّف يعيق فهمها، بل قد يغيّر معناها.

وأنا هنا أنبه: أنه من الخطأ عمل ذلك؛ لأنه يخرج عن حد التوقُّف والتفويض، ويشمل نوعاً من التّصرّف.

كما أن البعض إن أشكل عليه فهم نص الخطاب الشرعي، والتعامل معه، فما الظن به بين يدي عبارة الشيخ هذه، ونحو قول أحبابنا من أهل التفويض رضي الله عنهم:" لله يد "!!

بل نحن نقول لهم: أين قال تعالى: لي يد، حتى تثبت بهذه العبارة؟!

فالحق: أن المُخبِرَ بشيء من ذلك، إما أن يُخبر به كما ورد بالحَرْفِ، من غير تصرف باجتزاء أو تقديم أو تأخير أو استبدال .. الخ، وإما بالتأويل الحق، الذي يُظهر المعنى، دون التصرّف بالنص. ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 17:35
ردود ابن جهبل

======

أدلة المُدَّعي، والرَّدِّ عليها / مزاعمه / الفطرة ]

ثم قلت: ( كما فطَرَ الله [ على ذلك ] جميع الأمم، عربهم وعجمهم، في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فِطْرَته[1] )!!

هذا كلام من أوله إلى آخره مُعَارض بالميل والترجيح معاً.




--------------------------------------------------------------------------------

[1]- ( الفِطرة ) التي يعتبرها المُدَّعي مصدر تشريع، ودليل معرفة!! يقول الله تعالى في شأنها: { الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً }، فما هي إلا ( استعداد )، إذا لم يدخل عليه بدع لا يسلم إلا لإله واحد مخالف للحوادث، وأين ذلك في منشأ المجتمعات، اللهم إلا أن يكون مجتمعاً مسلماً؟!! ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 17:36
ردود ابن جهبل
============

أدلة المُدَّعي، والرَّدِّ عليها / مزاعمه / اتباع السَّلف ]

ثم قلتَ: عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمعتَه لبلغت مائتين ألوفاً!!

فنقول: إن أردت بـ( السَّلَف ): سلفَ المُشَبِّهة كما سيأتي كلامُك، فربما قاربت.

وإن أردت: سلف الأمة الصالحين، فلا حرفاً ولا شطرَ حرف [1]، وها نحن معك في مقام ومضمار، بحول الله وقوته.

ثم قلت: ( ليس في كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله، ولا عن أحد من سلف الأمة، لا من الصحابة ولا من التابعين، حرف واحد يخالف ذلك، لا نص ولا ظاهر )!!

قلنا: ولا عنهم، كما ادَّعيت أنت، لا نص ولا ظاهر.

وقد صَدَّرْتَ أولاً: أنَّكَ تقول ما قاله الله ورسوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ثم دارت الدائرة على المُرَادِ بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: مشايخ عقيدتك، وعَزَلْتَ العَشَرَةَ، وأهلَ بدرٍ والحديبية عن السَّبْق، والتابعين عن المُتَابَعَة، وتولي هؤلاء لا غير { الله أعلم حيث يجعل رسالاته }[الأنعام: 124 ].

ثم قولك: ( لم يقل أحد منهم: إنه ليس في غير السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه في كل مكان، ولا إن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا إنه داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل )!!

قلنا: لقد عمَّمْتَ الدّعوى، فذكرت ما لمْ تُحِطْ بِهِ علماً، وقد ذكرنا لك عن جعفر الصَّادق، والجنيد، والشبلي، وجعفر بن نصير، وأبي عثمان المغربي رضي الله عنه، ما فيه كفاية، فإن طَعَنْتَ في نقلِنا، أو في هذه السَّادة، طَعَنَّا في نقلك، وفيمن أسندت إليه من أهل عقيدتك خاصَّة؛ فلم يوافقك على ما ادعيته غيرهم.

ثم إنك أنت الذي قلتَ مَا لَمْ يقله الله، ولا رسوله، ولا السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ولا من التابعين، ولا من مشايخ الأمة الذين يدركوا الأهواءَ؛ فما نَطَقَ أحدٌ منهم بحَرْفٍ في أن اللهَ تعالى في ( جِهَةِ العلو ).

فقل لنا: مَنْ قال هذا؟ هل قاله الله؟ أو رسولُه؟ أو السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟ أو التابعين لهم بإحسان؟! فَلِم تُهَوِّل علينا بالأمور المُغَمْغَمَة؟ وبالله المستعان.




--------------------------------------------------------------------------------

[1] - وما ورد في نحو كتاب ( العلو ) الذي تاب عنه الذهبي، وكتاب ( اجتماع الجيوش ) لابن قيم الجوزية، قد بيّن المُحققون بطلانه سنداً أو معنى، ولله الحمد. ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 17:37
ردود ابن جهبل

==========

أدلة المُدَّعي، والرَّدِّ عليها / مزاعمه / الإشارة إلى السماء ]

ثم استدل على ( جواز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها )، بما صحَّ أنه صلى الله عليه وسلم في خطبة عَرَفات جعل يقول: { ألا هل بلغت؟ } فيقولون: نعم. فيرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إليهم، ويقول: { اللهم اشهد } غير مرة!!

ومِنْ أي دلالةٍ يَدُل هذا على جواز الإشارة إليه؟! هل صَدَرَ منه صلى الله عليه وسلم إلا أنه رفع إصبعه ثم نكتها إليهم؟! هل في ذلك دلالة على أنَّ رفعَه كان يشير به إلى جهة الله تعالى؟![1]

ولكن هذا من عظيم ما رسَخَ في ذِهْنِ المُّدَعِي مِنْ حديث الجِهَة، حتى إنه لو سَمِعَ مسألةً من عَوِيْصِ الفرائض والوصايا وأحكام الحيض، لقال: هذه دالة على الجهة!!




--------------------------------------------------------------------------------

[1]- ثبت من عادة المُشهِد، أنه يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها نحو المشهود عليه، ولو لم يكن المستشهد هو الله تعالى، ولا يزال ذلك متبعا بين الناس على اختلافهم. ط

جمال حسني الشرباتي
19-08-2004, 17:38
ردود ابن جهبل

===========================


أدلة المُدَّعي، والرَّدِّ عليها / مزاعمه / الخطاب ]

ثم أتى بالطَّامَّة الكُبْرَى، والدَّاهِيَة الدَّهْيِاء، وقال: ( فإن كان الحق ما يقوله هؤلاء السالبون النافون، من هذه العبارات ونحوها[1]، دون ما يفهم من الكتاب والسنة[2]، إما نصاً أو ظاهراً، كيف يجوز على الله تعالى، ثم على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم على خير الأمة: أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلُّون عليه، لا نصاً ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط الفرس والروم، وأفراخ الهنود يبينون للأمة العقيدةَ الصحيحة، التي يجب على كل مكلّف أو فاضل أن يعتقدها؟!! لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون، هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أحيلوا على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا لمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة، نصاً أو ظاهراً، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقرير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصول الدين، فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله سبحانه وتعالى، وما يستحق من الصفات نفياً ولا إثباتاً، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم، فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه بها )!!

ثم قال: ( هما فريقان، أكثرهم يقول: ما لم تثبه عقولكم فانفوه، ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه. وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون، اختلافاً أكثر من جميع اختلاف على وجه الأرض فانفوه، وإليه عند الشارع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به، وما كان مذكوراً في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم، على طريقة أكثرهم، فاعلموا إنني امتحنكم بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام، أو تسكتوا عنه مفوضين علمه إليّ. هذا حقيقة الأمر على رأي المتكلمين )!!

هذا ما قاله!! وهو: المَوضِعُ الذي صُرِعَ فيه، وتَخَبَّطَه الشيطانُ مِن المَسِّ.

فنقول له: ما تقول فيما ورد من ذِكْرِ ( العُيُوْن ) بصفة الجمع؟ وذِكْر ( الجنب )؟ وذِكْرِ ( السَّاق الواحد )؟ وذِكْر ( الأيدي )؟!

فإنْ أخذنا بظاهِرِ هذا، يلزمنا إثبات شَخْصٍ: له وجه واحد، عليه عيون كثيرة، وله جنب واحد، وعليه أيدٍ كثيرة، وله ساق واحد!! فأيّ شخص يكون في الدنيا أبشع من هذا؟

وإن تصرفت في هذا بجمع وتفريق بالتأويل، فلِمَ لا ذَكَرَه الله ورسوله وسلفُ الأمة؟

وقوله تعالى في الكتاب العزيز: { الله نور السماوات والأرض }[ النور: 35 ] فكل عاقل يعلم أن ( النور ) الذي على الحيطان والسقوف وفي الطرق والحشوش: ليس هو الله تعالى، ولا قالت المجوس بذلك.

فإن قلت: بأنه هادي السماوات والأرض ومنورها، فَلِمَ لا قالَهُ تعالى ولا رسوله ولا سلف الأمة؟

وورد قوله تعالى: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }[ ق: 16 ]، وذلك يقتضي أن يكون الله داخل الزردمة، فلم لا بيَّنَه اللهُ ولا رسوله ولا سلف الأمة؟

وقال تعالى: { واسجد واقترب }[ العلق: 19 ]، ومعلوم أن ( التقرُّب ) في الجهة: ليس إلا بالمسافة، فلم لا بينه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولا سلف الأمة؟

وقال تعالى: { فأينما تولوا فثم وجه الله }[ البقرة: 115 ]، وقال تعالى: { وجاء ربك }[ الفجر: 22 ]، وقال تعالى: { فأتى الله بنيانهم من القواعد }[ النحل: 26 ]، وقال تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم مُحْدَث }[ الأنبياء: 2 ].

وقال صلى الله عليه وسلم، حكاية عن ربه عز وجل: { من تقرَّب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة }، وما صح في الحديث: { أجد نفس الرحمن من قبل اليمن }، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: { الحجر الأسود يمين الله في الأرض }، ومن قوله صلى الله عليه وسلم، حكاية عن ربه سبحانه وتعالى: { أنا جليس من ذكرني }.

وكل هذه، هل تأمن من المُجَسِّم أن يقول لك: ظواهِرُ هذه كثرة تفوق الحصرَ، أضعاف أحاديث الجهة!! فإن كان الأمر كما يقول في نفي الجسمية، مع أنه لم يأت في شيء من هذه ما يبين خلاف ظواهرها، لا عن الله تعالى، ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا عن سلف الأمة، فحينئذ يكيل لك المُجَسِّمُ بصاعك، ويقول لك: لو كان الأمر كما قلت، لكان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم.

وإن قلت: إن العموميات قد بينت خلاف ظواهر هذه، لم نجد منها نافياً للجسمية إلا وهو ناف للجهة.

ثم ما يُؤْمِنُك من تناسخي، يَفْهَم من قوله: { في أي صورة ما شاء ركَّبَك }[ الانفطار: 8 ]، مذهبَه؟! ومِن مُعطل، يَفْهَم من قوله تعالى: { مما تنبت الأرض }[ البقرة: 61، ويس: 36 ] مُرَادَه؟! فحينئذ، لا تجد مساغاً لِمَا تَغُص به من ذلك إلا الأدلة الخارجة عن هذه الألفاظ.

ثم صار ( حاصل كلامك ): أن مقالة الشافعية والحنفية والمالكية، يلزمها أن يكون ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدَى لهم!! أفَتَرَاهم يكفِّرُونك بذلك أم لا؟

ثم جَعَلْتَ أنّ مقتضى كلام المتكلمين: أن الله تعالى ورسوله وسلف الأمة تركوا العقيدة حتى بينها هؤلاء!! فقيل لنا: إن الله ورسوله وسلف الأمة بيَّنوها، ثم انقل عنهم أنهم قالوا كما تقول: إن الله تعالى في جهة العلو لا في جهة السفل، وإنَّ الإشارةَ الحِسِّيَّة جائزةٌ إليه.

فإذا لَمْ تَجِد ذلك في كتاب الله تعالى، ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا كلام أحد من العشرة، ولا كلام أحد من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، فَعُدْ على نفسك بالأئِمَّة، وقل: لقد ألزمتُ القومَ بما لا يلزمهم، ولو لزِمَهم لكان عليك اللوم.

ثم قلت عن المتكلمين: ( إنهم يقولون: ما يكون على وفق قياس العقول فقولوه، وإلا فانفوه )!! والقوم لم يقولوا ذلك، بل قالوا: صفة الكمال يجب ثبوتها لله، وصفة النقص يجب نفيها عنه. كما قاله الإمام أحمد رضي الله عنه.

قالوا: وما ورد من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، فليُعْرَض على لغة العرب، التي أرْسَلَ اللهُ محمداً بلغتها، كما قال تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه }[ إبراهيم: 4 ]، فما فَهِمَت العَرَبُ فافهمْهُ، ومَن جاءَكَ بما يخالفه فانبذ كلامَه نبذ الحذاء المرقع، واضرب بقوله حائط الحش[3].

ثم نعقد فصلا إن شاء الله تعالى بعد إفساد ما نزغ به، في سبب ورود هذه الآيات على هذا الوجه؛ فإنه إنما تلقَّف ما نزغ به في مخالفة الجماعة، وأساء القولَ على المِلَّة: مِنْ حُثَالة الملاحدة الطاعنين في القرآن. وسَنُبَيِّنُ إن شاء الله تعالى ضلالهم، ويُعْلَم إذ ذاك: مَنْ هو مِن فِرَاخ الفلاسفة والهنود؟!

ثم لو استحيى الغافل، لعرف مقدار علماء الأمة رحمهم الله تعالى، ثم هل رأى من رَدَّ على الفلاسفة والهنود والروم والفرس غير هؤلاء الذين جعلهم فراخهم؟! وهل اتكلوا في الرَّدِّ على هذه الطوائف على قوم لا عقل لهم ولا بصيرة ولا إدراك، ثم يذرونهم يستدلون على إثبات الله تعالى في الحجاج على منكره بالنقل، وعلى منكري النبوة بالنقل حتى يصير مضغة للماضغ، وضحكة للمستهزئ، وشماتة للعدو، وفرحاً للحسود؟!! وفي قصة الحسن بن زياد اللؤلؤي عبرة للمعتبر.

ثم أخذ بعد هذا: في أن الأمور العامة إذا نفيت عنها، إنما يكون دلالتها على سبيل الإلغاز[4]!! قلنا: وكذلك المُجَسِّم يقول لك: دلالة الأمور العامة على نفي الجسمية إلغاز.

ثم قال بعد هذا: ( يا سبحان الله، كيف لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم، يوماً من الدهر، ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه[5])!! فيقال له: ما الذي دلَّت عليه حتى يقولوا إنه لا يُعْتَقد؟ هذا تشنيع بحت.

ثم يقول لك المجسم: يا سبحان الله، لِم لَم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من سلف الأمة: إن الله تعالى ليس بجسم، ولا قالوا: لا تعتقدوا من الأحاديث الموهمة للجسمية ظواهرها؟


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" قد تبيّن وسيأتي المزيد: أن هذه الصفات والمعاني التي ينتصر لها المُدّعي، ويُهوّل في شأنها، ليست في شيءٍ من الحقّ الذي زعم التمسّك والاستدلال به. " ط

[2] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:"ليت المدّعي توقّف هنا، فإنه كان ليصدق مرَّة؛ بكون شأن دعواه: ( ما فهمه من الكتاب والسّنة )، ولكن شغفه بالتضليل، لم يوقفه على حد، ولا أبقى في نفسه حُرمة لأحد. " ط

[3] - أنظر كتاب ( هدي القرآن في صفات الرحمن ) لي؛ فقد فصَّلت فيه هذا الأمر، وكشفت فيه الكثير من اللبس، بعون الله تعالى، له الحمد. ط

[4] - قال خادم الحق حفظه الله تعليقاً على متن المدعي في الردود:" لا أدري أحداً يستصوب هذا الحُكم إلا جهله مركّباً؛ فإن الألفاظ التي يحملها المُدَّعي على ظاهرها الحقيقي، هي هي في اللغة لها المعاني الأخرى التي رمز إليها بالإلغاز والتدليس، تقتضيها بحسب القرائن المُحتفّة، ولذلك قال الله تعالى: { لعلِمه الذين يستنبطونه منهم }، { فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون }. إلا أن يكون مراده أنها ألغاز عليه، أو تدليس ليس من اللغة لجهله بها!! فيكون بذلك حصر اللغة بمعرفته منها!! وكفى به كبراً وضلالاً. ط

[5] - تمام عبارة المدعي: ولكن اعتقدوا الذى تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا؛ فإنه الحق، وما خالف ظاهره، فلا تعتقدوا ظاهرَه، أو انظروا فيها، فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه، وما لا فتوقفوا فيه، أو أنفوه )! وقد علّق عليها خادم الحق حفظه الله بقوله:" ونحن نقول لك: يا سبحان الله، كيف لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم يوما من الدّهر ولا أحدٌ مِنْ سَلَفِ الأمّة: هذه الآيات والأحاديث، اعتقدوا ما دلَّت عليه حقيقَة!! فإن قلت: الأصل في الكلام الحقيقة؟ قلنا: فلا تبتر القاعدة؛ فإن تمامها: ما لم يقترن بشيءٍ يوجب له معنى آخر.

والذي آن لنا أن نشير إليه مباشرة: أن ( اللفظ ) بوضعه اللغوي، يدل على معانٍ متعدّدة، منها الحقيقي، الذي وُضع اللفظ ابتداء للدّلالة عليه، ومنها: المجازي، الذي استعمل اللفظ للدّلالة عليه بين أهل اللسان، أو الاصطلاح الشرعي أو العِلميّ، وليس الأخير موضوعنا إلا أن يقول المُدَّعي: اصطلح الشارع لتلك الألفاظ على معان خاصّة!! فنقول له: وأين أثبت ذلك وأرشد إليه؟ فعلى مَن ادَّعى معنى من المعاني في الألفاظ، أن يُثْبِتَ دلالة اللفظ عليه في اللغة ( بأن يكون اللفظ مستعملاً في اللغة للدلالة عليه )، وإرادته شرعاً ( بأن اقترن بما يُرَجّحه على معانيه الأخرى ).

وأما قوله ( لا تعتقدوا ما دلت عليه ) والسكوت هكذا، فهو للإيهام بأن تلك الألفاظ لا تدل إلا على معنى واحد، هو الحقيقة!! وهذا تلبيس، افترض فيه المُدَّعي أن سامعه لن ينظر في معاجم اللغة ويبحث في اللسان، ليكشف كذبه ومكره فيه.

وباقي الكلام ( تشنيع بحت ) كما أشار الشيخ، وقد علمت دوافعه لقوله، وألفت النظر هنا: أنه يسعى بالتكرار، لترسيخ مراده في نفس القارئ!! فتنبّه. ط