المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مِفْتاحُ العُلومِ



محمود محمد السماك
01-10-2008, 12:17
الحمدُ لله ربِّ العالمين، منزلِ الكتابِ بلسان عربيّ مبين، والصلاةُ والسلامُ على أفصح العربِ البلغاء، إمامِ أهلِ الله الحكماء، حجةِ الله على الخلق، وناصرِ الحقّ بالحق، وعلى آلهِ وصحبه ومن نتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعدُ:

فقد اكتسبت اللغةُ العربية مكانةً عظيمة بين العلومِ حين اتصلت اتصالاً وثيقاً بالكتاب والسنة، فكانت الحاجةُ لتعلّم اللغةِ مطلوبةً وملحّةً، قال عمرُ بنُ الخطاب -رضي الله عنه- (لا يقرىء القرآنَ إلاّ عالمٌ باللغة) وقال الفارابي في خُطبة ديوان الأدب (القرآن الكريم كلامُ الله وتنزيلُه فصّل فيه مصالحَ العباد في معاشهم ومعادهم مما يأتون ويذرون ولا سبيلَ إلى علمه وإدراك معانيه إلاّ بالتبحر في علم هذ اللغةِ) وقال شعبةُ (إنّ أخوفَ ما أخاف على طالب الحديثِ إذا لم يعرفْ النحْوَ أن يدخلَ في جملة قولِه -صلى الله عليه وسلم- (من كذبَ علي متعمّداً فليتبوأ مقعدَه من النار) لأنّه -صلى الله عليه وسلم- كان لا يلحن..)

وقد اهتم العلماءُ منذ القدمِ في مختلف العلومِ الشرعيةِ باللغة العربية، حتى أصبحت مرجعاً رئيساً لهم فلا نكادُ نجدُ علماً من العلوم إلاّ أقامه أصحابُه على أساسٍ لُغوي متين، وبناءٍ عربيّ رصين، فكانت اللغةُ حقاًّ مِفتاحَ العلوم.

ومن بين هذه العلومِ علمُ الكلام، وهو أشرف العلوم على الإطلاق لأنّه يعرّفنا ذاتَ الله العليةَ ، وأسماءه وصفاتِه السنيةَ من حيثُ مايجب له، وما يجوز ويستحيل عليه، قال الجاحظ في رسائله ( لولا الكلام لم يقمْ لله دين، ولم نَبنْ من الموحدين ولم يكنْ بين الباطلِ والحق فرقٌ ولا بين النبي والمتنبي فصلٌ ولا بانت الحجةُ من الحيلة والدليلُ من الشبهة)

وقد استعان المتكلمون باللغة العربية ودافعوا عن عقائدهم بها، فأخطأ كثيرٌ منهم حين لجؤوا إلى تسييرها وفْقَ مرادِهم، وحكّموا أهواءَهم، فأبت أن تنتصرَ لغير أهلِ السنة والجماعة.

وهذه بعض الأمثلةِ على الاستخداماتِ الفاسدة للّغة:
- قال البعض : إنّ (فوق) ظرفُ مكان مثاله قوله تعالى(وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ) فالله عزوجل فوق العرش مستقرٌ عليه، وهذا خطأ فاحش ومنشؤ هذا الخطأ التعليقُ الفاسد للظرف فالأصل أن يتعلقَ الظرفُ بالفعل أو بما يشبهه من المشتقات أو بما أُوّل بمشتق أو بما يشير إلى معناه فإن لم يوجدْ شيءٌ من هذه قدّر.فالظرف في هذه الآية متعلقٌ بالخبر المشتق (القاهر)ويجوز أن يتعلقَ بمحذوف حال أي:مستعلياً فيكون ذلك تصويراً لقهره وعلوّه بالغلبة والقدرة.

- وقالوا أيضاً: نحن نثبت لله يداً ليست كأيدينا يداً تليق بجلاله .وهذا خطأ لأن اليدَ في اللّغة لها معانٍ معروفةٌ منها الجارحة ومنها القوة يقال لفلان يدٌ على كذا ومالي بكذا يدٌ ومالي به يدان قال الشاعر:
(فاعمدْ لما تعلو فما لك بالّذي ---- لا تستطيع من الأمور يدانِ )، وشبّه الدهر فجُعلَ له يدٌ في قولهم: يدُ الدهر ويدُ المِسْند وكذلك الريحُ قي قول الشاعر (بيدِ الشِمال زِمامُها) لما له من القوة. ويده مطلقة عبارة عن إيتاء النعيم، ويدٌ مغلولة عبارة عن إمساكها وعلى ذلك قيل (وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) وقوله تعالى (يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) أي نصرتُه ونعمته وقوّته. _ المفردات للراغب_
فما معنى قولِهم: نثبت لله يداً ليست كأيدينا؟!

- وقد استنبط الإمام الزمخشري في تفسيره منافاةَ الرؤيةِ لله -عزوجل- من قوله تعالى ( لَن تَرَانِي ) واستشهد على أنّ (لن) تشعر باستحالة المنفيّ بها عقلاً.
وقد ردّ عليه الإمام ابنُ هشام الأنصاريُّ في المغني فقال (ولا تفيد لن توكيد النفي خلافاً للزمخشري في كشافه ولا تأبيَده خلافاً له في أنموذجه وكلاهما دعوى بلا دليل قيل، ولو كانت للتأبيد لم يقيّدْ منفيها باليوم في قوله تعالى ( فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً ) ولكان ذكر الأبد في قوله تعالى (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ) تَكراراً والأصلُ عدمه).


والحمد لله ربّ العالمين..

محمد علي أبو عيد
05-10-2008, 19:51
السلام عليكم:

جزاك الله خيراً أخانا محمود، هذا الموضوع جد مهم ويحتاج لمجهود عظيم، نظراً لما يترتب عليه من فوائد،

حاول أن تجعل هذا الموضوع على شكل سلسلة تتكون من مجموعة حلقات، وقم بتقديمها حلقة تلو الأخرى،

فقليل دائم خير من كثير منقطع.


وجزاك الله خيراً...

الدكتور وسام الدليمي
05-10-2008, 23:30
جزاك الله خيراً

محمود محمد السماك
09-10-2008, 16:31
شكراً لكم يا كرام، فردّكم يبعثُ الأمل، ويدفعُ إلى العمل.

سمير محمد محمود عبد ربه
03-11-2008, 09:01
الحمد لله الذي اصطفي للعلم أهله ممن نحب
جزاك الله خيرا على هذا المقال، لكن لدي سؤال: هل الكلمة يَقرأ أم يُقريء في النهي الوارد في بداية المقال؟ ومن أي مرجع حصلتم عليه؟ أجيبونا بارك الله فيكم،

بلال النجار
03-11-2008, 09:54
يقرئ يا سيدي من الإقراء أي التعليم.

(عن ابن أبي مليكه قال: قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: من يقرئني مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال: فأقرأه رجل " براءة "، فقال: " إن الله برئ من المشركين ورسوله".
بالجر فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله ؟ فإن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر مقالة الأعرابي: فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فاقرأني هذا سورة " براءة " فقال: "إن الله برئ من المشركين ورسوله "، فقلت أو قد برئ الله من رسوله، أن يكن الله برئ من رسوله فأنا إبرأ منه، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين ؟ قال " أن الله برئ من المشركين ورسوله " فقال الأعرابي: وأنا أبرأ مما برئ الله ورسوله منه، فأمر عمر ابن الخطاب رضى الله عنه ألا يقرئ الناس إلا عالم باللغة، وأمر أبا الاسود فوضع النحو)

انظر تفسير القرطبي ج1/ المقدمة