المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإمام الرازي و التصورات



صهيب منير يوسف
12-07-2008, 16:49
ما هي فائدة بحث ركن التصورات في علم المنطق إن سلم قول الإمام الفخر الرزاي بأن التصورات كلها بدهية و لا شيء منها مكتسب ؟

سعيد فودة
28-07-2008, 08:54
هذا سؤال جيد،
أرجو منك يا صهيب أن تذكر كلام الإمام الرازي وتستقصيه وتوضحه حتى تتمَّ الفائدة للإخوة، ويمكن التعليق عليه وبيان الموقف منه من بعدُ...

بلال النجار
31-07-2008, 14:33
بسم الله الرحمن الرحيم

قال أخي صهيب: (ما هي فائدة بحث ركن التصورات في علم المنطق إن سلم قول الإمام الفخر الرزاي بأن التصورات كلها بدهية ولا شيء منها مكتسب؟)

أقول: على تقدير تسليم أن الإمام رحمه الله قائل بأنّ كلّ علم تصوري عند النفس فإنه حاصل لها بالبداهة بهذا الإطلاق، وهو ما لا يمكنني وإن تجرعته أن أسيغه إذ أحسبه في الأربعين والمحصل مشككاً لا محققاً وإن قال هذا قولي، لما وقع في نفس الكتابين من نقض لبعض ما قدم به في استدلالاته ليتوصل إلى قوله المذكور. فلعمري لم تزخر كتبه بتعريفات الحقايق إن كان مستغنى عن كسبها لحصولها للجميع، أمثله يجهد في تحصيل الحاصل؟ على أني سأجيب ههنا على قدّ السؤال، وإن كنت ترغب في مناقشة استدلالاته بعد فهو من دواعي سروري. وقد نسخت كلامه في الكتابين المذكورين أجعله في آخر كلامي تسهيلاً على من يريد البحث فيه معنا. وأقول مقدماً إنه ضعيف لا يخلو عن مغالطة فيه نفسه، وتناقض مع كلام آخر له في الكتابين عينهما. فإن لم نتأول له مراداً فعجباً منه.

أما السؤال فلا يخفى عليكم أن قسم التصورات في المنطق يبحث الأقوال الشارحة مقصداً، طرق تركيبها، واختبارها بامتحانها على وفق شرائطها، ونقدها وتنقيحها. ويبحث ما يحتاج إليه ذلك من مباد وهي الكليات الخمس. وللوصول إلى الكليات الخمس تدرس مباحث الألفاظ وغير ذلك. ولكن علينا أن لا ننسى أن هذا القسم يشتمل على تقسيم العلم إلى تصور وتصديق والبحث في حقيقة ذلك، وكيفيات حصوله، وأسبابه. فهذه جهات لا يتوقف البحث فيها على بداهة التصورات أو كسبيتها أو كونها مخلوطة. بل حتى البحث في ذلك هو جزء من قسم التصورات.

وإذا قلنا إنه لا حاجة بنا مطلقاً إلى تعريف الأشياء لنتصورها لكون تصورها حاصلاً بالبداهة، فهل تبقى من حاجة إلى قسم التصورات؟ إن قسم التصورات يشتمل على أكثر من قواعد التعريف كما قلنا، ولو لم يكن فيه إلا بحث الكليات الخمس لوجب البحث فيها لما لها من فوائد كثيرة جداً في المنطق، ولا يستطيع أحد أن ينكر أنها من مبادي التصورات بمعنى أن تصور الماهيات إنما هو بتصور كلياتها النفسية. ولا يؤثر كون التصورات بديهية أو نظرية أو مخلوطة على هذه الجهة.

ولو سلمنا أنها ليست مبدأَ للقول الشارح بمعنى عدم الاحتياج إليها مطلقاً لا في اختباره لأنه لا يمكن أن يقع فيه التنازع لبداهته فلا حاجة للتحقق منه ولا إلى ذكره وتركيبه ولو على سبيل التنبيه عليه، وهو ما لا يسلمه عاقل! فإنها تكون من مبادي القياس. لأن القضية تنقسم باعتبار موضوعها مثلاً إلى كلية وشخصية. والكلية إلى طبيعية وذهنية وحقيقية. وكل ذلك تفريع على الكليّ. ولأن الحد الوسط لا يكون إلا كلياً لكي يتسنى للذهن الانتقال إلى إثبات الأكبر للأصغر في القياس. ولأن الكليّة فرع الكليّ، مصاديقها شخصياتٌ. لأن مواضيع تلك الشخصيات مصاديق موضوعها مع ثبات المحمول. كما قالوا الكلية في قوة شخصيات بعدد مصاديقها على ما فيه إذ الكلية أقوى لأنّ الحقيقية يلاحظ فيها وجود أفراد الموضوع خارجاً وتقديراً.

ثم نعم إن العلوم توصف بالنظرية لكن ذلك أغلبي أكثري، ولا يمكن أن تخلو عن الضروريات. لأن النظريات فرع الضروريات، وفسادها فسادها. فإن قيل ذلك في التصديقات، بحسب ما سلم فما دخل التصورات. قلت: كل حد يتألف منه على الأقل قضايا حملية موضوعها المعرَّف ومحمولها أجزاء الحد، ناهيك عن لوازمها وعن ما يمكن بناؤه من الشرطيات، وكل ذلك يصلح لأن يستعمل في القياس. ولا يضير القياس كونها ضرورية بل ذلك أفضل. فظهر لبحث الأقوال الشارحة فائدة أخرى من هذه الجهة.

ثمّ إن الإمام بنى قوله ببداهة التصورات على أن كل تصور فهو راجع إلى حس ظاهر أو باطن أو تصرف خيال أو عقل أي وأصلهما الحس لأنه شرطهما بالاتفاق. وعلى ما في كلامه من مداخل تعود بالنقض على ما قرره من بداهة التصور، لنا أن نجد فايدة جديدة لبحث القول الشارح من هذا الكلام عينه بأن ما انتزعه العقل من المدركات الكلية عند استكناهه للشخوص، وما ركبه من كليات عقلية، وما ركبه بالقوة الخيالة إذا أراد أن يصوره للغير فإنه لا بد أن يراعي فيه قواعد القول الشارح حتى ينفهم مراده ويتصور. وهذا واضح يجعل من بحث المعرّفات أمراً ضرورياً للعلوم ضرورة لا غنى عنه.

وهو وإن قال ببداهة التصورات لم ينف الماهيات، وتركبها من صفات ذاتية، ولم ينف العرضيات واللوازم وكل ما يصح حمله عليها حملياً أولياً أو بالاشتقاق. ولا نفى إمكان التعبير عنها ولا فائدته، فظهر أن قوله ببداهة التصورات إن سلم على إطلاقه لا يجعل من بحث التصورات في المنطق بحثاً بلا فائدة. وهذا ما سمح به الخاطر من الجواب إن كنت قد فهمت سؤالك، والله الموفق.

كلام الإمام الرازي في الأربعين:

قال: (العلم إما تصور أو تصديق. والتصورات إما أن يقال إنها بأسرها مكتسبة، وهو باطل. لأنه يفضي إلى الدور أو التسلسل. وإما أن تكون كلها بديهية –وهو الذي أقول به- وإما أن يكون بعضها بديهيا وبعضها كسبيا. والذي يدل على ما اخترته هو أن التصور الذي يطلب اكتسابه إن لم يكن مشعوراً به أصلاً كان الذهن غافلاً عنه فيمتنع طلبه. وإن كان مشعوراً به كان تصوره حاضراً. فيمتنع، لأن تحصيل الحاصل محال.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون مشعوراً به من وجه دون وجه. والمطلوب هو تكميل ذلك النقص؟ وأيضاً فهذه الحجة بعينها قائمة في التصديقات، فوجب أن لا يكون شيء منها مكتسباً. وذلك باطل قطعاً.

والجواب عن الأول: أن الوجه الذي صدق حكم العقل عليه بأنه مشعور به غير الوجه الذي صدق عليه حكم العقل بأنه غير مشعور به لامتناع النقيضين. وحينئذ يرجع التقسيم في ذينك الوجهين.

والجواب عن الثاني: لا شك أن التصور من حيث هو تصور غير التصديق من حيث إنه تصديق. فعل هذا: التصديق حالة زائدة على تصور الموضوع وتصور المحمول وتصور السلب وتصور الإيجاب. لأنه يجوز في العقل حصول هذه التصورات الأربعة بدون التصديق. فالتصديق مجهول من حيث إنه تصديق، ولكنه معلوم من حيث إنه تصور. وأما التصور فهو شيء واحد. فيستحيل أن يكون معلوماً من وجه مجهولاً من وجه. فظهر الفرق.

أما القدماء، فقد احتجوا على قولهم بأنا نجد من أنفسنا أنا نطلب تصور حقايق الأشياء، كقولنا ما الملك؟ وما الروح؟ وذلك يدل على أن التصورات قد تكون مكتسبة.
واعلم أن الجواب عنه مبني على مقدمة. وهي أنه لا يمكننا أن نتصور شيئاً إلا ما ندركه بإحدى حواسنا الخمس، أو نجده من النفس كالألم واللذة والفرح والغضب، أو ما يركبه العقل والخيال من أحد هذه الأمور. كشجر من ياقوت، وبحر من زيبق. إذا عرفت هذا فنقول: قول القائل: ما الملك وما الروح؟ معناه أنك تشير بهذا اللفظ إلى هذه الصورة الحاضرة في الذهن، فكان هذا الاستفهام في تعيين المراد بهذا اللفظ) اهـ كلامه رحمه الله

وذكر الإمام هذه الحجة في المحصل وزاد عليها حجة أخرى.
قال: (إن تعريف الماهية إما أن يكون بنفسها أو بما يكون داخلاً فيها أو بما يكون خارجاً عنها أو بما يتركب من الأخيرين. أما تعريفها بنفسها فمحال، لأن المعرف معلوم قبل المعرّف، فلو عرفنا الشيء بنفسه لزم تقدم العلم به على العلم به وهو محال. وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فمحال. لأن تعريفها إما أن يكون بمجموع تلك الأمور وهو باطل؛ لأنه نفس ذلك المجموع، فتعريفها بذلك المجموع تعريف الشيء بنفسه وهو محال، أو ببعض أجزائها وهو محال، لأن تعريف الماهية المركبة لا يمكن إلا بواسطة تعريف أجزائها فلو كان جزء من الماهية معرفاً لها لكان ذلك الجزء معرفاً لجميع أجزائها، فيكون ذلك الجزء معرفا لنفسه وهو القسم الثالث وهو محال، لأن الماهيات المختلفة يجوز اشتراكها في لازم واحد، وإذا كان كذلك فالوصف الخارجي لا يفيد تعريف الماهية الموصوف إلا إذا عرف أن ذلك الموصوف هذا الموصوف به دون ما عداه، لكن العلم بهذا يتوقف على تصور ذلك الموصوف، وعلى تصور كل ما عداه وذلك محال، أما الأول فلأنه يلزم منه الدور وأما الثاني فلأنه يقتضي تقدم تصور جميع الماهيات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل. تعريف بما يتركب من الداخل والخارج فبطلان ما تقدم من الأقسام يقتضي بطلانه.

لا يقال: نحن نجد النفس طالبة لتصور ماهية الملك والروح فما قولك فيه؟
لأنا نقول: ذلك إما طلب تفسير اللفظ أو طلب البرهان على وجود المتصور وكلاهما تصديق.
تنبيه: ظهر لك أن الإنسان لا يمكنه أن يتصور إلا ما أدركه بحسه أو وجده في فطرة النفس كالألم واللذة أو من بديهة العقل كتصور الوجود والوحدة والكثرة أو ما يركبه العقل أو الخيال من هذه الأقسام، فأما ما عداه فلا يتصوره البتة والاستقراء يحققه) اهـ كلامه في المحصل

صهيب منير يوسف
01-08-2008, 01:17
السلام عليكم


وهو ما لا يمكنني وإن تجرعته أن أسيغه إذ أحسبه في الأربعين والمحصل مشككاً لا محققاً وإن قال هذا قولي،

القول بأنه كان مشككا هنا فيه نظر فقد قرر هذا المعنى عدة مرات و قال هذا قولي ، و كتاب الأربعين كتاب في العقائد كتبه لولده و أسلوبه فيه يختلف عن بقية كتبه فهو يذكر فيه خلاصة آرائه و أبحاثه و اعتقاداته ، فكيف يمكن نفي نسبة القول إليه على سبيل التبني ؟


لما وقع في نفس الكتابين من نقض لبعض ما قدم به في استدلالاته ليتوصل إلى قوله المذكور

ليس الغرض الآن مناقشة مدى وجاهة رأي الإمام و هل وقع في تناقض فهذا يأتي لاحقا بل الغرض الآن أن نرى هل يجمع هذا القول إن أبقيناه على ظاهره و بحث ركن التصورات في المنطق أو لا يجتمع ثم يمكن لاحقا النظر في وجاهة رأي الإمام و تأويله إن أمكن


فلعمري لم تزخر كتبه بتعريفات الحقايق إن كان مستغنى عن كسبها لحصولها للجميع، أمثله يجهد في تحصيل الحاصل

قد اجاب الإمام الفخر عن هذا في كلا النصين الذين نقلتهما

قال في المحصل :
لا يقال: نحن نجد النفس طالبة لتصور ماهية الملك والروح فما قولك فيه؟
لأنا نقول: ذلك إما طلب تفسير اللفظ أو طلب البرهان على وجود المتصور وكلاهما تصديق.

فالتعريف لطلب تفسير اللفظ ( الذي يختلف باختلاف اللغات ) أو البرهان لا لطلب المعنى الحاصل في النفس


ولكن علينا أن لا ننسى أن هذا القسم يشتمل على تقسيم العلم إلى تصور وتصديق والبحث في حقيقة ذلك، وكيفيات حصوله، وأسبابه. فهذه جهات لا يتوقف البحث فيها على بداهة التصورات أو كسبيتها أو كونها مخلوطة. بل حتى البحث في ذلك هو جزء من قسم التصورات.

تقسيم العلم و ما يتعلق بها من مباحث من قسم المقدمات لا من قسم التصورات كما لا يخفى عليكم فيمكن تقسيم العلم و بحث كل الحيثيات التي بحثت في المقدمات مما هو مشهور في كتب المنطق مع القول ببداهة التصورات و الانتقال بعد هذا المبحث إلى قسم التصديقات مباشرة

سأعود لاحقا للتعليق على بقية كلامكم أيها الشيخ و الأخ الفاضل، فأنا بحاجة لبعض النقول و مراجعي ليست معي

بلال النجار
02-08-2008, 12:15
وعليكم السلام ورحمة الله
بسم الله الرحمن الرحيم

قولك: (القول بأنه كان مشككا هنا فيه نظر فقد قرر هذا المعنى عدة مرات وقال هذا قولي، وكتاب الأربعين كتاب في العقائد كتبه لولده وأسلوبه فيه يختلف عن بقية كتبه فهو يذكر فيه خلاصة آرائه وأبحاثه واعتقاداته، فكيف يمكن نفي نسبة القول إليه على سبيل التبني؟)

أقول: الإمام الرازي رحمه الله تعالى من أذكياء العالم وله في تصانيفه مآرب. ودفع كون ذلك قولاً له من إحسان الظن به لضعف قوله وتضاربه مع مقرراته في الكتابين ومواضع أخرى مما يصعب أن يقع لمتنبه للشوارد مثله. ومن اطلاعي على مكتوباته وقفت على أمثلة من دفعه كلام الخصوم بما لا يقول به. وعلى كل، فإن ثبت أنه لا يقول في الأربعين إلا ما يعقده صواباً فقوله مردود، ومذهبه فيه مرفوض ممنوع، وما استدل به له لا ينتهض حجة صحيحة. وقد نوقش هذا الأمر فما قلتَه ملحوظ، فلذلك اقترح شيخنا أن تجري بحثاً على كلامه إذا كنت ترى من المفيد أن تستجلي الحقيقة. وأنا لم أجر بحثاً في ذلك فأحسبه كما قلت مشككاً لما ظهر لي من أمارات ولما يلزم على قوله من لوازم لا يلتزمها.

قولك: (ليس الغرض الآن مناقشة مدى وجاهة رأي الإمام وهل وقع في تناقض فهذا يأتي لاحقا بل الغرض الآن أن نرى هل يجمع هذا القول إن أبقيناه على ظاهره و بحث ركن التصورات في المنطق أو لا يجتمع ثم يمكن لاحقا النظر في وجاهة رأي الإمام و تأويله إن أمكن)

أقول: خذني بحلمك قليلاً فلست أنقض كلامه بتلويحة من طرف يدي بلعمري. وسأسأل حين أفعل كثيراً من الأسئلة التي لم أستطع الجواب عنها تأسيساً على قوله، فإن كنت توافقه في قوله فيسعدني أن تجيبني عنها حين يعرض قوله للنقد. وقد قلت لك إني سأجيب على قدّ السؤال، فإن كنت ترغب في مناقشة استدلالاته بعد فهو من دواعي سروري، وبخاصة إذا كنت تتبناها. وما قلته هو لألفت نظرك للبحث في جهات التناقض التي أشير إليها إذا كنت متحمساً لقوله.


قولك: (قد أجاب الإمام الفخر عن هذا في كلا النصين الذين نقلتهما)
أقول: أشكر لك تذكيري بأني أنا الذي نقلت النصين ونسختهما بيدي. ولو جاز عندي قوله ما أشرت إليه. وإنما يجوز على من أراد الإمام حين كتبه أن يجوز عليه. فأنا أتكلم عن شرح الحقايق لا عن تفسير مجرد اللفظ ولا عن طلب البرهان على وجود المتصور. ولا يسلم أن ما يسأل عنه بما هو يطب به التصديق. والإمام ينص على ذلك، ويفرق بين مجرد تفسير اللفظ وشرح الحقيقة. وأنا حين أكتب يا صديقي أعلم ما أقول فتنبه.

قولك: (فالتعريف لطلب تفسير اللفظ (الذي يختلف باختلاف اللغات) أو البرهان لا لطلب المعنى الحاصل في النفس)
أقول: إن كان شرحاً لكلامه فلو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض. وإن كان تقريراً سألناك عليه، وإلا أرجأناه لحين البحث فانظر ماذا ترى؟

قولك: (تقسيم العلم وما يتعلق به من مباحث من قسم المقدمات لا من قسم التصورات كما لا يخفى عليكم فيمكن تقسيم العلم وبحث كل الحيثيات التي بحثت في المقدمات مما هو مشهور في كتب المنطق مع القول ببداهة التصورات والانتقال بعد هذا المبحث إلى قسم التصديقات مباشرة)

أقول: ليس جميع ما أشرت إليه بكلامي يمكن جعله في مقدمة المنطق أو إلحاقه بمبادئ التصديقات. ولو وسع الإمام أن يستغني عن بحثها لفعل هو نفسه حين صنف في المنطق. ولعلي أبسط الكلام ههنا قليلاً زيادة على ما أشرت إليه سابقاً ليتوضح ما رمته:

إن الذي أردته هو أن من يجول بخاطره في مباحث التصورات يمكنه أن يستظهر فوائد كثيرة لبحثها لا يبطل البحث فيها كون التصورات بديهية أو نظرية أو مخلوطة. فإذا سلم أن التصورات بديهية فيتوقف البحث في كل ما لا يذكر إلا لانبنائه على خلاف ذلك. وهذا واضح. ومن يتصدى لإثبات لا جدوى قسم التصورات عليه أن يسبر جميع ما بحث في التصورات ويبين انبناءها على ذلك بما يستغنى عنه لو سلمت بداهة التصورات. ولا أحسب ذلك بالهين حتى ولو أمكن.
واعلم أنه لا يمنع كون علم شيء ما بديهياً أن يكون له مباد تبحث لا لتحصيل نفس العلم وهو هنا التصورات بل لغير ذلك. فمثلاً يقرر الإمام أن ما اطلع عليه الحس أو جال فيه الخيال أو العقل فقد علمته النفس بالبداهة، فماذا لو اخترعت في ذهنك ماهية ما أياً كان الحكم العقلي على وجودها فكيف يتأتى لك بيانها للغير ليتصورها، لا بد لك من قانون تسلكه ليعقل عنك، ويتصور غيرك ما في ذهنك. فأين عساه يبحث ذلك في قسم التصورات أم التصديقات؟


وأيضاً يقرر الإمام بالنص بأن لكل شيء ماهية هي صفاته النفسية التي لا بد من استحضارها لتصوره، ويقرر للأشياء صفات عرضية يستغني عنها في تصوره من حيث هو هو. ويقرر أن ما به الافتراق غير ما به الاشتراك. ويبحث في المشابهة والمساواة والمناسبة والمشاكلة والمطابقة والموازاة والمجانسة والمماثلة. وكل ذلك من تقسيمات وتصنيفات وتنويعات لا تحصى فوائدها إنما يتفرع على أن للماهيات صفات ذاتية وعرضية لازمة ومفارقة فأين تراه يمكن البحث عن ذلك في قسم التصورات أم التصديقات؟


وأيضاً فموضوع المنطق في قسم التصور هو المعلومات التصورية من حيث إيصالها إلى مطلوب تصوري وما يتوقف عليه هذا الإيصال أعني صحة إيصالها إلى المجهولات. ومن هذا الكلام يمكن استظهار فوائد أخرى تضافر ما ذكرته. فتأمله.


إن كل ما أريده ههنا هو القول بأن لدراسة باب التصورات في المنطق فوائد لا تنكر حتى مع القول بأن جميع التصورات بديهية، وقد لا يسع أحداً أن يؤسس لمنطق جديد يتجاوز فيه بحوث التصورات إلا أن يتعسف فيدخل في المقدمات ما هو جزء من بحوث التصورات. نعم يمكن أن تنتقل بعض البحوث إلى المقدمات، وبعضها الآخر إلى قسم التصديقات كمبادي لها، ولكن الكلام في ماهيات الأشياء والذاتي والعرضي وضوابط التعريف وما يتفرع على ذلك من بحوث كثيرة لا يمكن إقحامه في التصديقات، لأنه ليس منها.

ولا أريد أن أسهب في الجواب عن سؤال افتراضي. فأي ثمرة لذلك! ولم العود على مسلّم؟ فبأولى أن يصار إلى مناقشة قول الإمام واستدلالاته إلا أن ترى أنت على جهة التقرير ما سألت عنه، فتقول لا فائدة في بحث التصورات في المنطق لأن كلّ تصور فهو بديهي، أو تقول إنه لا فائدة في بحث التصورات في المنطق على فرض صحة قول الإمام، فتجيب عن أسئلتنا ثم نكمل الحوار. وهو أول حوار بيننا يا صهيب وأرجو أن أحب الكلام معك بإظهارك كل ما تدخره من نباهة وحسن وروية وأدب، وأسأل الله تعالى أن يتواصل الحوار والبحث، وأن يوفقنا تعالى لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين

نزار بن علي
02-08-2008, 14:26
أما القدماء، فقد احتجوا على قولهم بأنا نجد من أنفسنا أنا نطلب تصور حقايق الأشياء، كقولنا ما الملك؟ وما الروح؟ وذلك يدل على أن التصورات قد تكون مكتسبة.
واعلم أن الجواب عنه مبني على مقدمة. وهي أنه لا يمكننا أن نتصور شيئاً إلا ما ندركه بإحدى حواسنا الخمس، أو نجده من النفس كالألم واللذة والفرح والغضب، أو ما يركبه العقل والخيال من أحد هذه الأمور. كشجر من ياقوت، وبحر من زيبق. إذا عرفت هذا فنقول: قول القائل: ما الملك وما الروح؟ معناه أنك تشير بهذا اللفظ إلى هذه الصورة الحاضرة في الذهن، فكان هذا الاستفهام في تعيين المراد بهذا اللفظ) اهـ كلامه رحمه الله

الحمد لله تعالى
لقد تقرر انقسام التصورات إلى ضرورية ومكتسبة، على حد تقرر انقسام التصديقات إليهما، وكل التشكيكات الواقعة في هذه الحقيقة قد دفعت بأحسن الوجوه العقلية والوجدانية، وللفائدة أنقل ما وجدته منقولا عن العلامة القرافي في نقده على الأربعين، فهو نافع إن شاء الله تعالى.

قال العلامة شهاب الدين القرافي في نقد الأربعين ردا على الملون بالأحمر من كلام الفخر الرازي:

قلنا: لا نسلم الحصر في المحسوسات والوجدانيات والمركبات الخيالية والعقلية المشار إليها، بل ندرك ما هو واقع في الخارج بالنظر العقلي من الحدود والرسوم.

وتحريره بالمثال أن الإنسان لو لم يعرف الحبر ألبتة ولم يره ولم يركبه عقله وخياله، فسَمِعنا نقول: "كتبنا بالحبر"، فقال: ما الحبر؟ قلنا: أتعلم العفص؟ قال: نعم. قلنا: أفتعلم الزاج؟ قال: نعم. قلنا: أفتعلم السواد؟ قال: نعم، هذه الثلاثة رأيتها، إلا الحبر لم أره. قلنا له: فاعلم الآن أن العفص والزاج إذا جمع بينهما حدث السواد، ويصير جسما أسود، فهذان الجسمان إذا اجتمعا وحدث السواد، فهذا المجموع هو مرادنا بالحبر، وهو المسمى بلفظ الحبر.

فهذا المجموع واقع في نفس الأمر، لم يدركه بحاسة، ولا هو وجداني، ولا ركبه عقله ولا خياله، بل توصل إلى معرفته بالنظر في تركيب الحدّ، وكان ثابتا في نفس الأمر، مجهولا له، وليس المجهول له مجرّد وضع اللفظ، بل الإنسان لو كان يعلم حقيقة الطير وحقيقة السمك، ولم يعلم أن السمك يسمى بهذا الاسم في لغة العرب، فسمِعنا نقول: السمك، فقال: لا أدري ما تريدون بهذا اللفظ، هو الحيوان الناشئ في البحر؟ فقال: هذا كنت أعلمه، ولم أكن أعلم أنه سمي بهذا اللفظ. فهذا هو جاهل بالتسمية وسائل عن المراد بهذا اللفظ، ولم يستفد منا العلم بحقيقته، بل بتسميته، بخلاف المثال الأول استفاد فيه السائل الأمرين: الحقيقة، والتسمية.

فظهر أن الحدود والرسوم تفيد الحقائق المجهولة له، وأن السؤال لا يختص بالتسمية فقط، وأن الحصر ليس بثابت فيما ذكره من المدارك، فإن التصورات قد تكتسب كما تكتسب التصديقات. اهـ.

علي عبد اللطيف
02-08-2008, 21:17
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
عذراً على المداخلة سادتي الكرام:

ألا يلزم من يقول أن التصورات كلها بديهية القول بأن التصديقات كلها بدهية أيضاً علماً أن الإمام رحمه الله قائل بأن التصديقات مركبة من التصورات.؟؟؟ فلنقل أيضاً بعدم فائدة التصديقات أيضاً....؟؟
والذي أذكره من حاشية العطار على الجلال على جمع الجوامع أن القول بعدم فائدة التصورات لكونها بديهية ليس على إطلاقه بل يفيد من يعلم حقائق الأشياء ولا يعلم طرق التعبير عنها. ولعلي أثبت النقل من الحاشية لاحقاً، طبعاً إن سمح أصحاب الحوار وإلا عذراً على التطفل.
خادكم

بلال النجار
02-08-2008, 22:22
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أشكر لصاحبينا مشاركتيهما، ولا بأس في مداخلات الإخوان التي لا تؤدي إلى انتشار الكلام. فحين يكثر أطراف البحث فعلى الجميع الانتباه إلى محل البحث والتركيز عليه لئلا ينتشر الحديث. وكلكم عون وأهل وبالمذكور خبير.

أخي علي،

لا يلزم من بداهة الأجزاء بداهة مجموعها. ألا ترى النظريات تنحل إلى البديهيات. فلا يستدل ببداهة التصورات على بداهة التصديق المركب منها سواء كان مجموع أربعتها أو ثلاثتها المجامعة لحكم بديهي. بل العكس هو الصحيح فلا يكون التصديق بديهياً إلا إذا كان كل جزء تركب منه بديهياً. ولا يخفى أن ذلك على مذهب الإمام ولا يستقيم على مذهب الحكما لبساطته عندهم وتركبه عنده.

فايدة: قال مولانا الشيخ سعيد: وإقامة الحجة على الغير في النظريات بردها إلى الضروريات حتى تنبسط نفسه فيظهر فهمه لها فيسلم أو يظهر المكابرة والعناد فيترك. وهو من نفايس ما استفدته منه جزاه الله عني خيرا.

وليتك تدلني على موضع كلام العطار، وجزاك الله تعالى خيراً.

نزار بن علي
03-08-2008, 10:11
قال مولانا الشيخ سعيد: وإقامة الحجة على الغير في النظريات بردها إلى الضروريات حتى تنبسط نفسه فيظهر فهمه لها فيسلم أو يظهر المكابرة والعناد فيُترَك

جزاكم الله خيرا على هذه الفائدة الجليلة. وهي على نمط قول الإمام تقي الدين المقترح (ت612هـ) في شرحه على العقيدة البرهانية للسلالجي: غَايَةُ المُنَاظِرِ حَصْر خُصُومٍ إِلَى جَحْدِ الضَّرُورَاتِ. اهـ.
وهذه الفائدة قد ذكرها من قبل إمامُ الحرمين في مقدمات البرهان في أصول الفقه. فليُتأمل فيها فإن العلوم النظرية العقلية الحقيقية لا تختلف على الخيالات الوهمية إلا بهذا الضابط النفيس.

علي عبد اللطيف
03-08-2008, 17:38
بوركتم سيدي على قبول تلميذكم في هذه المشاركة:
وهذا النقل سيدي امتثالاً لأمركم المصون آخذاً منه قدر الحاجة:
سياق الكلام على تعريف العلم:
أولاً المتن مع شرحه:
( ثُمَّ قَالَ ) فِي الْمَحْصُولِ أَيْضًا ( هُوَ ) أَيْ الْعِلْمُ ( وَحُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِمُوجِبٍ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فَحَدُّهُ مَعَ قَوْلِهِ : إنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَكِنْ بَعْدَ حَدِّهِ فَـ "ثُمَّ" هُنَا لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لَا الْمَعْنَوِيِّ .
( وَقِيلَ هُوَ ضَرُورِيٌّ فَلَا يُحَدُّ ) إذْ لَا فَائِدَةَ فِي حَدِّ الضَّرُورِيِّ لِحُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَصَنِيعُ الْإِمَامِ لَا يُخَالِفُ هَذَا ، وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَدَّهُ أَوَّلًا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ مَعَ سَلَامَةِ حَدِّهِ عَمَّا وَرَدَ عَلَى حُدُودِهِمْ الْكَثِيرَةِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّهُ ضَرُورِيٌّ اخْتِيَارًا ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمُحَصَّلِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّ تَصَوُّرَهُ بَدِيهِيٌّ أَيْ ضَرُورِيٌّ ، نَعَمْ قَدْ يُحَدُّ الضَّرُورِيُّ لِإِفَادَةِ الْعِبَارَةِ عَنْهُ .

ثانياً: كلام العلامة العطار محشياً على هذه الفقرة:

( قَوْلُهُ : فَحَدُّهُ مَعَ قَوْلِهِ إلَخْ ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهِ إلَى بَيَانِ مَقْصُودِ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ الْإِمَامُ : إنَّهُ ضَرُورِيٌّ ، ثُمَّ قَالَ إلَخْ وَهُوَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْإِمَامِ بِتَنَافِي كَلَامِهِ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى حَدِّهِ أَنْ لَا يَكُونَ ضَرُورِيًّا ، وَقَدْ قَالَ : إنَّهُ ضَرُورِيٌّ وَأَجَابَ الشَّارِحُ عَنْ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ وَصَنِيعُ الْإِمَامِ إلَخْ .
( قَوْلُهُ : بَعْدَ حَدِّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَاَلَّذِي وَقَعَ مِنْ الْإِمَامِ التَّحْدِيدُ أَوَّلًا ، ثُمَّ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ خِلَافُ مَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْعَكْسِ فَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ .

( قَوْلُهُ : إذْ لَا فَائِدَةَ ) الْمَنْفِيُّ الْفَائِدَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلتَّحْدِيدِ ، وَهِيَ تَصَوُّرُ الْحَقِيقَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِحُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَقَوْلُهُ : الْآتِي نَعَمْ قَدْ يُحَدُّ الضَّرُورِيُّ إلَخْ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ .
( قَوْلُهُ : وَصَنِيعُ الْإِمَامِ ) أَيْ فِي الْمَحْصُولِ لَا يُخَالِفُ هَذَا أَيْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَا يُحَدُّ .
( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ صَنِيعُ الْإِمَامِ أَيْ ، وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ صَنِيعُ الْإِمَامِ " مُلَابِسًا بِخِلَافِ الْقَوْلِ ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَا يُحَدُّ حَيْثُ قَابَلَ صَنِيعَ الْإِمَامِ بِهَذَا الْقَوْلِ .
( قَوْلُهُ : اخْتِيَارًا ) أَيْ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ .
( قَوْلُهُ : اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْعِلْمِ ) أَنَّ فِيمَا يُحَدُّ بِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي حَدِّهِ وَعَدَمِهِ .
( قَوْلُهُ : لِإِفَادَةِ الْعِبَارَةِ عَنْهُ ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ الثَّانِي وَفَاعِلُهُ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفَانِ أَيْ لِإِفَادَةِ الْحَدِّ الشَّخْصُ الَّذِي يَعْرِفُ الشَّيْءَ بِحَقِيقَتِهِ وَلَا يُحْسِنُ التَّعْبِيرَ عَنْهُ تَفْصِيلًا.
فَإِنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الضَّرُورِيِّ وَيَعْجِزُ عَنْ التَّعْبِيرِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ ؛ فَحَدُّهُ لَا يُنَافِي بَدَاهَتَهُ فَهَذَا مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ سَابِقًا لَا فَائِدَةَ فِي حَدِّ الضَّرُورِيِّ .اهـ العلامة العطار

وطالماً سيدي بلال قد أخذتم الفقير بحسن خلقكم وسمحتم له بالإدلاء فهل لي سيدي أن أستنتج بذهني الفاتر بعد تأمل المسألة مستفيداً من كلام العلامة العطار ما يلي:

أن علماء المنطق قد نصوا أن الغرض من مبحث التصورات معرفة كيفية اقتناص المجهولات التصورية من المعلومات التصورية، وقالوا أن المقصود بالذات من مباحث التصورات هو التعريفات وللوصول إلى هذا المقصود قدموا له بالمبادئ التي يتوقف عليه ذلك المقصد ألا وهي مباحث الكليات الخمس والدلالات وعند تأمل الفائدة التي يقول بها من قال بأن التصورات كلها بديهية ألا وهي تعريف الشخص الذي يعرف حقيقة الشيء ولا يحسن التعبير عنه تفصيلاً نجد أن هذه الفائدة خارجة عن ما سيقت له مباحث التصورات لأجله فبين من يعرف حقيقة الشيء ولا يحسن التعبير وبين من يجهل هذه الحقيقة ويطلبها بالتعريف بون شاسع فإن كان الثاني هو المقصود خرج الأول وثبت أن لا فائدة أصلية من مباحث التصورات عند من يقول ببداهة جميعها وتكون فائدة تعليم التعبير عن حقيقة الشيء للعالم بها إنما هي فائدة غير مقصودة بالأصالة.

وبعبارة أخرى: الأول نسوق له التعريف لنعلمه التعبير عن حقيقة ما يعلم والثاني نسوق له التعريف وسيلة ليكتسب علم ما لم يعلم، فإن كان التعريف وسيلة الجاهل ليعلم كان للعالم تحصيل حاصل.

فإن قلنا ببداهة التصورات انعدمت غاية وفائدة التصورات عند من يقول بنظرية بعضها وكان الفعل الخالي عن غاية صاحبه عبث، نعم قد يكون هناك غاية وفائدة أخرى ولكنها غير مقصودة بالذات، بل لم يلتفت لها ذهن طالب التصورات المجهولة.
وأما قول العلامة: فَإِنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الضَّرُورِيِّ وَيَعْجِزُ عَنْ التَّعْبِيرِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ ؛ فَحَدُّهُ لَا يُنَافِي بَدَاهَتَهُ فَهَذَا مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ سَابِقًا لَا فَائِدَةَ فِي حَدِّ الضَّرُورِيِّ .اهـ

فخادمكم يقول: إن قصدنا بالفائدة الأصلية للحد وهي تحصيل المجهول التصوري فينبغي أن يبقى قول "لا فائدة في حد الضروري" على عمومه وإن قصدنا بالفائدة بلا قيد كونها أصلية كان هذا العموم مخصوصاً بإفادة العالم التعبير عن حقيقة هذا الضروري، (أو بأي فائدة يمكن أن تذكر غير فائدته الأصلية)........ والله تعالى أعلم

ويبقى إشكال كيف للإمام أن يقول بهذا القول الباطل بالضرورة وهو من هو في المعقولات؟؟
وإن كان كلا القولين قد ذكر في كتبه فهل يمكن جعل قوله الموافق للجمهور آخراً فنزيل به الإشكال؟؟؟؟

حنانيكم سيدي فمملوككم يدعو لكم بالخير فادعُ له بوركتم

سعيد فودة
03-08-2008, 18:04
أحسنت يا أستاذ علي،
فهذا وجه جيد وقريب لترتب الفائدة مع القول ببديهية التصورات...
ويؤيده ما جاء من كلام الإمام الرازي نفسه في بعض كتبه (المتوافرة بين الأيدي لا المفقودة ولا بعيدة التناول) من أن طلب تعريف نحو الملاك من باب تعيين المراد من ذلك اللفظ.
ولو أن صهيبا انتصح بما وجهتُـه له من النصيحة عندما طلبت منه ذكر ما قاله الإمام الرازي في كتبه في هذه المسألة ، فركز نظره في كلام الإمام لأدرك تلك الجهة التي وجدتها أنت مصرحا بها في كلام العلماء... ففي كتبه إشارة إلى ذلك كما قلتُ...
على أنه توجد احتمالات أخرى قد مال إليها بعض العلماء في هذا الباب...
والله الموفق...

بلال النجار
03-08-2008, 21:55
"أكلت الحلو والحامض حتى ما أجد لواحد منهما طعما، وشممت الطيب حتى ما أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى لا أبالي امرأة أتيت أم حائطا، فما وجدت شيئاً ألذ من جليس عاقل تسقط بيني وبينه مؤونة التحفظ" هشام بن عبد الملك

أمتعكم الله تعالى وأمتع بكم أيها السادة

علي عبد اللطيف
04-08-2008, 01:06
أحسنت يا أستاذ علي بل الخادم المملوك
تشجيع الأستاذ وقود الطالب....جزاكم الله خيراً شيخنا الكريم....
أقبل أيديكم وأطلب الدعاء

سعيد فودة
04-08-2008, 01:11
بل أنت أخ عزيز وطالب علم نرجو له التوفيق...
لقد طلبت منك يا عليّ أمراً في موضوع آخر من موضوعات المنطق، فانظره ...واجتهد في بحثه وتقصيه...
وادع لنا رب العرش المبين أن يرحمنا برحمته ويعلمنا من علمه ويتفضل علينا جميعا برحمته....آمين...آمين...

علي عبد اللطيف
04-08-2008, 01:26
اللهم ارحم شيوخنا رحمة تدفع بها عنهم المشاق وتيسر لهم بها الأرزاق واخصص شيخنا السعيد بالرضا والسداد اللهم بارك له في وقته واجبر خاطره واجعل جزاء دفعه عن دين نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم مرافقته في أعلى الجنان هو ووالديه ومن يحب اللهم اجعله أشعري الزمان ورازي الأوان وسعد الملة وسند الأمة وسيف الحق.... آمين اللهم آمين...
اللهم اجبر كسر قلبي في طلب العلم واجعل جزائي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الجزاء الأوفى...واشمل بالدعاء أهل المنتدى جميعاً ....ويرحم الله عبداً قال آمين.....
وأما عن أمركم سيدي سأبذل الوسع وإن كان ضيقاً عسى الله أن يفتح بالخير....

بلال النجار
12-07-2010, 16:37
اللهم آمين

رمضان ابراهيم ابو احمد
13-07-2010, 10:54
-عذرا يا سادة
التصورات أصلها وأساسها بديهية وليست مكتسبة كما قال الفخر الرازى تماما . لماذا ؟
لأن التصور هو انطباع صورة المفرد على صفحة الذهن بدون حكم عليه , وهذا يحدث بمجرد النظر الى الشيء الموجود وجودا حسيا فى الخارج , لأن العين المفتوحة مثل الكاميرا , تلتقط الصور من الخارج وتخزنها فى العقل , فبمجرد سماع الاسم بالأذن تقفز الصورة مباشرة الى الذهن , فلو أنك جالس فى حجرة مكتبك المغلقة وسمعت من الخارج لفظ –قطار –قفزت صورة القطار الى ذهنك مباشرة , أو مجرد سماع صوته المميز تقفز صورته الى ذهنك مباشرة , وكذلك قل فى باقى التصورات , -سمكة –قطة –قلم –شجرة –بمجرد نطق الاسم تقفز صورته مباشرة الى الذهن ,وهو ما يسمى بالتصور الضرورى
الاكتساب يدخل فى مرحلة تعلم الأسماء , مثل الطفل الصغير الذى تريد تعليمه الكتابة والقراءة تعطيه كتابا مصورا وتكتب تحت كل صورة اسمها , حتى يتعلم أن هذا الاسم موضوع لهذ الصورة , أو تشيرله الى المفردات فى الواقع مباشرة وتذكر له مع كل مفرد اسمه ,وهو ما يسمى بالتصور النظرى
وهذه المرحلة هى التى جاءت فى قوله تعالى [ وعلم آدم الأسماء كلها ] وهذه الآية هى لب التصورات والتصديقات , ولب البديهيات والمكتسبات ,ولب اللغات , لأن آدم عليه السلام رأى بعينه المفردات فى الجنة , فانطبعت صورتها على صفحة ذهنه مباشرة بمجرد الرؤية , ولكن ..ما أسماء هذه المفردات ؟ هنا التعليم وهنا الاكتساب
-يقول الفخر الرازى فى تفسير سورة الفاتحة [المسألة الثالثة والثلاثون : اللفظ المفرد لا يفيد البتة مسماه لأنه ما لم يعلم كون تلك اللفظة موضوعة لذلك المعنى لم يفد شيئاً ، لكن العلم بكونها موضوعة لذلك المعنى علم بنسبة مخصوصة بين ذلك اللفظ وذلك المعنى ، والعلم بالنسبة المخصوصة بين أمرين مسبوق بكل واحد منهما فلو كان العلم بذلك المعنى مستفاداً من ذلك اللفظ لزم الدور . وهو محال ، وأجيب عنه بأنه يحتمل أنه إذا استقر في الخيال مقارنة بين اللفظ المعين والمعنى المعين فعند حصول الشعور باللفظ ينتقل الخيال إلى المعنى ، وحينئذٍ يندفع الدور .]
-وهنا يأتى كلام القرافى [وتحريره بالمثال أن الإنسان لو لم يعرف الحبر ألبتة ولم يره ولم يركبه عقله وخياله، فسَمِعنا نقول: "كتبنا بالحبر"، فقال: ما الحبر؟ قلنا: أتعلم العفص؟ قال: نعم. قلنا: أفتعلم الزاج؟ قال: نعم. قلنا: أفتعلم السواد؟ قال: نعم، هذه الثلاثة رأيتها، إلا الحبر لم أره. قلنا له: فاعلم الآن أن العفص والزاج إذا جمع بينهما حدث السواد، ويصير جسما أسود، فهذان الجسمان إذا اجتمعا وحدث السواد، فهذا المجموع هو مرادنا بالحبر، وهو المسمى بلفظ الحبر.]
ومن هنا نفى علماء الأشاعرة عن الله تعالى ظواهر النصوص المتشابهة –لأن ظاهر اليد –يد –وظاهر النزول نزول من أعلى الى أسفل وهكذا
ومن هنا يتبين جهل من يقول يد لا كالأيدى , أو يد تليق به وهكذا ,

-وهنا يأتى كلام الفخر الرازى
[(العلم إما تصور أو تصديق. والتصورات إما أن يقال إنها بأسرها مكتسبة، وهو باطل. لأنه يفضي إلى الدور أو التسلسل. وإما أن تكون كلها بديهية –وهو الذي أقول به- وإما أن يكون بعضها بديهيا وبعضها كسبيا. والذي يدل على ما اخترته هو أن التصور الذي يطلب اكتسابه إن لم يكن مشعوراً به أصلاً كان الذهن غافلاً عنه فيمتنع طلبه. وإن كان مشعوراً به كان تصوره حاضراً. فيمتنع، لأن تحصيل الحاصل محال]
-فالتصورات فعلا بديهية لأنها مجرد تصور شكل المفرد
ويأتى كلامه [لا يقال: نحن نجد النفس طالبة لتصور ماهية الملك والروح فما قولك فيه؟
لأنا نقول: ذلك إما طلب تفسير اللفظ أو طلب البرهان على وجود المتصور وكلاهما تصديق.
تنبيه: ظهر لك أن الإنسان لا يمكنه أن يتصور إلا ما أدركه بحسه أو وجده في فطرة النفس كالألم واللذة أو من بديهة العقل كتصور الوجود والوحدة والكثرة أو ما يركبه العقل أو الخيال من هذه الأقسام، فأما ما عداه فلا يتصوره البتة والاستقراء يحققه]
-[ يسجل هذا الاكتشاف باسم –رمضان أبو أحمد ] -ابتسم

بلال النجار
13-07-2010, 15:28
يا أخي رمضان

قولك: (فالتصورات فعلا بديهية لأنها مجرد تصور شكل المفرد) وتنبيهك: (تنبيه: ظهر لك أن الإنسان لا يمكنه أن يتصور إلا ما أدركه بحسه أو وجده في فطرة النفس كالألم واللذة أو من بديهة العقل كتصور الوجود والوحدة والكثرة أو ما يركبه العقل أو الخيال من هذه الأقسام، فأما ما عداه فلا يتصوره البتة والاستقراء يحققه]
-[ يسجل هذا الاكتشاف باسم –رمضان أبو أحمد ] -ابتسم)

حسناً سجلنا لك رأيك. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة لو كنت تعلمه. إن كلام الإمام الرازي هو خلاف ما عليه جماهير المحققين من المناطقة من أن التصورات يقع فيها النظر والفكر كما يقع في جانب التصديقات. وشبه الإمام الرازي المذكورة بأنه إن لم يكن مشعوراً به امتنع طلبه... إلخ. شبهة ردّ عليها المناطقة، وبينوا ما في هذا الاستدلال. فالكيس الكيس أخي، لو كانت الخلافات في المسائل النظرية تحسم على طريقتك هنا، أو في الآراء على نحو ما تفضلت به هناك من قولك: (الصحابة وحدهم هم سلف الأمة، وهم فقط لاغير المقياس الوحيد للأمة عقيدة و فقها وسلوكا، قولا واحدا، لارجعة عنه ولا تردد، وهو الحق الذى لاجدال فيه) لكان العالم على غير هذه الصورة التي نراها اليوم. وفقك الله تعالى لما يحب ويرضى وأتم عليك نعمة العلم والحلم