المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال في الحظر والاباحة



ماهر محمد بركات
21-10-2008, 01:24
بسم الله الرحمن الرحيم

ذكر الامام الجلال المحلي في شرح الورقات أن الصحيح هو أن الأصل في المنافع الاباحة وفي المضار الحظر

وسؤالي :
كيف عرفنا أن هذه منفعة وتلك مضرة حتى نردها لأصلها من الاباحة أو الحظر ؟؟

هل عرفنا ذلك بالعقل أم بالعرف أم بشيء آخر ؟؟

أفيدونا مأجورين .

سعيد فودة
21-10-2008, 03:34
قال الإمام المحليُّ في شرح الورقات:"(وأما الحظر والإباحة) فقد اختلف في أيهما الأصل (فمن الناس من يقول إن الأشياء) بعد البعثة (على الحظر) أي على صفة هي الحظر (إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على إباحته فيستمسك بالأصل) وهو الحظر، (ومن الناس من يقول بضده) أي بضد هذا القول (وهو أن الأصل في الأشياء) بعد البعثة (أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع). والصحيح التفصيل وهو أن المضارَّ على التحريم والمنافع على الإباحة. "اهـ

قلتُ في حاشية شرح الورقات للإمام المحلي:

هذه مسألة مشهورة في علم الأصول، وهي أصل كبير تستحق أن تفرد بباب كما فعل المصنف هنا، وسوف نوضح نحن في هذه الحاشية جوانبها.
ينقسم الكلام في الأصل في الأشياء إلى فسمين، الأول: الأصل في الأشياء بعد الشريعة، أي بعد نزول الشريعة. الثاني: الأصل في حكم الأشياء قبل إنزال الشريعة. وفائدة الكلام في هذه المسألة، أن بعض الحوادث لم يرد في الشرع حكم لها، فاختلف العلماء في الذي يجب عليهم فعله في هذه الحالة، واتفقوا على العمل بالاستصحاب أي بالعمل بما كان عليه الأصل عند فقد الدليل، فاحتاجوا إلى النظر في حكم حال الأمور والأفعال قبل الشريعة وبعدها. ومن هنا برزت الحاجة إلى النظر في هذه المسألة.
وقد يتوهم البعض أنه لا يوجد فرق بين القسمين أي ما قبل الشريعة وما بعدها، وهذا وهم فاسد، فقد نص على ذلك العلامة المحقق الإمام الزركشي في سلاسل الذهب فقال في ص423 مبينا وجود فرق: « مسألة: اختلف أصحابنا كما قاله الماوردي والروياني في أن الأشياء أهي على الحظر أم الإباحة، وفرع عليها حكم الشعر المشكوك في طهارته ونجاسته، ونازعه الشيخ ابن الرفعة وقال: "هذا الخلاف يتفرع على القول بالتحسين والتقبيح ونحن لا نقول به"، أي فلا يحسن التفريع عليه. وهذا عجيب منه، لأن الخلاف في أن الأصل في المنافع الإباحة إنما هو فيما بعد الشرع بأدلة سمعية، وتلك المسألة فيما قبل الشرع، وكأن ابن الرفعة توهم اتحادهما وليس كذلك، والترجيح أيضا مختلف فيهما، ففيما قبل الشرع الراجح التوقف وفي هذه الراجح الإباحة، وهو قول أصحابنا » اﻫ.
ونحن الآن سوف نوضح ما قيل في كل قسم من هذين القسمين:
الأول: الأصل في الأشياء بعد الشريعة:
جزم الإمام ابن السبكي بأن الصحيح في أن حكم المنافع بعد الشرع الحل وأن حكم المضار بعده التحريم، واستدل العلامة المحلي على ذلك في (2/353) بقوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، لذكره ذلك في معرض الامتنان، ولا يمتن إلا بالجائز، وهذا دليل على أن الأصل في المنافع الحل، لتقييد عمومه للمحارم بقول الرسول عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجه وغيره: (لا ضرر ولا ضرار)، أي لا يجوز الإضرار بالنفس ولا الإضرار بالغير في حكم ديننا.
وقد وضح الإمام الأصفهاني في شرح المنهاج هذا الأصل أيضا فقال في ص751: « الأصل في الأفعال إذا كانت من باب المنافع الإباحة، لقوله تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض ﴾، واللام للاختصاص النافع فتفيد الإباحة. ولقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾، أنكرالله تعالى على من حرم زينة الله، فوجب أن الأشياء لا تثبت حرمتها، وإذا لم تثبت حرمتها امتنع ثبوت حرمتها في فرد من أفرادها، فإن المطلق جزء من المقيد وانتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة. ولقوله تعالى: ﴿أحل لكم الطيبات﴾، وليس المراد من الطيب الحلال وإلا لزم التكرار، بل المراد ما يستطاب طبعا، وذلك يقتضي إباحة المنافع بأسرها. والأصل في الأفعال إذا كانت من باب المضار التحريم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، والمراد به المنع من الضرر والإضرار، فإن نفي ذات الضرر والإضرار غير متصور » اﻫ.
واعلم أن المراد بالأشياء في عبارة الشارح والمصنف أي الأفعال، لأنه قد تقرر في علم الأصول أن الحكم لا يتعلق إلا بفعل، أي أنه لا يتعلق بالذوات من حيث هي ذات إذا تعلق، بل من حيث ما يقع عليها وبها من الأفعال. فافهم.
وأما القسم الثاني وهو الأصل في الأشياء قبل الشريعة:
فقد حصل خلاف كبير بين العلماء في هذا القسم سنبينه فيما يلي مع بيان الراجح.
قال الإمام الزركشي مبينا أقوال العلماء في هذه المسألة في سلاسل الذهب ص101: « واختلف أصحابنا وغيرهم في حكم الأشياء قبل ورود الشرع على ثلاثة مذاهب أحدها: أنها على الإباحة حتى يرد الشرع بحظرها، وهو قول أبي إسحق المروزي وأبي العباس بن سريج وأكثر الحنفية والبصريين من المعتزلة والظاهرية. الثاني: أنها على الحظر حتى يرد الشرع بإباحتها وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وبعض الحنفية والبغداديين من المعتزلة. الثالث: أنها على الوقف وهو قول أكثر أصحابنا منهم القاضي أبو الطيب الطبري وأبو علي الطبري وهو قول شيخنا أبي الحسن الأشعري » اﻫ.
وتنبه إلى أن الحكم المختلف في أنه هل هو ثابت أو لا هنا في هذه المسألة، إنما هو الحكم الشرعي بمعنى ترتب العقاب والثواب على الفعل، لا الحكم العقلي بمعانيه الأخرى المعروفة. وسوف نهتم هنا ببيان أدلة معنى قول من قال إنها على الوقف، وهم جمهور أهل السنة.


هذا بعض ما أوردته في حاشية النفحات على شرح الورقات، وتأمل فيما لونته لك من كلام الأصفهاني، ففيه الجواب، ولكن هذا فيما لا نصَّ فيه ولا دلالة من النقل عليه بإحدى الدلالات المعتمدة.

محمد فتحي القباني
21-10-2008, 11:16
جزاكم الله خيرا سيدي الشيخ سعيد فودة, أوضحتم وأفدتم

ماهر محمد بركات
23-10-2008, 22:28
جزاكم الله خيراً مولانا ونفعنا بكم

متى سنرى هذه الحاشية المباركة في المنتدى ؟