المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لم يتراجع اشعري عن افكاره



جمال حسني الشرباتي
07-08-2004, 18:31
مقال لبلال النجار----احتجته فحررته من جديد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
================================
لقد سمعت كثيراً من أمثال هذه الشبه حتى الآن.
وهي ليست بالجديدة على المتابع للمذاهب والعقائد.
والعجب منها كل العجب.
فأما أن الشيخ أبا الحسن تراجع عن مقالاته.
وأن إمام الحرمين عض على الأنامل والأيدي وأكل ذراعيه واستغشى ثيابه، ندماً على ما فرط في جنب الله.
وأن حجة الإسلام اكتشف بعد أن صار قاب قوسين أو أدنى من حتفه أنه قضى عمره مخدوعاً ملبساً عليه مفتوناً مأخوذاً بأقوال المتكلمين.
وأن الإمام الرازي بكى دماً وهو يكتب وصيته التي تراجع فيها عن مقالاته، وذم فيها علم الكلام.

وأمثال ذلك من الخزعبلات التي تنسب لأئمة الدين، حتى لا تكاد تذكر عالماً عاملاً جليل القدر اشتهر بين الناس حتى يقال لك، إن هذا قد تراجع، أو وجد تحت وسادته بعد موته وصية بكذا وكذا بخط يده على خلاف ما كان قال به وهو في قوته وعنفوان شبابه.

أفليس هذا الأمر مستهجناً أيها السادة، وغريباً غاية الغرابة، أن من يُدعى تراجعهم هم الأشعرية دون ما عداهم من أهل المذاهب.
ألا ترون أن تواطؤ أئمة الأشعرية على هذا الأمر إن سلم حصوله على ما هو المدعى لهو في غاية القبح والغرابة.
أفلا يتعظ الغزالي من شيخه الجويني، فلا يسلك طريقه التي تراجع عنها، وهو من لازمه يأخذ عنه حتى وفاته رضي الله عنه.

أفلم يكن هؤلاء الأئمة على علم بتراجع العلماء السابقين عن مقالاتهم؟
أكانوا على ذلك القدر من الخيانة لأنفسهم وعدم الأمانة في النقل عن سابقيهم بحيث داموا يؤلفون ويناظرون وينتصرون لمذهب الأشعري، وينسبون في كلامهم وكتبهم إلى سابقيهم هذه الأقوال وهم يعلمون أنهم تراجعوا عنها.

ألا ترى أن فعلهم هذا لو صح عنهم لكان مسقطاً لعدالتهم، ومثبتاً لنفاقهم، وكافياً لاندراجهم في سلك أخبث الخبيثين، وأعظم المفترين، أسفل السافلين. أليس من الغريب
أن يروي هذه الروايات طوائف معينة من الناس هم المخالفون للأشعرية.؟

مع أن تراجع واحد مثل الإمام الرازي والإمام الجويني والإمام الأشعري وكل واحد منهم جبل من جبال العلم، ومجدد من مجددي الدين حوله عدد هائل من العلماء والأصحاب المشاركين له في العلوم، لو وقع من أحدهم كلمة أو موقف مستغرب لنقل، لأنه ستتوفر له الكثير من الدواعي على نقله.

فلماذا لا يستفيض خبر تراجع الأشعري وغيره عن مذهبه؟
بل ينقل على استحياء في روايات فيها من التناقض والغرابة ما يكفي لطرحها وعدم الالتفات لها. وهي محتملة لتفسير آخر يقبله العقل ويناسب حالهم وعلمهم وشأنهم.
.
.


فهذا كلام رجل أكاد أقسم أنه لم يقرأ كتاباً لا للجويني ولا للغزالي ولا للرازي.
ولا يجوز هذا الكلام إلا على ضعاف العقول. وزيفه أظهر من أن يجاب عنه.
ومع ذلك نقول: هات برهانك على أن أحداً منهم كادت أن تزل قدمه لولا أن رأى برهان ربه، فهجر علم الكلام.
إن هذا االرجل لعله لا يعرف أن الذين قالوا عن الإمام الغزالي هذا الكلام أرادوا منه أنه انتهى في آخر حياته إلى طريق العرفان والكشف عوضاً عن النظر والكلام.
محاولين أن يجدوا في سير العلماء ما ينصر مذهبهم، وهم طوائف من الصوفية.
فهذا الدعي ماذا يريد من نسبة ذلك إلى الغزالي وهو ينكر على الطرق الصوفية جملة وتفصيلاً.
بل إن السلفية تناصب الصوفية أشد العداء.
فهل يقول هذا الأحمق إن الغزالي أصاب في تراجعه عن طريقة المتكلمين والتزامه طريق الكشف (هذا إن سلم أن ذلك حصل، ولا نسلم ذلك) أم أنه كان مخطئاً؟
فتأمل هذا الخبط.
وأما الرازي والجويني فلأي شيء رجعا؟ .
هل رجعا إلى مذهب المشبهة والمجسمة؟
الذي أفنيا العمر في إبطاله. هل كانا عليه يوماً حتى يعودا إليه؟
هل هذا كلام عقلاء؟
هل أمرا الناس بنبذ النظر المأمور به شرعاً والتلقي عن العجائز؟
إنه إن ثبت دعوة العلماء إلى التزام دين العجائز فما المقصود منها أيها العقلاء؟
هل يعقل أن يقصد بها من أسس مذهبه على النظر طرح النظر، أم يقصد بها الثبات على الدين والتسليم والاستسلام لله تعالى كما هي حال العجائز؟

ليبين لي هذا الفاهم لخبايا الأمور، والمحقق لأحوال هؤلاء العلماء، والخبير بسيرهم ما معنى قول الجويني وغيره: (عليكم بدين العجائز)؟
ليشرح لنا المعنى المقصود من هذه العبارة ويصوره لنا حتى نرى هل هذا المعنى يلزم عنه طرح علم الكلام والمنطق وترك طلب العلوم بالنظر أم لا؟

والخبير بالعلماء يعرف أنهم حراس الدين، وأنهم يترصدون كل مخالف ويمسكون به، وينبهون على مخالفته.
ولا يهتم واحدهم أن يخطئ إماماً كبيراً إن تبين له خطؤه، لأنهم يعلمون أنه لا عصمة إلا للأنبياء،
وهؤلاء ليسوا بأنبياء.

فلماذا اعتدت بأقوال هؤلاء العلماء وضربت بقول ابن تيمية وسلفه وخلفه عرض الحائط....
أبيني وبين الأشعري نسب أو قرابة؟
أحملني على القول بعقيدته مهابة أم طلب دنيا؟
وما الذي يمنعني أن أخالف عقيدة الأشعري وأعتنق عقيدة المعتزلة؟
إن حالي هذه هي حال كل واحد منا، لأنه ليس لأحد سلطان على القلوب إلا الله تعالى، هو الذي يعلم السر وأخفى.

وإذا كانت هذه حالنا على ضعف عقولنا وقلة علمنا وتحصيلنا، فبأولى أن تكون حال واحد كإمام الحرمين والغزالي والرازي وهم من هم؟ في العلم والشجاعة في مقارعة الخصوم.

أفيعقل أن يكون هؤلاء أفنوا أعمارهم واستغرقوا جميع أيامهم في الدعوة والذب عن عقيدة الأشعري، ثم حين بلغت التراقي دعوا بكتف ودواة وأملوا أنا نشهد الله والحاضرين أن بريئون مما قلناه، ومما ألفناه، ومما علمناه.

ودعني أسلم أن هذا الجنون قد وقع فعلاً بالاتفاق على هذا النحو العجيب. فحين أنظر أنا في كتاب الرازي فأي شيء تراجع عنه من كلامه وأي شيء لم يتراجع عنه؟

دعني أقول إني قرأت للرازي على الأقل كتاب الأربعين، وأنا أعتقد بكل ما برهن فيه على صحة أقواله، فأقول والله لو قام الرازي رحمه الله من قبره وقال لي إني كنت مخطئاً حين نفيت أن يشبه الله شيئاً من خلقه لما استمعت إليه، وكذا لو قال إن الإمام الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي وليس أبا بكر، ومثل ذلك في كل مسألة قالها وبرهن عليها. أتدرون لماذا؟ لأن القضايا حين يبرهن عليها تصبح علوماً بصرف النظر عن قائلها، وتكتسب بذلك الحجية لذاتها ومن ذاتها، ولا يلتفت بعد ذلك إلى من الذي قالها، ولماذا قالها، وهل تراجع عن هذه المقالة أم لا.

فما الذي يريده السلفية، أو بعض الصوفية، أو بعض الفلاسفة، أو الشيعة أو غيرهم حين ينسبون إلى بعض أهل السنة من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم تراجعهم عن أقوال قالوها؟
هذا هو السؤال.
والجواب عندي واحد لا ثاني له.
لا لعدم وجود أجوبة أخرى، بل الأجوبة عن ذلك كثيرة يقترن كل منها بخصوص تلك الشبهة، ولكني أقتصر على هذا في الإجابة عنها جملة.
وهو:
أنا سلمنا جدلاً تراجع كل واحد ممن نسبتهم إليه ذلك، كلٌ عن كل ما ذكرتم من القضايا أنه أضرب عنها..
فجوابنا:
أنا ننظر في المرجوع عنه، فإن كان ثابتاً عندنا فلتذهبوا إلى الجحيم.
ولا يضيرنا إن كان المنسوب أليه تراجع أو لم يتراجع حال ثبوت القول عندنا. وبهذه الطريقة ينتقل الكلام من سفساف الأمور إلى معاليها.
وماذا يضيرني أنا إذا كان الغزالي رجع أم لم يرجع عن أقواله.
.
وعندنا شرع وقواعد مقررة في البحث والنظر وأساليب وطرق ومناهج للفهم.

فاعرضوا لنا القول بصرف النظر عن قائله، وتعالوا ندع أنفسنا وأنفسكم ونفكر ونتأمل ونتناقش هذا القول صحيح موافق للدين أو لا؟
فإن ثبتت صحته وموافقته لمذهب أهل السنة اعتنقناه، وإن بان خطؤه طرحناه.

وإن أراد أهل التواريخ والسير التحقيق والبحث في نسبة الأقوال إلى قائليها فليفعلوا، ولتكن نتائجهم ما تكون، فلن تؤثر تلك النتائج في حكمنا على ما بحثناه من القضايا.

أما الالتفاف على عقول السذج والعوام، والتشكيك في هذه الأقوال بدعوى أن الدعاة إليها تنازلوا عنها، وخانوها، أو تنكروا لها وتابوا منها... فكل ذلك إن سلم وقوعه فلا يقدم ولا يؤخر في صحتها أو خطئها، وهو من أرخص الأساليب التي يلجأ إليها المبتدعة والمتغرضون وأهل الأهواء.