المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (( تحقيق ما به رُمي ، أبو سعيد الدارمي ))



الأزهري
19-07-2003, 14:26
(( تحقيق ما اتُهم به ورُمي ، عثمان بن سعيد الدارمي ))

إخواني الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أكتب هذا للمهتمين من طلاب العلم بقضايا الاعتقاد والدفاع عن السنة ، وأنا مضطر هنا لتوجيه كلامي لمن يعرفون كتاب النقض على بشر المريسي والمنسوب إلى أبي سعيد عثمان بن سعيد الدرامي، وكل ما نقوله عن النقض فهو صادق على الكتاب الآخر المنسوب له والمسمى بالرد على الجـهـمـية .

وقبل الولوج في لجج الكلام يحسن التنبيه إلى أمر هام ، وهو أن الإمام الدارمي صاحب السنن غير الدارمي الذي نحن بصدد الحديث عنه وعن كتابيه، فصاحب السنن هو الإمام عبدالله بن عبدالرحمن بن بهرام السمرقندي الدارمي الحافظ المتوفى سنة 255هـ ، وأما صاحبنا فستأتي ترجمته، فلينتبه إلى هذا.

إخواني ، تعلمون جميعا ما حواه كتاب النقض من عبارات ، وهذا يغنيني عن سردها هنا لتذكيركم بها ، وبسببها تم منعه من قبل الأزهر الشريف لما ظهر أول مرة، ولم يجاوز ظهوره حدود نجد، وقد تصدى لتفنيد ما فيه إبان ظهوره العلامة المحقق الأستاذ الزاهد الكوثري رحمه الله، وكلامه على هذا الكتاب مسجل في كتبه ومقالاته الشهيرة فليراجعها من شاء، ثم اختفى الكتاب مدة ليعود قريبا مطبوعا مجددا في نجد!! هذا مع أن من فيهم ميل إلى شيء من الحشو قد اعترفوا بأن الكتاب يشتمل على ما يسمونه (مبالغات) !!

فيقول الحافظ الذهبي رحمه الله عن هذا الكتاب:

(( وفي كتابه بحوث عجيبة مع المريسي يبالغ فيها في الإثبات ، والسكوت عنها أشبه بمذهب السلف في القديم والحديث )) اهـ

ثم إليك كلمة الألباني عن هذا الكتاب إذ يقول:

(( لا شك في حفظ الدارمي وإمامته في السنة ، ولكن يبدو من كتابه ( الرد على المريسي ) أنه مغال في الإثبات ، فقد ذكر فيه ما عزاه الكوثري إليه من القعود والحركة والثقل ونحوه!! وذلك مما لم يرد به حديث صحيح ، وصفاته تعالى توقيفية فلا تثبت له صفة بطريق اللزوم مثلا كأن يقال : يلزم من ثبوت مجيئه تعالى ونزوله ثبوت الحركة ، فإن هذا إن صح بالنسبة للمخلوق فالله ليس كمثله شيء فتأمل ن ))اهـ
كلام الألباني .

وأنتم تدركون تماما ـ أيها الإخوة ـ ماذا تعني كلمة الذهبي : ( يبالغ في الإثبات ) وكلمة الألباني : ( مغال في الإثبات ) ولا أدري ما معنى المبالغة والمغالاة لإثبات شيء غير ثابت باعتراف الألباني ؟!! فهل من المنطقي أن يقال بأنه يبالغ في الإثبات إذا كان ما يثبته ليس بثابت أصلا ؟؟!! إن المبالغة في إثبات ما ليس بثابت لا يجوز أن يقال عنها بأنها ( مبالغة في الإثبات ) بل هي مبالغة في الكذب والافتراء على الله .

والآن أيها القراء الكرام دعونا نتجاوز الحديث عما هو معروف من حال الكتاب للموافق والمخالف لنلقي الضوء على أمر آخر، وهذا الأمر الآخر قد كنت كتبت فيه كتابات تفرقت على صفحات النت، وهأنا أجدد كلمتي هذه فاحفظوها، لاسيما وأنا من المتصدين حاليا لمباحثة أهل الحشو، ولا أحب أن يحفظ عني أو ينسب إلي ما لم أقله قط من تضليل إنسان أو تكفيره، ودعوني أطرح هذا السؤال عليكم :

هل نملك الدليل الصحيح على صحة نسبة هذا الكتاب المليء بالحشو إلى أبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي ؟؟؟؟؟ .

لعلكم تدركون تمام الإدراك أن توجيه أمثال العلامة الكوثري الطعن والتهمة بالتجسيم والتشبيه والحشو للدارمي أو نسبته إلى المبالغة كما يقول الذهبي أو المغالاة كما يرى الألباني إنما كان سببه تصور ثبوت نسبة كتاب النقض المذكور إلى الدارمي، وبالتالي فهو مؤاخذ بما فيه، فالطعن في الدارمي فرع عن صحة نسبة الكتاب المذكور برمته إليه، والسؤال القائم أمامنا الآن : هل لدينا الدليل الصحيح على ثبوت الكتاب برمته على عثمان بن سعيد الدارمي ؟؟؟.

عندما كنت أقرأ حملة الأستاذ الكوثري على الدارمي ضمن حملته على كتاب النقض المنسوب للدارمي أحببت أن أطالع ترجمة هذا الدارمي وأرى ماذا يقول العلماء فيه، ودعوني أختار لكم هنا ترجمة الدارمي لا أقول من كتب ابن تيمية أو ابن القيم لا، ولا حتى من كتب الذهبي وابن كثير، سأنقلها من كتاب (( طبقات الشافعية الكبرى )) للإمام الحافظ التاج السبكي رحمه الله ، قال:

(( عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد السجستانى الحافظ أبو سعيد الدارمى محدث هراة وأحد الأعلام الثقات ومن ذكره العبادى فى الطبقات قائلا الإمام فى الحديث والفقه أخذ الأدب عن ابن الأعرابى والفقه عن البويطى والحديث عن يحيى بن معين قلت كان الدارمى واسع الرحلة طوف الأقاليم ولقى الكبار سمع أبا اليمان الحمصى ويحيى الوحاظى وحيوة بن شريح بحمص وسعيد بن أبى مريم وعبد الغفار بن داود الحرانى ونعيم بن حماد وطبقتهم بمصر وسليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل التبوذكى وخلقا بالعراق وهشام بن عمار وطائفة بدمشق روى عنه أبو عمرو أحمد بن محمد بن الحيرى ومؤمل بن الحسن الماسرجسى وأحمد بن محمد الأزهرى وأبو النضر محمد بن محمد الطوسى الفقيه وحامد الرفا وأحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفى وخلق ومن مشايخه فى الحديث أحمد بن حنبل وعلى بن المدينى وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وشيخه فى الفقه البويطى قال أبو الفضل يعقوب الهروى القراب ما رأينا مثل عثمان بن سعيد ولا رأى هو مثل نفسه وعن عثمان الدارمى من لم يجمع حديث شعبة وسفيان ومالك وحماد بن زيد وابن عيينة فهو مفلس فى الحديث يعني أنه ما بلغ رتبة الحفاظ فى العلم قال شيخنا الذهبى ولا ريب أن من حصل علم هؤلاء وأحاط بمروياتهم فقد حصل على ثلثى السنة أو نحوها توفى الدارمى رحمه الله فى ذى الحجة سنة ثمانين ومائتين قال الذهبى ووهم من قال سنة اثنتين وثمانين وللدارمى كتاب فى الرد على الجهمية وكتاب فى الرد على بشر المريسى ومسند كبير وهو الذى قام على محمد بن كرام الذى تنسب إليه الكرامية وطردوه عن هراة )) اهـ .
هذا مختصرا.

انظروا إلى هذه الترجمة التي أوردها الإمام الحافظ التاج السبكي ماذا ترون فيها ؟؟ هل ترون طعنا عليه ورميا بالتجسيم ؟؟ لا ، بل نجد فيها ما قيل من أنه هو من أخرج محمد بن كرام السجستاني المجسم من هراة ، وهذه منقبة للدارمي ، نعم ذكر التاج نسبة كتاب النقض إليه ولكنه لم يشنع عليه ولم يرمه بالتجسيم والتشبيه ! فماذا يعني هذا ؟؟ هل يعني أن السبكي راض عن كتاب النقض ؟ كلا قطعا ، فنحن نجزم أن التاج لا يمكن أن يرضى عن كتاب كهذا ولا عن مؤلفه، وأقرب شيء عندي أن التاج نسب الكتاب للدرامي تبعا لشيخه الذهبي لا غير، والظاهر أنه لم يطالع هذا الكتاب الذي وقف عليه شيخه الذهبي ووصفه بما تقدم من اشتماله على ( مبالغة ) ولو كان التاج قد اطلع على هذا الكتاب لما ترك الكلام والتعليق عليه بما يستحق كما فعل ذلك في تراجم متعددة من الطبقات، والآن هل مجرد نسبة التاج السبكي الكتاب للدارمي تعني ثبوت نسبة الكتاب لأبي سعيد الدارمي ؟؟؟ .

كلا أبدا ، فإننا نعرف أن نسبة كتاب معين لمؤلف معين لا تعني بالضرورة الاطلاع على صحة تلك النسبة، فكم من مؤرخ قلد من قبله في بناء التراجم ونسبة الكتب، فتقليد السبكي لشيخه الذهبي في نسبة كتاب النقض للدارمي أمر لا بعد فيه أبدا، بالإضافة إلى أن التساهل في نسبة الكتب للمؤلفين مما هو معروف عن أهل القرن السابع فضلا عمن بعدهم كما سجله عليهم الحافظ ابن الصلاح والنووي وغيرهما ، فإنهم يقولون قال فلان، وألف فلان، وهذا التصنيف لفلان، لمجرد وجود نسخة تحمل اسمه!! لكن هل هذه النسخة تتوفر لها شروط النسخة الصحيحة تلك الشروط التي نص عليها علماء مصطلح الحديث؟؟ هذا شيء آخر لم يمنع المؤرخين والمعتنين بالتراجم والطباق من التساهل في نسبة الكتب للمؤلفين، ثم قد تصح هذه النسبة وقد لا تصح ، نعم كان هذا حال كثير من المعتنين بالعلم في القرن السابع الهجري بشهادة مثل ابن الصلاح والنووي فكيف يكون حال من جاء بعدهم ؟؟ وهذا شيء معروف حاصل، وعليه فهل تسجيل كتاب النقض ضمن مؤلفات أبي سعيد الدارمي يكفي لإدانته ؟؟؟؟

الجواب: لا، لا يكفي وإن وجدنا نسبة هذا الكتاب إليه عند التاج السبكي وشيخه الذهبي، بل وعند ابن القيم وابن عبدالهادي وابن كثير وشيخهم ابن تيمية، بل ولا يكفي كذلك وجودها عند الحافظ ابن حجر وتلميذه السخاوي ولا غيرهم من أمثال الزاهد الكوثري والمعلمي والألباني، فكل هؤلاء اعتمد بعضهم على بعض في نسبة الكتاب للدارمي ، وما عسى الكوثري أو الألباني أو غيرهما أن يصنع وهو يرى كل هؤلاء المؤرخين والمترجمين يذكرون أن النقض هو من تآليف أبي سعيد الدارمي ؟! إن مكانة هؤلاء ربما دفعت من جاء بعدهم إلى تقليدهم، والإعراض عن التفحص والتحقق من نسبة الكتاب إلى الدارمي تأثرا بهم ، ولكن هل هذا هو المنهج الصحيح؟؟ لو كان كذلك فما بالنا لا نرضى بتصحيح حديث أو تضعيفه حتى نرجع إليه بأنفسنا لنلمس صحته من ضعفه طبقا لما بين أيدينا من قواعد عظيمة هي زبدة علم عظيم من علوم المسلمين علم الرجال والجرح والتعديل؟! على أن مجرد عد كتاب من الكتب ضمن مؤلفات إنسان ما لا يعني تصحيح نسبة الكتاب إليه كما أسلفنا فافترق هذا عن مسألة تصحيح حديث أو تضعيفه من هذا الوجه .

الأزهري
19-07-2003, 14:31
هذا وحتى لا يزداد الموضوع طولا فأنا أثبت هنا بعض الحقائق التي وقفت عليها بعد البحث والتنقيب :

1 ـ إن من نسب الكتاب للدارمي ينقسمون على قسمين، قسم اطلع على نسخة الكتاب ورأى مخطوطته وعليها الطبقات والسماعات وشاهد إسنادها ينتهي إلى أبي سعيد الدارمي فحكم بأن كتاب النقض هو للدارمي ، وهذا حال الذهبي وابن تيمية وابن القيم والحافظ ابن حجر وغيرهم، والقسم الثاني لم يطلع على الكتاب وإنما عزاه للدارمي تقليدا لغيره من المترجمين وهذا حال التاج السبكي والسخاوي وغيرهم فيما بدا لي، ومن جاء بعد هؤلاء إلى أيامنا هذه لم يخرج عن هذين القسمين، فأما المقلدون فلا حجة في كلامهم لأنهم لا يصدرون عن حجة وبرهان وإنما اعتمدوا على غيرهم، وأما الذين وقفوا على النسخة الخطية وشاهدوا سندها فلنا أن نشاهد السند كما شاهدوه لنتوصل إلى التالي :

2 ـ إن النسخة الخطية التي توجد بأيدينا اليوم هي فرع عن النسخة التي اطلع عليها من اطلع من المؤرخين ، والدليل على هذا أن طبقات السماع المثبتة هي هي ، والسند المثبت على النسخة هو هو ، وبعد مراجعة الفهارس والمعاجم التي خرجت هذا الكتاب كمعجم الحافظ ابن حجر نجد أن السند الذي يروون به هو هو السند المثبت على النسخة الخطية التي بأيدينا لا يخرجون عنه ، والذي اكتشفته أنا الفقير إلى الله أن السند للكتابين معا فيه مجاهيل لا يعرفون ـ أو هكذا الحال عندي ـ كمحمد بن أحمد بن الفضل وأبي روح الأزدي ومحمد بن إسحق القرشي ومحمد بن إبراهيم الصرام وغيرهم، فكيف تصح نسبة هذا الكتاب إليه على قواعد أهل الحديث ؟؟!! حتى بعض الروايات التي وجدناها مخرجة من كتاب النقض في كتب أخرى كبعض مؤلفات أبي إسماعيل الهروي لم تسلم كذلك من بعض هؤلاء المجهولين!! فكيف يتفرد المجهولون برواية هذين الكتابين ثم يتحمل الدارمي تبعة كل ما فيهما ؟؟!! لا شك أنني غير ملزم بالطعن في الدارمي بل ولست ملزما بكونه صاحب ( مبالغة ) على حد تعبير الذهبي ، ولا بكونه صاحب ( مغالاة ) كما قال الألباني فضلا عن التجسيم والتشبيه الذي يراه الأستاذ الكوثري، لأن هذا كله فرع عن صحة ذلك عن الدارمي وليس بين أيدينا سوى نسخة تحمل سندا ينتهي إلى مجاهيل لا ندري لعلهم من أتباع أبي عبدالله بن كرام المجسم الذي طرده الدارمي من هراة.

3 ـ ومما لفت نظري في كتاب النقض وجود مواطن تثير الارتياب كعبارتين متناقضتين مما يدل على حصول دس في صلب المتن فلاحظوا هذه العبارة :
(( قيل له : لا نسلم أن مطلق المفعولات مخلوقة ، وقد أجمعنا على أن الحركة والنزول والمشي والهرولة والاستواء على العرش وإلى السماء قديم ، والرضى والفرح والغضب والحب والمقت كلها أفعال في الذات للذات وهي قديمة .... )) اهـ .
فهذه العبارة فيها من التراكيب الكلامية ما لا يوجد جنسه في ذلك العصر لا سيما على لسان محدث كالدارمي .
ثم نجد العبارة التالية التي تحمل نقيض معنى الأولى :
(( والمفعولات كلها مخلوقة لا شك فيه )) !!!
فانظر هنا إلى قوله : المفعولات كلها مخلوقة ، ثم انظر إلى قوله السابق : لا نسلم أن مطلق المفعولات مخلوقة !!!!!! فمن المهم جدا هنا أن نسجل أن هاتين العبارتين متناقضتان وقد وردتا كلتاهما على أنهما من صلب المتن ، وتشتمل العبارة الأولى على لغة كلامية معقدة بعيدة عن طبيعة الدارمي كمحدث، ومن الملفت للنظر أن العبارة الأولى تتناسب ما أفكار الكرامية الذين قام الدارمي بطرد شيخهم المجسم من هراة !!! ولئن سلمنا أن إحدى العبارتين ليست من المتن ـ كما تفيده نسخة ـ بل هي تعليق من الناسخ فهذا يدل ثانية على أن هناك تصرفا في الكتاب لصالح المذهب الكرامي بلا ريب بل لعله أقوى دلالة من الصورة الأولى !! .

4 ـ ثم إنه لا ريب في احتواء كتاب النقض على عبارات غاية في البشاعة والشناعة لا عندي، ولا عند أمثال الأستاذ الكوثري فحسب، بل حتى عند أمثال الألباني وغيره من المنصفين، عبارات من مثل :
(( خبر خلق الملائكة من شعر الذراعين والصدر !! والاستلقاء على العرش!! ووضع رجل على أخرى !!! ومس الركبة !!! وأن الله تعالى يزول من مكان إلى مكان !! وأنه لو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته !!! وأن رأس المنارة أقرب إلى الله من أسفله !!! وأنه يحب ويبغض ويرضى ويسخط حالا بعد حال في نفسه !!!! وأن العرش يحمله تعالى ويقله !!! .. )) إلخ .
وهذه العبارات تسقط قائلها أيا كان بلا شك، ولكن من أين لنا بعد ما قدمنا أن هذه العبارات المشينة هي من أصل الكتاب على فرض أنه له ؟؟!! فإن الكتاب لو جاز أن يكون له فلا يمتنع أن يدس عليه فيه من العبارات التي تسقطه بقصد الانتقام منه لطرده شيخ الكرامية، ما المانع من هذا لا سيما بعد أن رأينا المجاهيل في إسناد الكتاب، وشممنا رائحة أتباع أبي عبدالله بن كرام فيه ؟؟ فكم دس الحاقدون على العلماء ما ليس من كلامهم ولا من تصانيفهم، والحاصل أن الدارمي مع هذا لم يوجه له جرح ولا نقد ولا تهمة بتشبيه ولا تجسيم ولم يشر إليه أحد ممن الف في الفرق الضالة ممن جاء بعده كالإمام أبي الحسن الأشعري وغيره مع ما ترى في هذا الكتاب المنسوب إليه من عبارات التجسيم، بينما وجهت لمن صدرت منهم عبارات هي أخف بمراحل من عبارات كتاب النقض هذا !! ولهذا كله لا نرى من الإنصاف تحميل الدارمي تبعة ما يحتويه كتاب النقض وأخوه الرد على الجـهـمـيـة.

[ رد على شبهات ]

وهذه المسألة كغيرها من المسائل القابلة للأخذ والرد والبحث والنظر لا تخلو من شبهات قد ترد عليها، فمما قد يرد قول بعضهم بأن الكتاب مشهور والشهرة كافية في نسبة الكتب على مؤلفيها !!
والجواب أن هذه الحجة هي التي استند إليها مثل العلامة البقاعي الذاهب على تكفير المحي بن عربي ، ولسنا نرى الشهرة كافية لتصحيح حديث تالف الإسناد فكيف نراها كافية لتصحيح نسبة كتاب تؤدي على تكفير المؤلف؟؟!! ولم نسمع أن أحدا من علماء الحديث ذهب إلى أن شهرة الحديث تعني صحته وتغني عن بحث إسناده ولو احتوى على مجهول أو كذاب ، فلا شك أن هذه شبهة ضعيفة لا تقوى على النهوض.

ومن الشبهات التي أوردها الأستاذ الكوثري تمهيدا لإسقاط الدارمي من عين الاعتبار قوله بأن أحدا من رجال الكتب الستة لم يخرج له مع تخريجهم لمن في طبقته .

والجواب أن هذا ليس بلازم، فنرى أن الدارمي يحتل مكانة متميزة بين غير أصحاب الكتب الستة من أئمة الحديث، فتردد اسمه بكثرة في أسانيد الحاكم النيسابوري والحافظ البيهقي وغيرهما من أهل تلك النواحي مما لا يرتاب فيه مطلع، وكون أصحاب الكتب الستة لم يخرجوا له شيئا كما قاله الأستاذ الكوثري لا يكفي لتثبيت تهمة التجسيم عليه وتصحيح نسبة النقض إليه ..

[ الخاتمة ]

ونختم هذه الرسالة بتلخيص النتيجة التي توصلت إليها منذ مدة ، وهي أن الدارمي عثمان بن سعيد لا يجوز لنا أن نحمله تبعة ما ورد في كتاب النقض من تجسيم ومن ثم إسقاط رواياته الورادة في كتب أمثال الحاكم والبيهقي وغيرهما، وذلك لأن التهمة الموجهة إليه فرع عن ثبوت نسبة كتاب النقض إليه، بينما لا نرى بعد البحث والنظر أن هذا الكتاب تصح نسبته للدارمي أصلا لأن النسخ التي بين أيدينا ترجع إلى أصل واحد ناسخه مجهول وسنده ينتهي بغير واحد من المجهولين، وتبين لنا من خلال تناقض بعض العبارات أن الكتاب لم يسلم من أصابع كرامية عابثة في الكل أو البعض، وتبين لنا أن مجرد ورود اسم الكتاب في مصنفات الدارمي عند من ترجمه لا يعطي أي حجة على صحة نسبة الكتاب إليه ، ومن ثم لا نجوز وصف الدارمي بالتجسيم مطلقا حتى يقيد ذلك بفرض ثبوت الكتاب له ، وهذا ما لا نراه والله أعلم.

سعيد فودة
23-07-2003, 12:42
بارك الله تعالى فيك ونفع بك أيها الأزهري الفاضل،
أنا أحب أن أقرأ لك وكل ما تكتبه فهو مفيد.
ومع ذلك فلا يلزم من ذلك عدم النقد على ما تقول، بل لي عليه بعض الملاحظات أرجو أن يتسع صدرك وهو كذلك لسماعها:
أولا: هذه الطريقة التي اتبعتها في الحكم على الدارمي في نظري ليست سديدة، بل يترتب عليها عدة محظورات، منها رفع الثقة بالكثير منا الكتب التي وردتنا، فبإمكان أي واحد أن يقول هذه العبارة دست على ابن عربي أو هذه العبارة قد زيدت في كتب ابن تيمية، كما تقول أنت أن هذه بعض العبارات قد دست في كتاب الدارمي إن صح أنه له.
ثانيا: ترى كيف نستطيع الرد على من يطبق هذا الأسلوب على ابن تيمية نفسه، فيقول إن بعض العبارات التي اعترضنا عليه لأجلها قد دست عليه. خاصة أن كتبه لم تصلنا على سبيل التواتر، بل آحادا متفرقة، كما تعلم. ولا يوجد أسانيد حسب علمي متصلة وثابتة بابن تيمية لكتبه.
ثالثا: إنك ستبعدت أن تكون بعض العبارات الواردة في كتاب الدارمي له، لأنها على حسب تعبيرك تحتوي على تعبيرات كلامية معقدة، واستبعدت أنت أن يكون الدارمي المشتغل بالحديث قائلها. وهذا عندي ليس بقوي، لأمور عديدة، منها أن هذا لا يمنع ذلك، ولا تعارض بينهما، فيمكن أن يوجد محدث مطلع علىعلم الكلام، خاصة إذا كان داعية له، مدافعا عنه، وألا يوجد محدثون أشاعرة ومتثبتون من اصطلاحات علم الكلام؟ ومنها أن ذلك العصر كانت الخلافات فيه على أوجها بين الفرق الإسلامية، والسجال بينها مشهورا، والمطلع على ما نقله الأشعري وكثير غيره عن أهل تلك العصور التي نعتبرها متقدمة، يستغرب كثيرا مما يجده في ثناياها من دقيق الاصطلاحات، والكلام في الكثير من الدقائق التي أخذها عنهم من بعدهم. ثم إنني لا أسلم أن ما نطق به الدارمي من قوله "كلها أفعال في الذات للذات وهي قديمة" وغيره، فهذا القول سهل يسير، بل هو معبر عن حقيقة عقائد المجسمة والبعض الكرامية وبعض من انتسب للمحدثين كالدارمي، وادعى أنه يحقق عقائد أهل السنة، وليس هذا قولا معقدا حتى نستبعد أن يصدر من واحد ألف مثل هذا الكتاب.
رابعا: إن ما أشرت إليه من تناقض، على التسليم به، فهذا لا يستدعي الشك في نسبة الكتاب للدارمي، وهل التناقض بين العبارات التي يقول بها هو، أعظم من التناقض مع العقائد الضرورية حتى يكون هذا دليلا على أنه لم يقله، وذاك ليس دليلا. أقصد: إذا كان تناقضه مع كلام نفسه يصح أن يتخذ دليلا على أنه لم يقله، ألا يجب القول عندذاك، أن تناقضه مع العقائد الصحيحة دليل على أنه لم يكتب هذا الكتاب؟؟ إن من البين أن هذا لازم، وعندذاك، يصح أن يتم براءة كل من انتسب إلى الحديث من كل قول قاله بحجة أنه منتسب وحافظ للحديث؟؟ وأين تذهب مما في كتاب ابن خزيمة الذي لا أعرف أحدا شكك في نسبته إليه، حتى الآن، وأين تذهب من كتاب العلو للذهبي، بل ماذا تقول في كتب ابن تيمية نفسه، وهو لا شك أنه من المشتغلين بالحديث، وأين تذهب مما قيل في حق كثير من المحدثين الذين مالوا إلى الحشو، هل نستطيع بناء على ذلك أن نبرئهم جميعا مما قالوا، لمجرد أنهم اشتغلوا بالحديث.
ألا يلزم بشكل أولى أن ننزه الحافظين لكتاب الله تعالى من أن يكونوا قد قالوا أي شيء يخالف العقائد الصحيحة، وذلك لمجرد أنهم حفظوا كتاب الله تعالى.
ولذلك السبب نفسه، ولكن بشكل آخر، فأنت أيها الأخ العزيز تذهب إلى براءة ابن عربي أو على الأقل إلى عدم الجزم بأنه قائل بما ينسب إليه من وحدة الوجود، والحجة في ذلك عندك يجب أن تكون أنه اشتر كونه من الأولياء الصالحين، والعباد المعدودين. ألم يكن ابن كرام زاهدا، وألم يكون صاحب منازل السائرين صوفيا كبيرا، وكذلك كثير غيرهم.
إن هذه الطرق للترجيح ونقد ما في الكتب واتخاذ مواقف منها ومن أصحابها لا تنفع عندي؟
خامسا: إن العبارة التي نقلتها ليست صريحة في التناقض، فإن القسم الأول منها يقصد منه بالمفعولات الأفعال القائمة بذات الله تعالى غير المنفصلة عن الله تعالى على قولهم وذلك يفهم من خلال الأمثلة التي مثل بها، وأما العبارة الثانية التي أطلق فيها القول بأن المفعولات كلها مخلوقة فإنه قصد بالمفعولات أي المفعولات الزائلة عن الله تعالى، والتي يعبر عنها ابن تيمية بالمباينة له المنفصلة عنه ويفهم ذلك من قوله قبل (من زعم أن القرآن فعل الله الزائل عنه) ومن عبارات أخرى.
وبهذا التفسير ينحل التناقض، واعلم أن ابن تيمية يفرق بين المخلوق والحادث، فالمخلوق عنده هو الذي أوجده الله تعالى في خارج ذاته، وأما الحادث فهو الذي أوجده ابن تيمية في ذاته، وهذا الفرق موافق لما ذكره الدارمي هنا في العبارة التي نقلتها أيها الأخ العزيز، وهذا الفرق مشهور عند المتقدمين والمتأخرين من المشبهة والمجسمة على اختلاف فرقهم، ومع اختلافهم في بعض التفاصيل.
هذه هي بعض ملاحظاتي السريعة بلا مراجعة مدققة، بل اعتمدت فيها أولا على نفس العبارة التي نقلتَها أنت في مقالتك. وثانيا على ما أفهمه وأعرفه من طرق المجسمة والمشبهة في نقل وتبرير مقالاتهم. ولهم في ذلك فنون عجيبة أنت عارف بها أيها الأخ العزيز الفاضل.
وإن كان لك أي تعليق فأنا مستعد لسماعه والنظر فيه. وأسأل الله تعالى أن يمنحني بعض الوقت لزيادة التدقيق في ذلك.
والله تعالى الموفق

الأزهري
24-07-2003, 04:39
[بارك الله تعالى فيك ونفع بك أيها الأزهري الفاضل،
أنا أحب أن أقرأ لك وكل ما تكتبه فهو مفيد. ]

لا أدري إن كنت أنت الشيخ العالم سعيد فودة أم شخص آخر محب له، لكن الذي بدا لي من خلال هذا المكتوب أن الأسلوب هو الأسلوب، وعليه أرحب بالشيخ العالم سعيد فودة أمتع الله به المسلمين، وأسجل اهتمامي بكل ما تكتبون، بارك الله لكم في علمكم وزادكم منه.

[ ومع ذلك فلا يلزم من ذلك عدم النقد على ما تقول، بل لي عليه بعض الملاحظات أرجو أن يتسع صدرك وهو كذلك لسماعها: ]

حبا وكرامة.

[ أولا: هذه الطريقة التي اتبعتها في الحكم على الدارمي في نظري ليست سديدة، بل يترتب عليها عدة محظورات، منها رفع الثقة بالكثير منا الكتب التي وردتنا ]

لقد تكلم علماؤنا رضي الله عنهم عن هذه المسألة وبينوا تساهل الناس فيها، وسلكوا فيها مسلك الأخبار والآثار واشترطوا لتصحيحها شروطا ، فإن وجدت وإلا لم تصح، فإن كانت هذه القواعد التي نص عليها الأئمة رحمهم الله ستفقدنا الثقة في كثير من الكتب التي بأيدينا فليكن ذلك ولا ضير ، فلأن نفقد الثقة بها خير لنا من أن نثق بها وننقل منها ما هو باطل وكذب، وإن كنتم دام فضلكم تريدون تفصيل أقوال العلماء في شروط النسخ الصحيحة فعلت ذلك.

[ فبإمكان أي واحد أن يقول هذه العبارة دست على ابن عربي أو هذه العبارة قد زيدت في كتب ابن تيمية، كما تقول أنت أن هذه بعض العبارات قد دست في كتاب الدارمي إن صح أنه له ]

الأمر كما قلت لكم مرتبط بقواعد محددة ، فإن كان القائل إنما يقول ذلك بناء على أدلة وقواعد معتبرة فله ذلك وإلا فلا ، ألا ترى أنه بإمكان أي أحد أن يكذب خبرا أو يضعفه ، ولكن ليس كل أحد يسمع قوله حتى يدلي بحجة ناهضة، فمن رد خبرا لعلة فيه فقوله مسموع بخلاف من رده بلا علة ، وأنا ما رددت نسبة الكتاب للدارمي اعتباطا، بل بحجج بينتها لا تختلف عما يسلكه الناظر في أسانيد الأخبار.

[ ثانيا: ترى كيف نستطيع الرد على من يطبق هذا الأسلوب على ابن تيمية نفسه، فيقول إن بعض العبارات التي اعترضنا عليه لأجلها قد دست عليه. خاصة أن كتبه لم تصلنا على سبيل التواتر، بل آحادا متفرقة، كما تعلم. ولا يوجد أسانيد حسب علمي متصلة وثابتة بابن تيمية لكتبه ]

لا يخفى على جنابكم بأن الخبر المجهول يعتضد بتعدد الطرق وبالقرائن، فلو ورد خبر في سنده مجهول ثم تابعه مجهول آخر فإنهما يعتضدان إن كانا قريبين من المروي ، نص على هذا المحدثون مثل الذهبي وغيره، فلك أن تقول بأن تعدد الأسانيد يجبر الجهالة، وهكذا قالوا تعدد النسخ القريبة من عهد المؤلف تجبر جهالة الناسخ إن اختلفت مخارج النسخ، فإن كان الكتاب الذي تريدون تحقيق نسبته لابن تيمية لم تتوفر له شروط الصحة ولا حتى شروط الانجبار ولو بالقرائن فليس من السديد تصحيح نسبته ولا يجوز أن نقول قال ابن تيمية في الكتاب الفلاني كذا، وانا أصلا قد قلت هذا من قبل في حوار خاص.
http://forum.rayaheen.net/showthread.php?s=&postid=14342&t=4303#post14342

[ ثالثا: إنك ستبعدت أن تكون بعض العبارات الواردة في كتاب الدارمي له، لأنها على حسب تعبيرك تحتوي على تعبيرات كلامية معقدة، واستبعدت أنت أن يكون الدارمي المشتغل بالحديث قائلها. وهذا عندي ليس بقوي، لأمور عديدة، منها أن هذا لا يمنع ذلك، ولا تعارض بينهما، فيمكن أن يوجد محدث مطلع علىعلم الكلام، خاصة إذا كان داعية له، مدافعا عنه،]

نعم ولكن الذي انتهيت إليه أن الدارمي ليس من هذا النوع .

[ وألا يوجد محدثون أشاعرة ومتثبتون من اصطلاحات علم الكلام؟ ومنها أن ذلك العصر كانت الخلافات فيه على أوجها بين الفرق الإسلامية، والسجال بينها مشهورا، والمطلع على ما نقله الأشعري وكثير غيره عن أهل تلك العصور التي نعتبرها متقدمة، يستغرب كثيرا مما يجده في ثناياها من دقيق الاصطلاحات، والكلام في الكثير من الدقائق التي أخذها عنهم من بعدهم. ]

كل تفضلتم به وإن أمكن وجوده بالطبع لكنه بعيد عن الدارمي .

[ ثم إنني لا أسلم أن ما نطق به الدارمي من قوله "كلها أفعال في الذات للذات وهي قديمة" وغيره، فهذا القول سهل يسير، بل هو معبر عن حقيقة عقائد المجسمة والبعض الكرامية وبعض من انتسب للمحدثين كالدارمي، وادعى أنه يحقق عقائد أهل السنة، وليس هذا قولا معقدا حتى نستبعد أن يصدر من واحد ألف مثل هذا الكتاب. ]

لو درستم أسلوب الدارمي في الكتابين فلعلكم تغيرون رأيكم هنا، لا يمكنكم أن تجدوا في كلام محدث توفي سنة 280 عبارة ( لا نسلم أن مطلق المفعولات .. ) وهذا تحدي.


[ رابعا: إن ما أشرت إليه من تناقض، على التسليم به، فهذا لا يستدعي الشك في نسبة الكتاب للدارمي، ]

لا تنسوا أن لدينا نسخة واحد بإسناد واحد فقط وهذا يعني أن إحدى العبارتين لأحد من وقعت هذه النسخة في يده وبالتالي يثبت لدينا أن من شخصا مجهولا غير موثوق بمرة قد تلاعب في الكتاب فيسقط اعتباره .

[ وهل التناقض بين العبارات التي يقول بها هو، أعظم من التناقض مع العقائد الضرورية حتى يكون هذا دليلا على أنه لم يقله، وذاك ليس دليلا. أقصد: إذا كان تناقضه مع كلام نفسه يصح أن يتخذ دليلا على أنه لم يقله، ألا يجب القول عندذاك، أن تناقضه مع العقائد الصحيحة دليل على أنه لم يكتب هذا الكتاب؟؟ ]

نعم هو كذلك إن عرفنا عنه صحة الاعتقاد تصريحا في موضع آخر ، مثال ذلك كتاب السحر المنسوب للفخر نقطع بأنه ليس له لنفس السبب، كل من يريد الدفاع عن الفخر ورد نسبة هذا الكتاب له سيعتمد على كلام له في تقرير التوحيد وتبشيع السحر ، وسأزيد انا بإبطال نسخة كتاب السحر هذا من جهة السند والنسخ وشروطها، فالعقيدة الثابتة المنصوصة عنه تدفعنا إلى أن نرد خلاف المشهور عنه.

[ إن من البين أن هذا لازم، وعندذاك، يصح أن يتم براءة كل من انتسب إلى الحديث من كل قول قاله بحجة أنه منتسب وحافظ للحديث؟؟ ]

هو كذلك إذا كان المنقول عنه خلاف ذلك كالإمام أحمد نكذب رأسا كتاب الرد على الجهمية المنسوب له لأنه بخلاف الاعتقاد المشهور عنه.

[ وأين تذهب مما في كتاب ابن خزيمة الذي لا أعرف أحدا شكك في نسبته إليه، حتى الآن، وأين تذهب من كتاب العلو للذهبي، بل ماذا تقول في كتب ابن تيمية نفسه، وهو لا شك أنه من المشتغلين بالحديث، ]

ليس كلامنا فيمن ثبت عليه التصنيف في الحشو وصح سند كتابه إليه، فكتاب ابن خزيمة ثابت له فضلا عن قرائن خارجية تثبت الكتاب، وتثبت تورطه في الحشو.


[ وأين تذهب مما قيل في حق كثير من المحدثين الذين مالوا إلى الحشو، هل نستطيع بناء على ذلك أن نبرئهم جميعا مما قالوا، لمجرد أنهم اشتغلوا بالحديث ]

لم نقل أن الاشتغال بالحديث هو عنوان البراءة أصلا، وإنما لنا بأن المحدثين كأحمد بن حنبل من ابعد الناس عن الخوض في المصطلحات الكلامية فهذا من حججنا في إبطال نسبة كتاب الرد على الجهمية له فهو محدث ما له وللكلام والخوض في الدقائق التي ليست من طريقته ولا عرفت عنه؟؟ هل تصدق مثلا أن الإمام مالك يصنف كتابا في الجفرافيا أو الرياضيات ؟؟!! و أما ثيوت الحشو على محدث فهو شيء عادي لأن الحشو حصل فيهم كثيرا ، لكن نقول أيضا إن التهمة بشيء لا بد أن تستند إلى دليل ناهض.


[ ألا يلزم بشكل أولى أن ننزه الحافظين لكتاب الله تعالى من أن يكونوا قد قالوا أي شيء يخالف العقائد الصحيحة، وذلك لمجرد أنهم حفظوا كتاب الله تعالى. ]

متى قلنا هذا ؟؟ لعلكم تعجلتم في فهم عبارتي ومقصودي.

[ ولذلك السبب نفسه، ولكن بشكل آخر، فأنت أيها الأخ العزيز تذهب إلى براءة ابن عربي أو على الأقل إلى عدم الجزم بأنه قائل بما ينسب إليه من وحدة الوجود، والحجة في ذلك عندك يجب أن تكون أنه اشتر كونه من الأولياء الصالحين، والعباد المعدودين. ]

من قال بأنني بنيت هذا على ما اشتهر عنه من صلاح وزهد ؟؟!! أولا لأن اشتهار الصلاح والزهد عنه غير معروف لدي، ثانيا الذي أذهب إليه هو التوقف فيه وإن شئت قلت عدم الجزم بكونه وجوديا ثالثا توقفي مبني على تضارب الأقوال في شأنه وتشكيك غير واحد في صحة نسبة الفصوص إليه والتي لم يعرف ابن تيمية مقصوده حتى قرأها.

[ ألم يكن ابن كرام زاهدا، وألم يكون صاحب منازل السائرين صوفيا كبيرا، وكذلك كثير غيرهم. ]

نعم فنستبعد عليهم مثل شرب الخمر والفسق الظاهر إذا عزي غليهم لا الحشو ، فهذا غير مستبعد أبدا عليهم ، متى قلت أنا بأن ذا الصلاح نستبعد عليه الحشو ؟؟!!

[ إن هذه الطرق للترجيح ونقد ما في الكتب واتخاذ مواقف منها ومن أصحابها لا تنفع عندي؟ ]

هي عندي واجب قبل الخوض في أعراض أهل لا إله إلا الله .

[ خامسا: إن العبارة التي نقلتها ليست صريحة في التناقض، فإن القسم الأول منها يقصد منه بالمفعولات الأفعال القائمة بذات الله تعالى غير المنفصلة عن الله تعالى على قولهم وذلك يفهم من خلال الأمثلة التي مثل بها، وأما العبارة الثانية التي أطلق فيها القول بأن المفعولات كلها مخلوقة فإنه قصد بالمفعولات أي المفعولات الزائلة عن الله تعالى، والتي يعبر عنها ابن تيمية بالمباينة له المنفصلة عنه ويفهم ذلك من قوله قبل (من زعم أن القرآن فعل الله الزائل عنه) ومن عبارات أخرى.
وبهذا التفسير ينحل التناقض، ]

هو تفسير بعيد عندي فبين عبارة لا نسلم أن مطلق المفعولات مخلوقة وعبارة والمفعولات كلها مخلوقة تناقض واضح ظاهر لا يرده ما ذكرتم.

[ واعلم أن ابن تيمية يفرق بين المخلوق والحادث، فالمخلوق عنده هو الذي أوجده الله تعالى في خارج ذاته، وأما الحادث فهو الذي أوجده ابن تيمية في ذاته، ]

أعلم ذلك.

[ وهذا الفرق موافق لما ذكره الدارمي هنا في العبارة التي نقلتها أيها الأخ العزيز، وهذا الفرق مشهور عند المتقدمين والمتأخرين من المشبهة والمجسمة على اختلاف فرقهم، ومع اختلافهم في بعض التفاصيل.]

هذا مسلم لو أن العبارة المذكورة لم تنقض بضدها، لكنها منقوضة بضدها بجلاء ، ( المفعولات كلها مخلوقة لا شك ) و ( لا نسلم أن مطلق المفعولات مخلوقة ) !! حتى كأن إحداهما رد على الأخرى، فلا يظهر لي إلا التناقض البين الدال على أن إحدى العبارتين لمجسم كرامي وهي التي يتنزل عليها بيانكم الآنف.

[ هذه هي بعض ملاحظاتي السريعة بلا مراجعة مدققة، بل اعتمدت فيها أولا على نفس العبارة التي نقلتَها أنت في مقالتك. وثانيا على ما أفهمه وأعرفه من طرق المجسمة والمشبهة في نقل وتبرير مقالاتهم. ولهم في ذلك فنون عجيبة أنت عارف بها أيها الأخ العزيز الفاضل.
وإن كان لك أي تعليق فأنا مستعد لسماعه والنظر فيه. وأسأل الله تعالى أن يمنحني بعض الوقت لزيادة التدقيق في ذلك.
والله تعالى الموفق ]

لا فض فوك ولا أفلح من يجفوك، وهذا الذي كتبته أنا الآن ردا على ما تفضلتم به لا يعني أنني أجزم جزما وأقطع قطعا بكل حجة جاءت فيه بل هي متفاوتة الدرجات، والمسألة برمتها عندي قابلة للاجتهاد غير أني أقول ختاما: لو لم يكن فيما طرحته أنا إلا شبهات لا ترتقي للظن لكانت كافية لدرء حد الكفر ، والله أعلم.

[ ملاحظة ]

أتمنى من جنابكم أن تفيضوا في مسألة كتاب الغنية للشيخ عبدالقادر الجيلاني وتبدوا رأيكم فيه وهل تصح نسبته أم لا ؟ وما الدليل ؟ وعلى القول بالثبوت فبم تحكمون على الشيخ ؟

سعيد فودة
24-07-2003, 12:20
بارك الله تعالى فيك أيها الأزهري،
كلامك عالٍ كأنتَ، ولكن فيه ما يلي:
أولا: نحن نردُّ نسبة كتاب الرد على الجهمية وغيره إلى الإمام أحمد لأن الإمام أحمد اشتهر عنه الكلام في التوحيد، وشهد له أهل السنة بصحة العقيدة، ولم نسمع من أحد منهم قدحا فيه، فكانت نسبة نحو هذا الكتاب أمرا مشكوكا فيه. فشهرة صحة الاعتقاد مع شهادة أهل السنة عدم وجود ما يخالف ذلك عنه، كاف في رد الكتاب والله أعلم. فإن انضم إلى ذلك ضعف السند، ووجود روايات أخرى عنه وعن أصحابه بخلاف ما أودع في ذلك الكتاب، فإن رجحان عدم صدور ذلك الكتاب عنه يصير أقوى بلا شك. فشهرة صحة عقائد الإمام أحمد بين العلماء لا بين العامة، مع كلامه فيها كافٍ عندنا لا في رفعة شأنه في هذا الفن، بل في عدم غلطه فيما تكلم فيه غلطا بينا يستحق الانتقاد عليه والتشهير به.

ثانيا: إن الدارمي اشتهر عنه كتابه الرد بشر المريسي، ولم أعرف له روايات أخرى تناقض ما في ذلك الكتاب، ولم أعرف أحدا من أهل السنة رد عنه تهمة التشبيه والتجسيم خاصة ممن اطلع على كتابه لا ممن يبني على حسن الظن فقط، بل منهم من نبه إلى ما في كتابه هذا من مفاسد. وأيضا إن أصحابه ممن يتابعوه على هذه العقائد لم يقدح أحد منهم في نسبة الكتاب إليه مع اعترافهم بسوء بعض ما فيه على الأقل، كما ذكرت أنت. بل كلهم اطرد تعامله على كون الكتاب له لا لغيره، ولم نسمع احتمال الدس في كتابه كما تقول أنت، كما قالها العلماء فيمن دسَّ عقائد فاسدة على الإمام الأشعري والإمام أحمد، والإمام ابن فورك، وغيرهم من العلماء.
فهل لديك روايات أخرى من غير هذا الكتاب تبرئ الإمام الدارمي من تهمة التجسيم التي يمتلئ كتابه هذا بها؟؟
أنا أتمنى لو وجدت شيئا من ذلك، فليس مقصدنا نفي أن يكون من أهل الحق، بل غاية مرامنا وقرة أعيننا بتكثير أهل الحق لا بإنقاصهم، بل إن ثبت أن واحدا مثل الدارمي لا يقول بتلك العقيدة، فهذا لنا لا علينا.

ثالثا: كلامنا أخيرا لا يتوجه أصالة على تكفير الدارمي ولا غيره، بل ولا ابن عربي ولا ابن تيمية، بل إن كلامنا يتركز في نقد العقائد الفاسدة المودعة في الكتب أو المشهورة على ألسنة أصحابها، وذلك بغض النظر عن صحة نسبتها أو لا، ولكننا نبني غالبا على ما اشتهر من النسبة، ما لم يوجد هناك دليل يغلب هذه الشهرة فينفي نسبة العقيدة الباطلة إلى من تنسب إليه؟
فالمقصود أصالة هو التنبيه إلى فساد العقائد، لا الحكم بتكفير زيد أو عمرو. ولكن يلزم أحيانا التنبيه إلى من تنسب إليه هذه العقائد لشهرة انتسابها إليه.
فنحن نبطل الفاسد من الأقوال لا بقيد كونها منسوبة إلى فلان أو فلان، بل لذاتها ونسبتها إلى من تنسب إليه عرضي من أعراضها.

رابعا: أما ابن عربي، فلا يتوقف فهم كلامه في وحدة الوجود على قراءة كتاب الفصوص، وإن قال ذلك ابن تيمية، بل إن وحدة الوجود مفهومة من غيره من كتبه. وابن تيمية ليس بحجة عندي لا في الفهم ولا في الحكم ولا في النقل أيضا خاصة في دقيق المسائل.

خامسا: وهذا المنهج الذي ذكرته آنا، يُطّبَّقُ أيضا على ما نُقِلَ عن الإمام الجيلاني، فنقول اختصارا، إن أهل السنة شهدوا له بحسن الاعتقاد، ونصوصهم في ذلك معروفة معلومة، ورفضوا أن تكون هذه العبارة له، وتوجد له في بعض كتبه الأخرى ما يخالف ذلك، ثم أخبرني بعض مشايخ الجيلانية أنهم لا يقولون بالجهة بل ينكرون ذلك قولا واحدا، ولا يصححون نسبة ما ورد في كتابه الغنية من القول بالجهة وغيرها إلى إمامهم. وهذا عندي كاف في رد ونقض نسبته إليه. فالأتباع والأصحاب أعرف بأقوال إمامهم من غيرهم. وهذا خلاف ما يقال في الدارمي، فأتباعه لا يبرئونه من ما قاله، ولكنهم يخجلون أنه صرح به هكذا، ولسان حالهم يقول: يا ليته لوح وما صرح، لأنهم بذلك يفضحهم من حيث لا يدري. وهذا ما قاله الإمام الزاهد الكوثري.
وأنا لا أعرف أحدا غير ابن تيمية قد نسب إلى الإمام الجيلاني هذه العقيدة ولم يبرئه منها، بل إنه سعد من وجدانها في بعض كتبه، مع شهرة الجيلاني التي تستلزم الإنكار عليه من الناس إن قال بمثل ذلك فعلا، كما هو الحال مع الدارمي.
ويا ليتك تنقل لنا عن بعض الأئمة الكبار المعتد بهم في العقائد من أنكر نسبة هذا الكتاب قبلك إلى الدارمي، أو أنكر أن الدارمي يقول بتلك العقائد عن دراية بالكتاب وبصاحبه لا عن مجرد إحسان للظن به. أو أن تورد بعض الأقوال المنقولة عنه والتي تخالف ما هو موجود في كتابه هذا.
فإن أثبتَّ ذلك تكون قد أحسنت إلينا وإلى أهل الحق؟

سادسا: أما قولك بأن حل التناقض بين العبارتين بالطريقة التي كنت ذكرتها غير كاف، فليس بصحيح، بل هو المتبادر عندي بملاحظة الأمثلة التي ذكرها في ذلك الموضع، وتوجد عبارات أخرى كثيرة مستنكرة في هذا الكتاب أفظع مما أشرت إليه.

سابعا وأخيرا: أنت تقول أنك عرفت أن الدارمي ليس من النوع الذي يخوض في مثل تلك المسائل، ولذلك تستبعد أن تكون ذلك الكتاب أو بعض عباراته صادرة عنه، فأسألك من أين عرفت أن الدارمي كذلك؟

ملاحظة: بعض الإلزامات التي أوردها عليك، لا أعني بها أنك أنت شخصيا تقول بها، ولكنها إلزامات بناء على ما أفهمه أنا من كلامك وصيغة عباراتك، وأنت تعرف أن هذه الطريقة جائزة في النظر والمباحثة، ويكفي للخصم أن يقول لا يلزمني ذلك لكي ينفك عنه ويبرأ منه، ولا يلزم السائل أن ينقل بالسند هذه العبارة صريحة من كلام الخصم، فأنا لا أقول إنك صرحت بما استلزمته أنا من بعض معانيك، ولكنها تنبيهات يستلزمها البعض بناء على المعاني المفهومة منه. فأرجو منك أن لا تتضايق من ذلك، فأنت عندي كبير وعزيز، بل أنت فاضل حقيقة أيها الأزهري.
والله تعالى الموفق.

الأزهري
26-07-2003, 01:46
[ بارك الله تعالى فيك أيها الأزهري،
كلامك عالٍ كأنتَ، ولكن فيه ما يلي: ]

وبارك فيك.

[ أولا: نحن نردُّ نسبة كتاب الرد على الجهمية وغيره إلى الإمام أحمد لأن الإمام أحمد اشتهر عنه الكلام في التوحيد، وشهد له أهل السنة بصحة العقيدة، ولم نسمع من أحد منهم قدحا فيه، فكانت نسبة نحو هذا الكتاب أمرا مشكوكا فيه. فشهرة صحة الاعتقاد مع شهادة أهل السنة عدم وجود ما يخالف ذلك عنه، كاف في رد الكتاب والله أعلم. فإن انضم إلى ذلك ضعف السند، ووجود روايات أخرى عنه وعن أصحابه بخلاف ما أودع في ذلك الكتاب، فإن رجحان عدم صدور ذلك الكتاب عنه يصير أقوى بلا شك. فشهرة صحة عقائد الإمام أحمد بين العلماء لا بين العامة، مع كلامه فيها كافٍ عندنا لا في رفعة شأنه في هذا الفن، بل في عدم غلطه فيما تكلم فيه غلطا بينا يستحق الانتقاد عليه والتشهير به.]

هذا ما قلناه، ولكن رد نسبة ما هو ضعيف الثبوت لا يجوز أن يتوقف على اشتهار أو غير اشتهار، فالقول الضعيف يرد.

[ ثانيا: إن الدارمي اشتهر عنه كتابه الرد بشر المريسي، ولم أعرف له روايات أخرى تناقض ما في ذلك الكتاب، ]

هذا لا يصلح دليلا كما لا يصلح اشتهار كتاب الرد على الجهمية على أنه من تصانيف أحمد ولا اشتهار الغنية على انه من تصانيف عبدالقادر، وكذلك اشتهار كثير من الأحاديث لا يصححها كما هو مقرر عند أهله ، لجواز أن يكون العدد الكثير الناقل إنما حصل في طرف الإسناد المتأخر كما هو الحال بالنسبة لكتاب الدارمي بدليل أنه لم يشتهر عنه في عصره ولا قريبا منه.
ووجود روايات تنقض ما في كتابه ليس بكاف لتمام تهمته كما لم نجد روايات عن أحمد ولا عبدالقادر ترد على ما نقل عنهما في الكتابين المذكورين، كما لا يشترط لرد حديث مشهور ضعيف أن يرد حديث آخر يحمل معنى مضادا، فتضعيف العلماء وردهم لما لم يثبت لم يتوقف على وجود شيء ثابت ينقض غير الثابت.

[ ولم أعرف أحدا من أهل السنة رد عنه تهمة التشبيه والتجسيم خاصة ممن اطلع على كتابه لا ممن يبني على حسن الظن فقط، ]

إنما ترد التهمة بعد ثبوتها أو على الأقل نسبتها إليه، ولم نر أحدا نسب إليه هذه التهمة أصلا قبل الإمام الكوثري رحمه الله، وحتى الذين اطلعوا على هذا الكتاب المنسوب إليه لم يتهموه بهذا خاصة مثل الحافظ ابن حجر والحافظ السخاوي وغيرهم، أما الأستاذ الكوثري فمتأخر وقوله ليس حجة علينا.
وعليه فلنا أن نعكس عليكم قولكم بأننا لم نعرف أحدا من أهل السنة قبل الأستاذ الكوثري اتهمه بالتشبيه أو التجسيم خاصة ممن اطلعوا على كتابه.


[ بل منهم من نبه إلى ما في كتابه هذا من مفاسد ]

لا شك أن في الكتاب مفاسد ، ولكن كلامنا في مدى صحة نسبتها إليه، وإلا فلو كان التنبيه على مفاسد كتاب ما كافيا لصحة نسبته لمن عزي له لثبت كتاب السحر والمضنون والرد على الجهمية ورسالة الإصطخري وغيرها ، وهذا بادي الفساد .


[ وأيضا إن أصحابه ممن يتابعوه على هذه العقائد لم يقدح أحد منهم في نسبة الكتاب إليه مع اعترافهم بسوء بعض ما فيه على الأقل، كما ذكرت أنت.]

أنت تقصد المتأخرين وإلا فلا نعرف من المتقدمين من ذكر هذا الكتاب مجرد ذكر ، فإن عنيت الحشوية المتأخرين فلا حجة في رأيهم لما هو معلوم عنهم من فساد المناهج وكثرة الخلل والخطل، ولأن هذا يمكن أن يقال عن كتاب الرد على الجهمية المنسوب لأحمد فإن المتقدمين والمتأخرين من اصحابه لا يعرف عنهم قدح في نسبته إليه، ومع هذا فلا حجة في تصحيحهم ـ بعد ثبوت بطلانه ـ لما علم من أمرهم.

[ بل كلهم اطرد تعامله على كون الكتاب له لا لغيره، ولم نسمع احتمال الدس في كتابه كما تقول أنت، كما قالها العلماء فيمن دسَّ عقائد فاسدة على الإمام الأشعري والإمام أحمد، والإمام ابن فورك، وغيرهم من العلماء ]

قد تقدم ما يصلح جوابا على هذا وأكرر مختصرا أن التساهل في نسبة الكتب كثر جدا في القرن السابع فضلا عما بعده كما شهد النووي وابن الصلاح ، كما أن الكتاب لم يكن متداولا أصلا ولم يقف عليه أو ينسبه له إلا قليلون منهم من نكاد نقطع بأنهم لم يروه كالتاج السبكي، فلو راجعت الترجمة التي ساقها له السبكي لرأيت المدح والثناء مع نسبة الكتاب إليه !! .


[ فهل لديك روايات أخرى من غير هذا الكتاب تبرئ الإمام الدارمي من تهمة التجسيم التي يمتلئ كتابه هذا بها؟؟ ]

تقدم بأن التبرئة فرع عن التهمة ولا تهمة أصلا ، ولي أن أقول بأنه ليس عندنا ما ثبت أنه يدينه، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته.

[ أنا أتمنى لو وجدت شيئا من ذلك، ]

قل لي ماذا ترى في قول التاج السبكي السالف :
(( عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد السجستانى الحافظ أبو سعيد الدارمى محدث هراة وأحد الأعلام الثقات ومن ذكره العبادى فى الطبقات قائلا الإمام فى الحديث والفقه )) ؟؟!!

ثم لو كان الدارمي مشهورا بالتجسيم والمجسم كافر ، فكيف خرج له ابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم ؟؟!! وهم متفقون على عدم الرواية عن الكافر ببدعته ؟؟

[ فليس مقصدنا نفي أن يكون من أهل الحق، بل غاية مرامنا وقرة أعيننا بتكثير أهل الحق لا بإنقاصهم، بل إن ثبت أن واحدا مثل الدارمي لا يقول بتلك العقيدة، فهذا لنا لا علينا. ]

وأنا كذلك ليس مقصودي الدفاع عن مجسم ، ولكن أريد فقط حجة ناهضة لثبوت الكتاب عنه.

[ ثالثا: كلامنا أخيرا لا يتوجه أصالة على تكفير الدارمي ولا غيره، بل ولا ابن عربي ولا ابن تيمية، بل إن كلامنا يتركز في نقد العقائد الفاسدة المودعة في الكتب أو المشهورة على ألسنة أصحابها، وذلك بغض النظر عن صحة نسبتها أو لا، ولكننا نبني غالبا على ما اشتهر من النسبة، ما لم يوجد هناك دليل يغلب هذه الشهرة فينفي نسبة العقيدة الباطلة إلى من تنسب إليه؟
فالمقصود أصالة هو التنبيه إلى فساد العقائد، لا الحكم بتكفير زيد أو عمرو. ولكن يلزم أحيانا التنبيه إلى من تنسب إليه هذه العقائد لشهرة انتسابها إليه.
فنحن نبطل الفاسد من الأقوال لا بقيد كونها منسوبة إلى فلان أو فلان، بل لذاتها ونسبتها إلى من تنسب إليه عرضي من أعراضها. ]

صحيح ، هو هذا.


[ رابعا: أما ابن عربي، فلا يتوقف فهم كلامه في وحدة الوجود على قراءة كتاب الفصوص، وإن قال ذلك ابن تيمية، بل إن وحدة الوجود مفهومة من غيره من كتبه. وابن تيمية ليس بحجة عندي لا في الفهم ولا في الحكم ولا في النقل أيضا خاصة في دقيق المسائل ]

مسألة تحتاج بحث ونظر .

[ خامسا: وهذا المنهج الذي ذكرته آنا، يُطّبَّقُ أيضا على ما نُقِلَ عن الإمام الجيلاني، فنقول اختصارا، إن أهل السنة شهدوا له بحسن الاعتقاد، ونصوصهم في ذلك معروفة معلومة، ورفضوا أن تكون هذه العبارة له، وتوجد له في بعض كتبه الأخرى ما يخالف ذلك، ثم أخبرني بعض مشايخ الجيلانية أنهم لا يقولون بالجهة بل ينكرون ذلك قولا واحدا، ولا يصححون نسبة ما ورد في كتابه الغنية من القول بالجهة وغيرها إلى إمامهم. وهذا عندي كاف في رد ونقض نسبته إليه. فالأتباع والأصحاب أعرف بأقوال إمامهم من غيرهم.]

لكنه حنبلي وفي ترجمته عند الذهبي عن العز بن عبدالسلام أنه سئل عن كرامات الشيخ فقال هي متواترة فقيل له كيف هذا مع مذهبه قال لازم المذهب ليس بمذهب . أو نحو هذا في السير، ولابن الجوزي رد عليه فيما مر بي في ذيل الحنابلة، وعناية المقدسيين بالأخذ عنه معروفة.

[ وهذا خلاف ما يقال في الدارمي ]

كلام السبكي وتخريج ابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم عنه لا يدل على تهمة بل على العكس .

[ فأتباعه لا يبرئونه من ما قاله، ولكنهم يخجلون أنه صرح به هكذا، ولسان حالهم يقول: يا ليته لوح وما صرح، لأنهم بذلك يفضحهم من حيث لا يدري. وهذا ما قاله الإمام الزاهد الكوثري. ]

هذا الكلام باطل فهؤلاء لا يتصلون به كاتصال أتباع المذاهب بأئمتها ، هؤلاء أصلا ما عرفوا الدارمي إلا مؤخرا لما طبع الكتاب ولا يزال بعضهم لا يفرق بينه وبين صاحب السنن !!

[ وأنا لا أعرف أحدا غير ابن تيمية قد نسب إلى الإمام الجيلاني هذه العقيدة ولم يبرئه منها، بل إنه سعد من وجدانها في بعض كتبه، مع شهرة الجيلاني التي تستلزم الإنكار عليه من الناس إن قال بمثل ذلك فعلا، كما هو الحال مع الدارمي.]

المنقول عن العز في ترجمة الجيلاني من السير يفيد ثبوت الحشو.

[ ويا ليتك تنقل لنا عن بعض الأئمة الكبار المعتد بهم في العقائد من أنكر نسبة هذا الكتاب قبلك إلى الدارمي، أو أنكر أن الدارمي يقول بتلك العقائد عن دراية بالكتاب وبصاحبه لا عن مجرد إحسان للظن به. أو أن تورد بعض الأقوال المنقولة عنه والتي تخالف ما هو موجود في كتابه هذا.فإن أثبتَّ ذلك تكون قد أحسنت إلينا وإلى أهل الحق؟ ]

سبق الجواب عن هذا.

[ سادسا: أما قولك بأن حل التناقض بين العبارتين بالطريقة التي كنت ذكرتها غير كاف، فليس بصحيح، بل هو المتبادر عندي بملاحظة الأمثلة التي ذكرها في ذلك الموضع، وتوجد عبارات أخرى كثيرة مستنكرة في هذا الكتاب أفظع مما أشرت إليه. ]

ذكرت أن التناقض قرينة على التلاعب أو الدس إن كان قد ألفه، ولا أزال مصرا على حصول التناقض.

[ سابعا وأخيرا: أنت تقول أنك عرفت أن الدارمي ليس من النوع الذي يخوض في مثل تلك المسائل، ولذلك تستبعد أن تكون ذلك الكتاب أو بعض عباراته صادرة عنه، فأسألك من أين عرفت أن الدارمي كذلك؟ ]

سبق وأن بينت أن عبارة ( لا نسلم أن مطلق المفعولات .. ) مما لا أعهد صدورها عن محدث في ذلك العصر ، فإن افلحتم في الإتيان بشاهد لمثل هذا الأسلوب عن أهل ذلك العهد سحبت قولي بعدم نسبة العبارة السالفة إليه، وأيضا فإن المحدثين من المتكلمين غنما ظهروا بعد الأشعري لا قبله.

[ ملاحظة: بعض الإلزامات التي أوردها عليك، لا أعني بها أنك أنت شخصيا تقول بها، ولكنها إلزامات بناء على ما أفهمه أنا من كلامك وصيغة عباراتك، وأنت تعرف أن هذه الطريقة جائزة في النظر والمباحثة، ويكفي للخصم أن يقول لا يلزمني ذلك لكي ينفك عنه ويبرأ منه، ولا يلزم السائل أن ينقل بالسند هذه العبارة صريحة من كلام الخصم، فأنا لا أقول إنك صرحت بما استلزمته أنا من بعض معانيك، ولكنها تنبيهات يستلزمها البعض بناء على المعاني المفهومة منه. فأرجو منك أن لا تتضايق من ذلك، فأنت عندي كبير وعزيز، بل أنت فاضل حقيقة أيها الأزهري. ]

وهو كذلك والأمر سهل .

والله تعالى الموفق.

سعيد فودة
26-07-2003, 12:55
الأخ الأزهري الفاضل،

كلامك عموما لطيف، ولكن أنبهك إلى ما يلي:
أولا: إن ثبوت الرواية عنه ممن ذكرت كالبيهقي لا يستلزم تعديل من روى عنه له في عقيدته، والرواية عن المبتدع جائزة كما تعلم، فرواية من ذكرت عنه، لا يستلزم تعديله. وأما كونه يكفر بما قاله وأن على من روى عنه يلزم معرفة ذلك والالتزام به، فغير صحيح، لإمكان خفاء الكتاب وعدم شهرته أصلا وهو الواقع. وهذا كله على القول بظهور لزوم التكفير عند هؤلاء. ثم نحن نقول إن من روى عنه ربما لم يشتهر عنده ما فيه كتابه من تشبيه، وربما عرفوا أنه رد على المريسي فقط، ولم يعرفوا بماذا رد عليه، فإنك إذا قلت إن فلانا رد على المريسي، في ذلك الوقت وعند الكثير من العلماء، ربما تكون كافية ظاهرا لتحسين الظن به، لما اشتهر عن المريسي من أمور عظيمة.
ثانيا: إن من سبق كالذهبي وَصَفَ الكتاب بأن فيه مبالغة في الإثبات، وأنت تعرف أن قصده مبالغة في التشبيه، وفي هذا نسبة التشبيه إلى مؤلفه كائنا من كان، والمعروف لديهم أنه للدارمي، لا لغيره. فهذا يدل على تهمة مؤلفه بالتشبيه، وكذلك اعتداد ابن تيمية به دال على ذلك. وأما عدم اتهام ابن حجر والسخاوي له بذلك، فأنت تعرف أسلوب هؤلاء من عدم الخوض وعدم التدقيق في مثل هذه الأمور، فإن موقفهم من ابن تيمية الذي يعرف عنه ما يعرف، لم أعرف عبارة واحدة لابن حجر بتهمته بالتجسيم أو بالتشبيه هكذا صراحة، بل إن كلامه عنه حتى فيما يتعلق بقدم العالم بالنوع، فيه عدم حزم معه، مع بيانه لفساد قوله في حديث عمران.
ثالثا: أما كتاب الرازي في السحر فقد نبه رحمه الله تعالى إلى أنه لا يكتب في السحر إلا للتنبيه على فساده، ولو قرأت أنت مختصر السر المكتوم لعرفت أن الإمام الرازي تبرأ من خرافات السحرة كما صرح به في مقدمته وأشار إلى ذلك صاحب كتاب "الإمام الرازي"، بل إنه حاول أن يبني ما ثبت من السحر على مجرد العادة التي يقول بها علماء الأشاعرة، لا على التأثير الذاتي للكواكب كما يقول الفلاسفة. ثم إنه ألف أيضا في الفلسفة على مذهب ابن سينا ونحن نعرف أنه ألف ذلك لكي يوضح مذاهبهم تمهيدا لرد عليها، لا اعتقادا بها، وله عدة كتب في ذلك، ولا حاجة لنفي هذا الكتاب أو ذاك عنه لمجرد أن ظاهره منافي بل يلزم التحقق مما في داخله. وأما كتاب الغزالي الذي أشرت إليه فإنه يخالف قطعا ما في كتبه الأخرى، ولذلك حصل تعارض بينها، ولذلك فإننا نقول إنه لا يعتمد في نسبته إلى الغزالي، على مجرد شهرته، وذلك لوجود غيره من الكتب المشهورة والصحيحة قطعا وتخالف ما في هذا الكتاب. وهذا هو الأسلوب الذي التزمنا نحن به في مطالبتك ببيان عقيدة الدارمي من غير هذا الكتاب. وأما رسالة الاصطخري والرد على الجهمية فمردودة لمخالفتها إجماع أهل السنة على صحة عقيدة الإمام أحمد فلا يعتد برواية آحاد تفيد ما يخالف الإجماع من جماهير علماء أهل السنة على سلامى عقيدته.
رابعا: وأما ما نقلته عن العز فيما يتعلق بالجيلاني، فبناءً منه على الظاهر من نسبة الكلام إلى الجيلاني، ولو ثبت عنه ما قاله لكان من الحشوية المجسمة بلا ريب. ولصح حكم العز عليه، وإن كان ثبوت ذلك عن الجيلاني أضعف لأنه يوجد له كتب أخرى لم يذكر فيها ذلك.
وهذا الموقف من العز يماثل موقفه المنقول عنه في الحكم على ابن عربي، من تبديعه له وإن قيل من البعض أنه تراجع عنه بعد ذلك ويحتاج هذا القيل إلى تثبيت.
خامسا: ما زلت أحتاج منك إلى رواية عن الدارمي بخصوص عقيدته، تفيد أنه على عقيدة أهل التنزيه، وأنت لم تأت بها بعد، وأما كلام السبكي عنه بأنه إمام وثقة، فهذا متعلق بناحية الحديث ولم أعرف أحدا يقدح فيه في هذا المجال. ولا يتعلق كلام السبكي عنه بعقيدته كما هو واضح. فأنت لم تحتج بما هو في نفس محل الخلاف. واحتجاجك بكلام السبكي، يماثل ما لو قلنا إن الإمام ابن خزيمة ثقة في الحديث، فجاء واحد وقال: هذا يستلزم صحة عقيدته! وأين هذا من ذاك؟ ومن أين ذاك الاستلزام؟
ويكفي لثبوت قول صاحب الكتاب بالتجسيم، كائنا من كان صاحب الكتاب، اعتمادُ ابن تيمية عليه جدا في أغلب احتجاجاته واستشهاده به كثيرا.
سادسا: إن شهرة نسبة الكتاب إلى أحد ما، وعدم إنكار أحد لنسبته إليه، دليل ظاهر، على صحة نسبته إليه. وكونه محدثا مشهورا لا يقدح فيه، ولا يتعارض هذا مع صحة نسبة الكتاب إليه. فإذا انضم عدم إنكار أحد معانيه إليى من نسب إليه الكتاب، كان ذلك أثبت وأوثق.
وذلك بخلاف الإمام أحمد، فإن أهل السنة نفوا جميعا ما نسبه إليه المجسمة، مكا نفوا ما نسبه الشيعة إلى جعفر الصادق، بل اشتهر عند العلماء ابتلاء هذين الإمامين بأصحابهما.
وإذا لم يعرف المتأخرون من الحشوية الدارمي، فلا يصح نسبتهم إليه، فهل لم يعرفه المتقدمون كالذهبي وابن القيم وابن تيمية وغيرهم بل وبعض المتأخرين منهم كالألباني أيضا. وتراهم لا يقدحون في نسبة الكتاب بل يصرحون بفساد بعض ما فيه على الأقل، وهم حشوية أصلا، وإن عبروا عنها بلهجة لطيفة كما أشرت أنت في بعض كلمات، بأنه بالغ في الإثبات.
وأخيرا أقول لك: يظهر من كلامك أنك ربما تسلم إجمالا نسبة الكتاب إلى الدارمي، ولكنك تقول بوجود الدس فيه، فإن صح هذا الفهم، فإن ما في الكتاب أغلبه فاسد، فأين وقع الدس فيه، أقصد في أي موضع منه بالضبط، هل هي تلك العبارة فقط، أم يوجد غيرها، وكيف تعينه وتحدد مواضع الدس؟؟
وعلى كل حال فالأمر سهل كما تقول أنت.
والسلام عليكم

الأزهري
26-07-2003, 21:14
الأخ الفاضل :

أولا :
دعواك أن رواية البيهقي والحاكم وغيرهم عنه لا تعد تعديلا غير سديد وذلك لأنن ذكرت لك من قبل بأن الرواية عن الكافر بل والرافضي والداعية إلى بدعته ممنوعة عند أهل الحديث فكيف تريد منهم أن يرووا عن الدارمي إذا كان مجسما ؟؟؟؟
ثم كيف تفترض أنه لم يعرف عندهم بتجسيم ثم تدعي اشتهاره بالتجسيم ؟؟!!
ثم كيف تعتذر بعدم وقوفهم على كتابه ثم تقول بأن كتابه مشهور ؟؟؟!!
ثم هل تعرف أن الوثاقة تعرف بتخريج مشترط الصحة في التخريج ؟؟ والحاكم اشترط الصحة وخرج كثيرا عن الدارمي وهو عارف به تمام المعرفة فكيف يقال عنه مجسم بعد أكثر من الف سنة ؟؟؟
هؤلاء الأئمة البحور إذا خفي عليهم حال الدارمي مع أنهم أقرب إليه منا وقرب إلى بلده ويتصلون به بسند ويخرجون من كتبه ومسانيده فكيف إذا خفي أمره على هؤلاء يكون حاله معروفا بعد ألف سنة لأمثالنا بسبب نسخة شاذة تالفة الأسانيد متأخرة التاريخ ؟؟؟
ثم كيف تغفل قول التاج :
(( الحافظ أبو سعيد الدارمى محدث هراة وأحد الأعلام الثقات )) !!
هل يعقل أنك تفهم من هذا أنه تقة في الحديث فحسب !! متى جرت عادت العلماء أن يصفوا شخصا بقولهم أحد الأعلام الثقات وهو مجسم ؟؟؟!!! هذا ما لا أكاد أفهمه .
وإذا كان هذا ما تفهمه من عبارة التاج فما عساك تقول في عبارة ابن حبان إذ يقول عنه في الثقاة :
(( أحد أئمة الدنيا ))
ابن حبان هذا هو الإمام الموحد المنزه الذي أبى أن يقر للمجسمة بالحد والجهة فطردوه، هذا الإمام الشهير صاحب الصحيح وغيره من أعرف الناس بمصنفاة الدارمي لأنه بلديه وهأنت تراه يصفه بأنه أحد أئمة الدنيا ، فياللعجب من كتاب مشهور ثابت للدارمي صحيح الإسناد ثم يجهله أئمة ذلك الزمان كابن حبان والحاكم والبيهقي ونحوهم !!!!!


ثانيا:

وأما ما أثرته في النقطة الثانية من كلام الذهبي وموقف ابن حجر ونحو هذا، فكله ليس بحجة وليس فيه تهمة بتجسيم ، وحتى لو كان فيه ذلك فهو مبني على توهم نسبة الكتاب له، وقد كنت قلت لك من قبل بأن هذا الأسلوب لا يجدي في الطعن في مثل الإمام الفخر بحجة أن هناك من نقد كتابا منسوبا له، فمجرد نقد كتاب منسوب لا يعد حجة أبدا، وقد بينا أن هذا لا يثبت، ودفاعكم عن الإمام الفخر لا حاجة له لأنه اجل أصلا من أن يحتاج إلى هذا وإنما ضربنا المثل به فقط لنبين أن نقد كتاب منسوب له لا يعني ثبوت نسبة الكتاب، ولا التهمة التي يحملها الكتاب.


ثالثا:

وأما النقطة الرابعة فقد دافعتم فيها عن الجيلاني بأنه مشهور بالاستقامة فلا يثبت عليه ما في الغنية ولا ما قاله العز بل يؤول إلى انه قال هذا بحسب الظاهر لا حقيقة الأمر ، فكذلك فادفعوا عن الدارمي لقول الإمام ابن حبان عنه بأنه أحد أئمة الدنيا ولا تثبتوا نسبة هذا الكتاب الساقط غليه والذي هو اقل شهرة وأضعف ثبوتا من كتاب الغنية.


رابعا :

وأما قولكم :
(( ما زلت أحتاج منك إلى رواية عن الدارمي بخصوص عقيدته، تفيد أنه على عقيدة أهل التنزيه ))

فأقول بل الأمر منعكس عليك، فهات أنت عبارة عن الدارمي نفسه ضد التنزيه على أن تكون صحيحة ثابتة، وإلا فهات عبارة عن عبدالقادر ينفي فيها الحرف والصوت الثابت في الغنية، فإن تعللت بشهرة استقامة عبدالقادر فابن حبان يقول عن الدارمي أحد ائمة الدنيا.

ثم عدت تتكلم عن الشهرة وكفايتها لتصحيح نسبة الكتب !!! وكم مرة رددنا على هذا ؟؟؟ ثم أنت الآن تتناقض فمنذ قليل زعمت أن رواية الأئمة الكبار البحور أمثال ابن حبان والبيهقي والحاكم وغيرهم كثير سببها عدم وقوفهم على الكتاب أو شهرته ، وألان تدعي شهرته !! لا يا مولانا هذا ما يصير.

ثم عدت تتكلم عن الفرق بين الدارمي واحد أن أحمد بريء من الرد على الجهمية لأن المسلمين نفوا عنه التشبيه بينما لم ينفوه عن الدارمي!! وأنا أقول نفي الشيء فرع عن ثبوته فمن الذي اتهم الدارمي أصلا بالتشبيه حتى يلزم النفي لتبرئته ؟!!


وأما قولك : (( وإذا لم يعرف المتأخرون من الحشوية الدارمي، فلا يصح نسبتهم إليه، فهل لم يعرفه المتقدمون كالذهبي وابن القيم وابن تيمية وغيرهم بل وبعض المتأخرين منهم كالألباني أيضا.))

فأقول أنا عندما تحدثت عن المتأخرين فأنا لا أعني الألباني فقط فإن التأخر درجات ولا شك أن طبقة الذهبي ومن معه متأخرة جدا عن عصر الدارمي فبينهم وبينه خمسة قرون.
ومقصودي أن استشهاد جماعة متأخرة به لا يسمن ولا يغني من جوع لا سيما إذا كانت مبتلاة بالهوى والميل.

وأما كلامي عن الدس فهو من باب التنزل لصحة نسبة الكتاب وإلا فالنسبة عندي حتى الآن على الأقل غير ثابتة، ومعرفة موضع أجزم بالدس فيه لا يوجب معرفة كل موضع بعينه ولكنه يفيد حصول الكتاب في يد غير أمين صار غير مأمون بعدها .

هذا والله اعلم.

سعيد فودة
30-07-2003, 15:06
الأخ الأزهري الفاضل،
لقد قرأت ردَّك هذا قبل أيام، فترددت في كتابة الرد عليه، قليلا، حتى هذا اليوم، وذلك لأنني لاحظت في هذا الرد حدةً لم أتوقعها منك، وذلك برميي بالتناقضات التي لا أسلم لك أنها تناقضات، ولاحظت فيها تسرعا في الاستنتاج، ولاحظت غير ذلك، فقلت في نفسي أصبر قليلا لكي أزيل ما علق في نفسي من ضيق.
وها أنا الآن أكمل الكلام معك، راجيا أن لا تسارع في اتهامي بما لا يليق بمثلي من التناقض الصريح كما تتوهم أنت ومن عدم فهم ما هو واضح في رأيك كدلالة قول التاج وابن حبان في الدارمي على عدم كونه مجسما، وهو ليس بدال قطعا على ذلك، وكزعمك أن ما قلته لك عن الرازي هو مجرد محاولة للدفاع عنه، والحقيقة أنه عين ما أراده الإمام، وغيره من كبار المتكلمين، وكنحو زعمك وضوح دلالة التناقض الذي تتوهمه أنت (وقد أبنت لك عدم التناقض بين العبارتين ) على وجود الدس في الكتاب وهو ليس بدال على ذلك. وغير ذلك مما لا يجوز لك الجزم به.
وأنا الآن أنتهز فرصة فراغ من موقع العمل لدي في الشركة لا في مكتبتي الخاصة، وما أكتبه لك الآن كما في كل ما سبق هو من محض ذاكرتي لا من صفحات الكتب.
وأقول أولا: إنني ذكرت لك أن غلو الدارمي في مواقفه في الكتاب المذكور، لا يدل مطلقا، على أن الكتاب ليس له. واستبعدت أنت ذلك، بناء على أن الأصل عدم التهمة. ولكنني أقول: صحيح أن الأصل عدم التهمة، ولكن ما بين أيدينا الآن هو كتاب كامل وفيه أسانيد متصلة بالدارمي ويروي عن مشايخ هم من رواته، وظاهر أن الكتاب لا يمكن كتابته إلا في الزمان الذي كان فيه الدارمي لأن من كان يخاطبه كان في زمانه أو قبل زمانه بعدد من السنين، أقصد ابن الثلجي والمريسي، علما بأن هؤلاء كانوا من كبا العلماء إن لم يكن في الحديث ففي الفقه كما تعلم، وذلك بغض النظر عن مواقفهما العقائدية.
فوجود الكتاب يدل على لزوم وجود أصل له، أي مؤلف، وهو منسوب ابتداء وأخيرا للدارمي، ويدل علىذلك اشتهار نسبته إليه في مختلف الأزمان، والسماعات الموجودة في آخره كتبت في عصور مختلفة في القرن الرابع والخامس. وهذا يدل على أن الكتاب كان موجودا في تلك القرون.
نعم أنا أسلم أن نسبة الكتاب إلى فلان من الناس لا تدل قطعا على كونه من تأليفه، ولكن الظاهر منها دلالتها على ذلك، ولا نخالف الظاهر إلا بدليل أقوى، لا على مجرد الاستبعاد خاصة إذا كان الاستبعاد مبنيا على أمور عاطفية.
ثانيا: إذا سلمت معي أن المقطوع به الذي لا يقبل الشك، أن ههنا كتابا، بل كتابين، ويحتوي كل منهما على معلومات مناسبة لما كان في ذلك العصر الذي كان فيه الدارمي.
ولم ينسب الكتاب إلى غير الدارمي في أي عصر من العصور.
فإن ذلك كاف في ظهور صحة نسبته إلى الدارمي أصالة. وأصالة الظهور حجة كافية ههنا.
نعم إذا ناقضها دليل أقوى، اعتزلنا عنها، وإلا بقيت هي هي.
وههنا لم تأت بدليل كاف على نقيض ذلك.
فالأصل بقاء النسبة ثابتة ظهورا لا قطعا (وهذا أقل ما يقال).
ثالثا: أنا قلت لك إن الدارمي يبالغ في الكتاب في مواقفه، وأنت أقررت أن صاحب الكتاب كائنا من كان، فهو مبالغ في التجسيم، وهذه نقطة اتفاق والحمد لله. وأنت اعتمدت على مدح التاج وابن حبان في استبعاد القول بأن الكتاب له. فأقول:
التاج قال عن الدارمي، هو إمام الدنيا، هل يا ترى قصد بذلك أنه إمام الدنيا في كل العلوم، أم في علم دون العلوم؟ من الواضح أنه لم يقصد إلا الثاني، ومن الواضح أن مراده في العلم الذي هو فيه إمام كبير، ولا خلاف في ذلك، هو علم الحديث. فعبارة التاج السبكي خاصة إذن وليس عامة.
فإذا قال السبكي أن الدارمي إمام الدنيا في علم الحديث، هل يدل ذلك على أنه أفضل وأعلم واحد في هذا العلم؟ أنا أقول إن عبارته لا تدل على ذلك، بل غاية ما تدل عليه هو ان الدارمي بلغ في العلم بالحديث رتبة عالية جدا. ولا تستلزم عبارته تلك أنه أعلى من جميع من هم غيره.
فإذا سلم لنا ذلك، وهو يجب أن يسلم، فكيف تستغرب مني أن أقول إن عبارة السبكي لا تدل على توثيق الدارمي من ناحية العقايد.
وكيف تدل عبارة التاج على ذلك بعدما مضى توضيح÷ ، وكيف تدل عبارته على توثيقه عقائديا، وهو نفسه أقصد التاج السبكي عن الإمام ابن خزيمة إنه إمام الأئمة، بل هذا اللقب معلوم نسبته لابن خزيمة عند جميع العلماء، فإذا أطلقت عبارة إمام الأئمة أريد بها ابن خزيمة، فما هي العبارة الأبلغ في نظرك، هل عبارة إمام الأئمة، أم إمام الدنيا.
ومن المعلوم أن ابن خزيمة أعلى مكانة من الدارمي في علم الحديث.
ومع ذلك فإن ابن خزيمة قد كتب كتاب استلزم القدح فيه من الناحية العقائدية، كما تعلم أنت، وتوافق على ذلك، هذا كله على فرض عدم تراجعه عن ذلك الكتاب.
ومع ذلك، فلو راجعت ترجمة التاج السبكي في الطبقات فأنت لا تجده في ترجمته ينتقد ابن خزيمه في عقيدته، وبل ولا يذكر هذا الكتاب بكر سيء، بل لا أذكر أنه أشار إليه أصلا، بل اكتفى كما أذكر بنقل تأويل ابن خزيمة لحديث الصورة فقط. ولم يشنع عليه كما هو عادته على المجسمة، وذلك لعلو كعب ابن خزيمة في علم الحديث وغيره، فلعل هذا يكون عذرا للسبكي في عدم التشنيع على ابن خزيمة في ترجمته، ولكن ذلك لا يستلزم أنه يوثقه من ناحية عقائدية.
فلم لا تفرض أن التاج لما لم يذم الدارمي في ترجمته له، أنه مشى على نفس الأسلوب، وهذا لا يستلزم عدم اعتراض التاج السبكي على الكتاب، ولا موافقته عليه، ولا عدم اطلاعه على ما فيه، كما تزعم أنت، وأدل شيء على أن الظاهر هو معرفة التاج السبكي بالكتاب، أن ابن قيم الجوزية احتج بالدارمي في نونيته التي كتب والد التاج السبكي أقص تقي الدين السبكي ردا عليها، وأقول، إنه يبعد عدم اطلاع التاج السبكي وعدم اطلاع التقي السبكي على هذا الكتاب. ومع ذلك كله لم يذم التاج السبكي الدراميَّ في ترجمته له. بل اكتفى بالقول إن الدارمي هو الذي أخرج ابن كرام من بلدته (وسوف أعلق على ذلك لاحقا).
وأما وصف التاج السبكي للدارمي بأنه ثقة وأنه من الثقات، فالظاهر بعدما مرَّ أنه لا يريد سوى كون الدارمي بأنه من الثقات في علم الحديث، وما يتعلق به، ولا يريد أن يعمم القول بأنه ثقة في العقيدة أيضا، وإلا فإن هذا القول لم يشع بين العلماء الوصف به إلا في مجال الرواية. فلذلك قلت لك سابقا: إن قول التاج بأن الدارمي من الثقات لا يدل على توثيقه له في العقيدة، ولا على عدم معرفة التاج السبكي لحقيقة معتقد الدارمي.
وكذلك أقول لك إن التاج السبكي وصف ابن خزيمة بأنه من الثقات أيضا، ولا يدل ذلك على تصحيح عقيدته كما هو ظاهر.

رابعا: إن بعض مواقف الدارمي من غيره تدل على أنه شديد في ردة فعله تجاه المنتمين إلى خلاف المشهور من عقيدة الحنابلة أقصد من خلق القرآن وغيرها مما يوجد نحوه في كتابه هذا. وكمثال على ذلك أرجو أن تطلع على ما قاله في حق الكرابيسي، وعلى ما نقله عنه الذهبي نفسه من أنه كان يريد أن لا يحدث عن كل من تكلم في مسألة القرآن، وذلك يستلزم رد روايات عدد كبير من أكابر المحدثين، كابن معين والذهلي، وغيرهم، ولذلك استشنع الذهبي قوله هذا ورد عليه. فأرجو مراجعة ذلك.
ولو كان عندي كتاب الذهبي لنقلت لك نصه.
ألا يدل موقفه في هذين الأمرين على سيرته في هذا المجال وعلى تعصبه ومغالاته التي هي من نفس جنس المغالاة الموجودة في كتابه هذا، ألا يدل هذا على قرب صدور مثل هذا الكتاب من بين أنامله ومن نفثات صدره. خاصة إذا كان يرد على واحد مثل ابن الثلجي المتهم بالكفر والموصوف باختراع الأحاديُ، وإن كان من أكابر الأحناف في العراق، وعلى واحد مثل المريسي المتهم كذلك بالكفر أيضا، مع أنه عالم جليل في الفقه كذلك. فإنه إذا كان يقول مثل هذا القول في حق الكرابيسي وهو من هو، ويقول ذلك في حق بعض المشايخ الذين كانوا معذورين ظاهرا من الكلام في الفتنة، فلم لا يجوز صدور كتاب مثل الرد على المريسي.
خامسا: إن موقف الدارمي من الذين سبق لنا ذكرهم، وموقفه من ابن خزيمة، يدل على جواز وقرب صدور الكتاب منه، فإنه كان صاحبا لابن خزيمة، وقد روى عنه، وروى عنه ابن خزيمة أيضا، وبينهما مراسلات كما هو معلوم. وكانا متصافيين معا. ولو كان الدارمي مخالفا لابن خزيمة في عقيدته لذمه على كتابه، وللزمه بناء على رأيك في الرواية، أن يمتنع من الرواية له وعنه. ولكنا لم نجد إلا مدحا له ومدحا لابن خزيمه له. فهما متوافقان.
وهذا خلاف ما قاله ابن أبي حاتم المنزه المعروف عن ابن خزيمة عاتبا عليه: من أنه كان ينبغي أن لا يتكلم في هذا العلم أقصد علم الكلام وعلم التوحيد، فإن له رجالا يتكلمون فيه، وقال ما معناه: وما يفهمه ابن خزيمة في هذا العلم، أليس لهذا العلم رجالا. ولو نظرت في مقدمة كتابه في الرجال لعرفت أنه منزه وكذلك من صدر نسبه.
وكلام ابن أبي حاتم على ابن خزيمة لا يستلزم رده لروايته خلافا لك أيها الأزهري. بل ابن خزيمة ما يزال إماما من أئمة الحديث عند الجميع، فكلامه في العقيدة ليس يهدم إمامته في الحديث، خلافا لما يلزمك.
سادسا: لو أردت أن أعدد لك أسماء المحدثين الذين وقعوا في التجسيم، أو فلنقل في المبالغة في الإثبات على حد تعبير الذهبي وغيره، لطال المقام، ولا أظنك إلا عارفا. ولا أضرب لك مثالا إلا أبا نصر السجزي وما ذلك إلا لأن الإمام الجويني رد عليه عندما كان في الحرم وبلغه الكتاب الذي كتبه في الحرف والصوت والقرآن، موافقا لكلام الحشوية، وهو الكتاب الذي اقتدى به الإمام التقي السبكي في رده على نونية ابن زفيل وأورد ذلك في مقدمته، فراجعها.
فكون الدارمي أذن من كبار المحدثين، لا يستلزم عدم نسبة كتاب إليه. وعدم وجود رد عليه، أو عدم وجداننا لرد عليه من المتقدمين، لا يستلزم أن الكتاب لم يكن له أو أنه مدسوس عليه، بل غاية الأمر أن ابن خزيمة توفرت الظروف للرد عليه، من أكثر من واحد، ربما لزيادة شهرته كثيرا على شهرة الدارمي حديثا وفقها حيث إنه شافعي المذهب، وإن قال البعض إنه مجتهد مطلق، فاستلزم التحذير من كتابه لئلا يغتر به الناس.
وهذا كتاب الدارمي لما اغتر به بعض الناس، تصدى الإمام الزاهد الكوثري للرد عليه والتنبيه منه.
سابعا: إنني لا أسلم لك أن من قال بالتجسيم يلزمه الكفر مطلقا عند العلماء، حتى يلزم على ذلك كما تدعي أنت عدم جواز الرواية عنه، بل إن المسألة عند العلماء فيها تفصيل لا ينغي أن يخفى عليك. وإلا فلم أجازوا النظر في كتب ابن خزيمة، بل عد صحيحه في مرتبة عالية، وألا تعلم أن كثيرا من كبار المحدثين كانوا يميلون إلى تلك العقيدة، وكلهم جازت الرواية عنه، عند الجميع إلا عند الأزهري. فإنه يريد أن يستنبط من رواية الإمام البيهقي وابن حبان وغيرهما عن الدارمي أنهم يشهدون له بحسن العقيدة، وليس شعري لو صح ذلك الاستنباط لسقط كثير من الروايات. وفي المبتدع الداعي إلى مذهبه وفي ترتب ما يترتب على ذلك من الرواية عنه تفصيل أرجو أن تلتفت إليه.
والحكم بكون فلان ثقة لا يستلزم الحكم عليه بأنه ليس مجسما، كما لا يخفى. ولا أنه ليس معتزليا، ولا أنه ليس شيعيا.
هذا جزء مما خطر ببالي الآن، وقد تعبت يداي من الكتابة، مع توارد وتزاحم بعض الأعمال عندي في الشركة، ولذلك أنقطع إلى هذا الحد عن إتمام الرد، وأطلب منك أن تتأنى قليلا قبل الرد فأنا لا أرجو غير ذلك، حتى لا تبادر إلى القول بأنني أقع فيما يجل عن الوقوع فيه المبتدئون، وهذا يكون من حسن المباحثة وتمام آدابها. وللكلام بقية بعد رؤية ما لديك.
والله الموفق.

الأزهري
30-07-2003, 18:03
بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ الفاضل، حفظكم الله ، قرأت ردكم الأخير ، وتمعنت فيه ، وفكرت فيما يمكن أن أكتبه غير ما تقدم ، فلم أجد فكرة جديدة أضيفها جوابا لشيء جديد، فلهذا أكتفي بما تقدم مني بيانه، ولقد أرسلت إليكم رسالتين على البريد الخاص فلم يصلني أي جواب !! وتجاوزوا عن حرارة الحوار في بعض المواطن فهي كالبهارات للطعام، ودمتم في عافية.

سعيد فودة
31-07-2003, 11:35
السلام عليكم أيها الأزهري الفاضل،
لا عليك أيها العزيز. وأما رسالتاكم إلي فلم أرهما إلا الآن، وقد أرسلت إليك جوابا على البريد الخاص.
.
وتبقى ملاحظة أقولها: مسألة إخراجه لمحمد بن كرام واعتراضه عليه، ذكره الذهبي بصيغة (قيل) وأوردها السبكي، فذكرها كأنها متيقنة، ولو صحت فالظاهر أنه اعترض على ابن كرام في مسألة الإيمان لا مسائل التجسيم، كما أشار إلى ذلك الكوثري، فإن مسألة الإيمان قول، بلا عمل كما يقول ابن كرام، هي التي تم الاعتراض بها عليه أثناء كونه في القدس، وأظن أنها هي التي تم إخراجه من أجلها، وحرق كتبه وأحاديثة. وليست مسألة التجسيم.والله أعلم
وأنا أعلم أن الموضوع مما تتجاذبه الأفكار والآراء، ومهما بقي مما عندي فهو لا يرتقي إلى مرتبة القطع بنسبة الكتاب إلى الدارمي قطعا تاما، هذا مسلَّمٌ، نعم، يبقى عندي ظهور النسبة لا القطع بها بعدما قيل، وهذا كافٍ عندي، ولكن بعض ما يمكن الاستناد إليه في نفيها عنه يمكن معارضته كما لا يخفى على من هو مثلك.
وليس لنا الآن إلا أن نرجو رحمة الله تعالى للمسلمين. وما نقوله إنما هو بحسب ما يظهر لنا وهو الواجب اتباعه فيما لا قاطع فيه.
والله تعالى أعلم. وفقك الله تعالى ونفع بك سائر المسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

محمد مصطفى حبيب
12-03-2007, 18:06
أنا مع الأزهري في التشكيك بصحة نسبة الكتاب للدارمي.. أو على الأقل احتمال حدوث الدس فيه..

الكتاب وثني بمجمله ومن اعتقد ما فيه من الكفريات فهو مجسم كافر


وعليه فلنا أن نعكس عليكم قولكم بأننا لم نعرف أحدا من أهل السنة قبل الأستاذ الكوثري اتهمه بالتشبيه أو التجسيم خاصة ممن اطلعوا على كتابه

جاء في كتاب انباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر:
(وفي خامس عشرى المحرم قرئ على المحدث جمال الدين عبد الله ابن الشرائحي بالجامع كتاب الرد على الجهمية لعثمان الدارمي فحضر عندهم زين الدين عمر الكفيري فأنكر عليهم وشنع وأخذ نسخة من الكتاب وذهب بها إلى القاضي المالكي فطلب القارئ وهو إبراهيم الملكاوي فأغلظ له ثم طلب ابن الشرائحي فآذاه بالقول وأمر به إلى السجن وقطع نسخه ابن الشرائحي ثم طلب القاري ثانياً فتغيب ثم أحضره فسأله عن عقيدته فقال: الإيمان بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزعج القاضي لذلك وأمر بتعزيره فعزر وضرب وطيف به، ثم طلبه بعد جمعة وكان بلغه عنه كلام أغضبه فضربه ثانياً ونادى عليه وحكم بسجنه شهراً.)اهـ

و اورد مثله السخاوي في الضياء اللامع

كم نحن بحاجة لأمثال القاضي المالكي هذا رحمه الله