المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقتطفات من كتاب المزهر في علوم اللغة للإمام السيوطي



أحمد إدريس عبد الله
06-07-2008, 12:38
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته الطيبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
كنت قبل مدة قد بدأت السير (ولو بخطى عرجاء) لقراءة الخطة التي أكرمنا بها الشيخ عماد الزبن حفظه الله (http://www.aslein.net/showthread.php?t=7846)لدراسة اللغة، وكان في بدايتها كتاب المزهر في علوم اللغة للإمام السيوطي رحمه الله، ونعم اختيار البداية من شيخنا الفاضل، فهو كتاب في غاية الروعة، ولا نظير له في بابه، لإمام موسوعي بلغ في علوم اللغة مبلغا عظيما، قال في مقدمته:

هذا علمٌ شريف ابتكرتُ ترتيبَه واخترعتُ تنويعه وتبويبه وذلك في علوم اللغة وأنواعها وشروط أداَئها وسَمَاعها حاكيتُ به علوم الحديث في التقاسيم والأنواع وأتيتُ فيه بعجائبَ وغرائبَ حسنة الإبداع
وقد كان كثيرٌ ممَّن تقدم يُلمّ بأشياء من ذلك ويعتني في بيانها بتمهيد المسالك غير أن هذا المجموعَ لم يسبقني إليه سابقٌ ولا طرقَ سبيلَه قبلي طارقٌ وقد سميتُه بالمزهر في علوم اللغة
فأحببت أن أقتطف من هذا الكتاب الماتع مقتطفات، تدفع القارئ اللبيب بإذن الله للإقبال على قراءة هذا الكتاب، وتنبئه عن كنوزه الثمينة، وأسراره الدفينة، بعون الله..
سائلا المولى عز وجل أن يجعله في ميزان حسناتنا وفي ميزان مشايخنا وكل من له فضل علينا، وهو ولي التوفيق.

قال في التصدير:

( تصدير )
وقبل الشروع في الكتاب نصدّر بمقالة ذكرها أبو الحسين أحمد بن فارس في أول كتابه فقه اللغة :
قال : اعلم أن لعلم العرب أصلاً وفرعاً أمَّا الفرعُ فمعرفةُ الأسماء والصفات كقولنا : رَجُلٌ وفرسٌ وطويلٌ وقصيرٌ وهذا هو الذي يُبْدَأُ به عند التَّعلم
وأمَّا الأصلُ فالقولُ على وَضْع اللغة وأوَّليتها وَمَنْشئها ثمَّ على رسوم العرب في مخاطباتها وما لَها من الافْتنان تحقيقاً ومجازاً

ثم قال : والذي جَمَعْناه في مؤلَّفنا هذا مفرّقٌ في أصناف كُتب العلماء المتقدمين ( رضي اللّه عنهم وجزاهم عنا أفضل الجزاء ) وإنما لنا فيه اختصار مبسوطٍ أو بسطُ مخْتَصر أو شرحُ مُشْكل أو جَمْعُ مُتَفَرّق
انتهى
وبمثل قوله أقولُ في هذا الكتاب

وهذا حين الشروع في المقصود بعَوْن اللّه المعبود
النوع الأول معرفة الصحيح وفيه مسائل
* حد اللغة :

- قال ابن جني في الخصائص: حدُّ اللغةِ أصواتٌ يعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم،

- وقال ابن الحاجب في مختصره: حدُّ اللغةِ كلُّ لفظٍ وُضِعَ لمعنى.

- وقال الأسنوي في شرح منهاج الأصول: اللغاتُ: عبارةٌ عن الألفاظ الموضوعةِ للمعانِي.
* تصريفها:

- قال ابن جني في الخصائص: وأما تَصْريفها فهي فُعْلة من لَغَوْت أي تكلَّمت، وأصلها لغوة، ككُرَة وقُلَة وثُبَة، كلّها لاماتها واوات لقولهم كروت بالكرة، وقلوت بالقلة؛ ولأن ثبة كأنها من مقلوب ثاب يثوب، وقالوا فيها لُغاتٌ ولُغُون كثُبَات وثُبُون، وقيل منها لَغِيََ يَلْغَى إذا هَذَى.

- قال إمامُ الحرمين في البرهان: اللغةُ من لَغِي يَلْغَى من باب رَضِي إذا لهِج بالكلام، وقيل من لَغَى يَلْغَى.
* في بيان واضع اللغة أتوقيفٌ هي وَوَحْيٌ أم اصطلاح وتواطؤ

- قال أبو الحسين أحمد بن فارس في فقه اللغة: اعلم أنَّ لغة العرب توقيفٌ، ودليل ذلك قولُه تعالى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ".

> والدليلُ على صحته إجماعُ العلماء على الاحتجاج بلغة القوم فيما يختلفون فيه أو يتفقون عليه ثم احتجاجهُم بأشعاَرهم ولو كانت اللغة مُوَاضَعةً واصطلاحاً لم يكن أولئك في الاحتجاج بهم بأوْلَى منَّا فِي الاحتجاج بنا لو اصطلحنا على لغةِ اليوم؛
> ولعل ظاناً يظنُّ أن اللغةَ التي دللنا على أنها توقيفٌ إنما جاءت جملةً واحدة وفي زمان واحد وليس الأمر كذلك بل وقّف اللّه عزّ وجلَّ آدم عليه السلام على ما شاء أن يُعَلّمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه وانتشر من ذلك ما شاء اللّه ثم عَلّم بعد آدم من الأنبياء - صلوات اللّه عليهم - نبيّاً نبيّاً ما شاء اللّه أن يُعَلّمه حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد فآتاه اللّه من ذلك مالم يُؤته أحداً قبلَه تماماً على ما أحسنه من اللغة المتقدمة ثم قرّ الأمر قَراره فلا نعلمُ لغةً من بعده حدثَتْ
> هذا كله كلام ابن فارس وكان من أهل السنة

- قال ابنُ جني في الخصائص أكثَر أهلِ النظر على أن أصلَ اللغةِ إنما هو تواضعٌ واصطلاح، لا وَحْيٌ ولا توقيفٌ، إلاّ أن أبا علي ( رحمه اللّه ) قال لي يوماً : هي من عند اللّه.
- وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات؛
- ثم قال ابن جني: واعلم فيما بعد أنني على تَقَادم الوقت دائمُ التَّنْقير والبحث عن هذا الموضع فأجد الدَّواعي والخوالج قويَة التَّجاذب لي مختلفةَ جهات التَّغَول على فكري وذلك ( أنني ) إذا تأملتُ حالَ هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجدت فيها من الحكمة والدّقَّة الإرهاف والرّقَّة ما يملك عليَّ جانب الفكر حتى يكاد يطمحُ به أمامَ غَلْوَة السّحْر فمن ذلك ما نَبَّه عليه أصحابنا (رحمهم اللّه) ومنه ما حَذَوْتُه على أمثلتهم فعرفت بتَتَابُعه وانْقياده وبُعْد مَرَاميه وآماده صحةَ ما وُفّقُوا لتقديمه منه ولُطْف ما أُسْعدوا به وفُرق لَهم عنه وانْضَاف إلى ذلك واردُ الأخبار المأثورة بأنها من عند اللّه تعالى فَقَويَ في نفسي اعتقادُ كونها توقيفاً من اللّه سبحانه وأنها وحيٌ

- وقال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول وتبعهُ تاج الدين الأرموي في الحاصل وسراج الدين الأرموي في التحصيل ما ملخَّصه:
النظر الثاني في الواضع : الألفاظُ إما أن تدل على المعاني بذواتها أو بوَضْع اللّه إياها أو بوَضْع الناس أو بكَون البعْض بوَضْع اللّه والباقي بوضع الناس والأول مذهب عباد بن سليمان والثاني مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فُورَك والثالث مذهب أبي هاشم وأما الرابع فإما أن يكونَ الابتداءُ من الناس والتَّتمَّة من اللّه وهو مذهب قوم أو الابتداءُ من اللّه والتتمة من الناس وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، والمحققون متوقفون في الكل إلاّ في مذهب عباد (أي أنه فاسد) - وزعم الأستاذُ أبو إسحاق الإسفرائيني أن القَدْرَ الذي يدْعو به الإنسان غيرَه إلى التَّواضع يَثْبتُ توقيفاً وما عدا ذلك يجوز أن يثبت بكل واحدٍ من الطريقين.

- وقال القاضي أبو بكر : يجوز أن يثبت توقيفاً ويجوز أن يثبت اصطلاحاً ويجوز أن يثبت بعضه توفيقاً وبعضه اصطلاحاً والكلّ ممكن.

- وقال إمام الحرمين في البرهان: والمختارُ عندنا أن العقلَ يجوِّزُ ذلك كلَّه؛ فأما تجويزُ التوقيف فلا حاجةَ إلى تكلُّف دليلٍ فيه؛ ومعناه أن يُثْبِتَ اللّه تعالى في الصدور علوماً بَدِيهيَّةً بِصَيغٍ مخصوصة بمعاني؛ فتتبَيَّنُ العقلاءُ الصِّيَغَ ومعانيها؛ ومعنى التوقيف فيها أن يلقوا وَضْع الصيغ على حكم الإرادة والاختيار؛ وأما الدليلُ على تجويز وقوعها اصطلاحاً فهو أنه لا يبعدُ أن يحرك اللّه تعالى نفوسَ العقلاء لذلك، ويُعْلِم بعضَهم مرادَ بعض، ثم ينشئون على اختيارهم صِيغاً، وتقترنُ بما يريدون أحوالٌ لهم، وإشارات إلى مسمّيات؛ وهذا غيرُ مُسْتَنْكَر؛ وبهذا المسلك ينطلقُ الطفل على طَوَالِ ترديد المُسْمَع عليه ما يريد تلقينه وإفهامه؛

- وقال الغزالي في المنخول : ... وكيف لا يجوزُ في العقل كلُّ واحدٍ منهما ونحن نرى الصبيَّ يتكلمُ بكلمة أبويه ويفهم ذلك من قرائن أحوالهما في حالة صغَره فإذَنْ الكل جائزٌ
وأما وقوعُ أحد الجائزين فلا يستدرك بالعقل ولا دليل في السمع وقوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماَءَ كُلَّهَا ) ظاهرٌ في كونه توقيفياً وليس بقاطع ويُحْتَمل كونُها مصطلحاً عليها من خَلْق اللّه تعالى قبل آدم

- وقال ابن الحاجب في مختصره : الظاهرُ من هذه الأقوال قول أبي الحسن الأشعري
قال القاضي تاج الدين السبكي في شرح منهاج البيضاوي : مَعْنى قول ابن الحاجب : القولُ بالوقْف عن القَطْع بواحدٍ من هذه الاحتمالات، وترجيحُ مذَهب الأشعري بغلَبَة الظن
ثم قال : والإنصافُ أن الأدلةَ ظاهرةٌ فيما قاله الأشعري.
* تنبيهات

- إذا قلنا بقول الأشعري إن اللغات توقيفيَّة - ففي الطريق إلى علمها مذاهب حكاها ابنُ الحاجب وغيره: أحدُها بالوَحْي إلى بعض الأنبياء، والثاني بخَلق الأصوات في بعض الأجسام، والثالث بعلمٍ ضروري خلَقه في بعضهم حَصَل به إفادةُ اللَّفظِ للمعنى.

- قال -ابنُ السبكي- في رفع الحاجب: الصحيحُ عندي أنه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صحَّحه ابنُ الأنباري وغيرُه؛ ولذلك قيل: ذِكْرُها في الأصول فضولٌ،

- وقيل: فائدتها النظرُ في جواز قَلْب اللغة؛

- وقال الزَّرْكشِي في البحر: حكى الأستاذ أبو منصور قولاً: إن التوقيف وقعَ في الابتداء على لُغَة واحدة، وما سواها من اللغات وقعَ التوقيف عليها بعد الطوفان من اللّه تعالى في أولاد نوح حين تفرَّقوا في أقطار الأرض،
- وقال في شرح الأسماء : قال الجمهور الأعظم من الصحابة والتابعين من المفسرين : إنها كلَّها توقيفٌ من اللّه تعالى
وقال أهلُ التحقيق من أصحابنا : لا بدّ من التوقيف في أصل اللغة الواحدة لاسْتحَالة وقوع الاصطلاح على أوَّل اللغات من غير معرفةٍ من المصطلحين بعَين ما اصطلحوا عليه وإذا حصلَ التوقيفُ على لغةٍ واحدة جاز أن يكونَ ما بعدَها من اللغات اصطلاحاً وأن يكون تَوقيفاً ولا يُقْطَع بأحدهما إلاّ بدلالة
قال : واختلفوا في لغة العرَب فمَن زعم أن اللغات كلَّها اصطلاحٌ فكذا قوله في لغة العرب ومن قال بالتَّوقيف على اللغة الأولى وأجاز الاصطلاحَ فيما سواها من اللغات اختلفوا في لغة العرب فمنهم من قال : هي أول اللغات وكلُّ لغةٍ سواها حدثَتْ بعدها إما توقيفاً أو اصطلاحاً واستدلوا بأن القرآن كلامُ اللّه وهو عربيّ وهو دليلٌ على أن لغةَ العرب أسبقُ اللغات وجوداً
ومنهم من قال : لغة العرب نوعان :
أحدهما - عربيةُ حمْير وهي التي تكلّموا بها من عَهْد هود ومَنْ قَبله وبقي بعضُها إلى وقتنا
- والثانية - العربيَّةُ المحْضَة التي نزل بها القرآن وأولُ من أُنْطقَ لسانُه بها إسماعيل فعلى هذا القول يكون توقيف إسماعيل على العربية المحْضة يَحْتَمل أمرين: إما أن يكون اصطلاحاً بينه وبين جُرْهم النازلين عليه بمكة وإما أن يكون توقيفاً من اللّه تعالى وهو الصواب.انتهى
* أقسام العرب

- وقال ابنُ دحْيَة : العربُ أقسام :
الأول - عاربة وعرباء : وهم الخلَّص وهم تسع قبائل من ولد إرم بن سام بن نوح وهي : عاد وثمود وأُمَيم وعَبيل وطَسْم وجَديس وعمْليق وجُرْهم وَوَبار، ومنهم تعلَّم إسماعيل عليه السلام العربية
والقسم الثاني - المتعرّبة : قال في الصحاح : وهم الذين ليسوا بخُلَّص وهم بنو قحطان
والثالث المستعربة - وهم الذين ليسوا بخلّص أيضاً كما في الصحاح
قال ابن دحية وهم بنو إسماعيل وهم ولد معدّ بن عدنان بن أُدّ.

- وأخرج الحاكم في المستدرك وصحّحهُ والبيهقي في شعب الإيمان عن بُرَيدة رضي اللّه عنه في قوله تعالى : ( بلسَانٍ عَرَبيٍّ مُبينٍ ) قال : بلسان جُرْهم
- وأخرج الحاكم في المستدرك وصحَّحه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق سفيان الثّوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر : أن رسول اللّه تلا : ( قُرآناً عَرَبّياً لقومٍ يعلمون ) ثم قال : (أُلْهمَ إسماعيلُ هذا اللسان العربيَّ إلهاماً )

- فأما العربُ المستعربة وهم عربُ الحجاز فمن ذرّية إسماعيل عليه السلام وأما عربُ اليمن وحمْيَر فالمشهورُ أنهم من قَحْطان واسمه مهزَّم قاله ابن مَاكُولا
* ذكْر إيحاء اللغة إلى نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام

- قال أبو أحمد الغطْريف في جُزْئه : [بسند إلى] عمر بن الخطاب أنه قال : يا رسول اللّه مَا لَكَ أفصحنا ولم تَخرج من بين أَظْهرنا قال : كانت لغةُ إسماعيل قد دَرَست فجاء بها جبريلُ عليه السلام فحفَّظَنيهَا فحفظتُها. أخرجه ابنُ عساكر في تاريخه
* في بيان الحكمة الداعية إلى وضع اللغة :

- قال الكيَا الهَرَّاسي في تعليقه في أُصول الفقه : وذلك أن الإنسانَ لمَّا لم يكن مكتفياً بنفسه في معاشه ومُقيمات معاشه لم يكن له بدٌّ من أن يسترفد المعاونة من غيره ولهذا اتَّخَذ الناسُ المدنَ ليجتمعوا ويتعاونوا

- وهذا الكلام إنما هو حرفٌ وصوتٌ فإن تركه سدًى غفلاً امتدَّ وطال وإن قطعه تقطَّع فقطَّعوه وجزّؤوه على حركات أعضاء الإنسان التي يخرج منها الصوت وهو من أقصى الرّئة إلى منتهى الفم فوجدوه تسعةً وعشرين حرفاً لا تزيد على ذلك ثم قسَّموها على الحلْق والصَّدْر والشَّفَة واللثَّة ثم رَأَوْا أن الكفاية لا تقعُ بهذه الحروف التي هي تسعةٌ وعشرون حرفاً ولا يحصل له المقصود بإفرادها فركّبوا منها الكلامَ ثُنائيّاً وثلاثيّاً ورباعيّاً وخماسيّاً هذا هو الأصل في التركيب وما زاد على ذلك يُسَتثْقَل فلم يضعوا كلمةً أصلية زائدة على خمسة أحرف إلاّ بطريق الإلْحاق والزيادة لحاجة
- وكان الأصلُ أن يكون بإزاء كل معنى عبارةٌ تدلُ عليه غير أنه لا يمكنُ ذلك لأَن هذه الكلمات متناهيةٌ وكيف لا تكون متناهية ومَوَاردها ومَصَادرها متناهية فدعت الحاجةُ إلى وضع الأسماء المشتَركة فجعلوا عبارةً واحدةً لمسَمَّيَاتٍ عدَّة كالعَيْن والجَوْن واللون
- ثم وضعوا بإزاء هذا على نقيضه كلماتٍ لمعنىً واحد لأن الحاجةَ تدعو إلى تأكيد المعْنى والتحريض والتقرير فلو كُرّرَ اللفظ الواحد لسَمُجَ ومُجَّ، ويقال: الشيء إذا تكرّر تكرَّج، والطّباعُ مجبولةٌ على مُعَاداة المُعَادات فخالفوا بين الألفاظ والمعنى واحد
- ثم هذا ينقسم إلى ألفاظ متواردة وألفاظ مترادفة : فالمتواردة كما تسمَّى الخمرُ عَقاراً وصَهْبَاءَ وقهوة وسلسالاً والسبعُ ليثاً وأسداً وضرْغاماً
والمترادفة هي التي يُقام لفظٌ مقام لفظٍ لمعانٍ مُتَقَاربة يجمعها معنىً واحد كما يقال : أَصْلَح الفاسدَ ولمَّ الشَّعَث ورتقَ الفَتقَ وشعبَ الصَّدْع
- ثم هذه الألفاظ تنقسم إلى مشتركة وإلى عامَّة مطلقة وتسمى مستغرقة وإلى ما هو مفرد بإزاء مفرد وسيأتي بيان ذلك.

- قال الإمام فخر الدين وأتباعه : السببُ في وضع الألفاظ أن الإنسان الواحد وحدَه لا يستقلُّ بجميع حاجاته بل لا بدَّ من التعاون ولا تعاونَ إلاَّ بالتَّعارف ولا تعارفَ إلاَّ بأسباب كحركات أو إشاراتٍ أو نقوش أو ألفاظٍ توضع بإزاء المقاصد وأَيْسَرُها وأفيدُها وأعمُّها الألفاظ...
- فلما كانت الألفاظُ أيسرَ وأفيدَ وأعمَّ صارت موضوعةً بإزاء المعاني


يتبع إن شاء الله..

أحمد إدريس عبد الله
07-07-2008, 11:53
* في حدِّ الوَضْع:

- قال التاج السبكي في شرح منهاج البيضاوي: الوضع عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء، بحيث إذا أُطلق الأوَّلُ فُهِم منه الثاني، قال: وهذا تعريفٌ سديد؛ فإنك إذا أطلقت قولك: قام زيد فُهِمَ منه صُدُور القيام منه.

- قلت: الكلامُ قد يخرج عن كونه كلاماً، وقد يتغيَّر معناه بالتّقييد؛ فإنك إذا قلتَ: قام الناس، اقتضى إطلاق هذا اللفظ إخبارك بقيام جميعهم، فإذا قلتَ: إن قام الناس خرج عن كونه كلاماً بالكليّة، فإذا قلتَ: قام الناس إلاّ زيداً، لم يخرجْ عن كونه كلاماً، ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيداً، فعلم بهذا أن لإفادة قام الناس الإخبار بقيام جميعهم شرطين: أحدهما ألاّ تبتدئَه بما يخالِفُه، والثاني ألاّ تختمَه بما يخالفه، وله شرطٌ ثالث أيضاً، وهو أن يكونَ صادراً عن قَصْد؛ فلا اعتبارَ بكلام النائم والساهي، فهذه ثلاثةُ شروط لا بدَّ منها، وعلى السامع التنبّه لها، فوضحَ بهذا أنك لا تستفيدُ قيام الناس من قوله: قام الناس إلاّ بإطلاق هذا القول؛ فلذلك اشترطنا ما ذكرناه.

- اختلف هل وضَعَ الواضعُ المفرداتِ والمركَّبات الإسناديّة أو المفردات خاصة دون المركبات الإسنادية؟ فذهب الرّازي وابنُ الحاجب وابنُ مالك وغيرُهم إلى الثاني وقالوا : ليس المركَّب بموضوع وإلاّ لتوقَّفَ استعمالُ الجُمل على النَّقْل عن العرب كالمفردات
ورجَّح القَرَافي والتاج السبكي في جمع الجوامع وغيرهما من أهل الأصول أنه موضوع لأن العربَ حَجَرت في التراكيب كما حَجَرت في المفردات

- قال الإمام فخر الدين الرَّازي وأتباعه: لا يجبُ أن يكون لكلِّ معنى لفظٌ؛ لأنَّ المعانيَ التي يمكن أن تُعْقَل لا تَتَناهى، والألفاظ متناهيةٌ؛

- اخْتُلفَ : هل الألفاظ موضوعةٌ بإزاء الصُوَر الذهنية - أي الصورة التي تَصَوَّرها الواضع في ذهْنه عند إرادة الوَضْع - أو بإزاء الماهيات الخارجية
فذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى الثاني وهو المختارُ وذهب الإمام فخر الدين وأتباعه إلى الأول

- وقال الزَّركشيُّ في البحر المحيط: لا خِلاَفَ أن المفرداتِ موضوعةٌ كوضع لفظ إنسان للحيوان الناطق، وكوَضْعِ قام لحدوث القيام في زمن مخصوص، وكَوَضْع لعلَّ للترجِّي ونحوها؛ واختلفوا في المركَّبَات نحو قام زيد، و عمرو منطلق؛ فقيل: ليست موضوعة؛ ولهذا لم يتكلم أهلُ اللغة في المركبات ولا في تأليفها، وإنما تكلموا في وَضْع المفردات؛ وما ذاك إلاَّ لأن الأمر فيها مَوْكول إلى المتكلِّم بها؛ واختاره فخرُ الدين الرّازي، وهو ظاهرُ كلام ابن مالك، حيث قال: إن دلالة الكلام عقليَّة لا وَضعيَّة،

- والثاني أنها موضوعة، فوضعت زيد قائم للإسناد دون التَّقوية في مفرداته، ولا تَنَافي بين وَضْعها مفردةً للإسناد بدون التَّقوية، وَوَضْعها مركَّبة للتَّقوية، ولا تختلف باختلاف اللغات؛ فالمضافُ مقدَّم على المضاف إليه في بعض اللغات ومؤخَّر عنه في بَعْض؛ ولو كانت عقليّةً لفهم المعنى واحداً، سواءٌ تقدّم المضافُ على المضاف إليه أو تأخر؛ وهذا القولُ ظاهرُ كلام ابنِ الحاجب حيث قال: أقسامُها مفرد ومركب، قال القَرَافي: وهو الصحيح.

- قال الزَّرْكَشِيّ: والحقُّ أن العربَ إنما وَضَعَتْ أنواعَ المرَكَّبَاتِ؛ أما جُزئيات الأنواع فلا؛ فَوَضَعَتْ باب الفاعل، لإسْناد كلِّ فعلٍ إلى مَنْ صَدَرَ منه؛ أما الفاعلُ المخصوص فلا، وكذلك باب إن وأخواتها، أما اسمُها المخصوصُ فلا، وكذلك سائر أنواعِ التراكيب، وأحالت المعنى على اختيار المتكلم، فإنْ أراد القائلِ بِوَضْع المركّبات هذا المعنى فصحيح،

- قال الإمام عضد الدين الإيجي في رسالة له في الوَضْع : اللَّفْظُ قد يوضع لشخصٍ بعينه وقد يُوضع له باعتبار أمرٍ عام وذلك بأن يُعْقل أمرٌ مشتَرَك بين مشخصات ثم يُقال : هذا اللفظ موضوع لكلّ واحدٍ من هذه المشخصات بخصوصه بحيث لا يُفاد ولا يُفْهم به إلاَّ واحد بخصوصه دون القَدْر المشترك فتعقل ذلك المشترك آلة للوضع لا أنه الموضوع له فالوَضْع كلّي والموضوعُ له مشخّص... قال : ثم اللفظُ مدلوله إما كلّي أو مشخّص والأول إما ذاتٌ وهو اسم الجنس أو حدَث وهو المصدر أو نسبة بينهما وذلك إما أن يكون يُعْتَبَر من طَرَف الذات وهو المشتقّ أو من طَرَف الحدَث وهو الفعْل والثاني العلم فالوَضعُ إما كلَي أو مشخّص والأول مدلولُه إما معنى في غيره يتَعَّينُ بانضمام غيره إليه وهو الحرف أو لا فالقرينةُ إن كانت في نحو الخطاب فالضميرُ وإن كانت في غيره فإما حسيَّة وهو اسمُ الإشارة أو عقليَّة وهو الموصول فالثلاثة مشتركة فإن مدلولَها ليس معاني في غيرها وإن كانت تتحصَّل بالغير فهي أسماء

- نقلَ أهلُ أُصول الفِقْه عن عبّاد بن سليمان الصيمري من المعتزلة أنه ذهبَ إلى أنَّ بين اللفظِ ومدلولهِ مناسبةً طبيعيةً حاملةً للواضع على أن يضعَ،
* مناسبة الألفاظ للمعاني

- وقد عقد ابنُ جنِّي في الخصائص باباً لمناسبة الألفاظ للمعاني وقال: اعلم أن هذا مَوْضع شريف نبَّه عليه الخليل وسيبويه، وَتَلَقَّتْه الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته؛ قال الخليل: كأنهم تَوَهَّموا في صوت الجُنْدُب استطالةً ومَدّاً؛ فقالوا: صَرّ، في صوت البازي تقطيعاً، فقالوا: صرصر. وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفَعَلاَن: إنها تأتي للاضطراب والحرَكة؛ نحو النَّقَزَان، و الغَليان، والغَثيان، فقابلوا بِتَوَالي حركاتِ الأمثالِ تواليَ حركات الأفعال.
قال ابنُ جني: وقد وجدتُ أشياء كثيرة من هذا النَّمَط؛ من ذلك المصادرُ الرُّباعية المضعّفة تأتي للتكرير نحو الزَّعْزَعَة، والقَلقلة، والصَّلصلة، والقَعْقَعَة، والجَرْجَرة، والقَرْقَرة، والفَعلى إنما تأتي للسرعة نحو البَشَكى و الجَمَزى والوَلقى.

-قال: فأما مقابلةُ الألفاظ بما يُشاكل أصواتها من الأحداث فبابٌ عظيم واسع، ونَهْج مُتْلَئِبّ عند عَارِفيه مَأمُوم؛ وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سَمت الأحداث المعبّر بها عنها فَيَعدِلونها بها، ويَحتذُونها عليها، وذلك أكثرُ مما نقدّره، وأضعافُ ما نستشعره؛ من ذلك قولهم: خَضَم وقضِم ف، الخَضْم لأكل الرَّطْب كالبِطّيخِ والقِثَّاء وما كان من نحوها من المأكول الرطب، والقضْمُ لأكل اليابس؛ نحو قَضَمَت الدَّابة شعيرها، ونحو ذلك. وفي الخبر: قد يُدْرَكُ الخَضْم بالقَضْم أي قد يُدرك الرخاء بالشدة، واللّين بالشَّظَف، وعليه قول أبي الدَّرْداء: يَخْضَمون ونقضَم والموعد اللّه؛ فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب، والقاف لصلابتها لليابس، حَذْواً لمسموع الأصوات على مَحْسوس الأحْداث؛ ومن ذلك قولهم النَّضْح للماء ونحوه، والنَّضْخ أقوى منه قال اللّهُ سُبْحَانه: " فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضّاخَتَانِ " ؛ فجعلوا الحاء لرقتها للماءِ الخفيف، والخاءَ لِغَلظها لما هو أقوى منه؛ ومن ذلك القدّ طولاً، والقطّ عرضاً؛ لأن الطاءَ أخفض للصوت، وأسرعُ قطعاً له من الدَّال؛ فجعلوا لِقَطْع العَرض، لِقُرْبِه وسرعته، والدّال المَاطلة لمَا طال من الأثَر، وهو قَطْعُهُ طولاً.
قال: وهذا الباب واسعٌ جداً لا يمكنُ اسْتِقْصَاؤُه.

- فانْظر إلى بديع مناسبة الألفاظ لمعانيها وكيف فَاوَتَت العربُ في هذه الألفاظ المُقْتَرنة المتقاربة في المعاني فجعلت الحرفَ الأضْعف فيها والألْين والأخْفَى والأسْهل والأهْمس لمَا هو أدْنى وأقلّ وأخفّ عملاً أو صوتاً وجعلت الحرفَ الأقْوى والأشدّ والأظهر والأَجهر لمَا هو أقوى عملاً وأعظم حسّاً

- قال ابن جني : الصواب - وهو رأي أبي الحسن الأخفش - سواءٌ قلنا بالتوقيف أم بالاصطلاح أن اللغة لم تُوضع كلّها في وقت واحد بل وقعت متلاحقةً متتابعة
* في الطريق إلى معرفة اللغة:

- قال الإمام فخر الدين الرَّازي في المحصول وأتباعه: الطريقُ إلى معرفة اللغة إما النقلُ المحْضُ كأكثرِ اللغة، أو استنباطُ العقل من النَّقْل، كما إذا نُقِلَ إلينا أنَّ الجمع المعرَّف يدخله الاستثناء، ونقل إلينا أن الاستثناءَ إخراجُ ما يتناوله اللفظ؛ فحينئذ يستدلُّ بهذين النَّقْلين على أن صِيَغ الجمع للعموم، وأما العقل الصِّرف فلا مجالَ له في ذلك. قال: والنقلُ المحضُ إما تواترٌ أو آحاد.

- ولم يذكر ابنُ الحاجب في مختصره ولا الآمدي في الأحكام سوى الطريق الأول وهو النقل المَحْضُ : إما تواتراً وإما آحاداً

- قال الإمام فخر الدين والآمدي : وأكثرُ ألفاظ القرآن من الأول أي المتواتر

- وقال ابنُ فارس في فقه اللغة: باب القول في مأْخذ اللغة :
تُؤخَذ اللّغُة اعتياداً كالصبيّ العربيّ يسمعُ أبويه أو غيرهما فهو يأخذ اللغةَ عنهم على ممرّ الأوقات وتؤخذ تلقُّناً من مُلَقّن وتؤخذُ سماعاً من الرّواة الثّقات ذوي الصدق والأمانة ويُتَّقَى المظنون

- وكذا كلامُ ابن الأنباري في ذلك ويؤْخذ من كلامهما أن ضابط الصحيح من اللغة ما اتَّصل سَنَدُه بنَقْل العَدْل الضابط عن مثله إلى منتهاه على حدّ الصحيح من الحديث
*شرائط اللغة

-وقال الزَّرْكَشِيّ في البحر المحيط: قال أبو الفضل بن عبدان في شرائط الأحكام، وتبعه الجيلي في الإعجاز: لا تلزمُ اللغةُ إلاّ بخمس شرائط:
احدها ثبوت ذلك عن العرب بسنَدٍ صحيح يُوجِبُ العملَ.
الثاني عدالةُ الناقلين كما تُعْتَبَرُ عدالتُهم في الشَّرعيات.
الثالث أن يكون النقلُ عَمّن قولُه حجة
الرابع أن يكون الناقلُ قد سَمِعَ منهم حِسّاً، وأمَّا بغيره فلا.
الخامس أن يسمع من الناقل حسّاً

- وقال عبد اللطيف البغدادي في شرح الخطب النباتية: اعلم أن اللّغوي شَأنُه أن يَنْقُل ما نطقت به العربُ ولا يتعدّاه؛ وأما النَّحوي فشأنُه أن يتصرّف فيما ينْقُله اللّغوي، ويقيس عليه، ومِثَالُهما المحدِّث والفقيه؛
* في اللغة هل تثبت بالقياس

- قال الكِيَا الهرَّاسي في تعليقه الذي استقرّ عليه آراء المحققين من الأصوليين: إن اللغة لا تَثْبت قياساً، ولا يجري القِياسُ فيها. وقال كثيرٌ من الفقهاء: القياسُ يجري في اللغة،

-- وقال إمامُ الحرَمين في البرهان : ذهب بعضُ أصحابنا في طوائف من الفرَق إلى أن اللغةَ لا يمتنعُ إثباتها قياساً وإنما قالوا ذلك في الأسماء المشتقّة كالخمر (...)
والذي نرتضيه أن ذلك باطلٌ لعلْمنا أن العربَ لا تلتزم طردَ الاشتقاق

- قال الغزَالي في المنخول: اختلفوا في أن اللغات هل تثبتُ قياساً؛ ووجهُ تنقيح محلّ النزاع أن صوغَ التصاريف على القياس ثابتٌ في كل مصدر نُقِل بالاتّفاق، وهو في حكم المنقول؛ وتبديلُ العبارات ممتنعٌ بالاتّفاق كتسمية الفرس داراً، وتسميةِ الدار فرساً؛ ومحلُّ النزاع القياسُ على عبارة تشير إلى معنى وهو حائدٌ عن منهج القياس؛ كقولهم للخمر خمراً لأنه يُخامر العقل أو يَخْمِرُه، فهل تسمَّى الأشربة المخامِرة للعقل خمراً؟ وكذا قولهم للبعير إذا استحقَّ الحمل فهو حِقّ. وجوَّز الاستاذُ أبو إسحاق مثلَ هذا القياس
والمختار مَنْعه
*في سعَة اللغة

- قال ابن فارس في فقه اللغة: باب القول على لغة العرب، وهل يجوز أن يُحاط بها؟ قال بعض الفقهاء: كلامُ العرب لا يحيطُ به إلاّ نبيٌّ.

- وهذا الذى نَقَله عن بعض الفقهاء نصَّ عليه الإمامُ الشافعى رضي اللّه عنه فقال في أوائل الرسالة : لسانُ العرب أوسعُ الألسنة مذهباً وأكثرُها ألفاظاً ولا نعلمُ أن يحيط بجميع علْمه إنسان غير نبيّ ولكنه لا يذهبُ منه شيء على عامَّتها حتى لا يكونَ موجوداً فيها مَنْ يعرفه والعلمُ به عند العرب كالعلم بالسّنة عند أهل الفقه لا يعلمُ رجلٌ جميعَ السنن فلم يذهب منها عليه شيء وإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السّنن

- ذهب علماؤُنا أو أكثرُهم إلى أنَّ الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقلُّ، ولو جاءَنا جميعُ ما قالوه لجاءنا شعرٌ كثيرٌ وكلامٌ كثير؛ وأَحْرِ بهذا القول أن يكونَ صحيحاً؛ لأنَّا نرى علماء اللُّغَة يختلفون في كثيرٍ مما قالَتْه العربُ؛ فلا يكادُ واحدٌ منهم يُخبرُ عن حقيقةِ ما خُولف فيه، بل يسلك طريقَ الاحتمال والإمكان؛
* تفريع في منزلة الإمام الخليل بن أحمد

قال ابن فارس:أما الكَتابُ المنسوب إلى الخليل وما في خاتمته من قوله : هذا آخرُ كلام العرب فقد كان الخليلُ أورعَ وأتقى للّه تعالى من أن يقول ذلك
وقد سمعت عليّ بن محمد بن مهْرُوَيه يقول : سمعت هارون بن هزاري يقول : سمعت سفيان بن عُيَيْنة يقول : مَن أحبَّ أن ينظرَ إلى رجلٍ خُلقَ من الذَّهب والمسك فليَنْظُر إلى الخليل بن أحمد
وأخبرني أبو داود سليمان بن يزيد عن ذلَل المَصاحفي عن النَّضْر بن شُمَيل قال : كنا نُمَيّل بين ابن عَوْنٍ والخليل بن أحمد أيهما نُقدّم في الزهد والعبادة فلا نَدْري أيهما نقدّم
قال : وسمعتُ النضر بن شُمَيل يقول : ما رأيتُ أحداً أعلمَ بالسُّنَّة بعد ابن عوْن من الخليل بن أحمد
قال : وسمعتُ النضر يقول : أُكلَت الدنيا بأدَب الخليل وكُتُبه وهو في خُصّ لا يُشْعَر به
قال ابن فارس : فهذا مكان الخليل من الدّين أَفَتُرَاه يُقْدم على أن يقول : هذا آخرُ كلام العرب
ثم إن في الكتاب المَوْسُوم به من الإخلال ما لا خفاءَ به على علماء اللغة ومَنْ نظر في سائر الأصناف الصحيحة عَلم صحَّةَ ما قُلْناه
* في عدة أبنية الكلام

- قال ابنُ دُرَيْدٍ في الجمهرة: إذا أردت أن تُؤَلِّف بناءً ثُنائيّاً أو ثلاثيّاً أو رُباعيّاً أو خُماسيّاً فخذْ من كل جنس من أجناس الحروف المتباعدة، ثم أَدِرْ دَارَةً فوّقع ثلاثة أحرف حَواليها، ثم فُكَّها من عند كل حرفٍ يمنة ويسرة، حتى تُفَكّ الأحرفُ الثلاثة فيخرج من الثلاثي ستة أبنية، وتسعة أبنية ثنائية - وهذه الصورة: فإذا فعلت ذلك استقصيتَ من كلام العرب ما تكلَّموا به، وما رغبوا عنه.
قال: وأنا مفسّر لك ما يرتفع من الأبنية الثنائية والثلاثية والرباعية والخماسية إن شاء اللّه تعالى بضَرْبٍ من الحِساب واضح...

- وذكر حمزة الأصبهاني في كتاب الموازنة فيما نقله عنه المؤرخون قال ذَكَر الخليل في كتاب (العَيْن) أن مبلغ عدد أبنية كلام العرب المُسْتَعمَل والمهمل على مراتبها الأربع من الثنائيّ والثلاثي والرباعي والخماسي من غير تكرار اثنا عشر ألف ألف وثلاثمائة ألف وخمسة آلاف وأربعمائة واثنا عشر : ( 12305412 ) الثنائيّ سَبعمائة وستة وخمسون ( 756 ) والثلاثي تسعة آلاف ألف وستمائة وخمسون ( 9000650 ) والرباعي أربعمائة مائة ألف وواحد وتسعون ألفاً وأربعمائة ( 491400 ) والخماسي أحد عشر ألف ألف وسبعمائة ألف وثلاثة وتسعون ألفاً وستمائة ( 11793600 )
* في أولُ مَنْ صَنَّف في جَمْع اللُّغَةِ

- الخليلُ بن أحمد؛ ألّف في ذلك كتابَ العَين المشهور؛ قال الإمام فخر الدين في المحصول: أصلُ الكُتب المصنَّفَة في اللغة كتابُ العين؛ وقد أَطْبَق الجمهور من أهل اللغة على القَدْح فيه. وقال السِّيرافِي في طبقات النحاة - في ترجمة الخليل: عملَ أوَّل كتاب العين المعروف المشهور الذي به يتهيّأ ضبطُ اللغة، وهذه العبارةُ من السِّيرافي صريحةٌ في أن الخليلَ لم يُكَمِّلْ كتابَ العين، وهو الظَّاهرُ لما سيأتي من نَقْل كلام الناس في الطَّعْن فيه، بل أكثرُ الناس أنْكَرُوا كونَه من تصنيف الخليل.
قال بعضهم: ليس كتابُ العين للخليل، وإنما هو لِلَّيث بن نَصْر بن سيّار الخُرَاساني. وقال الأزهري: كان الليثُ رجلاً صالحاً عمِل كتاب العين ونسبَه إلى الخليل ليَنْفُق كتابُهُ باسمِه، ويَرْغب فيه من حوله.
وقال بعضهم: عَمِلَ الخليلُ من كتاب العين قطعةً من أوَّله إلى حرف الغين، وكَمَّله الليث؛ ولهذا لا يُشْبِهُ أولَه آخرُه.

- وقال ابنُ جني في الخصائص : أما كتابُ العين ففيه من التَّخْليط والخَلَل والفَساد ما لا يَجُوزُ أن يُحْمَل على أصْغَر أتباع الخليل فَضْلاً عن نفسه ولا محالة أن هذا التَّخْليط لَحق هذا الكتابَ من قبَل غيره فإن كان للخليل فيه عَمَلٌ فلعلَّه أوْمَأ إلى عمل هذا الكتاب إيماءً ولم يَله بنفسه ولا قرَّره ولا حرَّره

- وقال أبو بكر محمد بن حسن الزَّبيدي اللّغوي مؤلّف مختصر العين في أول كتابه - اسْتدْرَاكُ الغَلَط الواقع في كتاب العَين - وهو مجلَّد لطيف يخاطب بعضَ إخوانه :
وصل إلينا أَيَّدَكَ اللّه كتابَك تذكُرُ فيه ما أُولع به قومٌ من ضَعَفَة أهل النَّظر من التحامل علينا والتسرّع بالقول فينا بما نسبُوه إلينا من الاعتراض على الخليل بن أحمد في كتابه والتَّخْطئَة له في كثير من فُضُوله وقلت إنهم قد استمالوا جماعةً من الحشوية إلى مذهبهم وعَدَلوا بهم إلى مقالتهم بما لبّسوا به وشنَّعوا القول فيه وسألتَ أن أًحْسم ما نَجَم من إفْكهم وأرد ما نَدَر من غَرْب ألسنتهم ببيانٍ من القول مُفْصح واحتجاج من النظر مُوضح
وقد كنتَ - أيَّدَك اللّه في صحَّة تمييزك وعظيم النعمة عليك - في نظرك جديراً ألا تُعرّج على قوم هم بالحال التي ذَكرتَ وأن يقعَ لهم العذرُ لديك بوجوه جَمَّة منها : تخلّفهم في النظر وقلةُ مطالعتهم للكتب وجهلُهم بحُدُود الأدب مع أن العلَّة المُوجبة لمقالتهم والباعثةَ لتسرُّعهم علةُ الحسد الذي لا يُدَاوى سَقَمه ولا يُؤْسَى جرحه فقد قال الحكيم : - من البسيط -
( كلُّ العَداوات قد تُرجى إفاقتها ... إلاَّ عداوةَ مَنْ عاداك من حَسد )
أوليسَ من العجب العجيب والنادر الغريب أن يَتوهَّم علينا مَنْ به مُسْكَة من نظَرٍ : أو رمَق من فَهْم تخطئةَ الخليل في شيءٍ من نظره والاعتراضَ عليه فيما دقَّ او جلّ من مذهبه والخليلُ بنُ أحمد أَوْحَدُ العصر وقريعُ الدَّهر وجهْبذ الأُمة وأستاذُ أهل الفطْنَة والذي لم يُرَ نظيُره ولا عُرف في الدنيا عديله وهو الذي بسط النحو ومد أطنابه وسبب علله وفتق معانية وأوضح الحجاج فيه حتى بلغ أَقْصى حدوده وانتهى إلى أبعد غاياته ثم لم يرضَ أن يؤلّفَ فيه حرفاً أو يَرْسُمَ منه رَسْماً نَزَاهَةً بنفسه وتَرَفُّعاَ بقَدْره إذ كان قد تقدَم إلى القول عليه والتأليف فيه فَكَرهَ أن يكونَ لمن تقدَمه تالياً وعلى نظَر مَن سَبَقهُ مَحْتَذياً واكتفى في ذلك بما أَوْحَى إلى سيبويه من علْمه ولقَّنه من دقائق نَظره ونتائج فكره ولطائفَ حكمته فحَمل سيبويه ذلك عنه وتقلّده وألفَّ فيه الكتاب الذي أعجَزَ من تقدَّم قبلَه كما امتنع على مَنْ تأخَّرَ بعده...

- فائدة المختصرات التي فُضِّلَت على الأمَّهات أربعة
قال أبو الحسن الشَّاري في فهرسته: كان شيخُنا أبو ذرّ يقول: المختصرات التي فُضِّلَت على الأمَّهات أربعة: مختصر العين للزَّبيدي، ومختصر الزَّاهر للزَّجاجي، ومختصر سيرة ابن إسحاق لابن هِشام، ومختصر الواضحة للفضل بن سلمة.

- قال (الشاري) : ومَذْهبي ومذهب شيخي أبي ذرّ الخُشَني وأبي الحسن بن خَرُوف أن الزَّبيدي أخلَّ بكتاب العَين كثيراً لحَذْفه شواهدَ القرآن والحديث وصحيحَ أشعار العرب منه . ولما عَلمَ ذلك من مُخْتَصَر العين الإمام أبو غالب تَمّام بن غالب المعروف بابن التَّيَّاني عمل كتابه العظيم الفائدة الذي سمَّاه بفَتْح العين واتى فيه بما في العَيْن من صحيح اللّغة الذي لا اختلاف فيه على وجهه دون إخْلالٍ بشيء من شواهد القرآن والحديث وصحيح أشعَار العرب وطرَح ما فيه من الشواهد المختلقة والحروف المُصَحَّفة والأبنية المختلّة ثم زاد فيه ما زاده ابنُ دُريد في الجمهرة فصار هذا الديوانُ محتوياً على الكتابين جميعاً وكانت الفائدةُ فيه فَصْلَ كتاب العين من الجمهرة وسياقه بلفظه لينْسب ما يحكى منه إلى الخليل إلاّ أن هذا الديوان قليلُ الوجود لم يعرّج الناسُ على نَسْخه بل مالوا إلى جمهرة ابن دريد ومُحكم ابن سيده وجامع ابن القَزَّاز وصحَاح الجوهري ومُجْمَل ابن فارس وأفعال ابن القُوطيّة وابن طريف ولم يعرّجوا أيضَاً على بارع أبي عليّ البغدادي ومُوعَبُ أبي غالب بن التَّيَّاني المذكور وهما من أصحّ ما أُلّف في اللغة على حروف المعجم والكتُب التي مالوا إلى الاعتناء بها قد تكلَّم العلماءُ فيها إلاّ أن الجمْهرة لابن دُريد أثنى عليه كثيرٌ من العلماء ويوجد منه النُّسَخُ الصحيحةُ المرويَّة عن أكابر العلماء

- فرع: ومِنْ مشاهير كُتب اللّغةِ التي نَسَجَت على مِنْوَال العين كتابُ الجَمْهَرَة لأبي بكر بن دُريد.

- وقد اختصر الجمهرةَ الصاحبُ إسماعيلُ بنُ عبَّاد في كتابٍ اسماه ( الجوهرة )

- وألَّفَ أتباعُ الخليل وأتباعُ أتباعه وهلّم جَرًّا كُتُباً شتى في اللّغة ما بين مُطَوَّلٍ ومختَصر، وعامٍّ في أنْواع اللغة وخاصٍّ بنوع منها؛ كالأجناس للأصمعي، والنوادر واللُّغات لأبي زيد، والنوادر للكسائي، والنوادر واللغات للفرَّاءِ، واللغات لأبي عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى، والجيم والنوادر والغريب لأبي عَمْرو إسحاق بن مرار الشيباني، والغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام، والنوادر لابن الأعرابي، والبَارِع للمفضّل بن سلمة، واليواقيت لأبي عمر الزاهد غلام ثعلب. والمنضد لكُراع، والتهذيب للأزهري، والمُجْمَل لابنِ فارس، وديوان الأدب للفارابي، والمحيط للصاحب ابن عبَّاد، والجامع للقزَّاز، وغير ذلك مما لا يُحْصى حتى حُكِي عن الصاحب ابن عبّاد أن بعضَ الملوك أرسل إليه يسألهُ القدومَ عليه فقال له في الجواب: أحتاجُ إلى ستين جمَلاً أنقل عليها كتبَ اللغة التي عندي، وقد ذهب جلُّ الكتب في الفِتَنِ الكائنة من التَّتار وغيرهم، بحيث إن الكتبَ الموجودة الآن في اللغة من تصانيف المتقدّمين والمتأخرين لا تجيء حِمْل جملٍ واحدٍ؛ وغالبُ هذه الكتب لم يََلتزم فيها مؤلّفوها الصحيحَ، بل جمعُوا فيها ما صحَّ وغيرَه، وينبِّهون على ما لم يثبت غالباً.

- وأولُ مِن التزمَ الصحيح مقتصراً عليه الإمامُ أبو نصر إسماعيل بن حمّاد الجَوْهَري؛ ولهذا سمَّى كتابه بالصحاح،

- وقد ألَّف الإمام أبو محمد عبد اللّه بن برِّي الحواشيَ على الصِّحاح؛ وصَلَ فيها إلى أثناء حرف الشين، فأكملها الشيخ عبد اللّه بن محمد البسطي.
وألَّف الإمام رضيّ الدين حسن بن محمد الصَّغَاني التَّكْمِلَة على الصحاح، ذَكَرَ فيها ما فاته من اللّغة،

- وأعظمُ كتابٍ أُلِّفَ في اللغة بعد عَصْرِ الصّحاح كتابُ المُحْكَم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن سِيدَه الأندلسي الضَّرير، ثم كتابُ العُباب للرضي الصَّغاني،

- ثم كتابُ القاموس للإمام مجد الدين محمد بن يعقوب الفَيْرُوزَابادي شيخ شيوخنا، ولم يصل واحدٌ من هذه الثلاثة في كَثرَة التَّدَاول إلى ما وصل إليه الصّحاح، ولا نقصت رتبةُ الصحاح ولا شُهْرَته بوجود هذه، وذلك لالتزامه ما صحَّ؛ فهو في كُتب اللغة نظيرُ صحيح البخاري في كُتب الحديث؛

انتهى النوع الأول
وآسف لإطالة النقل، لكن لأهمية ما ورد فيه

عماد أحمد الزبن
07-07-2008, 20:59
بارك الله فيك يا أحمد وزادك حرصا وعلما وحبا للغتنا العظيمة

أحمد إدريس عبد الله
09-07-2008, 13:51
بارك الله فيك يا أحمد وزادك حرصا وعلما وحبا للغتنا العظيمة
جزاكم الله خيرا شيخنا الحبيب..
وفي ميزان حسناتكم إن شاء الله.

أحمد إدريس عبد الله
31-07-2008, 14:41
النوع الثاني معرفة ما روي من اللغة ولم يصح ولم يثبت

هذا النوع يقابلُ النوعَ الأولَ الذي هو الصحيح الثابتُ؛ والسبب في عدم ثبوت هذا النوع عدمُ اتصال سَنَدِه لسقوطِ راوٍ منه، أو جهالته، أو عدم الوثوق بروايته؛ لفَقْدِ شَرْطِ القَبول فيه، كما سيأتي بيانُه في نوع مَنْ تُقْبَلُ روايته، ومَنْ تُرَدُّ؛ أو للشكِّ في سَمَاعه.

* أمثلة هذا النوع كثيرةٌ:
- قال: زَعموا أن الشَّطْشاط: طائر، وليس بثبت.
وفيها: في بعض اللغات: ثَبَطَت شفةُ الإنسان ثَبْطَاً إذا ورِمت، وليس بثَبْت.
وهلم جراً
وانظر إلى أي غاية وصل هؤلاء الأكابر في الدقة والأمانة

وفي التهذيب للأزهري : قال الليث : أَسَد قَصْقَاص نعْتٌ له في صوته وحيَّة قَصْقاص نعتٌ لها في خُبْثها
قال الأزهري : وهذا الذي في نَعْت الأسد والحيَّة لا أعرفه وأنا بريء من عُهْدته
وفي الصحاح : يقال وَرضَت الدَّجاجة إذا كانت مرخمة على البيض ثم قامت فذرقت بمَّرَّةٍ واحدة ذرقاً كثيراً قال الأزهري في التهذيب بعد أن حكَى هذه المقالة عن الليث وزاد ( وكذلك التَّوْريض في كلّ شيء ) : هذا الحرفُ عندي مريب والذي يصحُّ فيه التَّوْريص بالصاد
أخبرني المنذريّ عن ثعلب عن سلمة عن الفرّاء ورَّص الشيخ بالصاد إذا استرخى حتَار خَوْرَانه فأبدى

النوع الثالث معرفة المتواتر والآحاد

- قال الكمال أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنْبَاري في كتابه لمع الأدلة في أصول النحو: تقسيم النقل إلى قسمين تواتر وآحاد
اعلم أن النَّقْل ينقسم إلى قسمين: تواتر وآحادفأما التواترُ فلغةُ القرآن وما تواترَ من السّنة، وكلام العرب؛ وهذا القسم دليل قطعيّ من أدلة النَّحْو يفيدُ العلم، واختلفَ العلماء في ذلك العلم؛ فذهب الأَكْثرون إلى أنه ضروريّ، واستدلّوا على ذلك بأن العلم الضروريَّ هو الذي بينه وبين مَدْلولِه ارتباطٌ معقول؛ كالعلم الحاصل من الحواسِّ الخمسِ: السمع، والبَصر، والشمّ، والذَّوْق، واللَّمْس؛ وهذا موجود في خَبر التواتر، فكان ضروريّاً.
وذهب آخرون إلى أنه نظريّ، واستدلُّوا على ذلك بأن بينَه وبين النَّظَر ارتباطاً؛ لأنه يُشْتَرط في حصوله نقلُ جماعةٍ يستحيلُ عليهم الاتفاقُ على الكَذِب دونَ غيرهم؛ فلما اتَّفَقوا عُلِمَ أنه صِدْق.

- وأما الآحاد فما تَفَرَّد بنَقْلِه بعضُ أهل اللغة، ولم يُوجَدْ فيه شرطُ التواتر؛ وهو دليلٌ مأخوذٌ به، واختَلفوا في إفادته: فذهب الأكثرون إلى أنه يفيدُ الظنَّ، وزعم بعضُهم أنه يفيدُ العلم؛ وليس بصحيح لتَطَرُّق الاحتمال فيه، وزعم بعضُهم أنه إن اتصلت به القرائنُ أَفاد العلمَ ضرورةً؛ كخبر التَّواتر لوجودِ القرائن.

ثم قال : واعلم أن أكثرَ العلماء ذهبوا إلى أن شَرْط التواتر أن يبلغَ عددُ النَّقَلَة إلى حدٍّ لا يجوزُ على مثلهم الاتفاقُ على الكذب كَنَقلة لغة القرآن وما تواترَ من السُّنة وكلام العرب فإنهم انْتَهَوْا إلى حدٍّ يستحيل على مثلهم الاتفاقُ على الكذب
وذهب قومٌ إلى أن شَرْطَهُ أن يبلغوا سبعين
وذهب آخرون إلى أن شَرْطَه أن يبلغوا أربعين
وذهب آخرون إلى أن شَرْطه أن يبلغوا اثنى عشر
وذهب آخرون إلى أن شَرْطه أن يبلغوا خمسة
والصحيح هو الأول
* الطريق إلى معرفة اللّغة النقلُ المحض

وقال الإمام فخر الدين الرّازي في كتاب المحصول
الطريقُ إلى معرفة اللّغة النقلُ المحض وهو إما تواتر أو آحاد وعلى كل منهما إشكالات

- ثم قال الإمام: والجواب عن الإشكلالات كلّها أن اللغةَ والنّحو والتصريف تنقسم إلى قسمين: قسم منه متواتر، والعلمُ الضروريّ حاصلٌ بأنه كان في الأزمنة الماضية موضوعاً لهذه المعاني؛ فإنا نجد أنفسنا جازمة بأن السماء والأرض كانتا مُسْتعَملَتين في زَمَنه في معناهما المعروف، وكذلك الماء والهواء والنار وأمثالها، وكذلك لم يَزَل الفاعلُ مرفوعاً، والمفعولُ منصوباً، والمضافُ إليه مجروراً.
وقسم منه مَظنون؛ وهو الألفاظ الغريبة، والطريق إلى معرفتها الآحادُ، وأكثرُ ألفاظِ القرآن ونحوه وتصريفِه من القسم الأول، والثاني فيه قليلٌ جدّاً فلا يُتَمَسَّك به في القَطْعيات، ويُتَمَسَّك به في الظّنيات.
هذا كله كلام الإمام فخر الدين، وقد تابعهُ عليه صاحبُ الحاصل،

- وأقول : بل الجوابُ الحقُّ عن هذا** : أن أهلَ اللّغة والأخبار لم يُهْملُوا البحثَ عن أحوال اللغات وَرُوَاتها جَرْحاً وتعديلاً بل فحصوا عن ذلك وبيَّنوه كما بيّنوا ذلك في رُواة الأخبار ومَنْ طاَلعَ الكتبَ المؤلفة في طبقات اللغويين والنُّحاة وأخبارهم وجدَ ذلك
وقد ألَّف أبو الطيب اللّغوي كتابَ ( مراتب النحويين ) بيَّن فيه ذلك وميَّزَ أهل الصدق من أهل الكذب والوَضْع وسيمرُّ بك في هذا الكتاب كثيرٌ من ذلك في نَوْع الموضوع ونَوْع معرفة الطبقات والثّقات والضعفاء وغيرها من الأنواع
** يقصد قول الإمام الرازي:

وكان من الواجب عليهم أن يَبْحَثوا عن أحوال اللّغات والنّحو وأن يفحصوا عن جَرْحهم وتعديلهم كما فعلوا ذلك في رُواة الأخبار لكنهم تركوا ذلك بالكلية مع شدة الحاجة إليه فإن اللغة والنحو يجريان مَجْرَى الأصل للاستدلال بالنصوص

- وفي الملخص في أُصول الفقه للقاضي عبد الوهاب المالكي : في ثبوت اللغة بأخبار الآحاد طريقان لأصحابنا : أحدُهما - أن اللغة تَثْبُتُ به لأنَّ الدليل إذا دلَّ على وجوب العمل به في الشرع كان في ثبوت اللُّغة واجباً لأن إثْبَاتهَا إنما يُراد للعمل في الشرع
والثاني - لا تثبت لغةٌ بإخبار الآحاد

النوع الرابع معرفة المرسل والمنقطع

- قال الكمال بن الأنباري في لمع الأدلة: المُرْسل هو الذي انقطع سنَدُه نحو أن يَرْويَ ابنُ دريد عن أبي زيد، وهو غيرُ مقبول؛ لأن العَدالة شرطٌ في قبول النَّقْل، وانقطاعُ سَنَد النَّقْل يوجب الجَهْل بالعَدَالة، فإن من لم يُذْكَر لا يُعرف عدالته،
وذهب بعضُهم إلى قَبُول المُرَسل لإن الإرسال صدّر ممن لو أُسند لقُبل ولم يُتّهم في إسناده فكذلك في إرساله لأن التّهمة لو تطرَّقت إلى إرساله لتطَرَّقت إلى إسناده وإذا لم يتهم في إسٍناده فكذلك في إرساله
قلنا : هذا اعتبار فاسد لأن المسند قد صُرّح فيه باسم الناقل فأمكن الوقوف على حقيقة حاله بخلاف المرسل فبانَ بهذا أنه لا يلزم من قبول المُسْند قبولُ المرسل

ومن أمثلة ذلك ما في الجمهرة لابن دُريد : يقال فَسَأْتُ الثوبَ أفسؤه فسْأً إذا مَدَدتُه حتى يتفزَّر
وأخبر الأصمعي عن يونس قال : رآني أعرابيٌّ محتبياً بطيلسان فقال : علام تفسؤه - ابن دريد لم يُدْرك الأصمعي

النوع الخامس معرفة الأفراد

- وهو ما انْفَرَدَ بروايته واحدٌ من أهل اللغة، ولم ينقله أحدٌ غيره، وحكْمُه القبول إن كان المنفرّد به من أهل النَّبْط والإتقان، كأبي زيد، والخليل، والأصمعي، وأبي حاتم، وأبي عبيدة، وأضرابهم؛ وشرْطُه ألاَّ يخالفه فيه مَنْ هو أكثر عدداً منه،

وهذه نبذةٌ من أمثلته :
فمن أفراد أبي زيد الأوسي الأنصاري - قال في الجمهرة : المَنْشَبة : المال هكذا قال أبو زيد ولم يقله غيرُه
وفيها : رجل ثَطّ ولا يقال أَثَطّ قال أبو حاتم : قال أبو زيد مرةً أَثَطّ
فقلت له : أتقول : أثط فقال : سمعتها
والثَّطَط : خفَّة اللّحية من العارضين
وفي الصحاح : البَداَوة : الإقامة في البادية يُفْتَح ويكسر قال ثعلب : لا أعرف البَداوة بالفتح إلاّ عن أبي زيد وحْدَه
ومن أفراد الخليل - قال في الجمهرة : الرَّتُّ والجمع رُتُوت وهي الخنازير الذكور ولم يجىء به غيرُ الخليل

.