المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسلمة الحداثة



علي محمود العمري
12-10-2008, 16:53
بسم الله الرحمن الرحيم

أسلمة الحداثة

الحداثة الغربية وإشكالية اسقاطها على الفكر اللإسلامي
.
من الصعب وضع تعريف حديٍّ للحداثة؛ لأن حدها كيفما كان سيخرج منها بعض المنتسبين لها، ولذلك نعرفها بالازم منها وهو ما يسمى ب(سيادة العقل)، أو العقلانية وهي التي حاول ديكارت في القرن السابع عشر التنظير لها محاولا ارساء معالم فكر جديد تخرج عن الموروث الثقافي الأوروبي الذي كانت تتبناه الكنيسة في ذلك الوقت. ثم استمرت هذه النزعة إلى أن وصل الفكر الاوروبي الى ما يسمى بعصر التنوير، وهو الذي وضعت فيه الملامح العامة الرئيسية للفكر الغربي والتي لايزال يتبنى الكثير منها إلى الآن، حيث تعاقب عليه فلاسفة كبار صاغوا هذا الفكر الجديد مثل سبينوزا وكانط وهيغل وغيرهم.
ومن هذه العجالة نتبين ان الحداثة نشأت في محيط غربي استجابة لمعطيات وواقع ذلك المحيط، وتعاطت معه من أجل ايجاد الحلول لمشاكله، فهي بهذا المعنى بضاعة اوروبية في شكلها ومضمونها.
وكشأن أي حضارة تملك الغزارة في الانتاج الفكري مع التقدم العلمي فقد وجد من ينبهر بها ويعتقد أن في تبنيها شفاء من كل داء، فظهر من المفكرين العرب من أخلص لهذه الحداثة أكثر من الغرب أنفسهم، غير أن تعاملهم معها لم يكن مبنيا على حقيقة كونها منتجا غربيا، فراموا إلى إسقاطها بحذافيرها على الفكر الإسلامي ظنا منهم أن هذه الحداثة المزعومة أمر مطلق، لا يعترف باختلاف الواقع ولا بالانتماءات الثقافية المغايرة. فكانت النتيجة محاكاة ساذجة للمنتج الغربي الذي بدأ هو نفسه يعيد النظر في كثير من مقولاته فيما يسمى ب(تيار مابعد الحداثة).
وكان من النتائج المباشرة للحداثة المرتبطة بفكرة سيادة العقل إفراز تيار علماني عربي اتخذ من الفكر الغربي مرجعية له، فوقف هذا التيار موقفا سلبيا من الدين برمته، واتهمه بأنه سبب تخلف الأمة، وان التقدم لايمكن أن ينجز إلا بفصل الدين عن الدولة، وإذا كان هناك أثر للدين في حياة الأفراد فهو مقتصر على إشباع الجانب الروحي.
فمحمد أركون يتساءل مثلا في كتاب (الإسلام والحداثة) من أين ننطلق لتحقيق فكر إسلامي معاصر، من الإسلام أم من الحداثة –ويقصد بالحداثة هنا المضمون الفلسفي والفكري والعلمي الغربي- .ثم يسارع إلى الإجابة بالقول:
سوف أجيب بأنه ليس لنا خيار. سوف نبدأ من الحداثة.
وهذا يعني بالنسبة له أن تكون الحداثة الغربية الأساس الفكري لأي حداثة عربية، والإسلام يجب أن يكون تابعا لهذه الحداثة بحيث يُلغى منه كل مايتعارض معها. وهذه النظرة للإسلام نابعة من اعتقاد العلمانيين بأن النصوص الدينية في حقيقتها هي نصوص تاريخية ظهرت في ظرف تاريخي خاص عرف بأسباب النزول –هذا فيما يتعلق بالقرآن الكريم، أما بالنسبة للسنة النبوية فهم متفقون على انها نتاج إنساني خالص، وأنّ في اعطاء نصوصها صفة القداسة ما هو إلا لمنح الفقهاء (سلطة بابوية)-. فالإسلام شكل بزعمهم حداثة في عصره –أي زمن وجود سيدنا محمد صلى لله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إلا أنه لايمكن سحبها إلى عصر آخر لاختلاف الواقع. ويعتبرون أن ما يؤيد هذه النظرة التاريخية للإسلام هو وجود الناسخ والمنسوخ، حيث إن نصوصا كانت مناسبة لواقع معين تم نسخها عندما تبدل هذا الواقع. فللحداثة –على اعتبار انها دين جديد عند أتباعها- نسخ ماتشاء من النصوص الدينية التي تتعارض معها، أو حتى إلغاء الدين كله بحجة عدم صلاحيته لمجاراة نسق الحداثة المتصاعد. ولذلك يتشدق العلمانيون بالدعوى إلى تفكيك النص الديني، أي نزع صفة القداسة عنه ثم إخضاعه للنقد في جميع مستوياته، وهو مايسميه أركون ب(الإسلاميات التطبيقية). وهذا من شأنه أن يكون النص الديني مفتوحا لانهائيا؛ لأن فهمه وتفسيره عملية مؤقته لها تاريخها الخاص، ففهمه في القرن القادم يجب أن يكون مختلفا عن فهمه الآن.
وسأكتفي هنا بمثال واحد يبين سذاجة طرح دعاة تاريخية الإسلام، ومدى الانحدار الفكري الذي يعانيه من يوصفون بالمفكرين:
إذا نظرنا إلى مسألة الميراث في القرآن وحاولنا تطبيق المنهج التفكيكي عليها، فإن ذلك سيقودنا إلى الادعاء بأن هناك خلفية تاريخية واجتماعية جعلت الإسلام يصدر حكما بأن نصيب المرأة نصف نصيب الرجل من الإرث، وهي أن المجتمع الجاهلي كان مجتمعا قبليا، وكان توريث المرأة ينتج تهديدا لسيادة قبيلتها في صورة زواجها خارج القبيلة؛ لأن هذا الزوج الأجنبي سيصبح له مركز قوة داخل قبيلة زوجته لو كانت المرأة ترث مثل الرجل(انظر:قاسم شعيب: تحرير العقل الإسلامي، ص37 ).
فهذا التحليل التاريخي كله قائم على فكرة أن المرأة ترث نصف ما يرث الرجل، ومن له أدنى اطلاع على فقه المواريث يعرف أن هذا ليس مطردا، حيث قد ترث المرأة في كثير من الحالات أكثر من نصيب الرجال.
إن العقلانية –فيما أراه- تعني ألا يقتصر المرء على الأستفادة من تجارب الآخرين والاستضاءة بنور عقولهم –كما فعل أدعياء الحداثة-، وإنما أن يتمكن الإنسان أولا من تحديد هويته، ثم ينظر في موروثه الثقافي والفكري وحتى العقدي فيحدد ماهو منه مطابق للحق في نفسه، وهذا يلزمه أولا: التجرد من أي أهواء مسبقة، وثانيا: القدرة على النقد العلمي، لاكما نراه الآن من الكثير من الأدعياء الذين لايفهمون الخطاب العربي الفصيح في أبسط صوره –ناهيك عن القرآن المعجز البليغ- ثم يدعون إلى نبذ فهم السلف له مقدمين أفهامهم العقيمة عليه. فإذا ماوصل (العالم) إلى هذه المرحلة كان مؤهلا لتحديد التراث الذي يمكن أن يفيد منه. وحسبنا في ذلك الإمام الغزالي الذي قدم لنا المثال الوحيد –حسب زعمي- على العقلانية الحقة المطلقة عن الزمان والمكان.
وعليه، فالعقلانية الحقيقية بقدر ماهي تحرر للفرد واستقلالية للذات، هي أيضا استخدام نقدي واع للعقل في تعامله مع نتاجات الآخرين. ولا يجوز أن يتم تعويم مفهوم العقلانية من أجل التستر على أفكار مسبقة، أو رغبات وشهوات كما يفعل الكثيرون، فإن العقل إن لم يكن مجردا عن الهوى يمكن أن يستخدم في حالات كثيرة كأداة ووسيلة من أجل بلوغ غايات وأهداف مناقضة للعقل و العقلانية، وهذه بذاتها إحدى مؤاخذات تيار مابعد الحداثة على العقلانية الغربية التي تحولت إلى أداة لمراكمة رأس المال، وإقصاء الأخلاق، وإشباع النزوات، وتحولت أوروبا (المنورة) إلى فاشية ونازية واستعمارية، واندلعت فيها حربان عالميتان، فارتد التنوير المزعوم إلى جاهلية، والعقل إلى اللاعقل.
نموذج آخر على التقليد الأعمى:
إذا كنا قد ذكرنا فيما سبق من أسطر مثالا على تقليدٍ أعمى ساذج من أدعياء الحداثة، لابد أن نعرج على مثالٍ آخر على التقليد الأعمى ينخر في أي حداثة أو مشروع نهضة فكرية إسلامية مزعومة، وهو أشد خطراً من سابقه؛ ذلك أن العلمانيين يقرون بأن أفهامهم غير مستمدة من الدين، وهي نتاج عقولهم -كما يدعون-، ولكن وجد من أصحاب الأفكار المنحرفة من يدعي الاقتداء بالسلف وهم أبعد مايكون عن ذلك.
ان التيميين –أتباع ابن تيمية- يشكلون من خلال فهمهم السقيم للعقيدة الإسلامية مثلبا في البنية الثقافية الإسلامية؛ حيث يمكن اعتبارهم امتدادا للمدرسة الحسية التي لا تعترف إلا بالمحسوس، أو مامن شأنه أن يحس.
ولازلت أذكر قبل حوالي أربع سنين أني دعيت إلى مناظرة بين أحد نجباء أهل السنة وأحد التيميين، وكان موضوع المناظرة حول الصفات الخبرية في القرآن الكريم، فكان أول مابدأ به من يعتبره التيميين من حذاقهم(وهو مراد شكري ) هو قوله: (لايمكن أن أفهم صفة اليد إلا من خلال يدي هذه) –والمناظرة مسجلة- فعجبت كيف يمكن لمسلم عاقل أن ينحدر إلى هذه الدرجة من الحسية المقيتة. ثم كان مني أن اطلعت على كتب ابن تيمية فوجدت أن كل من يدعي الانتساب إلى السلف في زمننا هذا هم ببغاوات له. ذلك أن معظمهم لايفهم كلامه، ومن فهم كلامه منهم يلجأ إلى السفسطة والمغالطة لانكار التجسيم الظاهر.
إن مشكلة التيميين في هذا الزمان أكثر بؤسا من تلك التي كان يعانيها ابن تيمية؛ لأنه كان يتعامل مع النص القرآني بشكل مباشر، مستنبطا منه مذهبا تجسيميا متكاملا. أما هؤلاء فإنهم مجرد تابعين له، يستقون الأقوال من كتبه، يستشهدون من القرآن والسنة بالقدر الذي استشهد به، معتبرين ان كلام ابن تيمية هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
ورغم انه ليس هناك كهنوت أو بابوية في الاسلام، إلا أن التيميين ومن ورائهم مؤسساتهم يمارسون الأدوار نفسها التي كانت تمارسها الكنيسة في ادعاء النطق باسم الله، والتوسط بين الناس وربهم، واحتكار فهم النص المقدس، واصدار الفتاوى التي تدفع بالمسلمين إلى مزيد من التخلف والتعصب والعنف، فتهمة الكفر والضلال والزندقة جاهزة لكل من يجرؤ على مخالفة ابن تيمية، فمخالفته بدعه.
إن من له دراية في علم الكلام يمكنه أن يرى بوضوح كيف تميز كل عالم من علماء أهل السنة عن غيره مع اتحادهم في الأصل، فتصانيف السعد مثلا تتميز عن تصانيف الغزالي، وتصانيف الآمدي تتميز عن الرازي، ومصطفى صبري يتميز عن الكوثري ...إلخ، وكيف كان لكل منهم بصمة مؤثرة في فكر الأمة.ولكن هل جاء أتباع ابن تيمية بجديد؟ إني أسأل مستفها وليس مستهزئا، هل أخرج أتباع ابن تيمية بملايين الصفحات التي ألفوها مسألة واحدة جديدة لم يذكرها ابن تيمية في الفتاوى؟
إن أي حداثة مستقبلية لابد أن تكون مبنية على تميز خطاب أهل السنة عن غيره ممن ينتمون إلى الإسلام، ولابد من عدم الخلط الذي يقع به اليوم الكثير ممن يعتقدون أنهم يتبنون منهجا وسطا، فيميِّعون خطاب أهل السنة ويمزجونه ببعض أباطيل غيره بحجة الدعوة إلى التقريب.
إن التعايش وحسن التعامل مع الآخر أمر، والتنازل عن المبادئ والمعتقدات بحجة التقارب أمر آخر. وقد كنت أظن سابقا أن وحدة الأمة تقتضي الدعوة إلى ذلك الخطاب المميَّع، إلا أنني كنت في حوار ذات يوم مع أحد النصارى في الأردن، فطلبت منه أن يحدثني عن عقيدته. فشرع بالكلام في أن إلهه مطلق عن الزمان والمكان، ثم عرج إلى انه قد حل في جسد عيسى. فسألته: كيف يمكن لغير المحدود أن يحل في المحدود؟.
فقال: والمسلمون يقولون مثل هذا القول! ، فهم يقولون أن الله موجود في السماء بذاته، وهذا يقتضي أن تكون ذاته محدودة.
إذا لم نكن قادرين على أن نتميز عن غيرنا من أبناء جلدتنا الذين يظنون أن التجسيم هو الفطرة، فكيف يمكن لنا أن ندعو غيرنا إلى عقيدتنا.
التجديد، أمر ضروري أم ترف فكري؟
لاشك أن الدعوة إلى أسلمة الحداثة –أو حداثة إسلامية- تستلزم الدعوة إلى تجديد منضبط، يقوم به علماء يفهمون الواقع ومستجدات العصر، دون أن يملي عليهم الواقع الطريق التي يسلكونها في هذا التجديد؛ لأن التجديد وسيلة في الدعوة وليس غاية في ذاته.
وفي هذا السياق أتمنى من سيدي الشيخ سعيد أن يتعطف علينا ببعض وقته ليبين لنا ملامح التجديد في العلم الكلام وأهميته وضوابطه، وإن كان قد ذكر ذلك أكثر من مرة، إلا أنا نرجو منه التفصيل.