المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقتطفات من كتاب (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي )



أحمد إدريس عبد الله
31-08-2008, 23:12
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله ذي القدرة والجلال ، والنعم السابغة والإفضال ، الذي من علينا بمعرفته ، وهدانا إلى الإقرار بربوبيته ، وجعلنا من أمة خاتم النبيين ، السامي بفضله على سائر العالمين ، الطاهر الأعراق ، الشريف الأخلاق ، الذي قال الله الكريم مخاطبا له في الذكر الحكيم : (وإنك لعلى خلق عظيم) صلى الله عليه وسلم ، وأزلف منزلته لديه ، وعلى إخوانه وأقربيه وصحابته الأخيار وتابعيه ، وسلم عليه وعليهم أجمعين ، دائما أبدا إلى يوم الدين . أما بعد :
فإن كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي من الكتب المبرزة في هذا الموضوع الهام، وقد نصحنا مشايخنا كثيرا بقراءته قبل السير في الطلب، وحق على كل طالب علم أن يقرأ هذا الكتاب، وهو وإن كان ،كما يبدو من عنوانه، يخص طالب الحديث والرواية، إلا أنه يمكن تعميمه في كل طلب للعلم،

وقد رأيت خلقا من أهل هذا الزمان ينتسبون إلى الحديث ، ويعدون أنفسهم من أهله المتخصصين بسماعه ونقله ، وهم أبعد الناس مما يدعون ، وأقلهم معرفة بما إليه ينتسبون ، يرى الواحد منهم إذا كتب عددا قليلا من الأجزاء ، واشتغل بالسماع برهة يسيرة من الدهر ، أنه صاحب حديث على الإطلاق ، ولما يجهد نفسه ويتعبها في طلابه ، ولا لحقته مشقة الحفظ لصنوفه وأبوابه،

..أحمد بن العباس النسائي ، قال : « سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث ، يقال : إنه صاحب حديث ؟ قال : لا ، قلت له : عنده مائتا ألف حديث ، يقال : إنه صاحب حديث ؟ قال : لا ، قلت : له : ثلاثمائة ألف حديث ؟ فقال بيده كذا ، يروح يمنة ويسرة، وأومأ غسان بيده كذا وكذا ، يقلبها »

..أبو زرعة الرازي، قال : سمعت أبا بكر بن أبي شيبة ، يقول : « من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء ، لم يعد صاحب حديث »

وهم مع قلة كتبهم له ، وعدم معرفتهم به أعظم الناس كبرا ، وأشد الخلق تيها وعجبا ، لا يراعون لشيخ حرمة، ولا يوجبون لطالب ذمة ، يخرقون بالراوين ، ويعنفون على المتعلمين ، خلاف ما يقتضيه العلم الذي سمعوه ، وضد الواجب مما يلزمهم أن يفعلوه ،

والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبا ، وأشد الخلق تواضعا ، وأعظمهم نزاهة وتدينا ، وأقلهم طيشا وغضبا ، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه ، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه ، وطرائق المحدثين ، ومآثر الماضين ، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ، ويصدفوا عن أرذلها وأدونها

.. مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، قال : « إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأدب النبي صلى الله عليه وسلم أمته ، أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدي إليه، فمن سمع علما فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله عز وجل »
.. عن ابن المبارك ، قال : قال لي مخلد بن الحسين : « نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث »


1 باب النية في طلب الحديث

- عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا - وقال أبو نعيم : عرضا من الدنيا - لم يجد عرف الجنة يوم القيامة

- قال حماد بن سلمة : « من طلب الحديث لغير الله ، مكر به »

- عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الشيطان ليسبعكم بالعلم » ، قالوا : كيف يسبعنا به يا رسول الله ؟ قال : « لا يزال العبد للعلم طالبا ، وللعمل تاركا حتى يأمه الموت »

- عن علي بن أبي طالب ، أنه قال : « يا حملة العلم ، اعملوا به ، فإنما العالم من عمل بما علم ، ووافق عمله علمه ، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم ، ويخالف عملهم علمهم ، يجلسون حلقا ، فيباهي بعضهم بعضا ، حتى أن أحدهم ليغضب على جليسه حين يجلس إلى غيره ويدعه ، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله عز وجل »


2 باب ذكر ما ينبغي للراوي والسامع أن يتميزا به من الأخلاق الشريفة

- عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها »

-.. نا حبيب بن حجر القيسي ، قال : « كان يقال : ما أحسن الإيمان ويزينه العلم وما أحسن العلم ويزينه العمل وما أحسن العمل ويزينه الرفق وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم »

- قال أبو سعيد الخدري : قال عمر بن الخطاب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قال أخي موسى عليه السلام : يا رب أرني الذي كنت أرى في السفينة ، فأوحى الله إليه يا موسى إنك ستراه ، فلم يلبث موسى إلا يسيرا حتى أتاه الخضر ، وهو فتى طيب الريح ، حسن بياض الثياب ، فقال : السلام عليك يا موسى بن عمران ، إن ربك يقرأ عليك السلام ورحمة الله ، قال موسى : هو السلام ، ومنه السلام ، وإليه السلام ، والحمد لله رب العالمين الذي لا أحصي نعمه ، ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته ، ثم قال موسى : أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها ، فقال الخضر : يا طالب العلم ، إن القائل أقل ملالة من المستمع ، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم ، واعلم أن قلبك وعاء ، فانظر ماذا تحشو به وعاءك ، واعزف نفسك عن الدنيا ، وانبذها وراءك ، فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار ، فإنها إنما جعلت بلغة للعباد ، ليتزودوا منها للمعاد ، يا موسى وطن نفسك على الصمت تلق الحكم ، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم ، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم ، يا موسى تفرغ للعلم ، إن كنت تريده ، فإنما العلم لمن تفرغ له ، ولا تكونن مكثار المنطق مهذارا ، فإن كثرة المنطق تشين العلماء ، وتبدي مساوئ السخفاء ، ولكن عليك بالاقتصاد فإن ذلك من التوفيق والسداد ، وأعرض عن الجهال ، واحلم عن السفهاء ، فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء ، إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما ، وجانبه حزما ، فإن ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أكثر وأعظم ، يا ابن عمران ، لا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا ، فإن التعسف من الاقتحام والتكلف ، يا ابن عمران لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه ، ولا تغلقن بابا لا تدري ما مفتاحه ، يا ابن عمران من لا تنتهي من الدنيا نهمته ، ولا تنقضي منها رغبته ، كيف يكون عابدا من يحقر حاله ، ويتهم الله بما قضى له ؟ كيف يكون زاهدا ؟ هل يكف عن الشهوات من قد غلب عليه هواه ، أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه ؟ لأن سفرته إلى آخرته وهو مقبل على دنياه ، يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به ، ولا تعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره ، ويكون لغيرك نوره ، يا موسى بن عمران اجعل الزهد والتقوى لباسك ، والعلم والذكر كلامك ، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات ، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يرضي ربك ، واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا ، وقد وعظت إن حفظت ، ثم تولى الخضر وبقي موسى حزينا مكروبا »


3 ذكر ما يجب على طالب الحديث من الاحتراف للعيال واكتساب الحلال

- ..قال : سمعت مؤملا ، يقول : سمعت عبيد بن جناد ، يقول لأصحاب الحديث : « ينبغي للرجل أن يعرف من أين مطعمه وملبسه ومسكنه ، وكذا وكذا ثم يطلب العلم »


4 إيثار العزوبة للطالب وتركه التزويج

..عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خيركم في المائتين كل خفيف الحاذ » قالوا : يا رسول الله ، وما خفيف الحاذ ؟ قال : « الذي لا أهل له ولا ولد »

.. الحسن بن علي - يعني ابن عفان العامري الكوفي - يقول : سمعت ابن نمير ، يقول : قال لي سفيان : « تزوجت ؟ قلت : لا ، قال : ما تدري ما أنت فيه من العافية »

.. نا سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن جده ، عن زياد بن الحارث الصدائي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من طلب العلم تكفل الله برزقه »

.. قال : سمعت أبا الوليد ، يقول : سمعت شعبة ، يقول : « إذا كان عندي شيء من دقيق وطن من قصب ، فلا أبالي ما فاتني من الدنيا »


5 ذكر ما يجب تقديم حفظه على الحديث

ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل ، إذ كان أجل العلوم وأولاها بالسبق والتقديم

عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن هذا القرآن مأدبة (1) الله ، فتعلموا مأدبته ما استطعتم ، وإن هذا القرآن هو حبل الله ، وهو النور البين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه ، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ (2) فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق عن كثرة الرد »

فإذا رزقه الله تعالى حفظ كتابه ، فليحذر أن يشتغل عنه بالحديث ، أو غيره من العلوم اشتغالا يؤدي إلى نسيانه

- عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد ، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من آية أو سورة أوتيها رجل ثم نسيها »

- عن سعد بن عبادة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله تعالى يوم القيامة أجذم »
[فصل]

قال الشيخ أبو بكر : قول البخاري إن أصحاب السنن أقل الناس ، عنى به الحفاظ للحديث ، العالمين بطرقه ، المميزين لصحيحه من سقيمه ، وقد صدق رحمه الله في قوله ، لأنك إذا اعتبرت لم تجد بلدا من بلدان الإسلام يخلو من فقيه ، أو متفقه يرجع أهل مصره إليه ، ويعولون في فتاويهم عليه ، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد فيه ، وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته ، وقد كان العلم في وقت البخاري غضا طريا ، والارتسام به محبوبا شهيا ، والدواعي إليه أكبر ، والرغبة فيه أكثر ، وقال هذا القول الذي حكيناه عنه ، فكيف نقول في هذا الزمان مع عدم الطالب ، وقلة الراغب وكان الشاعر وصف قلة المتخصصين من أهل زماننا في قوله : وقد كنا نعدهم قليلا ، فقد صاروا أقل من القليل

- عن شعيب بن حرب ، قال : « كنا نطلب الحديث أربعة آلاف ، فما أنجب منا إلا أربعة »

..يحيى بن أبي طالب ، يقول : سمعت أبا داود الطيالسي ، يقول : « كنت يوما بباب شعبة ، وكان المسجد ملآن ، قال : فخرج شعبة فاتكأ علي ، وقال : يا سليمان ، ترى هؤلاء كلهم يخرجون محدثين ؟ قلت : لا ، قال : صدقت ، ولا خمسة ؟ قلت : خمسة ؟ قال : نعم ، يكتب أحدهم في صغره ثم إذا كبر تركه ، ويكتب أحدهم في صغره ثم إذا كبر يشتغل بالفساد ، قال : فجعل يردد علي ، قال أبو داود : ثم نظرت بعد ، فما خرج منهم خمسة »

..قال لي سفيان الثوري يوما - وقد اجتمع الناس عليه - فقال لي : يا محمد ، « ترى هؤلاء ما أكثرهم ، ثلث يموتون ، وثلث يتركون هذا الذي تسمعونه ، ومن الثلث الآخر ما أقل من ينجب »


6 باب القول في الأسانيد العالية
من اجتزأ بالسماع النازل مع كون الذي حدث عنه موجودا

- عن حميد ، أن أنس بن مالك ، حدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل : أنت سمعته من رسول الله ؟ فغضب غضبا شديدا ، وقال : « والله ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله ، ولكن كان يحدث بعضنا بعضا ولا يتهم بعضنا بعضا »

- عن حماد بن زيد ، قال : « كنا نكون في مجلس أيوب فنسمع رجلا يحدثنا عن أيوب فنسمعه منه ، ولا نسأل أيوب عنه »
من سمع حديثا نازلا فطلبه عاليا

- عن سعيد بن المسيب ، عن عامر بن سعد ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه ليس بعدي نبي » ، قال سعيد : فأحببت أن أشافه به سعدا ، فأتيته فذكرت له ما ذكر لي عامر ، فقال لي : نعم ، فقلت : أنت سمعته ؟ فأدخل يده في أذنه فقال : نعم ، وإلا اصطكتا
من مدح العلو وذم النزول

.. قال : سمعت أبا عبد الرحمن الطوسي ، يقول : سمعت محمد بن أسلم الطوسي ، يقول : « قرب الإسناد قربة إلى الله عز وجل »

..سمعت أحمد بن حنبل ، يقول : « طلب إسناد العلو من السنة »
اختيار النزول عن الثقات على العلو عن غير الثقات

- عن يحيى بن معين ، قال : « الحديث النزول عن ثبت خير من علو عن غير ذي ثبت»

- ..سمعت عبد الرحمن بن مهدي ، يقول : « لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يطلب الإسناد - يعني التعالي فيه - »

- ..قال : في كتابي عن أبي بكر بن الأنباري ، أنه أنشد : علم النزول اكتبوه فهو ينفعكم وترككم كتبه ضرب من العنت إن النزول إذا ما كان عن ثبت أعلى لكم من علو غير ذي ثبت


7 باب القول في تخير الشيوخ إذا تباينت أوصافهم

درجات الرواة لا تتساوى في العلم ، فيقدم السماع ممن علا إسناده على ما ذكرنا ، فإن تكافأت أسانيد جماعة من الشيوخ في العلو ، وأراد الطالب أن يقتصر على السماع من بعضهم فينبغي أن يتخير المشهور منهم بطلب الحديث ، المشار إليه بالإتقان له والمعرفة به

- سمعت بقية ، يقول : سمعت شعبة ، يقول : « اكتبوا المشهور عن المشهور »

- عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد ، قال : قلت لسالم بن عبد الله : « في أي الشق كان ابن عمر يشعر بدنه؟ قال : في الشق الأيمن ، قال : فأتيت نافعا فقلت : في أي الشق كان ابن عمر يشعر بدنه ؟ قال : في الشق الأيسر ، فقلت : إن سالما أخبرني أنه كان يشعر في الشق الأيمن ، قال نافع : وهل سالم ، إنما أتي ببدنتين مقرونتين صعبتين، ففرق أن يدخل بينهما ، فأشعر هذه في الأيمن وهذه في الأيسر ، فرجعت إلى سالم فأخبرته بقول نافع فقال : صدق نافع ، عليكم بنافع فإنه أحفظ لحديث عبد الله ، فأقر به محمد بن مهران »

- وإذا تساووا في الإسناد والمعرفة فمن كان من الأشراف وذوي الأنساب فهو أولى بأن يسمع منه

- هذا كله بعد استقامة الطريقة وثبوت العدالة والسلامة من البدعة ، فأما من لم يكن على هذه الصفة فيجب العدول عنه واجتناب السماع منه

-.. نا أبو إسماعيل الترمذي ، قال : سمعت محمد بن عمرو ، أبا غسان الرازي الطيالسي ، لقبه زنيج يقول : « لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحدها ، لم تستطع أن تأخذها منه إلا بشاهدين عدلين ، فدين الله أحق أن نطلب عليه العدول ، وكان إذا مر بالحديث الصحيح الإسناد ، قال : دست بدست - يعني يدا بيد - شهادات المرضيين بعضهم على بعض ، وإذا مر بالحديث في إسناده شيء قال : هذا فيه عهدة »

- ..قال : سمعت يحيى بن معين ، يقول : « آلة الحديث الصدق ، والشهرة ، والطلب ، وترك البدع ، واجتناب الكبائر »

- ..سمعت عيسى بن صبيح أبا موسى ، يقول : « قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وتأويل الجاهلين ، وانتحال المبطلين « ، قال : فسبيل العلم أن يحمل عمن هذه سبيله ووصفه »
ذكر من يجتنب السماع منه

اتفق أهل العلم على أن السماع ممن ثبت فسقه لا يجوز ، ويثبت الفسق بأمور كثيرة لا تختص بالحديث ، فأما ما يختص بالحديث منها ، فمثل أن يضع متون الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أسانيد المتون ، ويقال : إن الأصل في التفتيش عن حال الرواة كان لهذا السبب

قال أبو بكر الخطيب : وإذا سلم الراوي من وضع الحديث وادعاء السماع ممن لم يلقه ، وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة، غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه فحدث من حفظه ، لم يصح الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر والعارفون به أنه ممن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه ، ويعتبر إتقانه وضبطه بقلب الأحاديث عليه
امتحان الراوي بقلب الأحاديث وإدخالها عليه

عن حماد بن سلمة ، قال : « كنت أقلب على ثابت البناني حديثه ، وكانوا يقولون : القصاص لا يحفظون ، وكنت أقول لحديث أنس : كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى ؟ فيقول : لا إنما حدثناه أنس ، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى : كيف حدثك أنس ؟ فيقول : لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى »
في ترك السماع من أهل الأهواء والبدع

وإذا كان الراوي من أهل الأهواء والمذاهب التي تخالف الحق لم يسمع منه ، وإن عرف بالطلب والحفظ

..نا عبد الله بن أبي أمية ، قال : حدثني حماد بن أبي سلمة ، حدثني شيخ ، لهم - يعني الرافضة - تاب قال : « كنا إذا اجتمعنا واستحسنا شيئا جعلناه حديثا »
ترك السماع ممن لا يعرف أحكام الرواية ، وإن كان مشهورا بالصلاح والعبادة

..سمعت أيوب ، يقول : « إن لي لجارا بالبصرة ما أكاد أقدم عليه بالبصرة أحدا ، لو شهد عندي على فلسين أو تمرتين لم أجز شهادته »
كراهة السماع من الضعفاء

إذا كان الراوي صحيح السماع ، غير أنه متساهل في الرواية ، ومعروف بالغفلة ، فالسماع منه جائز ، غير أنه مكروه ويضعف حاله بما ذكرنا


8 باب آداب الطلب

ينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق القوام ، باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمكنه ، وتوظيف السنن على نفسه ، فإن الله تعالى يقول : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)

.. أنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب ، قال : قال لي إبراهيم الحربي : « ينبغي للرجل إذا سمع شيئا من آداب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمسك به »

.. سمعت الثوري ، يقول : « إن استطعت ، ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل »

- عن الحسن ، قال : « كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده »

- سمعت عمرو بن قيس الملائي ، يقول : « إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله »

- سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل الزاهد يقول : « من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة ، لأن الله يقول ( وإن تطيعوه تهتدوا ) »
البكور إلى مجالس الحديث

- عن نافع ، قال : سألت ابن عمر عن قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : « اللهم بارك لأمتي في بكورها فقال : «في طلب العلم والصف الأول»
مشي الطالب على تؤدة من غير عجلة

عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سرعة المشي تذهب بماء الوجه »
تشميره ثيابه وبذاذته في الهيئة

- عن أبي أمامة ، قال : ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوما عنده الدنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا تسمعون ؟ ألا تسمعون ؟ إن البذاذة من الإيمان»

- عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس »
استعماله السمت وحسن الهدي

..نا ابن وهب ، قال : سمعت مالكا ، يقول : « إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعا لأثر من مضى قبله »

.. عن علي ، قال : « إذا تعلمتم العلم فاكظموا عليه ، ولا تخلطوه بضحك وباطل ؛ فتمجه القلوب »

يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبذل في المجالس بالسخف ، والضحك ، والقهقهة ، وكثرة التنادر ، وإدمان المزاح والإكثار منه ، فإنما يستجاز من المزاح يسيره ونادره وطريفه الذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم ، فأما متصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر ؛ فإنه مذموم وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر ، ويزيل المروءة

- عن إسماعيل بن يحيى ، قال : رآني سفيان وأنا أمازح رجلا من بني شيبة عند البيت ، فتبسمت فالتفت إلي فقال : « تبتسم في هذا الموضع إن كان الرجل ليسمع الحديث الواحد فنرى عليه ثلاثة أيام سمته وهديه »

ملاحظة: [كل ما هو داخل الاقتباسات فهو من الكتاب المذكور، إلا أني للاختصار قمت بحذف الأسانيد ووضعت بدلها أحيانا ( .. )].
يتبع بإذن الله.....

أحمد إدريس عبد الله
01-09-2008, 21:21
9 باب أدب الاستئذان على المحدث

- قال : سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام ، يقول : « ما استأذنت قط على محدث ، كنت أنتظره حتى يخرج إلي ، وتأولت قوله تعالى : ( ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم )» قال أبو بكر : إذا وجد الطالب الراوي نائما ، فلا ينبغي له أن يستأذن عليه ، بل يجلس وينتظر استيقاظه ، أو ينصرف إن شاء

- عن ابن عباس ، قال : « وجدت عامة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار ، إن كنت لأقيل بباب أحدهم ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأذن لي عليه ، ولكن أبتغي بذاك طيب نفسه »
كيفية الوقوف على باب المحدث للاستئذان

إذا كان باب دار المحدث مفتوحا فينبغي للطالب أن يقف قريبا منه ويستأذن

- عن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا دخل البصر فلا إذن »

- عن عبد الله بن بسر ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول : « السلام عليكم ، السلام عليكم » ، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور « وإن كان الباب مردودا فله أن يقف حيث شاء منه ويستأذن
جواز طرق الباب وصفته

- عن أنس بن مالك ، قال : « كانت أبواب النبي صلى الله عليه وسلم تقرع بالأظافير »
لفظ الاستئذان وتعريف الطالب نفسه

- نا محمد بن إسماعيل البخاري ، نا محمد بن سلام ، أخبرني مخلد بن يزيد ، أنا ابن جريج ، أخبرني عطاء ، قال : سمعت أبا هريرة ، يقول : « إذا قال : أأدخل ولم يسلم ، فقل : لا حتى يأتي بالمفتاح ، قلت : السلام ؟ قال : «نعم»

- نا محمد بن سلام ، عن أبيه ، قال : « دققت على عمرو بن عبيد الباب فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا ، فقال : لا يعلم الغيب إلا الله»
فضل إفشاء السلام ، والقدر المستحب من رفع الصوت به

- عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن في الجنة غرفا يرى بطونها من ظهورها ، وظهورها من بطونها » فقال أعرابي : لمن هي يا رسول الله ؟ قال : « هي لمن طيب الكلام ، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام »

- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن المقداد ، قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تسليما لا ينبه النائم ، ويسمع اليقظان »
إذا استأذن الطالب فأمر بالانتظار أين يقعد

- حدثني عبد الرحمن بن معاوية بن حديج ، عن أبيه ، قال : قدمت على عمر بن الخطاب فاستأذنت عليه ، فقالوا لي : مكانك ، حتى يخرج إليك ، فقعدت قريبا من بابه فخرج إلي
انتهاء الاستئذان إلى ثلاث ، والانصراف بعدها لمن لم يؤذن له

- عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: استأذن أبو موسى على عمر بن الخطاب ثلاثا، فلم يؤذن له، فانصرف، فأرسل إليه عمر فدعاه، فقال: ما شأنك رجعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من استأذن ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع» فقال عمر: لتأتيني على هذا - يعني بينة - أو لأفعلن، فأتى مجلس قومه فناشدهم بالله، فقلت: أنا معك، قال فشهد له بذلك فخلى عنه

باب أدب الدخول على المحدث

لا يجوز الدخول على المحدث من غير استئذان ، فمن فعل ذلك أمر بالخروج ، وأن يستأذن ليكون تأديبا له في المستقبل

- وإذا حضر جماعة من الطلبة باب المحدث، وأذن لهم في الدخول، فينبغي أن يقدموا أسنهم ويدخلوه أمامهم ، فإن ذلك هو السنة
تقديم الأكابر في الدخول

- عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: « البركة مع أكابركم »

- وإن قدم الأكبر على نفسه من كان أعلم منه جاز ذلك، وكان حسنا
كراهة تسليم الخاصة

إذا دخل الطالب على الراوي ، فوجد عنده جماعة فيجب أن يعمهم بالسلام

- عن طارق، قال : كنا عند عبد الله جلوسا فجاء أذنه « قد قامت الصلاة » فقام وقمنا معه، فدخلنا المسجد، فرأى الناس ركوعا في مقدم المسجد فكبر وركع ومشى، وفعلنا مثل ما فعل، فمر رجل فقال: عليكم السلام يا أبا عبد الرحمن، فقال: صدق الله وبلغ رسوله، فلما صلينا رجع، فولج على أهله وجلسنا في مكاننا ننتظره، حتى يخرج، فقال بعضنا لبعض: أيكم يسأله؟ قال طارق: أنا أسأله فسأله فقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « بين يدي الساعة تسليم الخاصة»
استحباب المشي على البساط حافيا

يستحب للطالب أن لا يمشي على بساط المحدث إلا بعد نزع نعليه من قدميه ، لما لا يؤمن أن يكون في النعلين من الأقذار ، وذلك أيضا من التواضع وحسن الأدب

- سمعت عقبة بن أبي حسناء اليمامي ، قال : « رأيت أبا هريرة إذا دخل البيت وفيه بساط لا يمشي على البساط وعليه نعليه ، يخلع نعليه ثم يمشي على البساط »

ويجب أن يبتدئ بنزع اليسرى من نعليه دون اليمنى
جلوس الطالب حيث ينتهي به المجلس والنهي عن تخطي الرقاب

- عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من تخطى حلقة قوم بغير إذنهم فهو عاص »
الكراهة له أن يقيم رجلا ويجلس مكانه

- وهكذا يكره أن يجلس في موضع ، وإن قام له عن مجلسه باختياره

عن ابن عمر ، قال : « جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام له رجل عن مجلسه ، فذهب ليجلس فيه فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم » قال أبو داود : أبو الخصيب زياد بن عبد الرحمن
كراهة الجلوس وسط الحلقة وفي صدرها

- قال عبد الله بن المعتز : « لا تسرع إلى أرفع موضع في المجلس ، فالموضع الذي ترفع إليه خير من الموضع الذي تحط عنه »
كراهية الجلوس بين اثنين بغير إذنهما

- حدثني عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما » يعني في المجلس

- قال أبو بكر : ومتى فسح له اثنان ليجلس بينهما فعل ذلك ، لأنها كرامة أكرماه بها ، فلا ينبغي أن يردها

- عن أبي محمد اليزيدي، قال: أتيت الخليل بن أحمد في حاجة فقال لي: ههنا يا أبا محمد، فقلت: أضيق عليك، قال: فقال لي: « إن الدنيا بحذافيرها تضيق عن متباغضين، وإن شبرا في شبر لا يضيق عن متحابين»

- قال أبو بكر : ويجب على من فسح له اثنان فجلس بينهما أن يجمع نفسه
كراهة القعود في موضع من قام وهو يريد العود إلى المجلس

- عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتناجى اثنان دون الثالث ، إذا لم يكن معهم غيرهم ، أو أن يخلف الرجل الرجل في مجلسه » قال: « وإذا رجع فهو أحق به »
الاستحباب للطالب أن يسلم على أهل المجلس إذا أراد الانصراف قبلهم

- عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا أتى أحدكم المجلس فليسلم ، فإن قام والقوم جلوس فليسلم ، فإن الأولى ليست بأحق من الآخرة »


10 باب تعظيم المحدث وتبجيله

- عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بجلوا المشايخ ، فإن تبجيل المشايخ من إجلال الله عز وجل»

- نا أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا »

- نا محمد بن سليمان بن فارس ، قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري ، يقول : « ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين »

وإذا خاطب الطالب المحدث عظمه في خطابه بنسبته إياه إلى العلم ، مثل أن يقول له : أيها العالم ، أو أيها الحافظ ، ونحو ذلك

- وإذا قال الطالب للمحدث في خطابه له : يا سيدي ، كان ذلك جائزا

- أنا محمد بن عمرو ، عن أبيه ، عن جده ، قال : أخبرتني عائشة ، قالت : خرجت أقفو أثار الناس يوم الخندق ، وساق الحديث ، إلى أن ذكر قصة حصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة ، وقولهم : ننزل على حكم سعد بن معاذ ، قال أبو سعيد الخدري : فلما طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني سعد بن معاذ ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه»
هيبة الطالب للمحدث

- عن أيوب ، قال : « كان الرجل يجلس إلى الحسن ثلاث سنين فلا يسأله عن شيء ، هيبة له»
جواز القيام للمحدث

- قال أحمد : وقال أبو نصر بشر بن الحارث ، وقد ذكرت هذا الحديث بين يديه فقال : إنما كره القيام على طريق الكبر ، فأما على طريق المودة فلا ، قد قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى عكرمة بن أبي جهل وألقى ثوبه لظئره ، وقال : « قوموا إلى سيدكم »
الأخذ بركاب المحدث

- قال أبو معشر : أتيت حماد بن زيد فلما قمت لأركب ، أمسك بركابي ، فاقشعررت من ذلك ولم أركب ، فقال : ما بلغك أنه روي في الحديث : « من أمسك بركاب أخيه لغير صنيعه غفر له » ، ثم جاءني حماد بن زيد ، فلما قام ليركب أمسكت بركابه فامتنع من الركوب وقال : أما سمعت الخبر المروي : لا تكرم أخاك بما يشق عليه « ، فجعل أبو معشر يقوم ويقعد »
تقبيل يد المحدث ورأسه وعينيه

- عن عبد الله بن عمر ، قال : « كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيناه حتى قبلنا يده »
الاعتراف بحق المحدث

- قال : سمعت شعبة ، يقول : « ما أحد عنده ثلاثة أحاديث إلا وأنا عبده حتى يموت ، وما سمعت من أحد شيئا إلا واختلفت إليه أكثر مما سمعت منه »
توقير مجلس الحديث

- عن أسامة بن شريك ، قال : « أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير»

- نا أحمد بن سنان القطان ، قال : « كان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه ، ولا يبرى فيه قلم ، ولا يبتسم أحد ، فإن تحدث أو برى قلما ، صاح ولبس نعليه ودخل ، وكذا يفعل ابن نمير ، وكان من أشد الناس في هذا ، وكان وكيع أيضا في مجلسه كأنهم في صلاة ، فإن أنكر من أمرهم شيئا انتعل ودخل ، وكان ابن نمير يغضب ويصيح ، وكان إذا رأى من يبري قلما ، تغير وجهه »

- نا عبد الرحمن بن عمر ، قال : « ضحك رجل في مجلس عبد الرحمن بن مهدي فقال : من ضحك ؟ فأشاروا إلى رجل ، فقال : « تطلب العلم وأنت تضحك ، لا حدثتكم شهرا»


11 باب أدب السماع

أول ما يلزم الطالب عند السماع أن يصمت ويصغي إلى استماع ما يرويه المحدث

- عن الضحاك بن مزاحم ، قال : « أول باب من العلم : الصمت ، والثاني : استماعه ، والثالث : العمل به ، والرابع : نشره وتعليمه »

- وإن عرض للطالب أمر احتاج أن يذكره في مجلس الحديث ، وجب عليه أن يخفض صوته ؛ لئلا يفسد السماع عليه أو على غيره

- نا حماد بن زيد ، قال : كنا عند أيوب فسمع لغطا ، فقال : « ما هذا اللغط ؟ أما بلغهم أن رفع الصوت عند الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كرفع الصوت عليه في حياته »

- وإن لم يبلغه صوت الراوي لبعده عنه ، سأله أن يرفع صوته سؤالا لطيفا ، لا سمجا ولا عنيفا

- وليتق إعادة الاستفهام لما قد فهمه ، وسؤال التكرار لما قد سمعه وعلمه ؛ فإن ذلك يؤدي إلى إضجار الشيوخ

- قال رجل لشريك : أفهمني يا أبا عبد الله ، قال : « ليس علي أن أفهمك ، إنما علي أن أحدثك »

- قال وكيع : « من فهم ثم استفهم فإنما يقول : اعرفوني إني أجيد أخذ الحديث »

- نا أحمد بن سنان ، قال : سمعت أبا سعيد الحداد ، يقول : « استفهمت عبد الرحمن بن مهدي يوما ، فقال لي : كم تستفهم فقلت له : إن لكل شيء رجحانا ، ورجحان الحديث الاستفهام ، فضحك عبد الرحمن ، أو كما قال »

- عن محمد بن إسحاق ، قال : قيل للزهري : أعد علينا الحديث ، قال : « نقل الصخر أهون من تكرار الحديث »

- وينبغي أن يكون مقعد الطالب من المحدث بمنزلة مقعد الصبي من المعلم

- عن حمدان بن الأصبهاني ، قال : « كنت عند شريك فأتاه بعض ولد المهدي ، فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه ، فأعاد عليه فلم يلتفت إليه ، فقال : كأنك تستخف بأولاد الخلافة»، قال : لا ، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه « ، قال : فجثا على ركبتيه ثم سأله ، فقال شريك: «هكذا يطلب العلم»

- نا أحمد بن سعيد الدمشقي ، قال : قال عبد الله بن المعتز : « المتواضع في طلاب العلم أكثرهم علما ، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء »

- ويجب أن يقبل على المحدث بوجهه ، ولا يلتفت عنه ، ولا يسار أحدا في مجلسه ، ولا يحكي عن غيره خلاف روايته

- سمعت محمد بن سلام الجمحي، يقول : قال علي بن أبي طالب: «من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه دونهم بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن : قال فلان خلافا لقوله، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تسار في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تعرض من طول صحبته؛ فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء ، وإن المؤمن العالم لأعظم أجرا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله ، وإذا مات العالم انثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة»

وليحذر أن يعترض على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سماعه من المحدث برأيه ، فإن ذلك محظور عليه

- عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء خير كله»، فقال رجل عند عمران: إن من الحياء ضعفا أو قال: عجزا، فقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول كذا، لقد هممت أن أحلف بالله أن لا أكلمك أبدا«

وكذلك يجب أن لا يعترض عليه بعموم القرآن ، لجواز أن يكون ذلك الحديث مما خص به كتاب الله ، عز وجل

- أنا يعلى بن حكيم ، أن سعيد بن جبير حدث حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من أهل مكة : إن الله يقول في كتابه كذا وكذا ، فغضب غضبا شديدا ، وقال : « ألا أراك تعارض كتاب الله بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله أعلم بكتاب الله منك »

وإذا روى المحدث خبرا قد تقدمت معرفته ، فينبغي له أن لا يداخله في روايته ، ليريه أنه يعرف ذلك الحديث ، فإن من فعل مثل هذا كان منسوبا إلى سوء الأدب

- نا محمد بن عبد الله البخاري ، نا أبو كامل ، نا مهدي بن ميمون ، نا معاذ بن سعيد ، قال : كنا عند عطاء بن أبي رباح ، فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه ، فقال عطاء : « سبحان الله ما هذه الأخلاق ؟ ما هذه الأحلام ؟ إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم منه، فأريهم من نفسي أني لا أحسن منه شيئا »

- نا حماد بن زيد ، عن الحجاج بن أرطاة ، قال : « إن أحدكم إلى أدب حسن أحوج منه إلى خمسين حديثا »

- قال : سمعت إبراهيم بن أدهم، يقول «كنا إذا رأينا الشاب يتكلم مع المشايخ في المسجد أيسنا من كل خير عنده»

أحمد إدريس عبد الله
02-09-2008, 21:31
يا قوم.. من [ذو] نقل الموضوع إلى قسم علل الحديث متنا وإسنادا؟...
والله لا أعلم إلا أن الكتاب في الأخلاق..
وإذا لم يكن هذا الكتاب في الأخلاق والتربية فأي كتاب إذن؟!
ولا أظن أن هذا الكتاب له علاقة بعلل الحديث لا متنا ولا إسنادا..

أحمد إدريس عبد الله
02-09-2008, 21:55
12 باب أدب السؤال للمحدث

مذاهب المحدثين في الرواية تختلف ، فمنهم من يبتدئ بها احتسابا من غير أن يسأل كما أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، نا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ، نا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، نا أحمد بن سعيد ، نا ابن وهب ، ح وأخبرني عبد العزيز بن علي الوراق، نا محمد بن أحمد المفيد ، نا سعيد بن عبد الله بن عجب الأنباري ، نا أحمد بن عبد الرحمن، نا عمي عبد الله بن وهب ، حدثني يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب ، قال كنا نأتي أبا سعيد الخدري ونحن غلمان نسأله ، فكان - وفي حديث أبي نعيم ، قال فكان يقول : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « سيأتيكم ناس يتفقهون ففقهوهم وأحسنوا تعليمهم»، فكان يجيبنا بمسائلنا ، وفي حديث أبي نعيم قال : فكان يجيبنا لمسائلنا ، فإذا نفدت مسائلنا حدثنا بعد حتى نمل »

- ومن المحدثين من لا يروي شيئا إلا بعد أن يسأل ، ويحكى مثل هذا من المتقدمين عن إبراهيم النخعي ، وعبد الله بن طاوس
عن أمية بن شبل ، قال : « قدم علينا ابن طاوس فجلس فقال له إنسان : ألا تحدثنا ، فقال : إن سألتموني عن شيء ذكرته ، وإلا فأهدر عليكم »

- ومنهم من يتمنع وإن سئل ، اعتمادا على قول شعبة بن الحجاج ... سمعت بقية بن الوليد ، يقول : سمعت شعبة ، يقول : « تمنع أشهى لك »

- نا محمد بن حاتم بن ميمون ، قال : سمعت عبد الرحمن ، يعني ابن مهدي ، يقول : « يغطي عيوب الشيخ ثلاثة أشياء : عسرته ، وحفظه ، وبعد منزله »

وكان بعض السلف يتمنع من التحديث إذا كان السامع ليس من أهل العلم

- نا شعبة ، قال رآني الأعمش وأنا أحدث قوما ، فقال : « ويحك ، أو ويلك يا شعبة ، تعلق اللؤلؤ في أعناق الخنازير »

- وكان غير واحد من المتقدمين يقتصر على رواية الشيء اليسير ، ولا يتوسع في التحديث عن خالد الحذاء ، قال : « كنا نأتي أبا قلابة فإذا حدثنا بثلاثة أحاديث ، قال : قد أكثرت »

- فإذا كان المحدث ممن يتمنع بالرواية ، ويتعسر في التحديث ، فينبغي للطالب أن يلاطفه في المسألة ، ويرفق به ويخاطبه بالسؤدد ، والتفدية ، ويديم الدعاء له ، فإن ذلك سبيل إلى بلوغ أغراضه منه
، نا عثمان بن طالوت ، قال : سمعت الأصمعي ، ينشد : لم أر مثل الرفق في أمره أخرج للعذراء من خدرها من يستعن بالرفق في أمره قد يخرج الحية من حجرها

- أنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب العجلي بحلوان ، قال : سمعت أبا العباس أحمد بن عمرو الهمذاني يقول : سمعت محمد بن عبد الرحمن الطرائفي ، يقول : حضرت بدمشق عند ابن جوصا فجعلت أتملقه فقلت : أيها الشيخ ، مثلك مثل ما قال كثير عزة : وإذا الدر زان حسن وجوه كان للدر حسن وجهك زينا وتزيدين أطيب الطيب طيبا إن لمستيه أين مثلك أينا فقال : « هون عليك » نا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : « لا يغر المدح من عرف نفسه » ، قال : وسمعته يقول : « وأي عقوبة على أهل الجهل أشد من موت أهل العلم»

- قال الشيخ الخطيب : ومن الأدب إذا روى المحدث حديثا ، فعرض للطالب في خلاله شيء أراد السؤال عنه ، أن لا يسأل عنه في تلك الحال ، بل يصبر حتى ينهي الراوي حديثه ، ثم يسأل عما عرض له

- عن نافع ، أن تميما الداري ، استأذن عمر بن الخطاب في القصص ، فقال : إنه على مثل الريح ، قال : إني أرجو العاقبة، فأذن له عمر ، فجلس إليه عمر ، فقال : تميم في قوله : اتقوا زلة العالم ، فكره عمر أن يسأله عنه فيقطع على القوم ، وحضر منه قيام فقال لابن عباس : إذا فرغ فاسأله ما زلة العالم ؟ ثم قام عمر فجلس ابن عباس فغفل غفلة ، وفرغ تميم، وقام يصلي وكان يطيل الصلاة ، فقال ابن عباس : لو رجعت فقلت ثم أتيته ، فرجع وطال على عمر فأتى ابن عباس فسأله ، فقال : ما صنعت ؟ فاعتذر إليه « ، فقال : انطلق ، وأخذ بيده حتى أتى تميما الداري فقال : له ما زلة العالم ؟ قال :« العالم يزل بالناس فيؤخذ به ، فعسى أن يتوب منه العالم ، والناس يأخذون به»

- وليتجنب الطالب سؤال المحدث إذا كان قلبه مشغولا
- عن ابن عباس ، قال : « إن كنت لآتي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا رأيته نائما لم أوقظه ، وإذا رأيته مغموما لم أسأله ، وإذا رأيته مشغولا لم أسأله »

- ولا ينبغي أن يسأله التحديث وهو قائم ، ولا وهو يمشي ؛ لأن لكل مقام مقالا ، وللحديث مواضع مخصوصة دون الطرقات والأماكن الدنية

قال بشر بن الحارث : سأل رجل ابن المبارك عن حديث وهو يمشي ، فقال : « ليس هذا من توقير العلم » ، قال بشر : فاستحسنته جدا
كيفية السؤال ، وتعيين الحديث المسئول عنه

عن ميمون بن مهران ، قال : « التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن المسألة نصف الفقه»

- قال أبو بكر : يجب أن يذكر السائل للمحدث طرف الحديث الذي يريد أن يحدثه به ، فإن كان للحديث طرق متسعة نص السائل على أحسنها ، وعين ما يستفيد سماعه منها
كراهة إملال الشيوخ

إذا أجاب المحدث الطالب إلى مسألته وحدثه ، فيجب أن يأخذ منه العفو ولا يضجره

..قال : سمعت روادا ، يقول : « سألت مالكا عن أربعة أحاديث ، فلما سألته عن الخامس ، قال: يا هذا ، ما هذا بإنصاف »

- عن قرة بن خالد ، قال : سأل رجل محمد بن سيرين عن حديث ، وقد أراد أن يقوم ، فقال : « إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق »
من أضجره أصحاب الحديث فأطلق لسانه بذمهم

- عن أبي خالد الأحمر ، قال : قال شعبة لأصحاب الحديث : « قوموا عني ، مجالسة اليهود والنصارى أحب إلي من مجالستكم ، إنكم لتصدون عن ذكر الله وعن الصلاة »

- نا الترمذي ، يعني محمد بن إسماعيل نا سويد ، قال : « كان الفضيل بن عياض إذا رأى أصحاب الحديث قد أقبلوا نحوه وضع يديه في صدره وحرك يديه ، وقال : أعوذ بالله منكم »

- نا عتبة بن عبد الله ، قال : « رأيت ابن المبارك ، وقد ألح عليه أصحاب الحديث فضجر، فقيل له : يا أبا عبد الرحمن تؤجر ، فقال : « الأجر كثير ، وأبو عبد الرحمن وحده»

وكان جماعة من السلف يحتسبون في بذل الحديث ، ويتألفون الناس عليه ، ثم جاء عنهم كراهة الرواية عندما رأوا من قلة رعة الطلبة ، وإبرامهم في المسألة ، واطراحهم حكم الأدب فمن المحفوظ عنهم في ذلك ما أخبرني أبو جعفر محمد بن جعفر بن علان ، أنا عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر الطوماري قال : سمعت محمد بن عثمان بن أبي شيبة يقول : نا سفيان بن وكيع عن أبيه قال : « قلت : لسفيان الثوري : لم لا تحدث ؟ قال : «من حدث ذل»
الرفق بالمحدث ، واحتماله عند الغضب

- قال الشافعي : قيل لسفيان بن عيينة : إن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم ، يوشك أن يذهبوا ويتركوك قال : « هم حمقى إذن مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خلقي »
ما ينبغي أن يسأل الراوي عنه من أحاديثه

غير واحد من المحدثين يتعمد لنكده رواية نازل حديثه ، وعن الضعفاء من شيوخه

سمعت المقرئ أبا عبد الرحمن ، يقول : « نا أبو حنيفة: - وكان مرجئا - فقيل له : لم تحدث عنه وهو مرجئ ؟ فقال : أبيعكم اللحم مع العظام »

- ينبغي للطالب أن يسأل الراوي عن عيون أحاديثه التي ثبتت أسانيدها ، وتقدم سماعه لها

نا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، قال : « بينا أنا عند شعبة ذات يوم ، إذ جاءه رجل غريب ، فقال : يا أبا بسطام ، حدثني بحديث حماد عن إبراهيم أنه قال : « لأن يلبس الرجل في طلب العلم النعلين زمامهما من حديد» ، فلم يحدثه شعبة به ، فقال : يا أبا بسطام ، أنا رجل من أهل المغرب ، أتيتك لهذا الحديث من مسيرة ستة أشهر ، فقال : ألا تعجبون من هذا ، جاء من مسيرة ستة أشهر يسألني عن حديث لا يحل حراما ، ولا يحرم حلالا ، اكتبوا : حدثني قتادة ، عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» ، ثم قال له : إذا سألت يا أخا أهل المغرب فسل عن مثل هذا ، وإلا فقد ذهبت رحلتك باطلا »

- وإذا لم يكن الطالب ممن يعرف الأحاديث التي يسأل المحدث عنها ، استعان بمن حضر المجلس من أهل الحفظ ، والمعرفة ، وطلب إليه أن يسأل له الشيخ عن ذلك

- عن برد ، قال : « كانوا يجتمعون على عطاء في الموسم ، وكان سليمان بن موسى هو الذي يسأل لهم »

- فإن لم يحضر الشيخ أحد من أهل المعرفة ، فينبغي للطالب أن يقدم الاستخبار عن ذلك بعض حفاظ الحديث قبل حضوره المجلس ، ويعلق أطراف الأحاديث حتى يسأل الراوي عنها

- قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي ، - وشهد موت سفيان الثوري ، قال حين أدخلوه ليغسل - : « وجدنا في حجزته رقاعا فيها أطراف ليسأل عنها »

- عن إبراهيم ، قال : « لا بأس بكتابة الأطراف » قال أبو بكر : إنما قال هذا ؛ لأن جماعة من السلف كانوا يكرهون كتابة العلم في الصحف ، ويأمرون بحفظه عن العلماء ، فرخص إبراهيم في كتابة الأطراف ، للسؤال عن الأحاديث ، ولم يرخص في كتابة غير ذلك

- عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، « أنه كان يأمر بإحراق الكتب »

- وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة من الصحابة والتابعين إباحة كتابة العلم وتدوينه ...

عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : « قلت : يا رسول الله ، أقيد العلم ؟ قال : «نعم»

- عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قيدوا العلم بالكتاب »

وكان في المتقدمين من يكتب الحديث في الألواح دون الصحف

- قال أبو بكر : وإنما كانوا يكتبون في الألواح ؛ لكي يحفظوا المكتوب ، ثم يمحون الكتابة ، فمن أراد رسم المسموع للتأبيد ومال في كتابته إلى البقاء والتخليد فكونه في الصحف أولى ، وتضمينه الكراريس أحفظ له وأبقى


13 باب كيفية الحفظ عن المحدث

أنا عبد القدوس يعني ابن حبيب ، أنه سمع الحسن ، يقول في هذه الآية « ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) يقول : » استمع وقلبه شاهد ، فإن قلبه إذا حضر عقل ما يقال ، وإذا غاب القلب لم يعقل ما يقال له «
نا إبراهيم بن محمد التيمي ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : « ينبغي في الحديث غير خصلة ، ينبغي لصاحب الحديث تثبت في الأخذ ، ويكون يفهم ما يقال له ، ويبصر الرجال ، ويتعاهد ذلك من نفسه » قال أبو بكر : ولا يأخذ الطالب نفسه بما لا يطيقه ، بل يقتصر على اليسير الذي يضبطه ويحكم حفظه ويتقنه

سمعت معمرا ، يقول : سمعت الزهري ، يقول : « من طلب العلم جملة فاته جملة ، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان »

- وإذا كان في حفظ بعض الطلبة إبطاء قدموا من عرفوه بسرعة الحفظ وجودته ، حتى يحفظ لهم عن الراوي ، ثم يعيد ذلك عليهم حتى يتقنوا حفظه عنه

نا عمر بن قيس ، قال : « كان عطاء بن أبي رباح وأصحابه إذا قدم جابر بن عبد الله قدموا أبا الزبير يتحفظ لهم »

- وإن كتبه بعض الطلبة ، وذاكر به الباقين حتى يحفظوه جميعا ، لم يكن به بأس

نا سفيان ، قال : سمعت الزهري ، يقول : أخبرني أبو إدريس الخولاني ، أنه سمع عبادة بن الصامت ، يقول : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال : « تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب فهو كفارة ، ومن أصاب شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه » قال سفيان : كنا عند الزهري ، فلما حدث بهذا الحديث أشار إلي أبو بكر الهذلي احفظه فكتبته ، فلما قام أخبرت به أبا بكر
إعادة المحدث الحديث حال الرواية ليحفظ

عن أبي سلام ، عن رجل ، خدم النبي صلى الله عليه وسلم ، « أن النبي كان إذا حدث حديثا أعاده ثلاث مرات »

- وإن كان الحديث طويلا ، بحيث لا يمكن حفظه في مجلس واحد ، حفظ نصفه ثم عاد في مجلس آخر فحفظ بقيته
سمعت هشام بن أبي عبد الله ، يقول : « كنا ربما رجعنا من عند قتادة بنصف حديث ، يحدثنا بالحديث فنتحفظه ، فنحفظ نصفه ثم نعود فنحفظ نصفه من الغد »

- ويستحب لمن حفظ عن شيخ حديثا أن يعرضه عليه ، ليصححه له ، ويرده عن خطأ إن كان سبق إلى حفظه إياه

نا حسان بن الحسن المجاشعي ، قال : سمعت عليا ، يعني ابن المديني - يقول ، قال عفان : « ما سمعت من أحد حديثا إلا عرضته عليه ، غير شعبة ، فإنه لم يمكني أن أعرض عليه ،
مذاكرة الطلبة بالحديث بعد حفظه ليثبت

عن أنس بن مالك ، قال : « كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث ، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه »

عن علي بن أبي طالب ، قال : « تزاوروا وتدارسوا الحديث ولا تتركوه يدرس»

- وإذا لم يجد الطالب من يذاكره أدام ذكر الحديث مع نفسه وكرره على قلبه

قال : سمعت معاذ بن معاذ ، يقول : « كنا بباب ابن عون ، فخرج علينا شعبة وقد عقد بيديه جميعا فكلمه بعضنا ، فقال : «لا تكلمني فإني قد حفظت عن ابن عون عشرة أحاديث أخاف أن أنساها»

- وإذا روى المحدث حديثا طويلا فلم يقم الطالب بحفظه ، وسأل المحدث أن يمليه عليه أو يعيره كتابه لينقله منه ويحفظه بعد من نسخته ، فلا بأس بذلك

نا علي بن المديني ، قال : « قلت ليحيى بن سعيد : كان هشام بن عروة يملي ؟ قال : لا ، كنا نحفظ عنه ، قال : ولكنه تركني أكتب عنده حديثين ، قلت : ما هما قال : حديث عبد الله بن عمرو أن الله لا يقبض العلم ، وحديث عائشة الطويل خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج »

<*> تركت التعليق على هذه النصوص، حفظا لمكانة الامام الخطيب، فإن هذه النصوص ناطقة بمحتواها، ولا ينبغي قصر هذه الآداب على طالب الحديث بل هي أعم لكل طالب علم، لكن كان طلب الحديث هو المشتهر عندهم والله أعلم..

أحمد إدريس عبد الله
11-09-2008, 22:47
14 باب الترغيب في إعارة كتب السماع وذم من سلك في ذلك طريق البخل والامتناع

..قال : سمعت وكيعا ، يقول : « أول بركة الحديث إعارة الكتب »

قال أبو بكر : إذا كان لرجل كتاب مسموع من بعض الشيوخ الأحياء ، فطلب منه ليسمع من ذلك الشيخ ، فيستحب أن لا يمتنع من إعارته ؛ لما في ذلك من البر واكتساب المثوبة والأجر ، وهكذا إذا كان في كتابه سماع لبعض الطلبة من شيخ قد مات فابتغى الطالب نسخه ، استحب له إعارته إياه ، وكره أن يمنعه منه

..سمعت سفيان الثوري ، يقول : « من بخل بعلمه ابتلي بثلاث : إما أن ينساه ولا يحفظ ، وإما أن يموت ولا ينتفع به ، وإما أن تذهب كتبه »
كراهة حبس الكتب المستعارة عن أصحابها وما جاء في الأمر بتعجيل ردها إلى أربابها

عن يونس بن يزيد ، قال : قال لي الزهري : « يا يونس إياك وغلول الكتب قال : قلت : وما غلول الكتب ؟ قال : » حبسها على أصحابها «

عن مجاهد ، وجعفر ، عن أبيه ، قالا : « سرقة صحف العلم مثل سرقة الدنانير والدراهم »

قال الفضيل : « ليس من فعال أهل الورع ، ولا من فعال الحكماء أن تأخذ سماع رجل فتحبسه عنه ، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه »

قال لنا أبو بكر : ولأجل حبس الكتب امتنع غير واحد من إعارتها ، واستحسن آخرون أخذ الرهون عليها من الأصدقاء ، وقالوا الأشعار في ذلك

عن حمزة الزيات ، قال : « لا تأمنن قارئا على صحيفة ، ولا جمالا على حبل »

نا علي بن قادم ، قال : سمعت سفيان ، يقول : « لا تعر أحدا كتابا »
شكر المستعير للمعير

عن ابن شبرمة ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يشكر الله من لا يشكر الناس »

عن نافع ، عن ابن عمر ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من اصطنع إليكم معروفا فجازوه ، فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى يعلم أنكم قد شكرتم ، فإن الله شاكر يحب الشاكرين »


15 باب تدوين الحديث في الكتب ، وما يتعلق بذلك من أنواع الأدب

عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ، قال : كان رجل من الأنصار يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، يسمع منه الحديث ويعجبه ، ولا يحفظه ، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إني أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « استعن بيمينك » ، وأومأ إلى الخط

قال أبو بكر: ينبغي أن يكتب الحديث بالسواد ثم بالحبر خاصة دون المداد ؛ لأن السواد أصبغ الألوان، والحبر أبقاها على مر الدهور والأزمان ، وهو آلة ذوي العلم ، وعدة أهل المعرفة والفهم

نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، قال : « رآني الشافعي وأنا في مجلسه وعلى قميصي حبر ، وأنا أخفيه ، فقال : » يا فتى لم تخفيه وتستره ؟ إن الحبر على الثوب من المروءة ؛ لأن صورته في الأبصار سواد وفي البصائر بياض «
آلات النسخ
المحبرة

سمعت الفضل بن أحمد الزبيدي المقرئ ، يقول : سمعت أحمد بن حنبل ، يقول ، وقد أقبل أصحاب الحديث بأيديهم المحابر ، فأومأ إليها وقال : « هذه سرج الإسلام »

حدثني أبو هفان ، قال : « سألت وراقا عن حاله ، فقال : عيشي أضيق من محبرة ، وجسمي أدق من مسطرة ، وجاهي أرق من الزجاج ، ووجهي عند الناس أشد سوادا من الزاج ، وخطي أخفى من شق القلم ، ويدي أضعف من قصبة ، وطعامي أمر من العفص ، وشرابي أسود من الحبر ، وسوء الحال ألصق بي من الصمغ » فقلت له : عبرت بلاء ببلاء «
القلم

عن قتادة ، في قوله تعالى : « ( علم بالقلم ) قال : » إن القلم نعمة من الله عظيمة ، ولولا ذلك لم يقم دين ، ولم يصلح عيش «

قال: حدثني أبو هفان، حدثني عمي، عن جدي مهزم بن خالد، قال: نظر إلي عبد الحميد بن يحيى الكاتب مولى بني أمية وأنا أخط خطا رديئا - فقال: « إن أردت أن تجود خطك فأطل جلفتك وأسمنها ، وحرف قطتك وأيمنها »
السكين

ينبغي ألا تستعمل سكين الأقلام إلا في بريها ، وتكون رقيقة الشفرة ماضية الحد صافية الحديد، وقد وصف الحسن بن وهب سكينا أهداها ، فأحسن وصفها
أخبرني أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن قال : أهدى الحسن بن وهب إلى صديق له سكينا ، وكتب إليه : « قد أهديت إليك سكينا : أملح من الوصل ، وأقطع من البين »

محمد بن عبيد الله بن توبة الأديب ، قال : « خاصم بعض الوراقين امرأته فدعت عليه وقالت : أبلاك الله بقلم حفي ، وسكين صدي ، وورق ردي ، ونوم ندي ، وسراج ينطفي »
الحبر والكاغد

يستحب أن يكون الحبر براقا جاريا ، والقرطاس نقيا صافيا

قرأنا على ابن قتيبة ، قال هشام بن الحكم : « ببريق الحبر تهتدي العقول إلى خبايا الحكم »


16 باب تحسين الخط وتجويده

عن ابن عون ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، في قوله تعالى : « ( أو أثارة من علم) قال : » جودة الخط «

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الخط الحسن يزيد الحق وضوحا »
استحباب الخط الغليظ وكراهة الدقيق منه

عن عبيد الله بن سليمان العبدي ، عن أبي حكيمة ، قال : « كنا نكتب المصاحف بالكوفة فيمر علينا علي عليه السلام ونحن نكتب فيقوم ، فيقول : » أجل قلمك « ، قال : فقططت منه ثم كتبت ، فقال : » هكذا نوروا ما نور الله عز وجل «

..قال : سمعت حنبل بن إسحاق ، يقول : رآني أحمد بن حنبل وأنا أكتب خطا دقيقا ، فقال : لا تفعل ، أحوج ما تكون إليه يخونك « بلغني عن بعض الشيوخ ، أنه كان إذا رأى خطا دقيقا قال : هذا خط من لا يوقن بالخلف من الله ،

قال أبو بكر : » لا ينبغي أن يكتب الطالب خطا دقيقا إلا في حال العذر ، مثل أن يكون فقيرا لا يجد من الكاغد سعة ، أو يكون مسافرا فيدقق خطه ليخف حمل كتابه ، وأكثر الرحالين يجتمع في حاله الصفتان اللتان يقوم بهما له العذر في تدقيق الخط
سمعت محمد بن المسيب الأرغياني ، يقول : « كنت أمشي بمصر في كمي مائة جزء ، في كل جزء ألف حديث » وكذلك المسافرون يكتبون « نا » بدل « حدثنا » اختصارا في الكتابة لكثرة تكررها ، وصار ذلك عادة لعامة الطلبة ، وقد كان في السلف من يفعل نحوا من هذا
اختيار التحقيق دون المشق والتعليق

قال : قرأنا على ابن قتيبة ، قال عمر بن الخطاب : « شر الكتابة المشق ، وشر القراءة الهذرمة ، وأجود الخط أبينه »

وقال : قال علي بن أبي طالب لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع : « ألق دواتك ، وأطل سن قلمك ، وافرج بين السطور ، وقرمط بين الحروف »

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لكاتبه وأحسبه ابن أبي رافع : « أطل جلفة قلمك وأسمنها ، وأيمن قطتك ، وأسمعني طنين النون وخرير الخاء ، أسمن الصاد ، وعرج العين ، واشقق الكاف ، وعظم الفاء ، ورتل اللام ، واسلس الباء والتاء والثا ، وأقم الواو على ذنبها، واجعل قلمك خلف أذنك يكن أذكر لك »

أنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي ، قال : ذكر أبو سعيد السيرافي أن بعض كتاب المقتدر سئل : « متى يجوز أن يوصف الخط بالجودة ؟ قال : «إذا اعتدلت أقسامه ، وطالت ألفه ولامه ، وتفتحت عيونه ، ولم تشتبه راؤه ونونه ، وأشرق قرطاسه ، وأظلمت أنقاشه ، ولم تختلف أجناسه ، أسرع إلى العيون بصوره ، وإلى العقول بثمره ، قدرت فصوله وأينعت وصوله ، وبعد عن حيل الوراقين ، وعن تصنع المتصنعين ، كان حينئذ كما قلت
أول ما يبتدأ به في الكتابة

ينبغي أن يبتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم في كل كتاب من كتب العلم ؛
فإن كان الكتاب ديوان شعر فقد اختلف فيه

عن الشعبي ، قال : « أجمعوا أن لا يكتبوا أمام الشعر » بسم الله الرحمن الرحيم «
نا حفص بن غياث ، عن مجالد ، عن الشعبي ، قال : « كانوا يكرهون أن يكتبوا أمام الشعر «بسم الله الرحمن الرحيم» وقال إسحاق : «كان يكره»، وقال سلم : «أجمعوا أن لا يكتبوا»
عن ابن أخي ابن شهاب ، عن عمه ، قال : « مضت السنة ألا يكتب في الشعر » بسم الله الرحمن الرحيم »

وممن ذهب إلى رسم التسمية في أول كتاب الشعر سعيد بن جبير ، وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين ، وهو الذي نختاره ونستحبه
عن جبلة بن أبي سليمان ، قال : سمعت سعيد بن جبير ، يقول : « لا يصلح كتاب إلا أوله بسم الله الرحمن الرحيم ، وإن كان شعرا »
عن أبي جعفر محمد بن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب »
كيف يكتب بسم الله الرحمن الرحيم

نا عبد الله بن صالح ، قال : « كتبت بسم الله الرحمن الرحيم ، ورفعت الباء فطالت » ، فأنكر ذلك الليث وكرهه ، وقال : « غيرت المعنى » ، قال ابن حمدان : لأنه يصير « لسم »
قال لنا أبو بكر : فينبغي أن يجعل بين طول الباء وحروف السين فرق يسير للتمييز بينهما ، ويجمع بين الباء والسين ثم يمد مدة إلى الميم ، ولا يجوز أن يمد ما بين الباء والميم ، ويسقط السين كما يفعل كثير من الكتاب ، فإن غير واحد من السلف قد كره ذلك

عن مطر الوراق ، قال : « كان معاوية بن أبي سفيان كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يجمع بين حروف الباء والسين ، ثم يمده إلى الميم ، ثم يجمع حروف الله الرحمن الرحيم ، ولا يمد شيئا من أسماء الله في كتابة ولا قراءة »

قال أبو بكر : أما اسم الله تعالى فقد جرت العادة بالجمع بين حروفه في الخط ، وأما الرحمن الرحيم فأكثر الناس يجمعون بين حروفهما أيضا ، وفيهم من يفرق بينها ، وكل ذلك مباح ، أيه استحسن الكاتب فعله ، وما روي من الكراهة والاستحباب فإنما هو على وجه الاستحسان لا غير

عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن »
رسم تسمية الراوي في المنقول عنه وتسمية من حضر سماعه منه

يكتب الطالب بعد التسمية اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه ، وكنيته ، ونسبه ، وصورة ما ينبغي أن يكتبه :
حدثنا أبو فلان فلان بن فلان بن فلان الفلاني ، قال : نا فلان ، ويسوق ما سمعه من الشيخ على لفظه
أخبرني عبد العزيز بن علي ، قال : قال لنا أبو عبد الله بن بطة ، و « في الكتاب من يكتب » عبد الله « فيكتب » عبد « في آخر السطر ويكتب » الله بن فلان « في أول السطر الآخر ، أو » عبد « في سطر و » الرحمن « في سطر ، ويكتب بعده » ابن « ، وهذا كله غلط قبيح ، فيجب على الكاتب أن يتوقاه ويتأمله ويتحفظ منه » قال أبو بكر : وهذا الذي ذكره أبو عبد الله صحيح ، فيجب اجتنابه ، ومما أكرهه أيضا أن يكتب : قال رسول في آخر السطر ، ويكتب في أول السطر الذي يليه : الله صلى الله عليه ، فينبغي التحفظ من ذلك ،

وإذا كتب الطالب الكتاب المسموع فينبغي أن يكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه ، وتاريخ وقت السماع ، وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب ، فكلا قد فعله شيوخنا ، وإن كان سماعه الكتاب في مجالس عدة ، كتب عند انتهاء السماع في كل مجلس علامة البلاغ ، ويكتب في الذي يليه التسميع والتاريخ كما يكتب في أول الكتاب ، فعلى هذا شاهدت أصول جماعة من شيوخنا مرسومة ، ورأيت كتابا بخط أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل مما سمعه منه ابنه عبد الله ، وفي حاشية ورقة منه : بلغ عبد الله
تقييد الأسماء بالشكل والإعجام

حذرا من بوادر التصحيف والإيهام في رواة العلم جماعة تشتبه أسماؤهم وأنسابهم في الخط ، وتختلف في اللفظ ، مثل بشر وبسر ، وبريد وبريد ، وبريد ويزيد ، وعياش وعباس ، وحيان وحبان ، وحبان وحنان ، وعبيدة وعبيدة ، وغير ذلك مما قد ذكرناه في كتاب التلخيص ، فلا يؤمن على من لم يتمهر في صنعة الحديث تصحيف هذه الأسماء ، وتحريفها ، إلا أن تنقط وتشكل ، فيؤمن دخول الوهم فيها ويسلم من ذلك حاملها وراويها

عن محمد بن عبيد بن أوس الغساني ، كاتب معاوية ، قال : حدثني أبي ، قال : « كتبت بين يدي معاوية كتابا فقال لي : » يا عبيد ارقش كتابك ، فإني كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا رقشته ، قال : قلت وما رقشه يا أمير المؤمنين ؟ قال : أعط كل حرف ما ينوبه من النقط «
رسم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب

ينبغي إذا كتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب معه الصلاة عليه

عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كتب عني علما وكتب معه صلاة علي ، لم يزل في أجر ما قرئ ذلك الكتاب »

رأيت بخط أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في عدة أحاديث اسم النبي ، ولم يكتب الصلاة عليه ، وبلغني أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم نطقا لا خطا ، وقد خالفه غيره من الأئمة المتقدمين في ذلك

قال ابن سنان : سمعت عباسا العنبري ، وعلي بن المديني ، يقولان : « ما تركنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل حديث سمعناه ، وربما عجلنا فنبيض الكتاب في كل حديث حتى نرجع إليه »
الدارة في آخرة كل حديث

ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دارة تفصل بينهما ، وتميز أحدهما من الآخر

رأيت في كتاب أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بخطه بين كل حديثين دارة ، وبعض الدارات قد نقط في كل واحدة منها نقطة ، وبعضها لا نقطة فيه ، وكذلك رأيت في كتابي : إبراهيم الحربي ، ومحمد بن جرير الطبري بخطيهما ، فاستحب أن تكون الدارات غفلا ، فإذا عورض بكل حديث نقط في الدارة التي تليه نقطة ، أو خط في وسطها خطا ، وقد كان بعض أهل العلم لا يعتد من سماعه إلا بما كان كذلك أو في معناه

عن يحيى بن معين : « كان غندر رجلا صالحا سليم الناحية ، وكل حديث من حديث شعبة ليس عليه علامة عين لم يعرضه على شعبة بعد ما سمعه ، فلا يقول فيه : حدثنا »
باب وجوب المعارضة بالكتاب لتصحيحه وإزالة الشك والارتياب

يجب على من كتب نسخة من أصل بعض الشيوخ أن يعارض نسخته بالأصل ، فإن ذلك شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع

عن هشام بن عروة ، قال : قال لي أبي : « أكتبت » ؟ قال ، قلت : نعم ، قال « عارضت » ؟ قلت : لا ، قال : « فلم تكتب »

نا قريش بن أنس ، قال : سمعت الخليل بن أحمد ، يقول : « إذا نسخ الكتاب ثلاث مرات تحول بالفارسية من كثرة سقطه »

ويجعل للعرض قلما معدا فقد أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، قال : سمعت محمد بن إسحاق القاضي ، يقول : سمعت خلف بن عمرو العكبري ، يقول : سمعت أبا نعيم ، يقول : - ولاجه رجل في أمر الحديث - فقال : « اسكت فإنك أبغض من قلم العرض »

وإذا وجد اسما عاطلا من التقييد نقطه ، وإن رأى حرفا مشكلا شكله وضبطه
وإذا كرر في الخط كلمة ليس من شأنها التكرار ، فكتبها مرتين ضرب على إحداهما ، وقد اختلف في المستحق منهما لأن يضرب عليه الأولى أم الثانية فأخبرني علي بن أحمد المؤدب ، نا أحمد بن إسحاق النهاوندي ، أنا أبو محمد بن خلاد ، قال ، قال بعض أصحابنا : « إذا كتب حرف واحد أو كلمة واحدة مرتين ، فأولاهما بأن يبطل الثاني ؛ لأن الأول كتب على صواب ، والثاني كتب على الخطأ ، فالخطأ أولى بالإبطال » وقال آخرون : إنما الكتاب علامة لما يقرأ ، فأولى الحرفين بالإبقاء أدلهما عليه ، وأجودهما صورة

أنا الحسن بن أبي بكر أنا أبو عمر الزاهد ، فيما أجاز لنا ، قال : سمعت أحمد بن يحيى ، يقول عن ابن نجدة ، قال : سمعت أبا زيد ، يقول : « لا ينير الكتاب حتى يظلم ، يعني الإصلاح »

قال أبو بكر : يجب أن يزيل التحريف ، ويغير الخطأ والتصحيف
وينبغي كلما عارض بورقة أن ينشرها ؛ لئلا ينطمس المصلح ، ويكون ما ينشر به نحاتة الساج أو غيره من الخشب ، ويتقي استعمال التراب

قال : حدثني ابن ابن عبد الوهاب الحجبي ، قال : « كنت في مجلس بعض المحدثين ، ويحيى بن معين إلى جنبي ، فكتبت صحفا ، فذهبت لأتربه ، فقال لي : لا تفعل فإن الأرضة تسرع إليه ، قال فقلت له : الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : » أتربوا الكتاب فإن التراب مبارك ، وهو أنجح للحاجة « ، قال : ذاك إسناد لا يسوي فلسا »

والمستحب في التغيير الضرب ، دون الحك لما أخبرني علي بن أحمد المؤدب ، نا أحمد بن إسحاق ، أنا أبو محمد بن خلاد ، قال : قال أصحابنا : « الحك تهمة »

وأجود الضرب أن لا يطمس المضروب عليه ، بل يخط من فوقه خطا جيدا بينا يدل على إبطاله ، ويقرأ من تحته ما خط عليه
وإن سقطت كلمة من إسناد حديث أو متنه كتبها بين السطرين أمام الموضع الذي سقطت منه، إن كان هناك واسعا وإلا كتبها في الحاشية بحذاء السطر الذي سقطت منه
الاستدلال بالضرب والتخريج على صحة الكتاب

قال الشافعي : « إذ رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح ، فاشهد له بالصحة »