المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم القضيّة الموجّهة



بلال النجار
02-08-2004, 14:06
بسم الله الرحمن الرحيم

الموجّهات

أقول: مرّ معنا أنّ كيف القضيّة هو السلب والإيجاب فيها، وكمّ القضيّة هو الكليّة والجزئيّة فيها. فلنطوّر الآن مفهومنا عن كيّف القضيّة. إنّ النسبة بين المحمول والموضوع لا بدّ من كيفيّة لها في نفس الأمر سواء كانت هذه الكيفيّة إيجابيّة أو سلبيّة. أي أنه بعد ثبوت الموضوع للمحمول أو نفيه عنه فما هي الكيفيّة التي تتكيّف بها هذه النسبة الإيجابيّة أو السلبية. إن النظر في ذلك أوصل المناطقة إلى أنّ للنسبة الإيجابيّة أو السلبيّة كيفيّات أخرى كالضرورة واللاضرورة من جهة نظر معيّنة، والدوام واللادوام من جهة نظر أخرى.

وتسمّى هذه الكيفيّة مادّة القضيّة، وتسمّى أيضاً عنصر القضيّة، وأصل القضيّة. ويسمّى اللفظ الدال على هذه الكيفيّة جهة القضيّة، هذا إذا كانت القضيّة ملفوظة. وأمّا إذا كانت القضيّة معقولة كما بينّا لك سابقاً من أنّ القضايا تنقسم إلى ملفوظة ومعقولة، فالجهة عندئذ هي حكم العقل بتكيّف النسبة بالكيفيّة المعيّنة. والقضيّة التي يذكر فيها ما يدلّ على المادّة تسمّى قضيّة موجّهة. واحفظ جيّداً أنه متى خالفت الجهة مادّة القضيّة كانت القضيّة كاذبة.
وبعبارة أخرى متى خالفت نسبة القضية في نفس الأمر اللفظ المدرج في القضيّة المدّعى أنه يعبّر عن هذه النسبة في نفس الأمر، كان القضيّة كاذبة. وإذا طابقته أي إذا طابقت الجهة مادّة القضيّة كانت القضيّة صادقة. وعليه فالقضيّة الواحدة قد تكون صادقة من بعض الجهات وكاذبة من جهات أخرى.

لذلك كان اعتبار جهة القول في غاية الأهميّة قبل التعجّل في تصحيحه أو تخطئته. فكم من قول تُوافق صاحبه عليه ظاهراً، فإذا دققت في جهته خالفته، وكم من قول قد تخالف صاحبه بادي الرأي فإذا تأملت في جهته وافقته. وإن من أهمّ ميزات المحققين ملاحظتهم لجهات الأقوال واعتبارها عند النظر فيها وقبل تصحيحها وتخطئتها. فافهم.

ولنحاول شرح ما مضى من خلال مثال لتقريبه أكثر.
فمثلاً، إذا قال قائل: كلّ إنسان حيوان
فإننا جميعاً نوافقه بلا توقّف.

وأمّا لو قال: كلّ إنسان حيوان لا بالضرورة

فهذه قضيّة موجّهة يزعم قائلها بأنّ ثبوت المحمول للموضوع ليس ضرورياً. أي أنّ النسبة التي تعبّر عن ثبوت المحمول للموضوع بزعمه متكيّفة بكيفيّة هي اللاضرورة.
فعند ذكره اللفظ الدال على كيفية ثبوت النسبة بين المحمول والموضوع أي عند ذكره لجهة القضية، فهنالك وراء ذلك وجودان لتلك الكيفية:
الأوّل: كيفيّة النسبة في نفس الأمر. وهو ههنا الواقع المحقق الذي نحتكم إليه لتصويب أو تخطئة هذا القول.
الثاني: كيفية النسبة في العقل. وهي الكيفية التي يعتبرها العقل للنسبة الثابتة بين المحمول والموضوع عند حصول تلك النسبة في العقل.

والمقصود أنّ النسبة الثابتة في نفس الأمر بين المحمول والموضوع لا بدّ وأن تكون متكيّفة بكيفيّة معيّنة، فإذا حصلت عند العقل تلك النسبة اعتبر لها كيفيّة ما، فعندئذ إما أن تكون الكيفية التي يعتبرها العقل لتلك النسبة هي عين الكيفية الثابتة للنسبة في نفس الأمر أو غيرها، فإذا كانت عينها كانت القضيّة المعقولة صحيحة في نفس الأمر، وإذا خالَفَتْها كانت القضيّة المعقولة كاذبة.
ثمّ إذا ذكرت عبارة تدلّ على تلك الكيفيّة من قائل ما، فلا بدّ أن يكون لفظه الذي سمّيناه الجهة معبّراً عن الكيفيّة التي اعتبرها عقله للنسبة بين محمول وموضوع القضيّة، لأنّ الألفاظ يعبر بها المتكلّم عن الصور العقليّة الحاصلة عنده سواء كانت مطابقة لنفس الأمر أو غير مطابقة.

ألا ترى أنك لو رأيت من بعيد شبحاً فربمّا حصل في عقلك صورة إنسان، حتى إذا سألك سائل ما ذاك الذي يتراءى لك، فإنك ستقول ذلك الشيء إنسان. وربّما يحصل منه صورة فرس، فتجيب: ذلك الشيء فرس.

فالصورة العقليّة التي عبّرت عنها بهذه الألفاظ لا تغيّر الحقيقة في نفس الأمر. فإذا اقترب البعيد واستقيناه إنساناً كانت قضيّة من ادّعى إنسيّته صادقة لمطابقتها لنفس الأمر، وقضيّة من ادّعى فرسيّته كاذبة لمخالفتها لما في نفس الأمر.

وعليه فيجري على القضيّة الموجّهة الملفوظة ما يجري على المعقولة، فإذا كانت الجهة فيها مطابقة للكيفية في نفس الأمر كانت القضيّة صحيحة، وإذا كانت مخالفة لها كانت القضيّة كاذبة.

فهكذا هي المسألة، فكما أنّ للموضوع والمحمول والنسبة بينهما وجودات في نفس الأمر وعند العقل تتكوّن منها القضيّة المعقولة، ويعبر عنها باللفظ فتتكوّن القضيّة الملفوظة، فكذلك للنسبة بين الموضوع والمحمول كيفيّة في نفس الأمر، وعند العقل، وفي اللفظ. فالكيفيّة التي للنسبة في نفس الأمر هي ما نسمّيه مادّة القضيّة، والكيفيّة التي لها في العقل هي ما نسمّيه جهة القضيّة المعقولة، والكيفيّة التي لها في اللفظ هي ما نسمّيه جهة القضيّة الملفوظة، وهذه الأخيرة هي ما تتبادر للذهن عند إطلاق لفظ الجهة.
وملخص هذا الكلام الأخير، أنّ الألفاظ تعبّر عن الصورة العقليّة، والصورة العقليّة لا يجب أن تطابق الصورة في نفس الأمر. فالقضيّة الموجهة الملفوظة قضيّة عبر فيها بالألفاظ عن الموضوع والمحمول والنسبة بينهما وعن كيفيّة تلك النسبة كما يعتبرها العقل. ولمعرفة صحّة أو خطأ هذه القضيّة نطابقها مع نفس الأمر، فإذا كانت النسبة بين المحمول والموضوع ثابتة في نفس الأمر، فاللفظ المعبر عن كيفية تلك النسبة [في القضيّة الملفوظة] أو صورة تلك الكيفية كما اعتبرها العقل [في القضيّة المعقولة] إذا طابقا الكيفيّة في نفس الأمر، فالقضيّة صائبة، وإذا لم تطابقها فخاطئة.

فإذا رجعنا إلى المثال على الموجّهة وهو: كلّ إنسان حيوان لا بالضرورة.
فإنك ستلاحظ أنّ كلّ إنسان فهو حيوان في نفس الأمر، وهو ما ستعرف أنّه يعبّر عنه بلفظ الضرورة، لأنّ الإنسان مفهوم مركّب من الحيوان والناطق، فالحيوان جزء الإنسان، لا يمكن أن ينفكّ عنه. ولمّا امتنع انفكاك النسبة بين المحمول الذي هو الحيوان والموضوع الذي هو الإنسان في نفس الأمر، كانت كيفية هذه النسبة هي الضرورة. فالصحيح أن تكون الموجّهة: كلّ إنسان حيوان بالضرورة. من ذلك تعلم أنّ قول القائل: كلّ إنسان حيوان لا بالضرورة موجّهة كاذبة لمخالفتها كيفية النسبة الثابتة بين الحيوانية والإنسان في نفس الأمر.


إذا توضّح ذلك، فاعلم أن القضايا الموجّهة التي يبحث عنها عادة خمس عشرة: ثمان بسائط وهي التي حقيقتها إيجاب فقط أو سلب فقط، وسبع مركبات أي من الإيجاب والسلب معاً كما ستعرف عمّا قريب.

أما البسائط الثمان فهي:
الضرورية المطلقة، المشروطة العامّة، والوقتيّة المطلقة، والمنتشرة المطلقة، والدائمة المطلقة، والعرفيّة العامّة، والمطلقة العامّة، والممكنة العامّة.

وأما المركبات السبع فهي:
المشروطة الخاصّة، والعرفيّة الخاصّة، والوجوديّة اللاضروريّة، والوجوديّة اللادائمة، والوقتيّة، والمنتشرة، والممكنة الخاصّة.

فهذا مفهوم الموجّهة، وسيأتيك قريباً بيان المفاهيم الأساسية التي تتركب منها أسماء الموجهات كالضرورة والإمكان والدوام والإطلاق وغيرها، مع شرح لمفاهيم هذه الأقسام من الموجّهات وسبب وتسميتها بهذه الأسماء والعلاقات بين هذه الموجّهات وأمثلة عليها إن شاء الله تعالى.
فإلى لقاء.

خالد حمد علي
31-08-2004, 21:19
بارك الله بك سيدي الكريم بلال