المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة



جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:17
فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة
أبو حامد الغزالي





بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام الفاضل أبو حامد محمد بن محمد الغزالي رحمة الله عليه:

أحمد الله تعالى استسلاماً لعزته، واستتماماً لنعمته، واستغناماً لتوفيقه، ومعونته، وطاعته، واستعصاماً من خذلانه، ومعصيته، واستدراراً لسوابغ نعمته.

وأصلي على محمد عبده ورسوله، وخير خليقته؛ انقياداً لنبوته، واستجلاباً لشفاعته، وقضاء لحق رسالته، واعتصاماً بيمن سريرته، ونقيبته.وعلى آله، وأصحابه، وعترته.



الفصل الأول : الشرع والبحث عن الحق


أما بعد ... فإني رأيتك أيها الأخ المشفق، والصديق المتعصب، موغر الصدر، منقسم الفكر؛ لما قرع سمعك من طعن طائفة من الحسدة، على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين وزعمهم أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين، والمشايخ المتكلمين.وأن العدول عن مذهب الأشعري، ولو في قيد شبر كفر.ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسر.

فهون أيها الأخ المشفق المتعصب على نفسك، ولا تضق به صدرك، وفُلَّ من غَرْبِك قليلاً، واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً، واستحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر أو الضلال لا يعرف.

فأي داع (يقصد داعية إلى الحق) أكمل وأعقل من سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ؟ وقد قالوا: إنه مجنون من المجانين!! وأي كلام أجل وأصدق من كلام رب العالمين ؟ وقد قالوا إنه أساطير الأولين!! وإياك أن تشتغل بخصامهم، وتطمع في إفحامهم، فتطمع في غير مطمع، وتصوت في مسمع.

أما سمعت ما قيل:

كل العداوات قد ترجى سلامتها إلا عداوة من عاداك من حسد

ولو كان فيه مطمع لأحد من الناس، لما تلي على أجلهم رتبة، آيات اليأس.

أو ما سمعت قوله تعالى: (وإن كان كبر عليك إعراضهم، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض، أو سلماً في السماء، فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين)(1).وقوله تعالى: (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا: إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون)(2).وقوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)(3).وقوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون)(4).

واعلم أن حقيقة الكفر والإيمان وحدَّهما، والحق والضلال وسرهما، لا ينجلي للقلوب المدنسة بطلب الجاه والمال وحبهما.بل إنما ينكشف ذلك لقلوب،

طهرت من وسخ أوضار الدنيا ، أولاً

ثم صقلت بالرياضة الكاملة ، ثانياً

ثم نورت بالذكر الصافي ، ثالثاً

ثم غذيت بالفكر الصائب ، رابعاً

ثم زينت بملازمة حدود الشرع ، خامساً

حتى فاض عليها النور من مشكاة النبوة، وصارت كأنها مرآة مجلوة.وصار مصباح الإيمان في زجاجة قلبه، مشرق الأنوار، يكاد زيته يضيء ولم لم تمسسه نار.

وأنى تتجلى أسرار الملكوت لقوم:

إلههم هواهم !!!

ومعبودهم سلاطينهم !!!

وقبلتهم دراهمهم ودنانيرهم !!!

وشريعتهم رعونتهم !!!

وإرادتهم جاههم وشهواتهم !!!

وعبادتهم خدمتهم أغنياءهم !!!

وذكرهم وساوسهم !!!

وكنزهم سواسهم !!!

وفكرهم استنباط الحيل، لما تقتضيه حشمتهم !!!

فهؤلاء من أين تتميز لهم ظلمة الكفر، من ضياء الإيمان ؟ أبإلهام إلهي ؟ ولم يفرغوا القلوب من كدورات الدنيا لقبولها.أم بكمال علمي ؟ وإنما بضاعتهم في العلم، مسألة النجاسة، وماء الزعفران وأمثالهما.

هيهات !! هيهات !! هذا المطلب أنفس وأعز من أن يدرك بالمنى، أو ينال بالهوينا.فاشتغل أنت بشأنك، ولا تضيع فيهم بقية زمانك.

(فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم، إن ربك أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى)(5).

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:18
الفصل الثاني : التكفير بسبب الاختلاف المذهبي ناتج عن التقليد ولا أساس له

فأما أنت إن أردت أن تنتزع هذه الحسكة(6) من صدرك، وصدر من هو في حالك، ممن لا تحركه غواية الحسود، ولا تقيده عماية التقليد، بل تعطشه إلى الاستبصار لحزازة إشكال أثارها فكر، وهيجها نظر.فخاطب نفسك وصاحبك، وطالبه بحد الكفر.(أي تعريفه) فإن زعم أن حد الكفر: ما يخالف مذهب الأشعري، أو مذهب المعتزلي، أو مذهب الحنبلي أو غيرهم ؛ فاعلم أنه غِر(7)، بليد.قد قيده التقليد؛ فهو أعمى من العميان، فلا تضيع بإصلاحه الزمان.وناهيك حجة في إفحامه، مقابلة دعواه بدعوى خصومه؛ إذ لا يجد بين نفسه وبين سائر المقلدين المخالفين له فرقاً وفصلاً ولعل صاحبه يميل، من بين سائر المذاهب، إلى الأشعري (كان مذهب الأشعري هو السائد في ذلك العصر)، ويزعم أن مخالفته في كل وِرْدٍ وصدر، كفر من الكفر الجلي. فسأله من أين ثبت له أن يكون الحق وقفا عليه حتى قضى بكفر الباقلاني إذ خالفه في صفة البقاء لله تعالى وزعم أنه ليس هو وصفا لله تعالى زائدا على الذات . ولِمَ صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفته الأشعري من الأشعري بمخالفته الباقلاني ؟ ولِمَ صار الحق وقفا على أحدهما دون الثاني ؟ أكان ذلك لأجل السبق في الزمان فقد سبق الأشعريَّ غيرُهُ من المعتزلة فليكن الحق للسابق عليه أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم ؟ فبأي ميزان ومكيال قدّر درجات الفضل حتى لاح له أن لا أفضل في الوجود من متبوعه ومقلده ؟

فإن رخّص للباقلاني في مخالفته فلِمَ حجر على غيره ؟ وما الفرق بين الباقلاني والكرابيسي والقَلانْسي وغيرهم ؟ وما مُدرِكُ التخصيص بهذه الرخصة ؟ وإن زعم أن خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظٍ لا تحقيق وراءه كما تعسًّف بتكلّفِه بعضُ المتعصبين زاعما أنهما جميعا متوافقان على دوام الوجود ، والخلافُ في أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلى وصفٍ زائد عليه ، خلافٌ قريبٌ لا يوجب التشديد ، فما باله يشدد القول على المعتزلي في تفيه الصفات وهو معترف بأن الله تعالى عالِم محيطٌ بجميع المعلومات ، قادر على جميع الممكنات ، وإنما يخالف الأشعري في أنه عالم وقادر بالذات أو بصفة زائدة ؟ فما الفرق بين الخلافين ؟ وأي مطلب أجلّث وأخطر من صفات الحق سبحانه وتعالى في النظر في نفيهما وإثباتهما ؟

فإن قال إنما أكفِّرُ المعتزلي لأنه يزعم أن الذات الواحدة تصدر منها فائدة العلم والقدرة والحياة ، وهذه صفاتٌ مختلفة بالحد والحقيقة ، والحقائقُ المختلفةُ تستحيل أن توصف بالاتحاد أو تقومَ مقامَها الذاتُ الواحدةُ ، فما بالُهُ لا يستبعد من الأشعري قولَه إن الكلام صفة زائدة قائمة بذات الله تعالى ومع كونه واحداً هو توراةٌ وإنجيلٌ وزبور وقرآن ، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار - وهذه حقائق مختلفة . وكيف لا وحَدُّ الخبر ما يتطرق إليه التصديق والتكذيب ولا يتطرق ذلم إلى الأمر والنهي . فكيف تكون حقيقةٌ واحدة يتطرق إليها التصديق والتكذيب ولا يتطرق ، فيجتمع النفي والإثبات على شيء واحد ؟

فإذا تخبط في جواب هذا أو عجز عن كشف الغطاء فيه : فاعلم أنه ليس من أهل النظر وإنما هو مقلّد ، وشرط المقلد أن يَسكُت ويُسكَتَ عنه ، لأنه قاصر عن سلوك طريق الحِجَاج. ولو كان أهلاً له كان مستتبَعاً لا تابعا ، وإماماً لا مأموماً . فإن خاض المقلد في المَحاجَّة فذلك منه فضولٌ والمشتغلُ به صار كضاربٍ في حديدٍ باردٍ وطالبٍ لصلاح الفاسدِ - وهل يصلح العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ ؟

ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفاً على واحد من النظار بعينه، فهو إلى الكفر والتناقض أقرب.

أما الكفر: فلأنه نزله منزلة النبي المعصوم من الزلل الذي:

لا يثبت الإيمانُ إلا بموافقته.

ولا يلزم الكفرُ إلا بمخالفته.

وأما التناقض: فهو أن كل واحد من النظار يوجب النظر، وأنك لا ترى في نظرك إلا ما رأيت، وكل ما رأيته حجة.وأي فرق بين من يقول: قلدني في مذهبي، وبين من يقول قلدني في مذهبي ودليلي جميعاً، وهل هذا إلا التناقض ؟

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:20
الفصل الثالث : التكفير يقع على من يكذب الرسول صلى الله عليه وسلملعلك تشتهي أن تعرف حد الكفر، بعد أن تتناقض عليك حدود أصناف المقلدين.

فاعلم: أن شرح ذلك طويل، ومدركه غامض، ولكني أعطيك علامة صحيحة فتطردها وتعكسها، لتتخذ مطمح نظرك، وترعوي بسببها عن تكفير الفرق، وتطويل اللسان في أهل الإسلام، وإن اختلفت طرقهم ماداموا متمسكين بقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، صادقين بها، غير مناقضين لها.

فأقول:

الكفر: هو تكذيب الرسول، عليه الصلاة والسلام، في شيء مما جاء به.

والإيمان: تصديقه في جميع ما جاء به.

فاليهودي والنصراني: كافران ؛ لتكذيبهما للرسول عليه الصلاة والسلام.

والبرهمي: كافر بالطريق الأولى ؛ لأنه أنكر مع رسولنا سائر المرسلين.

والدهري: كافر بالطريق الأولى، لأنه أنكر مع رسولنا المرسل، سائر الرسل.

وهذا لأن الكفر حكم شرعي: كالرق والحرية مثلاً، إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار.

ومدركه شرعي، فيدرك:

إما بنص.

وإما بقياس على منصوص:

وقد وردت النصوص في اليهود والنصارى، والتحق بهم بالطريق الأولى:

البراهمة، والثنوية، والزنادقة، والدهرية.

وكلهم مشركون مكذبون للرسل.فكل كافر مكذب للرسل.وكل مكذب للرسل فهو كافر.فهذه هي العلامة المطردة المنعكسة.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:22
الفصل الرابع : للوجود خمسة مراتب

اعلم أن الذي ذكرناه، مع ظهوره، تحته غور، بل تحته كل الغور، لأن كل فرقة تكفر مخالفها، وتنسبه إلى تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام.

فالحنبلي يكفر الأشعري، زاعماً أنه كذب الرسول في إثبات الفوق لله تعالى، وفي الاستواء على العرش.

والأشعري يكفره زاعماً أنه مشبه وكذب الرسول في أنه (ليس كمثله شيء).

والأشعري يكفر المعتزلي زاعماً أنه كذب الرسول في جواز رؤية الله تعالى.وفي إثبات العلم والقدرة، والصفات له.

والمعتزلي يكفر الأشعري، زاعماً أن إثبات الصفات تكثير للقدماء، وتكذيب للرسول في التوحيد.

ولا ينجيك من هذه الورطة إلا أن تعرف:

حد: التكذيب والتصديق، وحقيقتهما فيه.

فينكشف لك غلو هذه الفرق، وإسرافها في تكفير بعضها بعضاً.

فأقول:

التصديق: إنما يتطرق إلى الخبر، بل إلى المخبر.

وحقيقته: الاعتراف بوجود ما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجوده.إلا أن للوجود خمس مراتب، ولأجل الغفلة عنها نسبت كل فرقة مخالفها إلى التكذيب.فإن الوجود: ذاتي، وحسي، وخيالي، وعقلي، وشبهي.

فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن وجوده، بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس بمكذب على الإطلاق.

فلنشرح هذه الأصناف الخمسة، ولنذكر مثالها في التأويلات.

أما الوجود الذاتي: فهو الوجود الحقيقي الثابت خارج الحس والعقل، ولكن يأخذ الحس والعقل عنه صورة، فيسمى أخذه إدراكاً.

وهذا كوجود السموات والأرض، والحيوان، والنبات، وهو ظاهر بل هو المعروف الذي لا يعرف الأكثرون للوجود معنى سواه.

وأما الوجود الحسي: فهو ما يتمثل في القوة الباصرة (مثلاً والمراد إحدى الحواس) من العين، مما لا وجود له خارج العين، فيكون موجوداً في الحس، ويختص به الحاس، ولا يشاركه غيره، وذلك (كالحلم) الذي يشاهده النائم، بل (الخيال) كما يشاهده المريض المتيقظ، إذ قد تتمثل له صورة، ولا وجود لها خارج حسه، حتى يشاهده كما شاهد سائر الموجودات الخارجة عن حسه.

بل قد تتمثل للأنبياء والأولياء، في اليقظة والصحة صورة جميلة محاكية لجواهر الملائكة، ينتهي إليهم الوحي والإلهام بواسطتها، فيتلقون من أمر الغيب في اليقظة ما يتلقاه غيرهم في النوم، وذلك لشدة صفاء باطنهم، كما قال تعالى: (فتمثل لها بشراً سوياً).وكما أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل عليه السلام كثيراً، ولكن ما رآه في صورته إلا مرتين، وكان يراه في صور مختلفة يتمثل(1) بها.

وكما يُرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وقد قال: (من رآني في النوم، فقد رآني حقاً، فإن الشيطان لا يتمثل بي).ولا تكون رؤيته بمعنى انتقال شخصه من روضة المدينة إلى موضع النائم، بل هي على سبيل وجوده في حس النائم فقط.

وسبب ذلك وسره طويل، وقد شرحناه في بعض الكتب، فإن كنت لا تصدق، فصدق عينك، فإنك تأخذ قبساً من نار كأنه نقطة.ثم تحركه بسرعة، حركة مستقيمة، فتراه خطاً من نار.وتحركه حركة مستديرة، فتراه دائرة من نار.والدائرة والخط مشاهدان، وهما موجودان في حسك، لا في الخارج عن حسك، لأن الموجود في الخارج، هي نقطة في كل حال.

وإنما تصير خطاً في أوقات متعاقبة، فلا يكون الخط موجوداً في حالة واحدة، وهو ثابت في مشاهدتك في حالة واحدة.

وأما الوجود الخيالي: فهو صورة هذه المحسوسات إذا غابت عن حسك، فإنك تقدر على أن تخترع في خيالك صورة (فيل) و(فرس) وإن كنت مغمضاً عينيك، حتى كأنك تشاهده، وهو موجود بكمال صورته في دماغك لا في الخارج.

وأما الوجود العقلي: فهو أن يكون للشيء: روح، وحقيقة، ومعنى.فيتلقى العقل مجرد معناه، دون أن يثبت صورته في خيال، أو حس، أو خارج، كاليد مثلاً فإن لها: صورة محسوسة ومتخيلة.ولها معنى هو حقيقتها، وهي القدرة على البطش.والقدرة على البطش هي اليد العقلية.

وللقلم صورة، ولكن حقيقته ما تنقش به العلوم، وها ما يتلقاه العقل من غير أن يكون مقروناً بصورة (قصب) و(خشب) وغير ذلك من الصور الخيالية والحسية.

وأما الوجود الشبهي: فهو أن لا يكون نفس الشيء موجوداً، لا بصورته ولا بحقيقته.لا في الخارج، ولا في الحس، ولا في الخيال، ولا في العقل.

ولكن يكون الموجود شيئاً آخر يشبهه في خاصة من خواصه، وصفة من صفاته.وستفهم هذا إذا ذكرت له مثاله في التأويلات.

فهذه مراتب وجود الأشياء.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:24
فصل : المرتاب الخمسة وأمثلتها في التأويل

اسمع الآن أمثلة هذه الدرجات في التأويلات:

أما الوجود الذاتي: فلا يحتاج إلى مثال، وهو الذي يجري على الظاهر، ولا يتؤول، وهو الوجود المطلق الحقيقي.

وذلك كإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن:

العرش، والكرسي، والسموات السبع.

فإنه يجري على ظاهره، ولا يتؤول، إذ هذه أجسام موجودة في نفسها، أدركت بالحس والخيال أم لم تدرك.

وأما الوجود الحسي: فأمثلته في التأويلات كثيرة، وأكتفي منها بمثالين:

أحدهما: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار).فإن من قام عنده البرهان على أن الموت عرض، أو (عدم عَرَض).وأن قلب العرض جسماً، مستحيل غير مقدور، ينزل الخبر على أن أهل القيامة يشاهدون ذلك ويعتقدون أنه الموت، ويكون ذلك موجوداً في حسهم، لا في الخارج، ويكون سبباً لحصول اليقين باليأس من الموت، بعد ذلك، إذ المذبوح ميئوس منه.

ومن لم يقم عنده هذا البرهان، فعساه يعتقد أن نفس الموت ينقلب كبشاً في ذاته ويذبح.

المثال الثاني: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.(عرضت علي الجنة في عرض هذا الحائط).فمن قام عنده البرهان على أن الأجسام لا تتداخل، وأن الصغير لا يسع الكبير، حمل ذلك على أن نفس الجنة لم تنتقل إلى الحائط، لكن تمثل للحس صورتها في الحائط، حتى كأنه يشاهدها.

ولا يمتنع أن يشاهد مثال شيء كبير في جرم صغير، كما تشاهد السماء في مرآة صغيرة، ويكون ذلك إبصاراً مفارقاً لمجرد تخيل صورة الجنة ؛ إذ تدرك التفرقة بين أن ترى صورة السماء في المرآة.وبين أن تغمض عينيك فتدرك صورة السماء في المرآة على سبيل التخيل.

وأما الوجود الخيالي: فمثاله قوله صلى الله عليه وسلم: (كأني أنظر إلى يونس بن متى عليه عباءتان قطوانيتان، يلبي وتجيبه الجبال، والله تعالى يقول له: لبيك يا يونس).

والظاهر أن هذا إنباء عن تمثيل الصورة في خياله، إذ كان وجود هذه الحالة سابقاً على وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد انعدم ذلك، فلم يكن موجوداً في الحال.

ولا يبعد أن يقال أيضاً: تمثل هذا في حسه حتى صار يشاهده كما يشاهد النائم الصور.ولكن قوله: (كأني أنظر) يشعر بأنه لم يكن حقيقة النظر، بل كالنظر.

والغرض التفهيم بالمثال، لا عين هذه الصورة.

وعلى الجملة: فكل ما يتمثل في محل الخيال، فيتصور أن يتمثل في محل الإبصار، فيكون ذلك مشاهدة.

وكل ما يتميز بالبرهان استحالة المشاهدة فيما يتصور فيه التخيل.

وأما الوجود العقلي: فأمثلته كثيرة، فأقنع منها بمثالين:

أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: (من يخرج من النار يعطى من الجنة عشرة أمثال هذه الدنيا).فإن ظاهر هذا يشير إلى أنه عشرة أمثالها: بالطول والعرض والمساحة.وهو التفاوت الحسي والخيالي.

ثم قد يتعجب فيقول: إن الجنة في السماء، كما دلت عليه ظواهر الأخبار.فكيف تتسع السماء لعشرة أمثال الدنيا، والسماء أيضاً من الدنيا.وقد يقطع المتأول هذا التعجب، فيقول:

المراد به تفاوت معنوي عقلي، لا حسي، ولا خيالي.

كما يقال مثلاً: هذه الجوهرة، أضعاف الفرس.أي في روح المالية ومعناها المدرك عقلاً، دون مساحتها المدركة بالحس والتخيل.

المثال الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحاً).فقد أثبت لله تعالى يداً.

ومن قام عنده البرهان على استحالة (يد) لله تعالى، هي جارحة محسوسة، أو متخيلة فإنه يثبت لله سبحانه يداً روحانية عقلية.أعني أنه يثبت معنى اليد، وحقيقتها، وروحها، دون صورتها.

إن روح اليد ومعناها، ما به يبطش ويفعل، ويعطى ويمنع، والله تعالى يعطي ويمنع بواسطة ملائكته، كما قال عليه الصلاة والسلام: (أول ما خلق الله العقل، فقال: بك أعطي وبك أمنع).

ولا يمكن أن يكون المراد بذلك العقل عرضاً، كما يعتقده المتكلمون، إذ لا يمكن أن يكون العرض أول مخلوق، بل يكون عبارة عن ذات ملك من الملائكة يسمى عقلاً، من حيث يعقل الأشياء بجوهره من غير حاجة إلى تعلم.

وربما يسمى قلماً، باعتبار أنه تنقش به حقائق العلوم في ألواح قلوب الأنبياء، والأولياء وسائر الملائكة، وحياً وإلهاماً، فإنه ورد في حديث آخر: (أن أول ما خلق الله تعالى القلم)، فإن لم يرجع ذلك إلى العقل، تناقض الحديثان.ويجوز أن يكون لشيء واحد أسماء كثيرة، باعتبارات مختلفة:

فيسمى (عقلاً) باعتبار ذلك.

و(ملكا) باعتبار نسبته إلى الله تعالى في كونه واسطة بينه وبين الخلق.

و(قلماً) باعتبار إضافته إلى ما يصدر منه من نقش العلوم بالإلهام والوحي.

كما يسمى جبريل (روحاً) باعتبار ذاته.

و(أميناً) باعتبار ما أودع من الأسرار.

و(ذا مرة) باعتبار قدرته.

و(شديد القوى) باعتبار كمال قوته.

و(مكيناً عند ذي العرش) باعتبار قرب منزلته.

و(مطاعاً) باعتبار كونه متبوعاً في حق بعض الملائكة.

وهذا القائل يكون قد أثبت قلماً، ويداً عقلياً، لا حسياً وخيالياً.

وكذلك من ذهب إلى أن اليد عبارة عن صفة لله تعالى: إما القدرة، أو غيرها كما اختلف فيه المتكلمون.

وأما الوجود الشبهي: فمثاله الغضب، والشوق، والفرح، والصبر، وغير ذلك، مما ورد في حق الله تعالى.

فإن الغضب مثلاً حقيقته: أنه غليان القلب، لإرادة التشفي.وهذا لا ينفك عن نقصان وألم.

فمن قام عنده البرهان على استحالة ثبوت نفس الغضب لله تعالى، ثبوتاً: ذاتياً، وحسياً، وخيالياً، وعقلياً نزله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب، كإرادة العقاب.والإرادة لا تناسب الغضب في حقيقة ذاته، ولكن في صفة من الصفات تقارنها، وأثر من الآثار يصدر عنها، وهو الإيلام. فهذه درجات التأويل.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:24
الفصل السادس : ضرورة التأويل مفروضة على جميع الفرق

اعلم أن كل من نزل قولاً من أقوال صاحب الشرع على درجة من هذه الدرجات، فهو من المصدقين.وإنما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني، ويزعم أن ما قاله لا معنى له، وإنما هو مكذب محض، وغرضه فيما قاله التلبيس، أو مصلحة الدنيا.

وذلك هو الكفر المحض، والزندقة.ولا يلزم كر المؤولين ماداموا يلازمون قانون التأويل كما سنشير إليه.وكيف يلزم الكفر بالتأويل، وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه.

فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل رحمة الله عليه.وأبعد التأويلات عن الحقيقة وأغربها أن تجعل الكلام مجازاً، أو استعارة، وهو الوجود العقلي، والوجود الشبهي.

والحنبلي مضطر إليه وقائل به، فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون إن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط.

أحدها: قول صلى الله عليه وسلم: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض).

والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن).

والثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: (إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن).

فانظر الآن كيف أول هذا ؟ حيث قام البرهان عنده على استحالة ظاهره.فيقول: اليمين تقبل في العادة تقرباً إلى صاحبها.والحجر الأسود يقبل أيضاً تقرباً إلى الله تعالى.فهو مثل اليمين، لا في ذاته، ولا في صفات ذاته، ولكن في عارض من عوارضه، فسمي لذلك يميناً.وهذا هو الوجود الذي سميناه الوجود الشبهي، وهو أبعد جوه التأويل.

فانظر كيف اضطر إليه أبعد الناس عن التأويل.

وكذلك لما استحال عنده وجود الإصبعين لله تعالى، حساً، إذ من فتش عن صدره، لم يشاهد فيه إصبعين، فتأوله على روح الإصبعين، وهي الإصبع العقلية الروحانية.أعني أن روح الإصبع ما به يتيسر تقليب الأشياء.وقلب الإنسان بين لمة الملك، ولمة الشيطان، وبهما يقلب الله تعالى القلوب، فكنى بالإصبعين عنهما.

وإنما اقتصر أحمد بن حنبل رضي الله عنه على تأويل هذه الأحاديث الثلاثة، لأنه لم تظهر عنده الاستحالة إلا في هذا القدر، لأنه لم يكن ممعناً في النظر العقلي، ولو أمعن لظهر له ذلك في الاختصاص بجهة فوق وغيره، مما لم يتأوله.

والأشعري والمعتزلي لزيادة بحثهما تجاوزا إلى تأويل ظواهر كثيرة.

وأقرب الناس إلى الحنابلة في أمور الآخرة، الأشعرية وفقهم الله، فإنهم قرروا فيها أكثر الظواهر إلا يسيراً.

والمعتزلة أشد منهم توغلاً في التأويلات، وهم مع هذا ـ أعني الأشعرية ـ يضطرون أيضاً إلى تأويل أمور، كما ذكرناه من قوله: (إنه يؤتى بالموت في صورة كبش أملح).وكما ورد في وزن الأعمال بالميزان، فإن الأشعري أول وزن الأعمال فقال: توزن صحائف الأعمال، ويخلق الله فيها أوزاناً بقدر درجات الأعمال.

وهذا رد إلى الوجود الشبهي البعيد؛ فإن الصحائف أجسام كتبت فيها رقوم تدل بالاصطلاح على أعمال هي أعراض.فليس الموزون إذن العمل، بل محل نقش يدل بالاصطلاح على العمل.

والمعتزلي تأول نفس الميزان وجعله كناية عن سبب، به ينكشف لكل واحد مقدار عمله، وهو أبعد عن التعسف في التأويل بوزن الصحائف.

وليس الغرض تصحيح أحد التأويلين، بل أن تعلم أن كل فريق، وإن بالغ في ملازمة الظواهر فهو مضطر إلى التأويل، إلا أن يجاوز الحد في الغباوة والتجاهل، فيقول:

الحجر الأسود يمين تحقيقاً.

والموت وإن كان عرضاً يستحيل فينتقل كبشاً بطريق الانقلاب.

والأعمال، وإن كانت أعراضاً، وقد عدمت، فينتقل إلى الميزان، ويكون فيها أعراض هيا الثقل.

ومن ينتهي إلى هذا الحد من الجهل، فقد انخلع من ربقة العقل.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:25
الفصل السابع : شرط التأويل ، البرهان القاطع

فاسمع الآن قانون التأويل، فقد علمت اتفاق الفرق على هذه الدرجات الخمس، في التأويل، وأن شيئاً من ذلك ليس من حيز التكذيب.

واتفقوا أيضاً على أن جواز ذلك موقوف على قيام البرهان على استحالة الظاهر.

والظاهر الأول هو الوجود الذاتي، فإنه إذا ثبت تضمن الجميع، فإن تعذر فالوجود الحسي، فإنه ثبت تضمن ما بعده، فإن تعذر فالوجود الخيالي، أو العقلي، وإن تعذر فالوجود الشبهي المجازي.

ولا رخصة للعدول عن درجة إلى ما دونها إلا بضرورة البرهان، فيرجع الاختلاف على التحقيق إلى البراهين.

إذ يقول الحنبلي: لا برهان على استحالة اختصاص الباري بجهة فوق.

ويقول الأشعري: لا برهان على استحالة الرؤية.

وكأن كل واحد لا يرضى بما ذكره الخصم، ولا يراه دليلاً قاطعاً.

وكيفما كان فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه، بأن يراه غالطاً في البرهان، نعم يجوز أن يسميه ضالاً أو مبتدعاً:

أما ضالاً، فمن حيث إنه ضل عن الطريق عنده.

وأما مبتدعاً، فمن حيث إنه ابتدع قولاً لم يعهد من السلف الصالح التصريح به، إذ المشهور فيما بين السلف أن الله تعالى يرى.فقول القائل لا يرى بدعة.

وتصريحه بتأويل الرؤية بدعة، بل إن ظهر عنده أن تلك الرؤية معناها مشاهدة القلب، فينبغي أن لا يظهره ولا يذكره، لأن السلف لم يذكروه.

لكن عند هذا يقول الحنبلي: إثبات الفوق لله تعالى مشهور عند السلف، ولم يذكر أحد منهم أن خالق العالم ليس متصلاً بالعالم ولا منفصلاً، ولا داخلاً ولا خارجاً.

وأن الجهات الست خالية عنه، وأن نسبة جهة فوق إليه كنسبة جهة تحت، فهذا قول بدع، إذ البدعة عبارة عن أحداث مقالة غير مأثورة عن السلف.

وعن هذا يتضح لك أن هاهنا مقامين:

أحدهما: مقام عوام الخلق.والحق فيه الاتباع، والكف عن تغيير الظاهر رأساً، والحذر من إبداع التصريح بتأويل لم تصرح به الصحابة، وحسم باب السؤال رأساً، والزجر عن الخوض في الكلام، والبحث، واتباع ما تشابه من الكتاب والسنة.

كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سأله سائل عن آيتين متعارضتين، فعلاه بالدرة.وكما روى عن مالك، رحمه الله، أنه سئل عن الاستواء، فقال: (الاستواء معلوم، والإيمان به واجب، والكيفية مجهولة، والسؤال عنه بدعة).

المقام الثاني: بين النظار الذي اضطربت عقائدهم المأثورة المروية، فينبغي أن يكون بحثهم بقدر الضرورة، وتركهم الظاهر بضرورة البرهان القاطع، ولا ينبغي أن يكفر بعضهم بعضاً بأن يراه غالطاً فيما يعتقده برهاناً؛ فإن ذلك ليس أمراً هيناً سهل المدرك وليكن للبرهان بينهم قانون متفق عليه، يعترف كلهم به، فإنهم إذا لم يتفقوا في الميزان لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن، وقد ذكرنا الموازين الخمسة في كتاب (القسطاس المستقيم) وهي التي لا يتصور الخلاف فيها بعد فهمها أصلاً، بل يعترف كل من فهمها بأنها مدارك اليقين قطعاً.والمحصلون لها يسهل عليهم عقد الإنصاف والانتصاف، وكشف الغطاء ورفع الاختلاف، ولكن لا يستحيل منهم الاختلاف أيضاً.

إما لقصور بعضهم عن إدراك تمام شروطه.وإما في رجوعهم إلى محض القريحة والطبع، دون الوزن بالميزان، كالذي يرجع بعد تمام تعلم العَروض في الشعر، إلى الذوق، لاستثقاله عرض كل شعر على العروض، لا يبعد أن يغلط.

وإما لاختلافهم في العلوم التي هي مقدمات البراهين، فإن من العلوم التي هي أصول البراهين، تجريبية وتواترية، وغيرها.

والناس يختلفون في التجربة والتواتر، فقد يتواتر عند واحد ما لا يتواتر عند غيره، وقد يتولى تجربة ما لا يتولاه غيره.

وإما لالتباس قضايا الوهم بقضايا العقل.

وإما لالتباس الكلمات المشهورة المحمودة، بالضروريات، والأوليات، كما فصلنا ذلك في كتاب (محك النظر).

ولكن بالجملة إذا حصلوا تلك الموازين وحققوها، أمكنهم الوقوف عند ترك العناد على مواقع الغلط على يسر.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:26
الفصل الثامن : تأويل أصول العقائد بدون برهان قاطع يؤدي إلى التكفير
من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع، ولا ينبغي أن يبادر أيضاً إلى كفره، في كل مقام، بل ينظر إليه، فإن كان تأويله في أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومهماتها، فلا نكفره، وذلك كقول بعض الصوفية: إن المراد برؤية الخليل عليه السلام الكوكب والقمر والشمس، وقوله: (هذا ربي) غير ظاهرها، بل هي جواهر نورانية ملكية، ونورانيتها عقلية لا حسية، ولها درجات في الكمال ونسبة ما بينها في التفاوت، كنسبة الكوكب والقمر والشمس.

ويستدل عليه بأن الخليل عليه السلام، أجل من أن يعتقد في جسم أنه آله، حتى يحتاج إلى أن يشاهد أفوله.

أفترى أنه لو لم يأفل أكان يتخذه إلها، لو لم يعرف استحالة الإلهية من حيث كونه جسماً مقدراً ؟

واستدل بأنه: كيف يمكن أن يكون أول ما رآه الكوكب، والشمس هي الأظهر، وهي أول ما يرى ؟

واستدل بأن الله تعالى قال أولاً:

(وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض).ثم حكى هذا القول.فكيف يمكن أن يتوهم ذلك بعد كشف الملكوت له ؟ وهذه دلالات ظنية وليست براهين.

أما قوله: (هو أجل من ذلك) فقد قيل: (إنه كان صبياً لما جرى له ذلك، ولا يبعد أن يخطر لمن سيكون نبياً في صباه، مثل هذا الخاطر، ثم يتجاوزه على قرب، ولا يبعد أن تكون دلالة الأفول على الحدوث عنه، أظهر من دلالة التقدير والجسمية.

وأما رؤية الكوكب أولاً، فقد روي أنه كان محبوساً في صباه في غار وإنما خرج بالليل.

وأما قوله تعالى أولاً:

(وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض).فيجوز أن يكون الله تعالى، قد ذكر حال نهايته، ثم رجع إلى ذكر بدايته.

فهذه وأمثالها ظنون يظنها براهين من لا يعرف حقيقة البرهان وشرطه.

فهذا جنس تأويلهم، وقد تأولوا (العصا) و(النعلين) في قوله تعالى:

(اخلع نعليك) (وألق ما في يمينك).

ولعل الظن في مثل هذه الأمور التي لا تتعلق بأصول الاعتقاد يجري مجرى البرهان في أصول الاعتقاد، فلا يكفر فيه، ولا يبدع.

نعم إن كان فتح هذا الباب يؤدي إلى تشويش قلوب العوام فيبدع به خاصة صاحبه في كل ما لم يؤثر عن السلف ذكره.

ويقرب منه قول الباطنية إن (عجل) السامري، مؤول ؛ إذ كيف يخلو خلق كثير من عاقل يعلم أن المتخذ من الذهب لا يكون إلهاً ؟

وهذا أيضاً ظن، إذ لا يستحيل أن تنتهي طائفة من الناس إليه كعبدة الأصنام، وكونه نادراً لا يورث يقيناً.

وأما ما يتعلق من هذا الجنس بأصول العقائد المهمة، فيجب تكفير من يغير الظاهر بغير برهان قاطع، كالذي ينكر حشر الأجساد، وينكر العقوبات الحسية في الآخرة، بظنون وأوهام واستبعادات من غير برهان قاطع، فيجب تكفيره قطعاً، إذ لا برهان على استحالة رد الأرواح إلى الأجساد.

وذكر عظيم الضرر في الدين، فيجب تكفير كل ما تعلق به.

وهو مذهب أكثر الفلاسفة.

وكذلك يجب تكفير من قال منهم: إن الله تعالى لا يعلم إلا نفسه.

أولا يعلم إلا الكليات ؛ فأما الأمور الجزئية المتعلقة بالأشخاص، فلا يعلمها، لأن ذلك تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم قطعاً.وليس من قبيل الدرجات التي ذكرناها في التأويل؛ إذ أدلة القرآن والأخبار على تفهيم حشر الأجساد، وتفهيم تعلق علم الله تعالى بتفصيل كل ما يجري على الأشخاص، مجاوز حد لا يقبل التأويل، وهم معترفون بأن هذا ليس من التأويل.

ولكن قالوا: لما كان صلاح الخلق في أن يعتقدوا حشر الأجساد؛ لقصور عقولهم عن فهم المعاد العقلي.

وكان صلاحهم في أن يعتقدوا أن الله تعالى عالم بما يجري عليهم، ورقيب عليهم ليورث ذلك رغبة ورهبة في قلوبهم.

جاز للرسول عليه السلام أن يفهمهم ذلك، وليس بكاذب من أصلح غيره، فقال ما فيه صلاحه، وإن لم يكن كما قاله.

وهذا القول باطل قطعاً؛ لأنه تصريح بالكذب، ثم طلب عذر في أنه لم يكذب.ويجب إجلال منصب النبوة عن هذه الرذيلة، ففي الصدق وإصلاح الخلق به مندوحة عن الكذب.

وهذه أول درجات الزندقة، وهي رتبة بين الاعتزال، وبين الزندقة المطلقة، فإن المعتزلة يقرب منهاجهم من منهاج الفلاسفة إلا في هذا الأمر الواحد هو:

أن المعتزلي لا يجوز الكذب على الرسول عليه السلام بمثل هذا العذر، بل يؤول الظاهر مهما ظهر به بالبرهان خلافه.

والفلسفي لا يقتصر في مجاوزته للظاهر، على ما يقبل التأويل، على قرب أو على بعد.

وأما الزندقة المطلقة فهي: أن تنكر أصل المعاد عقلياً، وحسياً.

وتنكر الصانع للعالم أصلاً ورأساً.

وأما إثبات المعاد بنوع عقلي مع نفي الآلام واللذات الحسية.

وإثبات الصانع مع نفي علمه بتفاصيل العلوم، فهي زندقة مقيدة بنوع اعتراف بصدق الأنبياء.

وظاهر ظني ـ والعلم عند الله ـ أن هؤلاء هم المرادون بقوله عليه السلام: (ستفترق أمتي بضعاً وسبعين فرقة، كلهم في الجنة، إلا الزنادقة) وهي فرقة.هذا لفظ الحديث في بعض الروايات.

وظاهر الحديث يدل على أنه أراد به (الزنادقة) من أمته، إذ قال (ستفرق أمتي) ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته.

والذين ينكرون أصل المعاد، وأصل الصانع، فليسوا معترفين بنبوته، إذ يزعمون أن الموت عدم محض، وأن العالم لم يزل كذلك موجوداً بنفسه من غير صانع، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وينسبون الأنبياء إلى التلبيس . فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة .

فإذن لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه .

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:27
الفصل التاسع : التكفير بين الاعتبارات النظرية والشرعية : مفهوم الضرر

اعلم أن شرح ما يكفر به وما لا يكفر به، يستدعي تفصيلاً طويلاً يفتقر إلى ذكر كل المقالات والمذاهب، وذكر شبهة كل واحد ودليل، ووجه بعده عن الظاهر، ووجه تأويله.وذلك لا يحويه مجلدات، ولا تتسع لشرح ذلك أوقاتي.

فاقنع الآن بوصية وقانون.

أما الوصية: فان تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ماداموا قائلين لا إله إلا الله، محمد رسول الله، غير مناقضين لها.

والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذر، أو غير عذر، فإن التكفير فيه خطر.والسكوت لا خطر فيه.

أما القانون: فهو أن تعلم أن النظريات قسمان: قسم يتعلق بأصول القواعد.وقسم يتعلق بالفروع.

وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله، وبرسوله، وباليوم الآخر.وما عداه فروع.واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلاً، إلا في مسألة واحدة.وهي أن ينكر أصلاً دينياً علم من الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر.

لكن في بعضها تخطئة، كما في الفقهيات.

وفي بعضها تبديع، كالخطأ المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة.

واعلم أن الخطأ في الإمامة، وتعيينها وشروطها، وما يتعلق به، لا يوجب شيئ منه تكفيراً.

فقد أنكر ابن كيسان أصل وجوب الإمامة، ولا يلزم تكفيره.

ولا يلتفت إلى قوم يعظمون أمر الإمامة، ويجعلون الإيمان بالإمام مقروناً بالإيمان بالله ورسوله.

ولا إلى خصومهم المكفرين لهم بمجرد مذهبهم في الإمامة.

فكل ذلك إسراف ؛ إذ ليس في واحد من القولين تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم أصلاً، ومهما وجد التكذيب، وجب التكفير، وإن كان من الفروع.

فلو قال قائل مثلاً: البيت الذي بمكة ليس الكعبة التي أمر الله بحجها، فهذا كفر، إذ قد ثبت تواتراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه.

ولو أنكر شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره، بل يعلم قطعاً أنه معاند في إنكاره، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، ولم يتواتر عنده ذلك.

وكذلك من نسب عائشة رضي الله عنها إلى الفاحشة، وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر؛ لأن هذا وأمثاله لا يمكن إلا بتكذيب الرسول، أو إنكار التواتر.

والتواتر ينكره الإنسان بلسانه، ولا يمكن أن يجهله بقلبه.

نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد، فلا يلزمه به الكفر.

ولو أنكر ما ثبت بالإجماع، فهذا فيه نظر؛ لأن معرفة كون الإجماع حجة قاطعة، فيه غموض يعرفه المحصلون لعلم أصول الفقه.

وأنكر النظام كون الإجماع حجة أصلاً، فصار كون الإجماع حجة مختلفاً فيه.

فهذا حكم الفروع.

وأما الأصول الثلاثة، وكل ما لم يحتمل التأويل في نفسه، وتواتر نقله، ولم يتصور أن يقوم برهان على خلافه، فمخالفته تكذيب محض.

ومثاله: ما ذكرناه من حشر الأجساد، والجنة والنار، وإحاطة علم الله بتفاصيل الأمور.

وما يتطرق إليه احتمال التأويل، ولو بالمجاز البعيد، فننظر فيه إلى البرهان:

فإن كان قاطعاً، وجب القول به.

ولكن إن كان في إظهاره مع العوام ضرر، لقصور فهمهم، فإظهاره بدعة.

ولم يكن البرهان قطعياً، لكن يفيد ظناً غالباً، وكان مع ذلك لا يعلم ضرره في الدين، كنفي المعتزلة الرؤية عن الله تعالى، فهذه بدعة، وليس بكفر.

وأما ما يظهر له ضرر، فيقع في محل الاجتهاد والنظر، فيتحمل أن يكفر، ويحتمل أن لا يكفر.

ومن جنس ذلك ما يدعيه بعض من يدعي التصوف أنه قد بلغ حالة بينه وبين الله تعالى، أسقطت عنه الصلاة، وأحلت له شرب الخمر والمعاصي، وأكل مال السلطان.

فهذا ممن لا شك في وجوب قتله، وإن كان في الحكم بخلوده في النار نظر.وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر، إذ ضرره في الدين أعظم، وينفتح به باب من الإباحة لا ينسد.وضرر هذا، فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقاً، فإنه يمنع عن الإصغاء إليه ظهور كفره.

وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع، ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم، إذ خصص عموم التكليفات بمن ليس له مثل درجته في الدين.

وربما يزعم أنه يلابس ويقارف المعاصي بظاهره، وهو بباطنه بريء عنها، ويتداعى هذا إلى أن يدعي كل فاسق مثل حاله، وينحل به عصام الدين.

ولا ينبغي أن يظن أن التكفير ونفيه ينبغي أن يدرك قطعاً في كل مقام.

بل التكفير حكم شرعي، يرجع إلى:

إباحة المال.وسفك الدم.والحكم بالخلود في النار.

فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية:

فتارة يدرك بيقين.وتارة بظن غالب.وتارة يتردد فيه.

ومهما حصل تردد، فالوقف فيه عن التكفير أولى.والمبادرة إلى التكفير إنما تغلب على طباع من يغلب عليهم الجهل.ولا بد من التنبيه على قاعدة أخرى، وهي أن المخالف: قد يخالف نصاً متواتراً، ويزعم أنه مؤول، ولكن ذكر تأويله لا انقداح له أصلاً في اللسان، لا على بعد، ولا على قرب، فذلك كفر، وصاحبه مكذب، وإن كان يزعم أنه مؤول.

مثاله: ما رأيت في كلام بعض الباطنية:

إن الله تعالى واحد، بمعنى أنه يعطي الوحدة ويخلقها.

وعالم، بمعنى أنه يعطي العلم لغيره ويخلقه.

وموجود، بمعنى أنه يوجد غيره.

وأما أن يكون واحداً في نفسه، وموجوداً، وعالماً، على معنى اتصافه، فلا.وهذا كفر صراح ؛ لأن حمل الواحد على إيجاد الوحدة، ليس من التأويل في شيء ولا تحتمله لغة العرب أصلاً.

ولو كان خالق الوحدة يسمى خالقاً ؛ لخلقه الوحدة لسمي ثلاثاً، وأربعاً؛ لأنه خلق الأعداد أيضاً.

فأمثلة هذه المقالات، تكذيبات، عُبِّر عنها بالتأويلات.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:27
الفصل العاشر : شروط التواتر والإجماع والبرهان


قد فهمت من هذه التكفيرات أن النظر في التكفير يتعلق بأمور:

أحدها: أن النص الشرعي الذي عدل به عن ظاهره، هل يحتمل التأويل ؟ أم لا ؟ فإن احتمل، فهل (تأويله) قريب ؟ أم بعيد ؟

ومعرفة ما يقبل التأويل، وما لا يقبل التأويل، ليس بالهين، بل لا يستقل به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة، العارف بأصول اللغة، ثم بعادة العرب في الاستعمال في استعاراتها، وتجوزاتها، ومنهاجها في ضرب الأمثال.

الثاني: في النص المتروك، أنه ثبت تواتراً ؟ أو آحاداً ؟ أو بالإجماع المجرد؟ فإن ثبت تواتراً، فهل على شرط التواتر ؟ أم لا ؟ إذ ربما يظن المستفيض، متواتراً.وحد التواتر ما لا يمكن الشك فيه، كالعلم بوجود الأنبياء، ووجود البلاد المشهورة، وغيرها.وأنه متواتر في الأعصار كلها، عصراً بعد عصر، إلى زمان النبوة.فهل يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر في عصر من الأعصار ؟ وشرط التواتر أن لا يحتمل ذلك، كما في القرآن.أما في غير القرآن فيغمض مدرك ذلك جيداً، ولا يستقل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ، وأحوال القرون الماضية، وكتب الأحاديث، وأحوال الرجال وأغراضهم في نقل المقالات.إذ قد يوجد عدد التواتر في كل عصر، ولا يحصل به العلم.

إذ كان يتصور أن يكون للجمع الكثير رابطة في التوافق، لاسيما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب . ولذلك ترى الرواضف يدّعون النصَّ على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في الإمامة لتواتره عندهم ، وتواتَرَ عند خصومهم في أشياء كثيرةٍ خلافُ ما تواترَ عندهم لشدّةِ توافُق الروافض على إقامة أكاذيبهم واتّباعها.

وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء، إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد، فيتفقوا على أمر واحد اتفاقاً بلفظ صريح، ثم يستمروا عليه، مرة عند قوم، وإلى تمام انقراض العصر، عند قوم.

أو يكاتبهم إمام في أقطار الأرض، فيأخذ فتاويهم في زمان واحد، بحيث تتفق أقوالهم اتفاقاً صريحاً، حتى يمتنع الرجوع عنه، والخلاف بعده.

ثم النظر في أن من خالف بعده هل يكفر ؟ لأن من الناس من قال: إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا، فيحمل توافقهم على اتفاق، ولا يمتنع على واحد منهم أن رجع بعد ذلك وهذا غامض أيضاً.

الثالث: النظر في أن صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر ؟ أو هل بلغه الإجماع ؟ إذ كل من يولد لا تكون الأمور عنده متواترة.ولا مواضع الإجماع عنده متميزة عن مواضع الخلاف.وإنما يدرك ذلك شيئاً فشيئاً.وإنما يعرف ذلك من مطالعة الكتب المصنفة في الاختلاف والإجماع للسلف.ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف، ولا تصنيفين، إذ لا يحصل تواتر الإجماع به.

وقد صنف أبو بكر الفارسي، رحمه الله، كتاباً في مسائل الإجماع، وأُنكر عليه كثير منه، وخولف في بعض تلك المسائل.

فإذن من خالف الإجماع، ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ، وليس بمكذب، فلا يمكن تكفيره.والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير.

الرابع: النظر في دليله الباعث على مخالفة الظاهر: أهو على شرط البرهان، أم لا ؟

ومعرفة شرط البرهان لا يمكن شرحها إلا في مجلدات، وما ذكرنا في كتاب (القسطاس المستقيم) وكتاب (محك النظر) أنموذج منه.وتكل قريحة فقهاء الزمان عن قصر شرط البرهان على الاستيفاء، ولابد من معرفة ذلك، فإن البرهان إذا كان قاطعاً، رخص في التأويل.وإذا كان بعيداً، فإذا لم يكن قاطعاً لم يرخص إلا في تأويل قريب سابق إلى الفهم.

الخامس: في أن ذكر تلك المقالة: هل يعظم ضررها في الدين ؟ أم لا ؟

فإن ما لا يعظم ضرره في الدين، فالأمر فيه أسهل، وإن كان القول شنيعاً وظاهر البطلان كقول الإمامية المنتظرة: إن الإمام مختف في سرداب، وإنه ينتظر خروجه.

فإنه قول كاذب، ظاهر البطلان، شنيع جداً، ولكن لا ضرر فيه على الدين، إنما الضرر على الأحمق المعتقد لذلك، إذ يخرج كل يوم من بلده لاستقبال الإمام حتى يدخل الليل، فيرجع إلى بيته خاسئاً.

وهذا مثال:

والمقصود أنه لا ينبغي أن يكفر بكل هذيان، وإن كان ظاهر البطلان.

فإذا فهمت أن النظر في التكفير موقوف على جميع هذه المقامات التي لا يستقل بآحادها المبرزون، علمت أن المبادر إلى تكفير من يخالف الأشعري أو غيره، جاهل مجازف.

وكيف يستقل الفقيه بمجرد الفقه بهذا الخطب العظيم ؟ وفي أي ربع من أرباع الفقه يصادف هذه العلوم ؟

فإذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه، يخوض في التكفير والتضليل، فأعرض عنه، ولا تشغل به قلبك ولسانك، فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع، لا يصبر عنه الجهال، ولأجله كثر الخلاف بين الناس، ولو ينكث من الأيدي من لا يدري، لقلّ الخلاف بين الخلق.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:28
الفصل الحادي عشر : نقد الكلام وتمجيد النور الإلهي
من أشد الناس غلواً وإسرافاً، طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حررناها، فهو كافر.فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده..أولاً.

وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواتر من السنة..ثانياً.إذ ظهر لهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعصر الصحابة، رضي الله عنهم، حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب، كانوا مشغولين (قبل إسلامهم) بعبادة الوثن، ولم يشتغلوا بعلم الدليل، ولو اشتغلوا به لم يفهموه.

ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام، والأدلة المجردة، والتقسيمات المترتبة، فقد ابتدع، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلوب عبيده، عطية وهدية من عنده، تارة: ببينة من الباطن، لا يمكنه التعبير عنها.وتارة: بسبب رؤيا في المنام.وتارة: بمشاهدة حال رجل متدين، وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته.وتارة بقرينة حال، فقد جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، جاحداً به، منكراً.فلما وقع بصره على طلعته البهية، زادها الله شرفاً وكرامة، فرآها تتلألأ منها أنوار النبوة قال: والله ما هذا بوجه كذاب، وسأله أن يعرض عليه الإسلام، فأسلم.

وهذا وأمثاله أكثر من أن تحصى، ولم يشتغل واحد منهم بالكلام وتعلم الأدلة، بل كان يبدو نور الإيمان بمثل هذه القرائن في قلوبهم، لمعة بيضاء، ثم لا تزال تزداد إشراقاً بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة، وتلاوة القرآن، وتصفية القلوب.

فليت شعري !! متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة رضي الله عنهم، إحضار أعرابي أسلم، وقوله له: الدليل على أن العالم حادث: أنه لا يخلو عن الأعراض وما لا يخلو عن الحوادث حادث.وأن الله تعالى عالم بعلم، وقادر بقدرة زائدة على الذات، لا هي هو، ولا هي غيره، إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين.

ولست أقول لم تجر هذه الألفاظ ولم يجر أيضا ما معناهه معنى هذه الألفاظ بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف وجماعة من الأسارى يسلمون واحدا بعد طول الزمان أو على القرب وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة عُلِّموا الصلاة والزكاة ورُدّوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم وغيرها .

نعم لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذِكْرُ أدلة المتكلمين أحدَ أسباب الإيمان في حق بعض الناس ولكن ليس ذلك بمقصورٍ عليه وهو أيضا نادرٌ.

بل الأنفع في معرض الوعظ كما يشتمل عليه القرآن .

فأما الكلام المحرر على رسم المتكلمين فإنه يشعر نفوس المستمعين بأنه فيه صنعة جدلٍ لِيَعجزَ عنه العامّيّ لا لكونه حقا في نفسه . وربما يكون ذلك سببا لرسوخ العناد في قلبه .

ولذلك لا ترى مجلس مناظرة للمتكلمين ولا للفقهاء ينكشف عن واحد انتقل من الاعتزال أو بدعة إلى غيره ، ولا عن مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ولا على العكس . وتجري هذه الانتقالات بأسباب أخر ، حتى في القتال بالسيف .

ولذلك لم تجر عادة السلف بالدعوة بهذه المجادلات بل شددوا القول على من يخوض في الكلام ويشتغل بالبحث والسؤال .

وإذا تركنا المداهنة ومراقبة الجانب صرّحنا بأن الخوض في الكلام حرامٌ لكثرة الآفة فيه ، إلا لأحد شخصين :

- رجل وقعت له شبهة ليست تزول عن قلبه بكلام قريب وعظيّ ولا بخبر نقليّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز أن يكون القول المرتب الكلاميّ رافعا شبهته ، ودواءً له في مرضه ، فيُستعمَل معه ذلك ويخرِسُ عنه سمعُ الصحيح الذي ليس به ذلك المرض ، فإنه يوشك أن يحرّك في نفسه إشكالا ويثير له شبهة تمرِّضُهُ وتستنزله عن اعتقاده المجزوم الصحيح .

- والثاني : ضخص كامل العقل راسخ القدم في الدين ، ثابت الإيمان بأنوار اليقين ، يريد أن يحصل هذه الصنعة ليداوي بها مريضا ، إذا وقعت له شبهة ، وليفحم بها مبتدعا إذا نبغ ، وليحرس به معتقده إذا قصد مبتدع إغواءه .

فتعلُّمُ ذلك بهذا العزم كان من فروض الكفايات ، وتعلُّمُ قدؤَ ما يزيلُ به الشك ويدرأ الشبهة في حق المشكل فرضُ عينٍ ، إذا لم لم يمكن إعادة اعتقاده المجزوم بطريق آخر سواه .

والحق الصريح أن كل من اعتقد ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، واشتمل عليه القرآن، اعتقاداً جزماً، فهو مؤمن، وإن لم يعرف أدلته، بل الإيمان المستفاد من الدليل الكلامي ضعيف جداً مشرف على الزوال بكل شبهة . بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع أو الحاصل بعد البلوغ بقرائن أحوال لا يمكن التعبير عنها.

وتمام تأكده، يلزمه العبادة والذكر، فإن من تمادت به العبادة إلى حقيقة التقوى وتطهير الباطن عن كدورات الدنيا، وملازمة ذكر الله تعالى دائماً، تجلت له أنوار المعرفة وصارت الأمور التي كان قد أخذها تقليداً عنه، كالمعاينة والمشاهدة، وذلك حقيقة المعرفة التي لا تحصل إلا بعد انحلال عقدة اعتقادات، وانشراح الصدر بنور الله تعالى.

(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) (فهو على نور من ربه) . كما سئل صلى الله عليه وسلم عن معنى شرح الصدر، فقال: (نور يقذفه في قلب المؤمن) فقيل ما علامته ؟ قال: (التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود) فبهذا يعلم المتكلم المقبل على الدنيا، المتهالك عليها، غير مدرك حقيقة المعرفة، ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعاً.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:28
الفصل الثاني عشر : قضايا النجاة والشفاعة والرحمة الإلهية

لعلك تقول: أنت تأخذ التكفير من التكذيب للنصوص الشرعية، والشارع صلوات الله عليه هو الذي ضيق الرحمة على الخلق، دون المتكلم، إذ قال عليه السلام: (يقول الله تعالى لآدم عليه السلام يوم القيامة: يا آدم ابعث من ذريتك بعث النار).فيقول: (يارب من كم ؟) فيقول: (من كل ألف، تسعمائة وتسع وتسعين).

وقال عليه الصلاة والسلام: (ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة).

الجواب: أن الحديث الأول صحيح، ولكن ليس المعنى به، أنهم كفار مخلدون، بل إنهم يدخلون النار، ويعرضون عليها، ويتركون فيها بقدر معاصيهم.

والمعصوم من المعاصي، لا يكون في الألف إلا واحداً.وكذلك قال الله تعالى: (وإن منكم إلا واردها).ثم (بعث النار) عبارة عمن استوجب النار بذنوبه، ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة، كما وردت به الأخبار، وتشهد له الأخبار الكثيرة الدالة على سعة رحمة الله تعالى وهي أكثر من أن تحصى .

فمنهم ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة . فباتغيته ، فإذا هو في مشربة يصلي ، فرأيت على رأسه أنوارا ثلاثة . فلما قضى صلاته قال : مُهَيِمٌ ، من هذه ؟ قلت أنا عائشة يا رسول الله . قال : أرأيت الأنوار الثلاثة ؟ قلت : نعم يا رسول الله . قال : إن آتٍ اتاني من ربي في النور الأول فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب . ثم أتاني في النور الثاني آت من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل الجنة من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب . ثم اتاني في النور الثالث آت من ربي فبشرني أن الله تعالى يدخل من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا المضاعفة سبعين الفا بغير حساب ولا عذاب . فقلت يا رسول الله لا تبلغ أمتك هذا . قال : يكملون لكم من الأعراب من لا يوصم ولا يصلي .

فهذا وأمثاله من الأخبار الدالة على سعة رحمة الله تعالى كثيرٌ.

فهذا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة .

وأنا أقول: إن الرحمة تشمل كثيراً من الأمم السالفة، وإن كان أكثرهم يعرضون على النار إما عرضة خفيفة، حتى في لحظة، أو في ساعة، وإما في مدة، حتى يطلق عليهم اسم بعث النار بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى: أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:

صنف: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلاً، فهم معذورون.

وصنف: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام، والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون.

وصنف: ثالث بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضاً منذ الصبا أن كذاباً ملبساً اسمه محمد ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذاباً يقال له المقفع، ادعى أن الله بعثه وتحدى بالنبوة كاذباً.

فهؤلاء عندي في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم سمعوا اسمه، سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب.

وأما الحديث الآخر، وهو قوله: (الناجية منها واحدة) فالرواية مختلفة تماماً فيه، فقد روي: (الهالكة منها واحدة).ولكن الأشهر تلك الرواية.ومعنى (الناجية) هي التي لا تعرض على النار، ولا تحتاج إلى الشفاعة.بل الذي تتعلق به الزبانية لتجره إلى النار، فليس بناج على الإطلاق، وإن انتزع بالشفاعة من مخالبهم.

وفي رواية: (كلها في الجنة، إلا الزنادقة)، وهي فرقة: ويمكن أن تكون الروايات كلها صحيحة فتكون الهالكة واحدة، وهي التي تخلد في النار، ويكون الهالك عبارة عمن وقع اليأس عن صلاحه، لأن الهالك لا يرجى له بعد الهلاك خير.وتكون الناجية واحدة: وهي التي تدخل الجنة بغير حساب، ولا شفاعة، لأن من نوقش الحساب فقد عذب، فليس بناج إذن، ومن عُرِّض للشفاعة فقد عرض للمذلة، فليس بناج أيضاً على الإطلاق.

وهذان طريقان، وهما عبارة عن شر الخلق وخيره.وباقي الفرق كلهم بين هاتين الدرجتين.فمنهم من يعذب بالحساب فقط.ومنهم من يقرب من النار، ثم يصرف بالشفاعة.ومنهم من يدخل النار ثم يخرج على قدر خطاياهم في عقائدهم وبدعتهم، وعلى كثرة معاصيهم وقلتها.فأما الهالكة المخلدة في النار من هذه الفرق، فهي فرقة واحدة، وهي التي كذبت وجوزت الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمصلحة.

وأما من سائر الأمم فمن كذبه بعدما قرع سمعه بالتواتر عن خروجه، وصفته، ومعجزاته الخارقة للعادة، كشق القمر، وتسبيح الحصا، ونبع الماء من بين أصابعه، والقرآن المعجز الذي تحدى به أهل الفصاحة وعجزوا عنه فإذا قرع ذلك سمعه، فأعرض عنه، وتولى ولم ينظر فيه ولا يتأمل، ولم يبادر إلى التصديق، فهذا هو الجاحد الكاذب، وهو الكافر، ولا يدخل في هذا أكثر الروم والترك الذين بعدت بلادهم عن بلاد المسلمين.

بل أقول: من قرع سمعه هذا، فلا بد أن تنبعث فيه داعية الطلب ليستبين حقيقة الأمر إن كان من أهل الدين، ولم يكن من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.

فإن لم تنبعث فيه هذه الداعية، فذلك لركونه إلى الدنيا، وخلوه عن الخوف وخطر أمر الدين وذلك كفر وإن انبعثت الداعية، فقصر عن الطلب، فهو أيضاً كفر.

بل ذو الإيمان بالله، واليوم الآخر، من أهل كل ملة، لا يمكنه أن يفتر عن الطلب بعد ظهور المخايل بالأسباب الخارقة للعادة فإن اشتغل بالنظر والطلب، ولم يقصر، فأدركه الموت قبل تمام التحقيق، فهو أيضاً مغفور له ثم له الرحمة الواسعة.

فاستوسع رحمة الله الواسعة، ولا تزن الأمور الإلهية بالموازين المختصرة الرسمية .

واعلم أن الآخرة قريب من الدنيا: فـ (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) . فكما أن أكثر أهل الدنيا في نعمة وسلامة، أو في حالة يغبطها، إذ لو خير بينها وبين الإماتة والإعدام مثلاً، لاختارها، وإنما المعذب الذي يتمنى الموت، نادر.

فكذلك المخلدون في النار بالإضافة إلى الناجين، والمخرجين منها في الآخرة، نادر .

فإن صفة الرحمة لا تتغير باختلاف أحوالنا وإنما الدنيا والآخرة عبارتان عن اختلاف أحوالك . ولولا هذا لما كان لقوله عليه الصلاة والسلام معنى حيث قال : أوّلُ ما خطّ اللهُ في الكتاب الأوّلِ : أنا الله لا إله إلا أنا ، سبقت رحمتي غضبي ، فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فله الجنة .

واعلم أن أهل البصائر قد انكشف لهم سبق الرحمة وشمولها بأسباب ومكاشفات سوى ما عندهم من الأخبار والآثار ، ولكن ذكر ذلك يطول .

فأبشر برحمة الله وبالنجاة المطلقة إن جمعت بين الإيمان والعمل الصالح ، وبالهلاك المطلق إذا خلوت عنهما جميع .

وإن كنت صاحب يقين في أهل التصديق ، وصاحب خطإ في بعض التأويل ، أو صاحب شك فيهما ، أو صاحب خلط في الأعمال فلا تطمع في النجاة المطلقة .

واعلم أنك بين أن تعذب مدة ثم تخلى ، وبين أن يُشفَعَ فيك من تيقنْتَ صدقه في جميع ما جاء به أو غيرِهِ .

فاجتهد أن يغنيك الله بفضله عن شفاعة الشفعاء ، فإن الأمر في ذلك مُخطِرٌ.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:29
الفصل الثالث عشر : مأخذ التكفير


قد ظن بعض الناس أن مأخذ التكفير من العقل لا من الشرع.

وأن الجاهل بالله كافر. والعارف به مؤمن.

فيقال له: الحكم بإباحة الدم والخلود في النار، حكم شرعي لا معنى له قبل ورود الشرع.وإن أراد به أن المفهوم من الشارع أن الجاهل بالله هو الكافر، فهذا لا يمكن حصره فيه ؛ لأن الجاهل بالرسول وبالآخرة أيضاً كافر.ثم إن خصص ذلك الجهل بذات الله تعالى، بجحد وجوده، أو وحدانيته، ولم يطرده في الصفات فربما سوعد عليه.وإن جعل المخطئ في الصفات أيضاً جاهلاً، أو كافراً، لزمه تكفير:

من نفى صفة البقاء وصفة القدم.ومن نفى الكلام وصفاً زائداً على العلم.ومن نفى السمع والبصر زائداً على العلم.ومن نفى جواز الرؤية.ومن أثبت الجهة.وأثبت إرادة حادثة لا في ذاته، ولا في محل.وتكفير المخالفين فيه.

وبالجملة يلزمه التكفير في كل مسألة تتعلق بصفات الله، وذلك حكم لا مستند له وإن خصص ببعض الصفات دون بعض، لم يجد لذلك فصلاً ومرداً، ولا وجه له إلا الضبط بالتكذيب، ليعم المكذب بالرسول وبالمعاد، ويخرج منه المؤول.

ثم لا يبعد أن يقع الشك والنظر في بعض المسائل، من جملة التأويل أو التكذيب، حتى يكون التأويل بعيداً، ويقضي فيه بالظن، وموجب الاجتهاد.

فقد عرفت أن هذه مسألة اجتهاد.

جمال حسني الشرباتي
29-07-2004, 15:30
الفصل الرابع عشر : الغلط لا يعرض مرتكبه إلى التكفير
من الناس من قال إنما أكفّر من يكفّرني من الفرق . ومن لا يكفّرني فلا .

وهذا لا مأخذ له : فإن قال قائل : علي رضي الله عنه أولى بالإمامة ، إذا لم يكن كفرٌ فبأن يخطئ صاحبُهُ ويَظُنَّ أن المخالف فيه كافر ، لا يصير كافرا ، وإنما هو خطأ في مسألة شرعية - وكذلك الحنبليّ إذا لم يكفر بإثبات الجهة ، فلم يكفر بأن يغلط أو يظن أن نافي الجهة مكذِّبٌ وليس بمتأول.

وأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قذف أحد المسلمين صاحبة بالكفر فقد باء به أحدهما " ، معناه أن يكفّره مع معرفته بحاله . فمن عرف مَنْ غيرَهُ أنه مصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يكفّره فيكون المكفِّرُ كافراً .

فأما إن كفّره لظنه أنه كذب الرسول فهذا غلَطٌ منه في حال شخص واحد . إذ قد يظن به أنه كافر مكذب وليس كذلك ، وهذا لا يكون كفراً .

فقد أفدناك بهذه الترديدات التنبيهَ على أعظم الغَورِ في هذه القاعدة ، وعلى القانون الذي أن يُتَّبَع فيه،

فاقنع به ، والسلام


أبو حامد الغزالي