المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نعي وذكرى فاضل



بلال النجار
15-10-2008, 08:33
بسم الله الرحمن الرحيم

توفي يوم الأحد الماضي بالمدينة الطبية بعمان في أثناء عملية قلب مفتوح الشيخ فتحي محمود سليم (أبو غازي)، وهو رجل عانى الكثير، وقضى في السجون سنين طويلة جداً بسبب أفكاره ومبادئه ونشاطه السياسي إذ كان منتمياً لحزب التحرير، وهو باحث في التاريخ والسياسة والاقتصاد وأديب وشاعر رقيق. وهو من مواليد عام 1924. إنا لله وإنا إلى راجعون. نسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جنانه. وقد ترك المرحوم وراءه كتباً وبحوثاً كثيرة، ومكتبة ضخمة، وقصائد شعر منها رده على الشاعر إيليا أبي ماضي في لا أدريته التافهة المسماة البحر أو لست أدري أو الطلاسم. أوردها هنا نقلاً عن منتدى العقاب بعد قصيدة إيليا. وأوردها في هذا القسم لأنها بحق رد مفحم وأثر طيب على دعوى باطلة لم تنقطع منذ غابر الزمان وحتى اليوم، وليعلم أن الأثر الطيب يستوجب الثناء والجميل والأثر الخبيث مجلبة للذم والذكر القبيح والخزي ما دام ذلك الأثر قائماً موجوداً، فلينظر الإنسان ما يورث في الناس من قول وعمل، فإنه لا يعرف متى ولا أين ولا على أي حال يقبض ويختم له، فهذان مثلان حيان بيننا، كلا الرجلين قضيا وختم لهما، فأين ما أورث الأول مما أورثه الثاني من قول؟ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ* يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء) صدق الله العظيم. فاتقوا الله يا عباد الله وقولوا قولاً سديداً. ولا تنسوا من صالح دعائكم أخانا المتوفى رحمه الله تعالى. انظر منتدى العقاب
(http://www.alokab.info/forums/index.php?showtopic=35668&hl=)


طلاسـم إيليـا ابـو ماضـي...
جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ
ولقد أبصرت قُدّامي طريقا فمشيتُ
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لـــــســـــت ادري

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجـودْ
هل أنا حرٌ طليقٌ أم أسيرٌ في قيـودْ
هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مقود
أتمـنّـى أنـنـي ادري ولـكـن
لـــــســـــت أدري!

وطريقي ما طريقي أطويلٌ أم قصيـر
وهل أنا أصعد أم أهبط فيه أم أغور
أأنا السائر في الدرب أم الدرب يسير
أم كلانا واقـفٌ والدهـر يجـري
لـــــســـــتُ أدري!

أتراني قبلما أصبحتُ إنسانا سويـا
أتراني كنت محواً أم تراني كنت شيئا
ألهذا اللغز حـل أم سيبقـى أبديـا
لست أدري، ولماذا لسـت أدري؟
لـــــســـــت أدري!

قد سألت البحر يوما هل أنا يا بحر مِنكا
هل صحيح مارواه بعضهم عنِّي وعنكا
أم ترى مازعموا زورا وبهتانا وإفكا
ضحِكَتْ أمواجُـه منـي وقالـت
لـــــســـــت أدري!

أيها البحر أتدري كم مضت ألفٌ عليكا
وهل الشاطئ يدري أنه جاث لديكا
وهل الأنهارُ تدري أنها منك إليكـا
ما الذي الأمواج قالت حين ثـارت
لـــــســـــت أدري!

كم فتاةٍ مثل ليلى وفتىً كابن الملوّحْ
أنفقا الساعات في الشاطئ، تشكو وهو يشرحْ
كلّما حدَّث أصغتْ وإذا قالت ترنّح
أحفيـف المـوج سـر ضيعـاه؟
لـــــســـــت أدري!

إن في صدري يا بحرُ لأسراراً عجابا
نزل السِّتر عليها وأنا كُنت الحِجابا
ولِذا أزدادُ بُعداً كلّما ازددتُ اقترابا
وأُرانـي كلمّـا أوشكـت أدري
لـــــســـــت أدري!

فيك مثلي أيها الجبّارُ أصداف ورملُ
إنّما أنت بلا ظلِّ ولي في الأرض ظلُ
إنما أنت بلا عقل ولي يا بحرُ عقـلُ
فلماذا يا تـرى أمضـي وتبقـى؟
إن يك الموت قصاصا ً أي ذنب للطهارة
وإذا كان ثواباً، أي فضل ٍ للدعارة
وإذا كان وما فيه جزاء او خسـارة
فلـمَ الاسمـاء اثـم ٌ وصـلاح
لـــــســـــت ادري

أيها القبر تكلم واخبر يـا رمـام
هل طوى احلامك الموت وهل مات الغرام
من هو المائت من عام ومن مليون عام
ايصير الوقت في الارمـاس محـوا ً
لـــــســـــت ادري

إن يك الموت رقاداً بعده صحوٌ جميل
فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل
ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل
ومتى ينكشـف الستـر فنـدري
لـــــســـــت ادري

إن يك الموت هجوعا يملأُ النفس سلاما
وانعتاقا لا اعتقالا وابتداءً لا ختاما
فلماذا أعشق النوم ولا أهوى الحمام
ولمـاذا تـجـزع الأرواح مـنـه
لـــــســـــت ادري

أوراء القبر بعد الموت بعث ونشـور
فحياة فخلـود أم فنـاءٌ فدثـور
أكلام الناس صدقٌ أم كلام الناس زور
أصحيح ٌ أن بعض النـاس يـدري
لـــــســـــت ادري

إن أكن أبعث بعد الموت جثمانا وعقلا
أترى أبعث بعضا أم ترى أبعث كلا
أترى أبعث طفلا أم ترى أبعث كهلا
ثم هل أعرف بعـد البعـث ذاتـي
لـــــســـــت ادري

يا صديقي لا تعللني بتمزيق الستور
بعدما أقضي فعقلي لا يبالي بالقشور
إن أكن في حالة الإدراك لا أدري مصيري
كيف أدري بعدما أفقـد رشـدي
لـــــســـــت ادري

إنني جئتُ وأمضي وأنـا لا اعلـم ُ
أنا لغزٌ، وذهابي كمجيئـي طلسـمُ
والذي أوجد هذا اللغز لغزٌ مبهـمُ
لا تجادل ..ذو الحجى من قال إنـي
لـــســــت أدري ......


ورد عليه الشاعر فتحي سليم رحمه الله تعالى بقصيدة سماها أنا أدري قال:

إنني أدري وأدري بيقينْ
أنني سُوِّيتُ من ماءٍ وطينْ
مضغة من نطفةٍ ماء مهين
خُلِّقَتْ في الرحْمِ في كنٍّ مَكينْ
نبأُ الحقِّ وقرآنٌ مُبينْ
عن رسولٍ صادقِ الوعدِ أمينْ
إنّهُ تنزيلُ ربِّ العالمينْ
حِكمةٌ بالغةٌ، لوْ كنتَ تدري؟
لست تدري


تَسألُ البحرَ وترجو أنْ يُجيبْ
وتُناجيهِ مُناجاةَ الحبيبْ
أبعيدٌ مَنْ تًناجِي أمْ قَريبْ؟
إنَّها آهاتُ شَكَّاكٍ مُريبْ
جَثَتِ الشُطْئانُ والمَوْجُ صَخِيبْ
ظُلمة الأعماقِ في صَمْتٍ رَهيبْ
عالمٌ يَزْخَرُ بالعيشِ العَجيبْ
أنتَ لا تَدري؟ فكيفَ البحرُ يدري؟
سوف تدري

تسألُ الدَّيْرَ ومَنْ في الصومعة
عالمٌ موتى كبيضِ القوقعة
يشربونَ الجهلَ كأساً مُتْرَعة
رحلةُ الوهمِ لديهم ممتعة
هيْنماتٍ رَتَّلوها في دَعَة
كغبارٍ خَلَّفَتْه الزوبعة
أنت تدري أنهم كالإمعة
فَلِمَ التسآلُ هذا؟ أنا أدري
سوف تدري


تُكْثِرُ التَّسْآلَ هلْ تَبغي جَوابا؟
أمْ بحقٍّ أنتَ ترتادُ الصوابا؟
أمْ هو التشكيكُ أسلوباً معابا؟
يُقْلِقُ المَرْءَ فيزدادُ اضطرابا

إن في الزهرِ رحيقاً مُستطابا
فاسألِ النحلَ لِمَنْ تَجني الرُّضابا
إن في الكونِ لذي اللبِّ كِتابا
آية بَيِّنَة مِنْ سِفْرِ عُمري
أفتدري؟


عاقلٌ يَسألُ غيرَ العاقلِ
ما سيلقى عالمٌ من جاهلِ؟
إنه عَيْبٌ كَشِقٍّ مائلِ
ليس في المسؤولِ عيبُ السائلِ

ما تَساوَى أكثم مع باقلِ
ذاك حَقٌّ زاهِقٌ للباطلِ
لَوْ وَعَى الطيرُ شِباكَ الحابلِ
ما دنا منها ولكنْ ليس يدري
أفتدري؟


وسؤالٌ دونَهُ أَلْفُ سؤالْ
وافتراضاتُ حِوارٍ وجِدالْ
صُغْتَها مِنْ بينِ طَيَّاتِ المُحالْ
إنَّه الإنكارُ والداءُ العُضالْ
مِنْ نُفوسٍ مُفْعَماتٍ بالضلالْ
وجواب واحد في كل حال
مُسْبَقاً هَيَّأْتَهُ مِنْ حيثُ تدري
(لست أدري) سوف تدري
لا دريت


المَعَرّي قالَ: ميلادي جِناية
هَرْطَقَاتٌ وضَلالٌ وغِواية
قَصَصُ الماضينَ مَوثوقُ الرِّواية
وكتابُ الكونِ فيه ألفُ آية
إنني أحكي كلاماً عن دِراية
إنَّ للخلقِ وللكونِ بِداية
فَحَقيقُ أنَّ للكلِّ نِهاية
أفتدري؟ لست تدري
لا دريت


أعْمِلِ العقلَ وفَكِّرْ في الوجودْ
تَجِدِ الكونَ تَناهَى بِحُدودْ
أرضًنا دَوْرَتُها ضِمْنَ قُيودْ
أنتَ والناسُ على هذا شُهودْ

وفَناءٌ وبَقاءٌ وخُلودْ
عَبَثاً أمْ صُدفةٌ، أمْ ذا جُحودْ؟
أمْ قوانينُ، ومَنْ قَنَّنَها؟
أإلى الله أم الكونِ تُعودْ؟
أنا أدري


كنتَ ثُعباناً تَلَوَّى زاحِفَا
أو كخلدِ الأرضِ وَلّى خائفا
أو كبعضِ الطيرِ يغفو واقفا
حِكْتَ من حولِكَ جواً عاصِفا

لم تكنْ يوماً لذنبٍ آسفا
تُطْلقُ القولَ مُعمًّى زائفا
هل حَسِبْتَ الشكَّ ظِلاًّ وارِفا
لستُ أدري هي تعني لستُ أدري


في رحابِ الأرضِ لا فوقَ الغمامْ
أَفَتدري أَنْ ستمشي للأمامْ
لِمَ لا تُبصرُ ليلاً في الظلامْ؟
لِمَ لا تمشي مَقُوداً بِزِمامْ

تُهْتَ ما بين مُباحٍ وحَرامْ
مثلما عن بيضِهِ تاهَ النعامْ
ثَمَّ: إبصارٌ، فَمَشْيٌ بِنِظامْ
أعْتِسافٌ تَمَّ هذا أمْ بِقَدْرِ؟
لست تدري


لو تأمَّلْتَ نسيجَ العنكبوتْ
بنظامٍ يَبْتَني أَوْهَى البيوتْ
أين هذا من شُموخِ المَلَكُوتْ؟
لو تَعَقَّلْتَ لآثَرْتَ السكوتْ
سوف تدري وترى يومَ تموتْ
ثَمَّ هَوْلاً لا تُدانيه النُّعوتْ
أتظنَّنَ بأنْ سوف تَفُوتْ
من شُواظٍ يُنْضِجُ الجلدَ ويَفْرِي؟
سوف تدري


إنّه الكونُ فسيحٌ وجميلْ
نظراتٌ في شروقٍ وأصيلْ
وورودٌ وشرابٌ سَلْسَبيلْ
وجبالٌ شامخاتٌ وسهولْ
ومياهٌ جارياتٌ وحُقولْ
رحلةُ العُمْرِ تَنَاهَتْ بالرحيلْ
لو وضعْنا نملةً في إسْتِ فيلْ
أنتَ تجري، وَهْيَ تجري
أفتدري؟


إنَّني أدري وأدري كيفَ أدري
إنّني أملِكُ من شأني وأَمْري
إنّني أفهمُ ما في الكونِ يَجْري
في حدودٍ ضمنَ تفكيري وقَدْري

وسُلوكي باختياري لا بِقَسْرِ
غايتي إرضاءُ مَنْ قَدْ شَدَّ أسْرِي
شرعُ رّبي فيه إصِلاحي وخَيْري
ليس شيءٌ في الدُّنا يُسْمَى طلاسمْ
سوف تدري


إنَّ في العقربِ والأفعى سُموما
إنَّ في النحلةِ ما يَشفي السقيما
إنَّ في الناس كريماً وحليما
إنَّ فيهم خاسئاً وغْداً لئيما
إنَّ في الجنّة خيراً ونعيما
إنَّ في النار عذاباً وَسموما
جمِّعَت أضدادها جمعاً حكيماً
فاتركِ العام لمَنْ يدري ويدري
سوف تدري


إنَّ للحسن وللقبحِ قياسا
ليسَ ذات الفعلِ – فلتعلم أساسا
لا ولا العقلُ ولو جَلّى مِراسا
إنّ للعقلِ ارتقاءً وَارْتِكاسا
للكلامِ الفصل فَلْنبْغِ التماسا
فهو شرعُ الله لا يُؤْتى مساسا
فاجْعَلِ الفهمَ مع التَّقوى لِباسا
والْزَم الجِدَّ وَنَقِّبْ فستدري
أنا أدري

لو تزول الشمس من هذا الوجود
كيف تغدو الأرض أم أين تعود
لا خريف لا شتاء لا رعود
لا ربيع سندسي لا ورود
لا نهار لا ظلام لا حدود
وغبار وقتام سيسود
لا شهور لا سنون لا عقود
لا قرون لا زمان من سيدري؟

سائل الفهم إذا الشمس انمحت
ونجوم في الفضاء انكدرت
وعشار حافلات عطلت
وبخار وغيوم هطلت
لا زروع لا كروم نبتت
كل هذا هيبة حيث أتت
لو يزول الدهر ماذا ثمَّ يجري؟


إنَّ في الديرِ عقولاً خَرِبَة
في ابتهالٍ يعبُدون الخَشَبَة
يغفرونَ الذنبَ عن ذي مَقْرَبَة
أهُمو قدّيسونَ أم هم كَذَبة؟
كلّهم يبغي يُقوّي مذهَبَه
ويقضّي في سكون مَأرَبَه
كلُّ أنثى بأبيها مُعْجَبَه
فلِمَ استغربْت؟ هَلْ منْ (لست أدري)


يسألُ السائلُ عن أمرٍ عُضالْ
ويناجي نفسه قبلَ السؤالْ
(لست أدري) ضاعَفَتْ منك الخَبالْ
أوردتْ أمثالَكُم ورد الضلالْ
أنتَ لا تثبتُ في ساحِ القتالْ
لو تفحّمت حيازيَم الرجالْ
وجبانٌ ليس يَقْوَى في النزالْ
هاربٌ مختبىءٌ في (لست أدري)
سوف تدري

جمال عبد اللطيف محمود
15-10-2008, 09:00
رحمه الله رحمة واسعة يتجاوز فيها ربنا عن كل سيئاته ويدخله فيها إلى أعلى عليين وأن يحشره مع الأنبياء والصديقين أللهم آمين ولله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار وإنا لله وإنا إليه راجعون

فراس يوسف حسن
15-10-2008, 09:06
رحم الله الشيخ الجليل رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون.

علي عمر فيصل
17-10-2008, 21:24
رحمه الله تعالى وتقبل منه وسره بهذا العمل أتم السرور .

سليم اسحق الحشيم
18-10-2008, 00:09
"إنا لله وإنا إليه راجعون"
رحم الله الشيخ الجليل فتحي سليم رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وأغدق عليه من نعم الفردوس,ومتعه الله برؤية الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام.