المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاسراء و المعراج.... للدكتور عبد الغفار الشريف



محمد عوض عبد الله
01-08-2008, 20:58
في ذكرى الإســـــراء الحمد لله الذي قدر فهدى ، والصلاة والسلام على من بعثه ربه منارا للهدى ، سيدنا وحبيبنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ومن بهم اقتدى .
في كل عام في مثل هذه الليلة ، نحتفل والعالم الإسلامي ، بذكرى الإسراء والمعراج ، ثم تمر الأيام ، إلى العام القادم ، ولا يتغير شيء في حياتنا ، فما هو السبب يا ترى ؟!

إنها أيها الإخوة الكرام الأزمة الإيمانية ، وأعني بها ضعف الإيمان في نفوسنا ، لا أعني هنا بكلمة الإيمان النظري الإيمان الذي يتكلم عنه علماء الكلام ، إنما أعني بها الإيمان العملي الذي يشرحه علماء التصوف ، أعني الإيمان الذي يدفع صاحبه إلى العمل والتطبيق .

إن ساعات الضعف تمر على الجميع ، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، يقول الله تعالى " أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ " وهل تظنون بالأنبياء الشك - والعياذ بالله - ولكنها لحظات الضعف البشري ، ومثل هذا ما رواه الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد . ، أي لقوله عليه الصلاة والسلام : " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ولكن الفرق بين المؤمنين الصادقين وبين غيرهم ، أن فترة الضعف والغفلة قصيرة عندهم ، فلا يلبثون أن يتذكروا ويتعظوا ، ويرجعوا إلى رشدهم ويستفيدوا من المواعظ والحكم التي يمرون بها ، قال الله تعالى " إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ " .

ومن هذا المنطلق سنتكلم عن هذه المناسبة الكريمة العظيمة ، التي تعتبر إحدى المعجزات الخالدة لنبي الإنسانية محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، يمر في أصعب الظروف والأزمات ، في هذه الفترة بالذات ، فقد توفيت خديجة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وسلوته وأنيسته ومستشاره ، التي كان يجد عندها العزاء والأنس إذا كذبه قومه ، فهي التي صدقته إذ كذبه الناس ، وآزرته إذ خذله الناس ، وأعطته إذ منعه الناس ، كما أخبر هو صلى الله عليه وآله وسلم .

وفي نفس العام توفي أيضا نصيره وعضده وحرزه من الناس وفاة أبوطالب ، عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الذي كان حائلا بينه وبين اعتداء قريش.
قال ابن هشام : فلما مات أبوطالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأذى مالم تكن تطمع به في حياة أبي طالب .

وكان بين وفاة خديجة رضي الله عنها ، وأبي طالب شهر وخمسة أيام ، كما ذكر ابن سعد .
لقد أطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذا العالم اسم ( عام الحزن ) ، لشدة مالاقاه من الشدائد في سبيل تبليغ الدعوة .
ولما نالت منه قريش ما نالت ، خرج إلى الطائف لعله يجد عندهم من النصر والخير ، مالم يجده عند قومه ، فلقي منهم من الأذى والسوء مالم يلقه عند الأولين ، فرفع رأسه إلى السماء بهذا الدعاء : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس . يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي . إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي !! ولكن عافيتك أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك .

في مثل هذه الظروف ، جاءت التسلية الربانية بهذه الرحلة الإيمانية الكبرى ، " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ " ، " لقد رأى من آيات ربه الكبرى " .
إنها رحلة جاءت - بالدرجة الأولى - تسلية وعزاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقوية لموقفه أمام الناس أجمعين ، وربطا على قلبه .

أيها الإخوة الدعاة .
الكل يحتاج إلى من يقف إلى جانبه في ساعة العسرة ، والناس يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم ، ويذكرهم بربهم إذا نسوا ( إذا أراد الله برجل خيرا ، رزقه خليلا صالحا ، إذا نسي ذكره ، وإذا ذكر أعانه ) .

أيها الإخوة الدعاة .
إنها لأزمة إيمانية حقا ، لقد طغت المادية ، وانتشرت المغريات ، وقل الناصر على الدين ، حتى أن المتمسك بدينه ، صار كالقابض على جمر .
والقلب هو مصدر القوة والطاقة ، ولكنه يحتاج دائما إلى الشحنات الإيمانية ، حتى يستطيع القيام بدوره ، تماما كبطارية السيارة .
إذن فلنكثف جهودنا على بعث الإيمان من جديد في نفوس المسلمين ، وفي نفوس الناس أجمعين .

انظروا أيها الإخوة الكرام ، كيف يقبل الغربيون على كل من معه نوع من الدعوة الروحانية ، حتى لو كان مخرفا أو دجالا ، لأن الحضارة المادية قوت الجسم ، على حساب الروح ، فأخذت الروح تصرخ تريد زادها ، فلم يجد هؤلاء من يمد إليهم يده بالزاد الصالح للأرواح ، فلجأوا إلى المخدرات وإلى الخرافات ، فانتشرت الدعوة الروحية - تحضير الأرواح - ، واليوم يتجه الكثير من الغربيين بل ومن المسلمين إلى محضري الجن ، وإلى السحرة ، والمشعوذين ، ومن يدعون تفسير الرؤى والأحلام .

كل المشاهد التي مر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، في هذه الرحلة هي مشاهد إيمانية ،حتى الهدية التي شرفت بها الأمة ، وهي الصلاة التي فرضت من فوق سبع سموات ، إنما هي هدية إيمانية ، فهي تقوي الصلة بين العبد وربه - عز وجل - .
إنها زاد الداعية ، وراحة المؤمن (( أرحنا بها يا بلال )) أرحنا بها من عناء الدنيا ، أرحنا بها من شقاء المادة ، أرحنا بها لتعرج أرواحنا معها إلى السماء ، ولتحلق مع ملائكة القدس ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( إذا أحسن الرجل الصلاة ، فأتم ركوعها وسجودها ، قالت الصلاة : حفظك الله كما حفظتني ، فترفع )) وفي رواية (( إلى عليين )) رواه الطيالسي والبيهقي والطبراني بسند جيد .

أيها الأخوة الدعاة .
إن الناس متعطشون إلى جرعة من ماء الإيمان ، وعندكم نهر عذب سلسال ، فلا تبخلوا على الناس !! ولا تقصروا في حقهم عليكم !! ولا تنشغلوا - بالله عليكم - بقيل وقال ، وبمهاترات لا نفع فيها ، (( لا تسمن ولا تغني من جوع )) .

والقضية الثانية التي أحب أن أقف عندها ، هي قضية الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ، لقد ذكر العلماء لذلك حكما كثيرة ، ولكن أهمها - في نظري ، والله أعلم - هو لفت النظر إلى أهمية هذا المكان المبارك ، وذلك المسجد الطاهر ، الذي سبق في علم الله تعالى أنه سيتعرض إلى غزو الكفار مرات ومرات ، الصليبيون ، والاستعماريون ، وأخيرا أبناء القردة والخنازير ، لذا جعله الله تعالى أولى القبلتين ، وثالث الحرمين ، وبيّن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهميته في أكثر من حديث فقال (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد ، مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى )) .
وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (( صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، وصلاة في مسجدي بألف صلاة ، وصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة )) .
كل هذا يجب أن يثير نخوة المسلمين ، إلى إنقاذ مقدساتهم ، وعدم تركها بأيدي الكفار ، يعيثون فيها الفساد ، يذبحون أهلنا ويدنسون مقدساتنا ، وينتهكون حرماتنا ، ونحن نيام أو ميتون .


سبعون عاما بلاد الله تصرخ
والإسلام أنصاره صم وعميان



وها هي ذي اليوم بارقة الأمل تلمع ، وتنطلق على أيدي أطفال فلسطين الذين تحمل أيديهم الطاهرة الحجارة المقدسة ليواجهوا بها اليهود ، وتردد حناجرهم الرطبة هتاف الإيمان (( الله أكبر )) ، وتدعوا قلوبهم المؤمنة الله تعالى ، أن يمدهم بنصره ، ثم بعون من إخوانهم المسلمين .
ولكن مما يؤسف له أن يضيع السياسيون هذه المكاسب ، بسبب المصالح الشخصية .
ويحق لنا أن نردد مع العماد الكاتب قصيدته التي يقول فيها :-


والقدس أعضل دواؤه من قبلكم
فوفيتم بشفاء ذاك المعــضل

درج الملوك على تمني فتحـــه
زمنا وغلتهم به لم تبلـــل

وأتى زمانكم فأمكن آخـــرا
ما قد تعـذر في الزمان الأول

ما كان قط ولا يكون كفتحكم
للقدس في الماضي ولا المستقبل

أحييتم شــرع الكرام ولم يزل
نصر المحق بكم وقهر المبطـل



نسأل الله تعالى أن يوحد كلمة المسلمين ، وأن يجمع صفهم ، إنه على كل شيء قدير .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .