المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الوجودية الدينية



فراس يوسف حسن
12-10-2008, 20:39
يقول أرباب الفلسفة الوجودية الدينية:
إن النظرة الشمولية للتدين يجب أن تنطلق من منظور وجودي شمولي تنخرط فيه فكرة الوجود المتعالي بالوجود الإنساني المتحقق في الخارج والذي لا يحتاج إلى نظر للاستدلال عليه وعلى كنهه فهو حق أبلج. فعن طريق الوجودية الإنسانية والتي هي محور هذا الكون وأساسه وعماده وسنامه يستطيع المرء أن يستدّل على الوجود المتعالي والذات الذي من أجله انخرط كل موجود في بوتقة الوجود ألا وهو الإله. ومن خلال الاستدلال والوصول إلى الوجود المتعالي يُتوصل إلى اللاهوت الديني وهو الوحي الذي يربط الوجود الأدنى (العالم) بالوجود المتعالي (الإله). لكنّ هذا اللاهوت المستنبط من النظرة الوجودية ( ولنسمها الوجودية الدينية كما يحلو لمنظريها تسميتها) عارٍ عن كل علائق النظرات القاصرة الدونية التي أسرته بل وكبلته في مصطلحات ومسميات وتعريفات هي في الأصل بعيدة عن روحه وجوهره وأصله ونبعه الرقراق. فمن التفكير الوجودي بمحورية الفرد وأهميته يكمن المنطلق إلى رحاب الفضاء الرحب لهذا الكون لتعاد صياغة الديانة الإلهية المنزلة من لدن الوجود الأجْليّ المستدل عليه من رحاب المحورية الفردية التي اتسعت ثم اتسعت حتى غطت كل حركة وسكنة في هذا الكون الشاسع الرحب. ومن هنا يكون الانطلاق الجديد والتحرر الجبّار لهذا الفرد الذي عانى سطوة وظلم أرباب المعابد والقلنسوات والعمامات والذين ما فتئوا يشوهون الجمال الأخّاذ الذي تميّز به النص الرباني الأصلي واللاهوت الأوحد النقي! يقول أحد المنظرين للفلسفة الوجودية في عالمنا العربي أبو يعرب المرزوقي ضمن ردّه على تساؤل وجّه إليه من أحد الأخوة مستفسراً عن بعض النقاط التي وردت في المناظرات التي تمّت بين المذكور سابقاً وبين الشيخ سعيد فودة حفظه الله تعالى:
" وتلك هي طريق التجربة الوجودية التي نجدها في القرآن قصا لأهم التجارب الروحية التي مرت بها الإنسانية والتي هي نموذج مصغر من كل تجربة شخصية لكل إنسان من حيث هو إنسان وبذلك نصل إلى الإيمان وبرد اليقين. وهذه التجارب الوجودية هي التربة الخصبة للاستدلال العقلي الإيجابي على وجود الله بالنوع الثاني من المدارك أعني بالحوادس بدل الاقتصار على الحواس. فالحوادس هي معين الاستبصار وليست مكتفية بالاستدلال الذي كل من يعلم طبيعته يدرك أنه لا يتجاوز الوصل بين المقدمات والنتائج ولا علاقة له لا بصحة المقدمات بداية ولا بالتطابق بين السلسلتين المنطقية والوجودية في الغاية. وذلك هو المعنى الثاني للاستدلال العقلي الإيجابي الذي يمكن وصفه بالصورة التالية. فكل تجارب الإنسان المعيشة بما في ذلك خاصة وعيه بذاته كل ذلك ليس له عليه دليل بالمعنى الصوري للكلمة لكن عليه من القرائن ما لا يتناهي تجعل عين الوعي به دليلا عليه فيكون وجودا وعلما في آن وعلما ووجودا في آن وهو معنى اليقين بالوجود الذاتي التابع لشروط قيام الذات (العالم) الذي هو بدوره مشروطا بشرط بقائه (الله) لأننا ندرك ما فيه العالم من عدم قيام بالذات فتجتمع المربوبية (الفقر إلى شروط البقاء) والآلهية (العرفان بالفضل والشكر لصاحبه). " ا.هـ

فكلامه هنا هو عين ما قدّمنا له من مفاهيم تمثل صلب التفكير والفلسفة الوجودية بطابعها الديني المتحرر من ربقة الأغلال الاجتهادية التي قمعت فيه كل روح تحررية انسلاخية من واقع مشوه جامد إلى مستقبل مريح متحرر. ولا ننسى أن نذكر هنا أن أعظم منظر للفلسفة الوجودية الدينية هو باول يوهانس تيليش المتوفى سنة 1965م, وهو قسيس بروتوستانتي, ومنظّر لاهوتي, وفيلسوف ديني. تدور أعماله حول تأكيد قدرة اللاهوت الفريدة على تقديم الإجابات لتساؤلات الوجود الإنساني وعلى تقديم العلاج الناجع للحيرة الإنسانية التي تأصلت في البشر شرط الانقضاض على ماورثته البشرية من تقاليد جامدة أوغلت في تحطيمها.
فالدليل على وجود الله تعالى ( الوجود المتعالي بالمصطلح الوجودي اللاهوتي) هي التجربة الإنسانية الأولى وهي محور كل التجارب التي تلتها, وهي التربة الخصبة للاستدلال العقلي الإيجابي المتحرر من كل القيود لأن رافده وداعمه في هذه العملية هو الحدس وهو تبصّر عميق يسبر الأغوار ويكشف عن مكنونات الأشياء ليصل بصاحبه إلى بر الأمان الذي يطمئن معه إلى أنه حقق معرفة حقائق الأشياء أو كاد! يقول أحد منظريهم:
" عالم الذات كلما أحكم إغلاق الباب على نفسه, فإنه يكتشف فجأة وجوداً متعالياً." فمعرفة الذات بمعنى وجودها يكشف لها من العلوم مالا يحصيه عدّ ويفتح لها مغاليق كل شيء وهو عين قول المرزوقي في جوابه: " فكل تجارب الإنسان المعيشة بما في ذلك خاصة وعيه بذاته كل ذلك ليس له عليه دليل بالمعنى الصوري للكلمة لكن عليه من القرائن ما لا يتناهي تجعل عين الوعي به دليلا عليه فيكون وجودا وعلما في آن وعلما ووجودا في آن". فمنبع العلم هو الوجود وهو المقترن بالوعي الذاتي بالذات الفرد, فدون هذا الشرط لا يتحقق المرجو. ومن هذا العلم ينطلق الفرد إلى وعيه بأحقية ( الوجود المتعالي) لفرط تأكدّه من احتياجه وافتقاره إلى من يقوّم وجوده بله يجعله مستمراً على نسقه واتساقه. وهذا هو عمدة أدلة هؤلاء على وجود الله تعالى متحررين من كل تعقيدات وتقييدات بل وتثبيطات أرباب الكلام!

يتبع إن شاء الله,,,

فراس يوسف حسن
13-10-2008, 10:04
عندما يطلق تعبير "الوجودية الدينية" فإنه يُقصد به النظرة الفلسفية الوجودية اللاهوتية المستمدة من الدين النصراني. وهي التي نشأت كردة فعل على قسوة التحكم الكنسي وسطوته التي كانت تمنع الناس من النظر إلى الكتاب المقدّس نظراً مباشراً. بل لا بد للناس إذا أرادوا الخلاص أن يلتزموا ما يلقى إليهم من تأويلات واستنباطات اللاهوتيين المسئولين عن حفظ بيت الرب وأمانته. فلما ضعفت الكنيسة وتقلّصت سطوتها قام هؤلاء النفر إلى النص وصبغوه بالصبغة الوجودية والتي وكما أسلفنا محورها وجوهرها الوجود الذاتي للإنسان! يمكننا أن نقبل النظرة الوجودية اللاهوتية الجديدة إلى نص الكتاب المقدّس بل ونؤيدها لأنها في جوهرها لا تنافيه ولا تصطدم معه في أصوله ومبانيه ومباديه لأنه يقوم أصلا في جوهره على الإنسان الذي حلّ الرب فيه أو أحل فيه شيئاً من صفاته , أغدق عليه من سماته ما جعله ربّاً يسير على الأرض ويبشر بالأمل الواعد المنتظر والمستقبل المشرق الأخّاذ. وكما قال أحد الوجوديين الدينيين بأن مردّ الوجودات إلى الموجود الذي من أجله الوجود فلا يمرّ عليها زمان من ليل أو نهار لأن الموجود المتعالي لا يمر عليه هذا الزمان وهو متجلٍ فيها!
وانظر إلى هذا الحوار الذي يدل على النظرة الوجودية في كتابهم المقدّس لتعرف بأن الوجوديين الجدد لم يأتوا بشيء جديد من عند أنفسهم سوى أنهم كشفوا عن مواضع محورية الإنسان في كتابهم ومنها انطلقوا في بناء أفكارهم وفلسفاتهم:
" قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا. 9 قال له يسوع أنا معكم زمانا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس.الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب. 10 ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ.الكلام الذي اكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال."
وقال يسوع أيضاً مخاطباً أحد الرسل: "وسأُعْطيَكَ مفاتيحَ مَلكوتِ السَّماواتِ، فما تَربطُهُ في الأرضِ يكونُ مَربوطًا في السَّماءِ، وما تحُلٌّهُ في الأرضِ يكونُ مَحلولاً في السَّماءِ"(مت16/17-19، وأيضا يو 21/15-19).
وهو عين الوعد الذي أعطته الوجودية اللاهوتية للإنسان في عصرها, حيث الانفتاح والانعتاق من كل ما قد يثبط عزيمتها واندفاعها إلى المستقبل الأفضل.
فتجلي الرب في الإنسان واضح جليّ في الكتاب المقدس, والبحث عن الرب خارج هذه الأطر ضرب من العبثية التي لا تجدي نفعاً! فإن كان الأمر هكذا فلا عجب إذا من قبول النصرانية بجميع أطيافها ومشاربها للفكرة الوجودية. ولو ادّعى أحد فقال أن الكنيسة الكاثوليكية قد تبرأت من بعض القساوسة الوجوديين وحذرت منهم وكفّرتهم, نقول بأن أغلب هؤلاء كانوا من البروتستانت التيار المناوئ للكنيسة الكاثوليكية! فإنّ غضب الكنيسة على هؤلاء الوجوديين إنما كان من باب مخالفتهم المذهبية لا توجههم الفلسفي الفكري, وإلا فإن الكثير من القساوسة الكاثوليك والذين كانوا منخرطين في العمل اللاهوتي الكنسي على مرأى ومسمع ومباركة من الكنيسة البابوية كانوا على نفس النسق الفكري الوجودي والتساوق المعرفي الذي كان عليه أخوانهم من البروتستانت!
وباستقراء النص المقدّس من أوله إلى آخره نجد أنه لا يمثل سطوة وسيطرة على أتباعه بل هو التحرر والانعتاق والانطلاق إلى كل ما يشبع النّهم الإنساني إلى فتح مغاليق الآفاق المقفلة! فبمجرد أن يتبع الإنسان يسوعاً ويعترف به أنه المخلّص فإن له أن يفعل ما يحلو له لأن مردّه في النهاية إلى غرفة الاعتراف حيث التخلص من آثار الآثام والانطلاق مرة أخرى إلى واقع الحياة الرحب. يقول أحد قساوستهم في مقال له بعنوان " لماذا نعترف:
"ويسوع الـمسيح هو ابن الله "إن ابن الإنسان له سلطان على الأرض ليغفر الخطايا"(مرقس10:2)." ويقول أيضاً: " إن الاعتراف للكاهـن ضروري لكي يسمح الكاهن للتائب بالتقدم لسر التناول باستحقاق لأن "أي إنسان أكل خبز الرب أو شرب كأسه وهو على خلاف الاستحقاق فهو مجرم إلى جسد الرب ودمه"(1كورنثوس27:11)."

أما المحاولات البائسة التي طلع علينا بها بعض المتعالمين العرب للتعامل مع الوحي الإلهي والنص القرآني بنفس الطريقة, فما هي إلا تخرّصات منهم ما أرادوا بها وجه الله تعالى!
فإنه لمن الإجحاف والسفه أن يوضع النص القرآني مقابل النص الإنجيلي وفي كفة واحدة. فهلا تمعنوا في القرآن وتدبروا آياته حتى يتلمسوا سحره وسطوته على العقول والقلوب والأجساد؟! فإن كانت النظرة الوجودية في ديانة النصارى تقوم على محورية التفرّد الذاتي للإنسان فإن الإسلام له نظرة أخرى بعيدة عن كل هذا! فعلى الرغم من تكريم الله تعالى للبشر ورفع مكانتهم وإعلاء شأنهم على سائر مخلوقاته إلا أنهم ما جاءوا إلى الوجود عن استحقاق أو وجوب إنما وجدوا عن محض تفضل وجميل عطف من واجب الوجود الأوحد سبحانه. فمحورية الوجود في القرآن إنما هي لله وحده لا شريك له ولو شاء سبحانه لخسف بمن في الأرض جميعاً فما أبقى منهم من أحد لأن وجودهم لا يجب لذواتهم بل بمشيئته سبحانه. بل وأكثر من هذا فإن مشيئة الإنسان وإرادته محجّمة بإرادة خالقه, فلا يمكن للإنسان أن يوقع في كون ربه شيئاً لا يرضاه. فالكون ليس مرتعاً طيّعاً في يد الإنسان يتقلب فيه كيفما شاء وحسبما رغب, لا, الكون مقيد بنظام صارم محكم رزين لا تشوبه شائبة, وهو طيّع فقط في يد بارئه ومصوره وهو سبحانه يطوّعه لمن يشاء كيفما شاء فكل شيء تابع له ذليل كسير أمام جلال سلطانه.
فكيف- والحال هكذا- يريد هؤلاء الأغرار إسقاط ما عرفه النص اللاهوتي الكنسي على النص القرآني؟!


يتبع,,,

فراس يوسف حسن
14-10-2008, 20:25
لا بد من معرفة أن الفكرة الوجودية في أصلها وجوهرها تشير إلى أهمية الوجود الفردي ومحوريته ومن ثم الثورة والانقلاب على فكرة التديّن وعلى الارتباط بالخالق العظيم جل في علاه, وهذا يؤدي إلى معاداة القيم الإنسانية المستمدّة من الدين والوحي الإلهي ثم في النهاية إلى الفوضى العارمة في منظومة المجتمع الإنساني. فالتزام الفكرة الوجودية على هذا النسق يؤدي إلى انتشار العبثية الأخلاقية من منطلق اهتمام الفرد بذاته ووجوده من زاوية إشباع الغرائز الحيوانية الكامنة في وجدانه دون الالتفات إلى ما يحدث من فوضى أخلاقية تضرب بأطنابها زوايا مجتمعه الذي آلى أفراده على أنفسهم متابعة غرائزهم وتحقيق شهواتهم. وما يحدث الآن في المجتمعات الغربية من فوضى أخلاقية وانتشار للفاحشة بكل أصنافها المبتدعة والتي لم يكن لها سلف في الأمم السابقة هو نتاج هذه النظرة القاصرة المنحرفة! فما نراه في المجتمعات الغربية يعدّ شيئاً عجيباً غريباً لم يُعهد له نظير ولا مثيل, وليس له سابق عهد في الأمم السابقة حتى تلك الأمم التي لم يكن لها نصيب من نور الوحي الإلهي!
يرى جان بول ساتر والذي اقترنت باسمه الفلسفة الوجودية الإلحادية أن قوله: "إن الإنسان حر" مرادف لقوله: "إن الله غير موجود " لأن الإنسان يجب ألا يكون مكبلاً ومحدداً بوجود آخر غير وجوده, فهو الذي يصنع وجوده بما يختار من طرق ليحقق كمال هذا الوجود وهو الذي يحدد ويضع مقاييس الحق والخير! ويرى أن ما أطلقه البشر عن الله وعن إرادته لوجود العالم ما هو إلا تفسير ضمني أو إشارة إلى حرية الإنسان في اختيار الوجود ووضع المقاييس المميزة له فالإنسان هو رب نفسه كما يزعم! ويقول أيضاً " إنّك تستطيع أن تفعل ما تريد، وليس ثمة من له الحق في توجيه النصح إليك، وليس في نظرك شر وخير إلا إذا خلقتهما". وما يهمنا هنا هو المقارنة والتطبيق القريب لهذه الأفكار – حتى وإن كان ظاهرها إلحادي- على الفكرة الوجودية الدينية. فنحن نلاحظ مدى القرب والتشابه بين الأفكار الوجودية الإلحادية وبين ما تزعمه رواد الفكرة الوجودية الدينة, فهم ينادون بتحرر العقل الإنساني من ربقة ما يكبله عن معرفة الوجود المتعالي أي وجود الله تعالى وهم يقصدون بهذا كل موروث ورثه البشر عمن سبقهم من إخوانهم البشر فيما يتعلق بالوجود الإلهي. فلا يحق لأي كان ومهما بلغ من الشأن أن يكبل الإنسان بأفكاره ويمنعه عن معرفة وجود الله تعالى وهي ( أي تلك الأفكار) في النهاية مردّها إلى الاجتهاد الشخصي الذي لا يخلو من عوار أو نقص. وهذا يشابه في جوهره ما قاله سارتر عن حرية الإنسان, فقوله أن الإنسان حر يعني الله غير موجود يشابه ما أراد أرباب الوجودية الدينية أن يفرضوه على الإنسان, وجملته بصياغة أخرى بمفرداتهم تصبح : " قولنا أن الإنسان حر" تعني " أن الله الذي عرفه أسلافنا غير موجود"! فهم قد استخدموا عين الفكرة الإلحادية ليمرروا فكرة ظنوها دينية لينتج عن ذلك في النهاية الفوضى العارمة في منظومة الأخلاق والتحرر والانسلاخ من كل ما هو ديني صحيح.
ثم لننظر مرة أخرى إلى قول سارتر الذي دعا فيه الإنسان ليفعل ما يشاء دون أن يخشى أية عواقب لأن ليس ثمة من له الحق أن يحاسبه :" تستطيع أن تفعل ما تريد" وهذا لأنّ الإنسان في نظره مرتكز الوجود ومحوره فلا وجود ولا سلطة أعلى من وجوده مطلقاً, " وليس ثمة من له الحق في توجيه النصح إليك، وليس في نظرك شر وخير إلا إذا خلقتهما". ولننظر الآن إلى أرباب الوجودية الدينية, فهل اختلفت نظرتهم عن النظرة الإلحادية؟ إن دعوتهم للإنسان لمعرفة ربه من خلال معرفته لنفسه تشابه إلى حدّ كبير دعوة سارتر للإنسان أن يحدد هو بنفسه الخير والشر فلا سلطة يمكن أن تحجّمه وتثبطه عن فعل ذلك. فهم يدعون الإنسان إلى الانفلات من السلطة التي تحجّمه وتثبطه عن معرفة نفسه أولا ومن ثم معرفة ربه وخالقه, وهم يعنون بالسلطة هنا سلطة العلماء الذين حددوا للبشر الطريق الوحيد للمعرفة والتي لا تمر إلا من خلالهم! فالإنسان بعد استقرار وعيه الوجودي يستطيع التحرر ليعرف ربه وخالقه ويضع له المعايير والمقاييس الشخصية المرتكزة على تصوره الذهني عنه, ومن هنا نشأت عند أصحاب هذا الإتجاه فكرة الإله الشخصي الذي يختص بكل فرد على حدة ويقوم على مصلحته وشؤونه ويتجاذب معه أطراف الحديث وحتى أنه يمكن أن يتجلّى له في أوقات محنته ويأسه ليواسيه ويشد على يده ويطمئنه! فالوعي الوجودي يؤدّي إلى انكشاف حقيقة الإله والذي يترتب عليه انكشاف خفايا الوحي الإلهي التي ظلت مخبوءة عزيزة مستعصية, والتي ساعد على استعصائها وخفائها جمود العلماء الذين تناولوها وحاولوا تبيينها لكن دون جدوى. وقد قدّمنا سابقاً قضية مناسبة النظرة الوجودية واتساقها مع دين النصارى لأن كتابهم قائم على سذاجة الطرح وسطحيته وعلى غموض دور الخالق في هذا الكون وأهمية دور الإنسان ومحورية وجوده وفاعلية فعله ذو الأثر الواضح. فمن قضية السذاجة الواضحة في الطرح يمكن للإنسان أن يتناول ما يشاء من الكتاب دون الحاجة للرجوع إلى أصحاب اللاهوت لكي يعلّموه ودون الحاجة أيضاً لامتلاك الأدوات المعرفية المناسبة للنظر فيه, فما هو إلا بعض قصص وروايات وحكايا تصلح للأطفال قبيل النوم, ليبنوا عليه أحلاما طفولية ساذجة لا تعدوا كونها نسج خيال! ومن قضية تغييب دور الخالق سبحانه وعدم وضوحها بل وضبابيتها وبروز دور الإنسان كبطل الوجود الأوحد يمكن للإنسان أن ينطلق في هذا الكون دون رادع أو وازع ففي النهاية يمكن لهذا الإله المغيب عن الصورة أن يلعب دور المنظف لآثار الكبوات التي كباها هذا الإنسان في طريقه!
أما أن يقال أن النظرة الوجودية يمكن أن تتساوق مع الدين الإسلامي العظيم كما تساوقت وناسبت غيره من أديان ومعتقدات فهذا هو عين الخرَف لما سنبينه إن شاء الله تعالى,,,,

فراس يوسف حسن
18-10-2008, 18:01
بعد أن أغرق المرزوقي وأتباعه منتدى الأصلين الكريم ورواده الكرام الأفاضل برفعة أخلاقهم وسمو ألفاظهم وأدبهم الجمّ وعلمهم الشريف الذي ارتقى إلى عنان السماء لينبيء عن حملة له جهابذة لا يدانيهم أحد من أهل الأرض قاطبة!! جاءني هذا النصح من أحدهم مؤخراً نشره على موقع سيده ليدلّني على الطريق القويم والصراط المستقيم الذي يوصل إلى النعيم الأبدي!

قال في مقاله:
" وسأسمح لنفسي بتقديم نصيحة للأخ فراس الذي أراه أكثر رواد الموقع المواظبين أهلية للتحرر رغم حماسته للذود عما لا يمكن حقا أن يكون مؤمنا بصحته إلا إذا كان ما يكتبه في بحوثه الجدية ليس من تأليفه. وليكن الكلام معه خطابا بدل الغيبة: فقد يا أستاذ فراس لاحظت أنك على قدر محترم من الفطنة والمعرفة وأنك لا بد مدرك لحقيقة ما يجري فلم تكابر ؟ فمن كان طالب علم بحق لا يمكن أن يخلو من الإنصاف حتى وإن كان الظرف لا يسمح له بإعلان رأيه.

لذلك فاسمح لي أن أعجب من سماحك لاسمك أن يتلطخ بالاختلاط مع اسم هذا البهلوان. هل يمكن أن تكون حقا طالب حق ثم تواصل البحث عن حقيقة فكر المرزوقي بمجرد التكهن والرجم بالغيب فتعتبره مرة باطنيا ومرة مستشرقا وأخرى وجوديا إلخ... لم لا تصبر على القراءة فتطبق المناهج الحديثة التي لك منها النصيب الوافر وسترى أن المرزوقي الذي نعرفه خلال عشرة طويلة شخص يسعى إلى الفهم ما أمكن للإنسان وأنه يفعل ذلك دون أن يدعي التشيخ على أحد. كيف لم تر من جواب الأستاذ المرزوقي للأخ المغربي إلا ما يدل على أنك صرت تخاف نفسك: فلو جمعت دراستك على الكلام ودراستك على الوجودية هل كنت حقا تواصل على ما أنت عليه في لسانك التي لا يمكن أن تطابق ما في لسان حالك ؟

كيف يدور بخلدك أنه وجودي متأثر بالفكر البروتستنتي ؟ ألم تطلع على شروط نهضة العرب والمسلمين المخصص لدحض أسس هذا المذهب والفلسفة التي بنيت عليه أعني الكنطية وكل المثالية الألمانية ؟ إني أراك في بحثك الكلامي وفي كلامك على الوجودية متلمسا الطريق لتجاوز الانحياز والتحيز لأنك بذلك خطوت الخطوة الأولى نحو المنهج القرآني المنافي للمنهج الكلامي: كيف تكون مؤمنا بقيم القرآن ولا تصدق مع نفسك ؟ اللهم إلا إذا كنت تفصل بين طلب العلم والصدق فيه. فالعلم الصادق يترتب عليه الالتزام بالإنصاف أو على الأقل السكوت كما فعل بعض النبهاء من الجماعة !

أنا واثق من أن الأستاذ المرزوقي لم يكن يريد أن يجرحك بملاحظته حول تعليقك على سؤال الأخت شفاء ولعل ما ورد في نصك لم يكن معبرا حقا عما تقصد أو لعله سقط منه ما جعله يبدو غير قابل لأن يكون مفهوما أو دالا على الفهم. ذلك أني دون أن أدعي الاختصاص في الميتافيزيقا أعجب ممن يتكلم فيها كلام العلماء ثم يعتبر "مفهوم" تصور الوجود بالمعنى الاصطلاحي لكلمتي مفهوم وتصور في المنطق القديم يعتبره حاصلا في الوجود الخارجي؟ أفتكون قائلا بالمثل الأفلاطونية فتعتبر الكليات هي الحقائق القائمة في الخارج وتعتبر الأعيان التي يتكون منها ماصدق المفهوم نسخا لا وجود لها إلا في وهم الإنسان وفي مداركه الحسية؟ وإذا كان هذا قصدك أصبح الخلاف بينك وبين الأستاذ المرزوقي خلافا في الخيار الميتافيزيقي بين الاسمية والواقعية. فهل ترى هذا كافيا لأن تلطخ اسمك مع بوسعدية ؟ "

وقد كان قد وصفني في السابق في مقال آخر بأني لا أنطق إلا القذارات!!
فسبحان الله, له في خلقه شؤون!!!

يتبع التعليق...

فراس يوسف حسن
19-10-2008, 19:13
يحاول الأخ الناصح أن يصور سيده بأنه غيور على حال هذه الأمة ويبذل جهده في محاولة إيقاظها من غفوتها وحملها على النهوض لتأخذ مكانها الطبيعي بين سائر الأمم! أقول, ربما كان الأمر كذلك وربما كان عكس ذلك فلا شأن لنا هنا بالنوايا فالذي يعلم النوايا هو الله وحده وهو سبحانه يعلم السر وأخفى. لكن الأمر أبعد من البحث في النوايا الخفية المبيتة سيئة كانت أم حسنة إنه البحث في ثنايا كلمات وبحوث خطها بنان الرجل وحملت في مضموناتها ما حملت من مفاهيم ممسوخة مشوهة امتد تشوهها إلى كل ما يتعلق بالدين الإسلامي من علوم. كما امتد هذا التشوه والتشويه إلى رموزه العظام الذين ناضلوا وجاهدوا للذب عن حياضه فكانوا نِعم السياج الواقي وخطاً دفاعياً لا تلين له قناة أمام الهجمات المتتاليات عليه من قبل أصحاب القلوب الزائغة والمذاهب المنحرفة المنحلة! فالذي يستقرئ ما كتب الرجل يرى وبكل وضوح هذه النزعة التشويهية التمسيخية لكل ما تعارفت عليه أمة الإسلام العظيمة طيلة القرون الطويلة الضاربة في عمق التاريخ. فهو يضرب عرض الحائط بعلوم العلماء ويعتبرها البذرة الأولى لضرب الأمة في المقتل حيث الفرقة والتنازع والتكفير والطرد لأبنائها من دائرتها وعدّهم قناطر للأعداء أصحاب الديانات المحرفة المنحرفة! وهو يقدّم للأمة - في طريق التنكيس والاستحقار للعلماء - بدائل هزيلة مشوهة ممسوخة لا تسمن ولا تغني من جوع, سوى أنها تجعلها أمة تائهة في طريق الأمم, لا جذر لها تستمد منه الحياة ولا ساق لها أيضاً تستمد منه القوة لمواجهة الأعاصير! ومن ضمن تلك البدائل الهزيلة التي يقدّمها الرجل للأمة هو ما نتكلم عليه هنا, وهو البديل الوجودي اللاهوتي الذي عرفه الغرب النصراني وتساوق مع دينه المادي أيما تساوق وانطبق معه أيما انطباق. وسأسمي هنا طريقة الرجل في التعامل مع العلوم الإسلامية بالطريقة الغنوصية ( والغنوصية تسمية أطلقت على حركة دينية و فلسفية. والغنائصية تعني التبصّر والمعرفة). وأساس الرؤية الغنوصية للعالم هو وجود هوة عميقة وبون شاسع بين عالم الكدّ والتعب من جانب ، و بين عالم الوجود الحق، الوجود الإيجابي الفعال الأصيل. وهم يعلون من شأن الحدس على حساب العقل الذي لا يراوح الربط بين المقدّمات الغامضة والنتائج ذات الغموض الأشد كما يزعمون. فطريق المعرفة عندهم إذن هو التبصر بالحدس والذي يتجاوز محددات المعرفة العقلية الجافة, ليصل إلى المعرفة الوجودية الوحدوية ذات الطابع المعرفي الشديد الوضوح والعميق النظرة. والغنوصية النصرانية هي نسخة مطابقة للغنوصية الأصلية في مفاهيمها وتوجهاتها وفلسفاته ولكن بطابع ديني. فقد امتطى الغنوصيون النصارى دين النصارى وطبّقوا عليه مفاهيمهم وفلسفاتهم وطوعوه - دون كبير عناء كما أسلفنا في السابق لما في دينهم من مفاهيم دينية تعلي من شأن كل ما ليس له شأن معرفي. فهم يرون أن عالم الخطيئة التي يكابد ويعاني الناس فيه هو نتاج الفعل البشري المتراكم على مرّ العصور والأزمان والذي كبّل الناس بتقاليد وأعراف ومعارف بعيدة كل البعد عن المفهوم الوجودي الحق الأصيل. والسبيل الوحيد للتحرر من هذه الأغلال هو الثورة على كل ما عرفه البشر والانطلاق إلى عالم المعرفة الحقيقية.
وقد جاءوا بأناجيل جديدة يؤكدوا فيها على ثورتهم على المتعارف ويؤكدون انحراف أتباع الأناجيل المحرفة ذوي النظرة المنغلقة القاصرة الدنيئة التي عذبت أتباع الدين أزمانا مديدة, فأغضبوا الكنيسة وأربابها فكفروهم وهرطقوهم وأخرجوهم من دائرة البشرية إلى دائرة الحيوانية! لكن الغنوصية لم تتوقف بسبب سيل التكفير وتُهم الهرطقة الذي أغرق أكابرهم بل على العكس ظلت هذه الحركة تقاوم وتقاتل حتى تبناها الغنوصيون الجدد أتباع المدرسة الوجودية اللاهوتية, فشذّبوا مطالبها ونسّقوا مقدماتها وحاولوا حدّها بحدود فلسفية ذات جذور دينية حتى نجحوا, فصارت لهم كلمة مسموعة ووجود شرعي في عالم الكنيسة. وكما أسلفنا فإن الغنوصيون الجدد تبنوا شعارات الثورة الفكرية الأولى على العرف والتقاليد وتبنوا أيضاً النظرة الغنوصية للفرد وأهمية كينونته في هذا الكون. فعند الغنوصية اللاهوتية الأولى, فإن الوجود المتعالي - وعلى الرغم من أهمية معرفته وهي النتيجة الحتمية لسعي الإنسان في هذا الوجود - لا يخلو من رغبات ونزوات ( وهذا كما يتصوره الناس الذين ركنوا إلى ما أخذوه من أسلافهم) تمنح الكائنات جميعا الحياة للحظة وجيزة ، ثم تقضي عليها بالموت إلى الأبد, لذلك كان لا بد من تدخل المخلّص الذي ينزل إلى العالم المادي من أجل إبطال الخرافات كافة والإرتقاء بالإنسانية إلى معرفة الوجود المتعالي الحق. وهذا المفهوم هو ما تبناه أرباب الفلسفة الوجودية اللاهوتية كما أسلفنا. فمن التجربة الإنسانية يعرف الوجود ومن الوجود تحدد ملامح المستقبل الحالم والدعة المرتقبة.
لنرجع الآن إلى ما ادّعيناه من غنوصية المرزوقي الإسلامية ونحاول تلمّس أوجه الشبه بين ما طرح الرجل من بدائل لعلم العقيدة والأصول والمعارف الإسلامية جمعاء. فقد قال الرجل في النص الذي نقلناه في بداية المقال ما يلي:
" وتلك هي طريق التجربة الوجودية التي نجدها في القرآن قصا لأهم التجارب الروحية التي مرت بها الإنسانية والتي هي نموذج مصغر من كل تجربة شخصية لكل إنسان من حيث هو إنسان وبذلك نصل إلى الإيمان وبرد اليقين."
فالتجربة الوجودية هي محور كلام الرجل في معرض تنكيسه وازدرائه للعلوم الأخرى, وهو يدّعي بأن ما جاء به القران من قَصص تحكي تجارب البشر مؤمنهم وفاجرهم, نبيهم وكافرهم هو محض نظرة وجودية واعية سابقة لعدها بأزمان مديدة! فما أخبر به القرآن عن تجارب البشر يؤدي في النهاية إلى الإيمان وبرد اليقين, كذا زعم الرجل! وهو هنا لا يستثني حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هذه النظرة الغنوصية الوجودية. فهو يعتبر بأن ما مر به الأنبياء من تجارب وخبرات لا تعدو كونها تجارب حياتية شخصية تخللتها الكثير من العقبات والانتكاسات والارتدادات ولكنهم في النهاية ينجحون في تحقيق المفهوم الوجودي الذي يدّل بما هو عليه من وضوح على الوجود المتعالي وهو هنا وجود واجب الوجود! وهو هنا يصوّر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وكأنهم أشخاص عاديون بعيدون عن الوحي الإلهي والنور السماوي الذي لولاه لما كانوا في المكانة العظمى التي كانوا عليها. فكيف سولت له نفسه اعتبار ما مروا به في حياتهم بعيد عن وحي الله تعالى لهم , وهم الذين أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا ينطقون عن الهوى وعن محض التكهّن والتبصر فالمسألة في حقهم هي مسألة ارتباط وثيق لا انفكاك عنه مع الوحي الإلهي والنور النازل من السماء. ثم من أين له ربط تجابهم وقصصهم بتجارب غيرهم ممن ذكروا في القرآن الكريم؟ فالقرآن قد ذكر من قصص الكفار والزنادقة ما يقارب عدد ما ذكر من قصص الأنبياء والرسل, فهل تساوت التجارب والقصص في نظر الرجل لأنها انتظمت في منظومة الفكرة الوجودية؟! ثم قال :
" وهذه التجارب الوجودية هي التربة الخصبة للاستدلال العقلي الإيجابي على وجود الله بالنوع الثاني من المدارك أعني بالحوادس بدل الاقتصار على الحواس."






يتبع....

فراس يوسف حسن
23-10-2008, 18:30
وهو هنا يعلي من شأن الحدس والتبصّر أو الكشف على الطريقة المرزوقية لامزاً طريقة أهل السنة بالاستدلال وهي وإن كانت طريقة عقلية إلا أنها تعتمد على الحس في مقدماتها ونتائجها, كذا يزعم الرجل!
وطريقة الكشف المرزوقية هذه ليست مبتدعة أو مخترعة من عنده, إنما هو باستخدامها والحثّ عليها يتابع الأسلاف أعني المذهب الغنوصي بشقيه الأصيل والمقولب بالقالب اللاهوتي! وقد قدّمنا سالفاً بأن هذا المذهب يُعنى كثيراً بأهمية الحدس الداخلي والاستبصار النوراني الروحي على حساب الاستدلال العقلي المنطقي لمعرفة الحقيقة بحدّها أو على الأقل برسمها! وكثيراً ما نقرأ ونسمع ونشاهد أرباب اللاهوت النصراني يبينون أفضل الطرق للإيمان بألوهية مسيحهم وبتجلي الرب في جسده وهم يعنون طريق الاستبصار الروحي نابذين الطريق العقلي لأنه وباعترافاتهم لن يؤدّي إلى هذا الإيمان بل على العكس سيؤدي إلى نقيضه وهو الكفر بإنسان إله يطأ الأرض ويأكل الطعام ويشرب الماء ويمشي في الأسواق ويُصلب ويُعذّب ويُنكّل به وبأتباعه ثم تُزهق روحه ويُدفن في المدافن!
نرى المرزوقي هنا يفصح وبجرأة كبيرة عن مذهبه الوجودي المستمدّ من كل الأفكار التي قدّمنا لها في مقالنا, أعني وجودية سارتر الإلحادية والتي تعلي من شأن الإنسان وتحط من قدر كل شيء خارج عن ذاته حتى وإن كان هذا الشيء هو الإله الخالق, ووجودية اللاهوت النصراني بكل مشاربه والتي أتت على كل الموروث اللاهوتي السابق بغثه وسمينه ودعت إلى الحكم على النص المقدّس عن طريق الحدس والتبصر النوراني لا عن طريق الاجتهادات السابقة. ومن قبل الوجودية الغنائصية والتي استمدّت كل الوجوديات فكرها منها! ثم بعد هذا يأتي الأخ الناصح لينكر الشمس في رابعة النهار وينكر التوجّه الوجودي عند سيّده دون أن يقف ولو للحظة عند ألفاظه التي أفصحت عن مكنوناته بكل تجلٍّ دون مواربة. فهل عند الأخ الناصح حجّة يدفع بها ما التصق بسيّده بمحض إرادته من عوالق الفكر الوجودي والمذهب الغنوصي؟ لا أظن ذلك! فالأخ الناصح قد اكتفى بالخطابيات لينكر علينا ما ادعيناه على سيّده ولم يقدّم لنا ما يقنع من براهين وحجج تدحض هذا الادّعاء. أقول فاليهنأ السيد بهكذا أتباع يدّعون معرفته لعشرات السنين ثم لا يكاد يجد المرؤ عندهم من زاد سوى زاد الخطابيات الفارغة والألفاظ الهابطة والقِرَب المخروقة المهترئة. وهنا يحق لي أن أسأل الأخ الناصح سؤالاً لطالما أرّقني وأنا أفكّر بسيده الجهبذ والذي يدّعي أنه أوتي ما لم يؤت أحد من العالمين: كم من مفكر وعالم وفيلسوف تخرّج على يدي سيده الجهبذ الهُمام؟ ونرجوا منه أن يخبرنا عن أسمائهم وإنجازاتهم ومؤلفاتهم وتلاميذهم ومقدار الجهد الذي بذلوه ويبذلونه في خدمة أمتهم في سبيل رفعتها وعزتها!! وأنا أؤكد هنا أن هذا السؤال سيبقى هكذا غفلا لا يجد له إجابة من أي نوع لأن فحواه بعيد عن أهداف السيد ومخططاته, بل إننا نراه يقاتل ويحارب هنا وهناك لإشباع حظ النفس عنده بإثبات مدى تفلسفه المقولب بقالب الانقلاب على هذه الأمة وعلى موروثها وعلمائها. فصحوة الأمة لا تهمه كثيراً - وهذا والله ليس حطاً منه أو اتهاماً له بالعمالة للغربي أو اتهاما له بالاستشراق والتآمر ضد هذه الأمة إنما هو تبيين وزيادة إيضاح للواضحات الجليات - وما يهمه بالدرجة الأولى هو نفسه واليذهب كل شيء بعدها إلى الجحيم. وهذه هي إحدى تجليات النظرة الغنوصية في الرجل, فالذي يهم هو محور الوجود الذاتي وتحقيقه بأية صورة كانت ثم ربما أقول ربما بعد هذا وإن تسنى الوقت للانشغال بشيء آخر اشتغل به لكن دون أن يؤثر على فكره وطبيعة ذاته. وإلا بماذا تفسر أيها الأخ الناصح قيامة سيدك التي قامت عندما بان له شذوذه عن منظومة العقلاء, فأخذ يكيل التهم هكذا جزافاً لشيخنا سعيد ولكل من شارك بتبيين عواره وخرف أفكاره وتهافت توجهاته وسفسطة مبادئه وأخذ يحقّر العلم والعلماء ويحط من أقدارهم ويقدح في مقاماتهم, ويحط من علومهم ومجهوداتهم, ويرفع في المقابل من شأن المبتدعة الحسيين الذين ظهرت بدعتهم للقاصي والداني وعلى مر العصور؟ إنه حظ النفس الوجودي الذي استفحل واستحكم في قلب الرجل للأسف!



يتبع....

فراس يوسف حسن
25-10-2008, 16:54
تقول الدكتورة يمنى طريف الخولي في كتابها " الوجودية الدينية" ص 55:
" لكن لكل شيء حدوداً. فأي خطر يتهدد المجتمع لو أن الوجودية اُ خذت مأخذاً حقيقياً, وأصبح كل فرد يتصرف كما لو كان عالماً مستقلاً؟! ببساطة لن يظل مجتمعاً, بل زحاماً متنافراً. سيرد الوجوديون بأن كل وجود بشري محفوف بالمخاطر, وكما أن هناك إمكانية خطر الفوضى بل وانعدام الأخلاق فثمة أيضاً إمكانية التقدم الأخلاقي الجذري. ربما. لكن حتى لو افترضنا مستوى الوعي اللائق وإخلاص النية وإصابة جادة الصواب من كل فرد وهو يبدع قيمه فلا مندوحة عن عموميات يلتزم بها الجميع لكي تستقيم حياتهم معاً. ثم, لماذا يتصورون أن كل التجاء لعموميات وتجريدات جاهزة فيه مساس بالفرد؟! والواقع أنه – من وجوه كثيرة – فيه إذكاء, وسبيل إلى تجربة وجودية أفضل. أليس الوجوديون أشد من سواهم إدراكاً لتناهي الموجود البشري ومحدوديته؟ حياته إذن قصيرة وإمكانياته قاصرة, لا تستوعب تقصي كل الأبعاد في كل موقف وصولا إلى القرار السليم. فلماذا لا يستفيد من المبادئء العمومية التي أسفرت عنها تجارب أخرى طويلة عريضة؟ على الفور سيرد الوجوديون بأن حرية القرار أهم من سلامته. لذا يؤخذ عليهم إعلاء التحمس للاختيار المتفرّد فوق الانصات لصوت الحكمة الرصين. إنهم ينشدون تحقيق ما أسموه بالوجود الأصيل, بأي شكل كان وبأي ثمن كان, في مغامرة أو مقامرة ليس من الصواب دائماً الإقدام عليها بسهولة." ثم قالت: " كل هذا يبرر الحكم بأن الوجودية نزعة جانحة, خصوصاً وأنها لا تزدهر إلا حين الاضطراب والانهيار وانعدام الشعور بالأمن. والمجتمعات المستقرة نسبياً- كما هو معروف, وكما يؤكد تيليش نفسه – لا تصغي للوجودية."
وكما يظهر من النص الذي نقلناه أن المؤلفة كانت في غاية الإنصاف والحصافة وكانت صاحبة رؤية عميقة في نقدها للفلسفة الوجودية, وهي تتكلم هنا عن الوجودية بشقيها الإلحادي واللاهوتي, على الرغم من دعمها لهذه الفلسفة في كثير من مباديها وهو أمر باد في ثنايا كتابها. تتحدّث المؤلفة هنا عن الفوضى العارمة التي ستضرب المجتمعات الإنسانية إن هي رضيت بالوجودية مبدءاً وأسلوب حياة. وقد قلنا في السابق بأن تطبيق المذهب الوجودي على عناصر التجمعات الإنسانية يؤدي في النهاية - كما أدّى في المجتمعات الغربية- إلى ضياع منظومة الأخلاق لأن كل عنصر من هذه العناصر يلتزم بما خلّق له وجدانه من منظومة أخلاقية ذاتية ويهتم بها وبتذكيتها دون أن يلتفت إلى ما يحدث حوله في مجتمعه الذي يعيش فيه. والأمثلة على هذا لا تكاد تعد أو تحصى إذا نظرنا نظرة عابرة إلى المجتمعات الغربية! فلا حدود يمكن أن تحدّ الفرد ولا أخلاق يمكن أن تكبح جماح نفسه الأمارة بالسوء ولا ارتباط قدسي بشيء مقدس يمكن أن يحمله على التوقف. وقد عاش الفرد الغربي حياته دون أن يلتفت إلى غيره من أفراد جنسه, حتى استحكمت في رأسه أهمية ذاته على حساب الآخر. لذلك وجدنا أمراضاً خلقية مستعصية لا يمكن حلها مطلقاً, ولو تسنى للمرء أن يطلع على آخر الإحصائيات عن الجرائم الأخلاقية التي تحدث في الغرب لوعى ما نتكلم عنه. فمن أعداد اللقطاء المهولة إلى زنى المحارم والزنى بشكل عام بدعوى الصداقة, إلى الشذوذ الجنسي من الجنسين فدور الدعارة, وأندية العري، وحمل السفاح، وزنا المحارم، وجرائم الأخلاق المتنوعة. ويكفي أن نطالع مجلة التايم البريطانية عدد ديسمبر 1998، حيث تذكر المجلة أنه يوجد "12" مليون طفل غير شرعي، و"17" مليون شاذ جنسيا في أمريكا، وكل أسرة من 10 أسر أمريكية تمارس نكاح المحارم، وازداد الأمر حتى أصبح أسرة من كل 5 أسر، ويوجد 15 مليون شخص مصاب بالأمراض التناسلية في أمريكا، ومن الأسباب الرئيسية لانتشار هذه الأمراض الاتصال الجنسي خارج نطاق العلاقة الزوجية، علما بأن من يصاب بالإيدز وحده يوميا -حسب تقرير منظمة الصحة العالمية- نحو 700 شخص. (إسلام أون لاين).
أما دولهم فإنها تغزو وتستعمر دولاً أخرى وتتحكم بمصائر أبنائها بل وأشد من هذا تصفهم بأنهم صنف آخر من البشر, صنف لا يستحق الحياة لأنه عالة على الجنس البشري, وله ماهية أخرى غير ماهية الفرد الوجودي. ولو أنهم كانوا منصفين, أو أنهم فعلا أفادوا من تجربتهم الوجودية كما يزعمون, لما فعلوا ما فعلوا بالبشر الذين استعمروا ديارهم ونهبوا مقدّراتهم وأقواتهم. أم أنها مجرّد شعارات اتخذوها ليحققوا بها رغائبهم وشهواتهم؟

ثم هنالك نقطة نتجت عن تحرر الفرد الغربي خاصة عندما التزم الفكرة الوجودية التي يحاول المرزوقي وأمثاله من الغنائصيين الإسلاميين تمريرها على الأمة الإسلامية, ألا وهي تدخل الفرد بأمور التشريعات القانونية وخصوصاً التشريعات المدنية التي تحكم منظومة المجتمع, ومن ثم إعطاءه الحق بالتدخل في مجال تطبيق هذه التشريعات. وهذا الأمر وإن كان له في الظاهر رونق جميل وفضاء حرية واسع وأهمية للفرد من حيث هو دعامة من دعامات المجتمع ومقوم من مقوماته, إلا أنه لا يستقيم في أمتنا! فإن كان هذا الأمر قد صلح في المجتمعات الغربية التي ارتضت أن تكون حاكميتها آراء بشرية تحكمت فيها الأهواء والشهوات, وكان باعثها مصلحة الإنسان الدنيوية المادية فقط دون النظر إلى المصلحة الأخروية – وهي مصلحة خيالية بالنسبة لهؤلاء أو أنها محض هراء وتخييل – فإنه لن يصلح في مجتمعاتنا الإسلامية التي كانت الحاكمية الإلهية المستمدة من الوحي القدسي هي الباعث لها على الحياة. فأن تترك المجتمعات الإسلامية رد أمور التنازع إلى الله والرسول لأجل تحقيق مصلحة دنيوية هي على التحقيق واهية مثل خيوط العنكبوت, هذا يعني أن تنزع الأمة جلدها وتتنكر له, وهذا أمر مستبعد لبقاء خيرية هذه الأمة على مر العصور وإلى يوم القيامة. ولو قال أحد الغنوصيين بأننا أردنا تطبيق هذه المباديء على الأمة مع الإبقاء على هذه الحاكمية التي تزعمون! بمعنى آخر لم لا تكون للفرد الحرية لرفض ونقاش التشريعات التي تمرر على المجتمعات بدعوى أنها مستمدة من مفهوم الحاكمية الإلهية؟ فليس لأحد أن يحدد الفرد باسم هذه الحاكمية بل هو قادر على الاستنباط والتحليل والمقابلة وكل هذه الأمور أصلا معطاة من قبل تلك الحاكمية الإلهية لا غير! كذا قالوا. ومنبع قولهم هذا هو الأصل الذي يدندن عليه الوجوديون ألا وهو الحرية المطلقة للفرد عند الإلحاديين منهم والحرية المطلقة للفرد مع الصبغة اللاهوتية عند اللاهوتيين منهم. وهم ينسون أو يتناسون بأن هذا الأمر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمرر في أمتنا لسبب بسيط وهو أهمية دور أولي الأمر من حكام يأتمرون بأمر الله تعالى ويتنهون بنهيه وعلماء يعينون هؤلاء على تطبيق شرع الله تعالى على الهيئة التي ترضي الله تعالى من خلال امتلاك الأدوات التي تؤهلهم لفعل ذلك. ونقصد بالأدوات العلوم الشرعية التي ميزت العلماء الذين قضوا أعمارهم وهم يتعلّمونها ويعلّمونها, عن غيرهم من عوام الناس الذين قصّرت بهم الهمة والإمكانية عن النظر العلمي الذي ميّز علماءهم. فأن يقال إن لهؤلاء العوام الحق في النظر بما أنتجه العلماء من تشريعات أعانت الحاكم الذي يأتمر بأمر الله في حكمه ونقضها بل وردها من أساسها هو عين الخرف والتخريف وهو أوسع باب للفوضى تلجه المجتمعات ليودي بها في النهاية إلى الضياع. فإن قالوا أين أنتم بهذا الكلام من مبدأ الشورى الذي ترفعونه شعاراً لكم ولدينكم؟ قلنا لهم هذا الأصل الذي لم تفهموه لا يخاطب عوام الناس الذين تشيرون لهم, فالشورى في الإسلام كمبدأ موجّه لمن يقدر على إبداء رأي صواب يعين هذه الأمة على تخطي العقبات في طريقها. أعني العلماء الذين أشرت لهم! وهذا أمر لا يستنكره حتى أنتم يا أصحاب النظرة الوجودية, فعلى الرغم من أهمية الفرد عندكم إلا أن هذا الفرد لا يمكن له التدخل في ما ينفع مجتمعاته إلا إذا كان على مقدرة ودراية. فهل حدث ورأيتم مثلا فئة من اللواطيين, الذين أعطوا كامل الحرية لممارسة رذيلتهم في مجتمعاتهم, هل رأيتموهم يمسكون بزمام الأمور في مجتمعاتهم على الرغم من تقبل تلك المجتمعات لرذائلهم وتلبس تلك المجتمعات عين الأخلاق الهابطة التي ميزت هذه الفئة وغيرها من الفئات؟ فالأمر جد خطير ويحتاج إلى أصحاب اختصاص لا عالات يتخبطون إذا ما جدّ الجد!
من هنا نرى أهمية العلماء الذين ميّزهم الله تعالى عن غيرهم من الناس بما وهبهم من علوم, أو لنقل كما يقول الوجوديين تميّزوا عن غيرهم بجدّهم واجتهادهم وتعبهم وسهرهم ليحققوا ذواتهم. وبهذا هم يختلفون عن باقي الناس الذين اختاروا الدعة طريقا لحياتهم ورضوا بها. ومن هنا نرى مدى الإجحاف الذي لحق بهؤلاء العلماء من الغنوصي الجديد الذي قلل من أهميتهم بل أنكر تلك الأهمية وتنكر لها بدعوى حرية الفرد للنظر في الوحي الإلهي من تلقاء نفسه دون أن يكون لأحد عليه سلطة وعلى عقله تحجير! وهي للناظر المنصف المحقق من الناس دعوى تؤدي إلى الفوضى الفكرية التي تضرب أركان هذه الأمة لتزيد من إركاسها وتنكيس أعلامها بين الأمم الأخرى!




يتبع....

فراس يوسف حسن
07-11-2008, 22:28
كثرت تعليقات الكورَس الفلسفي على هذه المقالة دون أن نرى من آحادهم ما يستحق أن يسمى تعليقاً علمياً, فما هي إلا تفاهات تفوه بها من يزعمون الحق والعلم!
وقد جن جنونهم عندما نقدنا زعيمهم الذي يروّج للمذهب الوجودي الذي يؤسس للنسبية في كل شيء, فلا حقائق ثابتة في الواقع وفي نفس الأمر, إنما هي مجرّد قيم يختلقها الإنسان, زاعماً أنه يستنبطها من السمع, ليسقطها بعد ذلك على واقعه الذي خلا من كل قيمة ومن ثم يبني عليها وجوده, لكنه وجود موهوم هش متداع جمّله بما أقنعه به وهمه وخياله!
فلو رجع هؤلاء إلى مشروع سيدهم واستقرءوه بتؤدة وصبر لألفوا حقيقته كامنة لدى ألفاظه ومفاهيمه التي يحاول أن يؤسس لها!
وعما قليل سأكمل مقالي هذا علّ الله يفتح به مغاليق قلوب غلف تجمهرت حول الرجل تصفق له عن غير وعي أو فهم!