المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اغلاط المتحنبلين



جمال حسني الشرباتي
28-07-2004, 17:28
أغلاط المتحنبلين
--------------------------------------------------------------------------------
هذه مقالة في أغلاط المبتدعة المنتسبين إلى الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وإلى أهل السنة! والذي بيّنها: هو الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رضي الله عنه، وهو _ كما يقول الشيخ طارق بن محمد السَّعْدِي رضي الله عنه _:" إمام الحنابلة وشريفهم بعد الإمام أحمد رضي الله عنهما "، وقد كتب حاشيتها خادم الحق رضي الله عنه، فقالا:"

رأيت من أصحابنا مَن تكلَّم في الأصول[1] بما لا يصلح، وانتدب للتَّصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد، وصاحبه القاضي أبو يعلى، وابن الزاغوني؛ فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب.

ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصِّفات على مقتضى الحسّ[2]: فسمعوا أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم عليه الصلاة والسلام على صورته، فأثبتوا له صورة! ووجهاً زائداً على الذات! وعينين وفماً ولهوات وأضراساً! وأضواء لوجهه هي السبحات! ويدين وأصابع وكفا وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين! وقالوا:" ما سمعنا بذكر الرأس "! وقالوا:" يجوز أن يَمَسّ ويُمَسّ، ويُدني العبدَ من ذاته "! وقال بعضهم:" ويَتَنَفَّس "!!

ثمّ إنهم يُرْضُون العَوام بقولهم:" لا كما يُعْقَل "!!

وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات! تسميَة مبتدعة؛ لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل[3]، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصّارِفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحَدَث.

ولم يقنعوا بأن يقولوا " صفة فعل " حتى قالوا " صفة ذات "! ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات قالوا:" لا نحملها على توجيه اللغة، مثل " يد " على معنى: نعمة وقدرة، ولا " مجيء وإتيان " على معنى: بِر ولطف، ولا " ساق " على: شِدّة "!! بل قالوا:" نحملها على ظواهرها المتعارفة "! والظاهر: هو المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يُحملُ على حقيقته إذا أمكن، فإن صَرَفَ صارفٌ حُمِلَ على المَجاز.

ثم لم يتحرّجوا من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون:" نحن أهل السنة "!! وكلامهم صريح في التشبيه.

وقد تبعهم خلقٌ من العوام[4].

وقد نصحت التابع والمتبوع، فقلت لهم: يا أصحابنا، أنتم أصحاب نَقلٍ واتّباع، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل _ رحمه الله تعالى _ يقول وهو تحت السياط:" كيف أقول ما لم يقل "؟ فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه.

ثم قلتم في الأحاديث:" تُحملُ على ظاهرها "! وظاهر القَدَم: الجارحة؛ فإنه لما قيل في عيسى عليه الصلاة والسلام " روح الله "، اعتقدت النصارى _ لعنهم الله تعالى _ أن لله سبحانه وتعالى صفة هي الروح، ولجَت في مريم!

ومن قال:" استوى بذاته المُقَدّسَة "! فقد أجراه _ سبحانه وتعالى _ مجرى الحِسّيات[5].

وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل: وهو العَقل؛ فإنا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقِدَم[6]، فلو أنكم قلتم " نقرأ الأحاديث ونسكت " لما أنكر أحدٌ عليكم، وإنما حملكم إياها على الظاهر: قبيح.

فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السّلفي ما ليس منه؛ فلقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً، حتى صار لا يُقال عن حنبلي إلا " مُجَسّم "، .. وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم:" لقد شان المذهبَ شيناً قبيحاً، لا يُغسل إلى يوم القيامة ".

وقد وقع غلط المُصَنّفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه:

أولها: أنهم سموا الأخبار: " أخبار صفات "، وإنما هي: إضافات، وليس كل مُضافٍ صفة؛ فإنه قال تعالى: { ونَفَخت فيه من رُوحي }، وليس لله صفة تُسَمّى " روحاً "، فقد ابتدع من سمى المُضاف: صفة.

الثاني: أنهم قالوا:" هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى "، ثم قالوا:" نحملها على ظواهرها "! فواعجباً، ما لا يعلمه إلا اللهُ تعالى أيّ ظاهرٍ له؟! وهل ظاهر " الاستواء " إلا القُعُود، وظاهر " النّزول " إلا الانتقال؟

الثالث: أنهم أثبتوا لله سبحانه وتعالى صفات، وصفات الحق جلّ جلاله لا تثبت إلا بما تثبت به الذّات من الأدلة القطعيّة[7].

وقال ابن حامد:" مَن ردَّ ما يتعلق به بالأخبار الثابتة فهل يكفُر؟ على وجهين "! وقال:" غالب أصحابنا على تكفير مَن خالف الأخبار في السّاق والقَدم والأصابع والكف ونظائر ذلك، وإن كانت أخبار آحاد؛ لأنها عندنا توجب العِلم "!!

قلت: هذا قول من لا يفهم الفقه ولا العقل.

الرابع: أنهم لم يُفرّقون في الإثبات بين خبر مشهور ( كقوله صلى الله عليه وسلم: { ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا } )، وبين حديث لا يصح ( كقوله: { رأيت ربي في أحسن صورة } )، بل أثبتوا بهذا صفة، وبهذا صفة[8].

الخامس: أنهم لم يُفَرّقوا بين حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي[9]، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا!

السادس: أنهم تأولوا بعضَ الألفاظ في موضع، ولم يتأولوها في موضع، كقوله: { ومن أتاني يمشي أتيته هرولة }، قالوا: ضرب مثلاً للإنعام[10]. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال:" إذا كان يوم القيامة، جاء الله يمشي "، فقالوا: نحمله على ظاهره! قلت: فواعجباً ممن تأول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز[11]!!

السابع: أنهم حملوا الأحاديثَ على مقتضى الحِسّ، فقالوا:" ينزل بذاته، وينتقل، ويتحرّك "! ثم قالوا:" لا كما نعقل "[12]! فغالطوا من يسمع، وكابَروا الحِسَّ والعَقلَ، فحملوا الأحاديثَ على الحِسِّيات. "انتهى



--------------------------------------------------------------------------------

[1] - يعني: أصول الدين، وفي الصّفات خاصَّة على ما سيذكر الشيخ رضي الله عنه. ط

[2] - الذي هو محلّ إدراك الخَلقِ، وقد قال الله تعالى: { لا تدركه الأبصار }، فخالفوا هذا النّصّ وعارضوه بأهوائهم. ط

[3] - هذه لفتة مهمة قد نبَّه عليها الشيخ رحمه الله: أن ما يذكره هؤلاء المبتدعة من الخطاب في هذه المسائل، هم من نسبه إلى الله تعالى نسبة الوصف، ابتداعاً لا اتباعاً. ط

[4] - وأضرّهم: عوام العلماء، الذين نصّبوا أنفسهم مناصب المجتهدين، أو شيئاً من ذلك، فاتبعوا هؤلاء بما أقاموا عليهم من الشبهات التي عجزوا عن ردها لبعدهم عن التحقيق، وخلوهم من التوفيق، وما أكثرهم في زماننا هذا الذي صدّق فيه أعداؤنا وعدَ الله بقيام الحقّ إلى يوم الدين، فأدركوا أن نصرهم على الأمة لا يتحقق بإبادتها، فلجأوا إلى تطويل يد هؤلاء المبتدعة في بلاد المسلمين، وروّجوا لهم بما يحث الصادقين في طلب الحق على جهل أن ينتسبوا إليهم؛ لأنهم يفسدون عقائد الناس، وإذا فسدت عقائدهم أمن أعداؤهم. ط

[5] - يعني: فهو كالنصارى في الفهم، وهم بعض سلفه على التحقيق.

وإنما قلت " بعض سلفه ": لأن هؤلاء المبتدعة أبوا إلا أن يجمعوا خسائس الأمم السابقة جميعاً، فأخذوا من النصارى الإثبات، ومن اليهود التشبيه، ومن المجوس التعطيل، الخ! حتى أنهم اقتدوا بفرعون واستدلوا بفهمه في اعتقاد الجهة والمكان لله تعالى! فانظر إلى سلف هؤلاء القوم، والسنة التي يتبعونها، والجماعة التي ينتمون إليها! ثم احمد الله على العافية. ط

[6] - وبه نفهم مراد الله تعالى بخطابه؛ لأن فهم المراد نتيجة البحث، والعقل هو آلة البحث التي خلقها الله تعالى للعباد، وارتضى شهادته، ووجه خطاب الإمامة إلى المتحققين به أصلاً كما لا يخفى في الكتاب والسنة. ط

[7] - وقد علمت مما تقدّم: أن ما يثبتونه ويتشدقون بقولهم " نثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له نبيه "، ليس بثابت أنه صفة لله تعالى، وعليه: كان هؤلاء المبتدعة متقولين على الله ورسوله، ملحدين في أسمائه وصفاته، والحكم الذي نقله الشيخ عنهم بعد هذا هم أولى به، نعوذ بالله من ذلك. ط

[8] - ولم يتورَّعوا في دعوى صحة ما لا يصح! وهذا خاصةً عند أكابرهم. ط

[9] - علماً أن من هؤلاء من كان يروي من كتب السابقين، بل ثبت أن بعض الصحابة رضي الله عنهم: كان يسمع من هؤلاء قصصاً فيرويها على الناس، فيظن أنها عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم! وقد نبَّهت على هذا في غير هذا الموضع ولله الحمد. ط

[10] - قلت: هذا تأويل حق _ وفقاً لاصطلاح الأصوليين _، وهم لم يقفوا على هذا الحدّ، بل أوّلوا في مواضع تأويلاً فاسِداً على وجهين: الأول: التحريف؛ حيث أنهم حملوا الخطاب الذي تمسكوا به على الظاهر خلافاً لما يقتضيه محكم الخطاب وأصول الدين، كما أنهم كثيراً ما ينقلون عن السلف الصالح كلاماً قيل في التفويض، بل وفي التأويل الحقِّ، فحملوه على وِفق بدعتهم بما لا يخفى على من ألقى السّمع وهو شهيد. الثاني: التّعطيل؛ حيث أنهم عطّلوا المُرادَ بذلك الخطاب، بما سوّلت لهم أنفسهم وشياطينهم، بل زادوا على ذلك فنسبوا المتبعين المخالفين لهم إلى الشرك والكفر والبدعة! فلهم من الله ما يستحقون. ط

[11] - وهو أثر موضوع لا يصح بوجه. ط

[12] - ويقولون أيضاً:" بلا تكييف "، ويريدون: بلا كيف نعرفه، لا انتفاء الكيفية من تركيب وعُضويّة ونحو ذلك! كما يقولون:" بلا تشبيه "، ويريدون: بلا مشابهة لعينٍ من الأشياء بذاتها، لا عدم المشابهة مطلقاً بانتفاء الأصل كالجسمية! ويقولون:" بلا تحريف ولا تعطيل "، ويريدون بهذا إيهام الاتباع! وهم أشد الناس ابتداعاً، وأخطرهم تحريفاً وتعطيلاً. ط




المقال منقول