المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجويني: الرد على ما نسبه إليه الجهلة في مسألة الاسترسال ، وما نسبوه إليه من الحيرة



سعيد فودة
24-07-2004, 23:37
بسم الله الرحمن الرحيم

لقد نقل بعض المجسمة في بعض المنتديات كلاما للإمام الجويني وطفق يشنع عليه بما لا يعقله، وظن أنه قد أصاب الأشاعرة في مقتل لهم، وهيهات، ونحن لا نقول بعصمة أحد منهم، فلا تجب العصمة إلا للنبي عليه السلام. ولكن نحن ننفي قطعا أن يكون واحد مثل الإمام الجويني قد قال بنفي علم الله تعالى بالجزئيات أو بالتفاصيل الموجودة في الخارج، كما توهم هؤلاء السذج. واقتدوا في ذلك بما فعله أحد زعمائهم من قبل وهو الذهبي الذي لا يفقه كثيرا ولا قليلا من مباحث الكلام، ولا من تدقيقات العقلاء، وقد امتلأ قلبه بالكراهية للأشاعرة وزعمائهم، ولم يصرفه صارف عن التقليل من مراتبهم العالية التي لا ينكرها إلا غافل، وقد وضح ذلك كله الغمام العلامة تاج الدين السبكي في طبقاته.
وليس كلامنا عن الذهبي وما قاله، ولكن نريد أن ننقل للقراء ما ذكره الإمام العلامة السبكي في ترجمة الإمام الجويني وذلك مما يتعلق ببعض المسائل ، منها ما افتراه عليه البعض من حيرته، وليس شعري هل يحتار واحد مثل الإمام الجويني من سؤال تافه وجهه إليه بعض من لا يعقل إن صح هذا النقل.
ومنها مسألة الاسترسال، وهي المسألة التي ادعى فيها هؤلاء الجهلة أن الجويني قائل بنفي علم الله تعالى بالتفاصيل.
وقد بحث الإمام السبكي هذه المسألة بتفصيل كاف، ورد فيها على المازري وغيره ممن نسب ذلك للجويني، وقد كنت أردت أن أكتب عليها تعليقا، ولكن رأيت أن ما كتبه السبكي يكفي، وإن كان ثم حاجة بعد ذلك للكلام فلن ندع فرصة لقائل أو سانحة لمشنع جاهل على أهل الحق، إلا ونهدمها عليه، أو نحرقه بها، فنذره بعد ذلك يموت بحقده وجهله وعناده.

قال الإمام تاج الدين السبكي في الطبقات الكبرى:


ذكر ما وقع من التخبيط في كلام شيخنا الذهبي والتحامل على هذا الإمام العظيم في أمر هذا الإمام الذي هو من أساطين هذه الملة المحمدية نضرها الله


قد قدمنا لك من تحامل الذهبي عليه في تمزيقه كلام عبد الغافر وإنكاره ما فعل تلامذة الإمام عند موته وأنت إذا عرفت حال الذهبي لم تحتج إلى دليل يدل على أنه قد تحامل عليه
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
فمن كلام الذهبي وكان أبو المعالي مع تبحره في الفقه وأصوله لا يدري الحديث ذكر في كتاب البرهان حديث معاذ في القياس فقال هو مدون في الصحاح متفق على صحته
كذا قال وأنى له في الصحة ومداره على الحارث بن عمرو وهو مجهول عن رجال من أهل حمص لا يدرى من هم عن معاذ
انتهى
فأما قوله كان لا يدري الحديث فإساءة على مثل هذا الإمام لا تنبغي
وقد تقدم


في كلام عبد الغافر اعتماده الأحاديث في مسائل الخلاف وذكره الجرح والتعديل فيها وعبد الغافر أعرف بشيخه من الذهبي ومن يكون بهذه المثابة كيف يقال عنه لا يدري الحديث وهب أنه زل في حديث أو حديثين أو أكثر فلا يوجب ذلك أن يقول لا يدري الفن وما هذا الحديث وحده ادعى الإمام صحته وليس بصحيح بل قد ادعى ذلك في أحاديث غيره ولم يوجب ذلك عندنا الغض منه ولا إنزاله عن مرتبته الصاعدة فوق آفاق السماء
ثم الحديث رواه أبو داود والترمذي وهما من دواوين الإسلام والفقهاء لا يتحاشون من إطلاق لفظ الصحاح عليهما لا سيما سنن أبي داود فليس هذا كبير أمر
ومن قبيح كلامه قال وقال المازري في شرح البرهان في قوله إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات وددت لو محوتها بدمي
قلت هذه لفظة ملعونة قال ابن دحية هي كلمة مكذبة للكتاب والسنة يكفر بها هجره عليها جماعة وحلف القشيري لا يكلمه بسببها مدة فجاوز وتاب
انتهى
ما أقبحه فصلا مشتملا على الكذب الصراح وقلة الحق مستحلا على قائله بالجهل بالعلم والعلماء وقد كان الذهبي لا يدري شرح البرهان ولا هذه الصناعة ولكنه يسمع خرافات من طلبة الحنابلة فيعتقدها حقا ويودعها تصانيفه
أما قوله إن الإمام قال إن الله يعلم الكليات لا الجزئيات يقال له ما أجرأك على الله متى قال الإمام هذا ولا خلاف بين أئمتنا في تكفير من يعتقد هذه المقالة وقد نص الإمام في كتبه الكلامية بأسرها على كفر من ينكر العلم بالجزئيات وإنما وقع في البرهان في أصول الفقه شيء استطرده القلم إليه فهم منه المازري ثم أمر هذا وذكر ما سنحكيه عنه وسنجيب عن ذلك ونعقد له فصلا مستقلا

وأما قوله قلت هذه لفظة ملعونة فنقول لعن الله قائلها
وأما قوله قال ابن دحية إلى آخر ما حكاه عنه
فنقول هل يحتاح مثل هذه المقالة إلى كلام ابن دحية ولو قرأ الرجل شيئا من علم الكلام لما احتاج إلى ذلك فلا خلاف بين المسلمين في تكفير منكري العلم بالجزئيات وهي إحدى المسائل التي كفرت بها الفلاسفة
وأما قوله وحلف القشيري لا يكلمه بسببها مدة فمن نقل له ذلك وفي أي كتاب رآه وأقسم بالله يمينا بارة إن هذه مختلقة على القشيري وقد كان القشيري من أكثر الخلق تعظيما للإمام وقدمنا عنه عبارة المدرجوركيه وهي قوله في حقه لو ادعى النبوة لأغناه كلامه عن إظهار المعجزة
وابن دحية لا تقبل روايته فإنه متهم بالوضع على رسول الله فما ظنك بالوضع على غيره والذهبي نفسه معترف بأنه ضعيف وقد بالغ في ترجمته في الإزراء عليه وتقرير أنه كذاب ونقل تضعيفه عن الحافظ أيضا وعن ابن نقطة وغير واحد
وأخبر الناس به الحافظ ابن النجار اجتمع به وجالسه وقال في ترجمته رأيت الناس مجمعين على كذبه وضعفه قال وكانت أمارات ذلك لائحة عليه
وأطال في ذلك
وبالجملة لا أعرف محدثا إلا وقد ضعف ابن دحية وكذبه لا الذهبي ولا غيره وكلهم يصفه بالوقيعة في الأئمة والاختلاق عليهم وكفى بذلك
وأما قوله وبقي بسببها مدة مجاورا وتاب فمن البهت لم ينف الإمام أحد وإنما هو خرج ومعه القشيري وخلق في واقعة الكندري التي حكيتها في ترجمة الأشعري وفي ترجمة أبي سهل بن الموفق وهي واقعة مشهورة خرج بسببها الإمام والقشيري


والحافظ البيهقي وخلق كان سببها أن الكندري أمر بلعن الأشعري على المنابر ليس غير ذلك ومن ادعى غير ذلك فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا
ومن كلامه أيضا أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه وغيره من كتابهم عن الحافظ عبد القادر الرهاوي عن أبي العلاء الحافظ الهمذاني أخبره قال أخبرني أبو جعفر الهمذاني الحافظ قال سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى فقال كان الله ولا عرش
وجعل يتخبط في الكلام
فقلت قد علمنا ما أشرت إليه فهل عند الضرورات من حيلة فقال ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة قلت ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوقية فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة فبينها نتخلص من الفوق والتحت وبكيت وبكى الخلق
فضرب بيده على السرير وصاح بالحيرة وخرق ما كان عليه وصارت قيامة في المسجد فنزل ولا يجبني إلا بتأفيف الدهشة والحيرة وسمعت بعد هذا أصحابه يقولون سمعناه يقول حيرني الهمذاني
انتهى
قلت قد تكلف لهذه الحكاية وأسندها بإجازة على إجازة مع ما في إسنادها ممن لا يخفى محاطة على الأشعري وعدم معرفته بعلم الكلام
ثم أقول يا لله ويا للمسلمين أيقال عن الإمام إنه يتخبط عند سؤال سأله إياه هذا المحدث وهو أستاذ المناظرين وعلم المتكلمين أو كان الإمام عاجزا عن أن يقول له كذبت يا ملعون فإن العارف لا يحدث نفسه بفوقية الجسمية ولا يحدد ذلك إلا جاهل يعتقد الجهة بل نقول لا يقول عارف يا رباه إلا وقد غابت عنه الجهات ولو كانت جهة فوق مطلوبة لما منع المصلي من النظر إليها وشدد عليه في الوعيد عليها


وأما قوله صاح بالحيرة وكان يقول حيرني الهمذاني فكذب ممن لا يستحيي وليت شعري أي شبهة أوردها وأي دليل اعترضه حتى يقول حيرني الهمذاني ثم أقول إن كان الإمام متحيرا لا يدري ما يعتقد فواها على أئمة المسلمين من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة إلى اليوم فإن الأرض لم تخرج من لدن عهده أعرف منه بالله ولا أعرف منه فيالله ماذا يكون حال الذهبي وأمثاله إذا كان مثل الإمام متحيرا إن هذا لخزي عظيم
ثم ليت شعري من أبو جعفر الهمذاني في أئمة النظر والكلام ومن هو من ذوي التحقيق من علماء المسلمين
ثم أعاد الذهبي الحكاية عن محمد بن طاهر عن أبي جعفر وكلاهما لا يقبل نقله وزاد فيها أن الإمام صار يقول يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة فإنا لله وإنا إليه راجعون لقد ابتلى المسلمون من هؤلاء الجهلة بمصيبة لا عزاء بها
ثم ذكر أن أبا عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قال حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال دخلنا على أبي المعالي في مرضه فقال اشهدوا علي أني رجعت عن كل مقالة يخالف فيها السلف وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور
انتهى
وهذه الحكاية ليس فيها شيء مستنكر إلا ما يوهم أنه كان على خلاف السلف
ونقل في العبارة زيادة على عبارة الإمام
ثم أقول للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه أو تؤول
والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزو إلى السلف وهو اختيار الإمام في الرسالة النظامية وفي مواضع من كلامه فرجوعه معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض ولا إنكار في هذا ولا في مقابلة فإنها مسألة اجتهادية أعني مسألة التأويل أو التفويض


مع اعتقاد التنزيه إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر والاعتقاد أنه المراد وأنه لا يستحيل على الباري فذلك قول المجسمة عباد الوثن الذين في قلوبهم زيغ يحملهم الزيغ على اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة عليهم لعائن الله تترى واحدة بعد أخرى ما أجرأهم على الكذب وأقل فهمهم للحقائق

سعيد فودة
24-07-2004, 23:41
شرح حال مسألة الاسترسال التي وقعت في كتاب البرهان


اعلم أن هذا الكتاب وضعه الإمام في أصول الفقه على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد وأنا أسميه لغز الأمة لما فيه مصاعب الأمور وأنه لا يخلي مسألة عن إشكال ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه وتحقيقات يستبد بها
وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية وأنا أعجب لهم فليس منهم من انتدب لشرحه ولا للكلام عليه إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر بن السمعاني في كتاب القواطع وردها على الإمام وإنما انتدب له المالكية فشرحه الإمام أبو عبد الله المازري شرحا لم يتمه وعمل عليه أيضا مشكلات ثم شرحه أيضا أبو الحسن الأنباري من المالكية ثم جاء شخص مغربي يقال له الشريف أبو يحيى جمع بين الشرحين وهؤلاء كلهم عندهم بعض تحامل على الإمام من جهتين
إحداهما أنهم يستصعبون مخالفة الإمام أبي الحسن الأشعري ويرونها هجنة عظيمة والإمام لا يتقيد لا بالأشعري ولا بالشافعي لا سيما في البرهان وإنما يتكلم على حسب تأيدة نظره واجتهاده وربما خالف الأشعري وأتى بعبارة عالية على عادة فصاحته فلا تحمل المغاربة أن يقال مثلها في حق الأشعري
وقد حكينا كثيرا من ذلك في شرحنا على مختصر ابن الحاجب


والثانية أنه ربما نال من الإمام مالك رضي الله تعالى عنه كما فعل في مسألة الاستصلاح والمصالح المرسلة وغيرها
وبهاتين الصفتين يحصل للمغاربة بعض التحامل عليه مع اعترافهم بعلو قدره واقتصارهم لا سيما في علم الكلام على كتبه ونهيهم عن كتب غيره
ثم اعلم أن لهذا الإمام من الحقوق في الإسلام والمناضلة في علم الكلام عن الدين الحنيفي ما لا يخفى على ذي تحصيل وقد فهم عنه المازري إنكار العلم بالجزئيات وأنكر وأفرط في التغليظ عليه وأشبع القول في تقرير إحاطة العلم القديم بالجزئيات ولا حاجة به إليه فإن أحدا لم ينازعه فيه وإنما هو تصور أن الإمام ينازعه فيه
ومعاذ الله أن يكون ذلك
ولقد سمعت الشيخ الإمام رحمه الله غير مرة يقول لم يفهم المازري كلام الإمام ولم أسمع منه زيادة على هذا وقلت أنا له رحمه الله إذ ذاك لو كان الإمام على هذه العقيدة لم يحتج إلى أن يدأب نفسه في تصنيف النهاية في الفقه وفيه جزئيات لا تنحصر والعلم غير متعلق على هذا التقدير عنده بها
وقلت له أيضا هذا كتاب الشامل للإمام في مجلدات عدة في علم الكلام والمسألة المذكورة حقها أن تقرر فيه لا في البرهان فلم لا يكشف عن عقيدته فيه فأعجبه ذلك
وأقول الآن قبل الخوض في كلام الإمام والمازري لقد فحصت عن كلمات هذا الإمام في كتبه الكلامية فوجدت إحاطة علم الله تعالى عنده بالجزئيات أمرا مفروغا منه وأصلا مقررا يكفر من خالفه فيه
وهذه مواضع من كلامه


قال في الشامل في القول في إقامة الدلائل على الحياة والعلم بعد أن قرر إجماع الأمة على بطلان قول من يثبت علمين قديمين ما نصه فلم يبق إلا ما صار إليه أهل الحق من إثبات علم واحد قديم متعلق بجميع المعلومات
انتهى
ثم قال فإن قال قائل إذا جوزتم أن يخالف علم القديم العلم الحادث ولم تمنعوا أن يتعلق العلم الواحد بما لا يتناهى ومنعتم ذلك في العلم الحادث واندفع في سؤال أورده ثم قال قلنا الدلالة دلت على وجوب كون القديم عالما بجميع المعلومات
ثم قال فإن قيل ما دليلكم على وجوب كونه عالما بكل المعلومات وبم تنكرون على من يأبى ذلك قلت قد تدبرت كلام المشايخ في كتبهم ومصنفاتهم وأحطت في غالب ظني بكل ما قالوه
وذكر طريقة ارتضاها في الدلالة على ذلك وختمها بما نصه فهذه هي الدلالة القاطعة على وجوب كون الإله سبحانه عالما بكل معلوم
انتهى
وقال في باب القول في أن العلم الحادث هل يتعلق بمعلومين ما نصه إذا علم العالم منا أن معلومات الباري لا تتناهى انبهر
وكرر في هذا الفصل أنه تعالى يعلم ما لا يتناهى على التفصيل غير ما مرة ولا معنى للتطويل في ذلك وكتبه مشحونه به
وقال في الإرشاد في مسألة تقرير العلم القديم ما نصه ومما يتمسكون به أن

قالوا علم الباري سبحانه وتعالى على زعمك يتعلق بما لا يتناهى من المعلومات على التفصيل
انتهى
ثم لما أجاب عن شبهة القوم قرر هذا التقرير وهو عنده مفروغ منه
وكذلك في البرهان في باب النسخ صرح بأن الله تعالى يعلم على سبيل التفصيل كل شيء
إذا عرفت ذلك فأنا على قطع بأنه معترف بإحاطة العلم بالجزئيات
فإن قلت وما بيان هذا الكلام الواقع في البرهان قلت العالم من يدعو الواضح واضحا والمشكل مشكلا
وهو كلام مشكل بحيث أبهم أمره على المازري مع فرط ذكائه وتضلعه بعلوم الشريعة وأنا أحكيه ثم أقرره وأبين لك أن القوم لم يفهموا إيراد الإمام وأن كلامه المشار إليه مبني على إحاطة العلم القديم بالجزئيات فكيف يؤخذ منه خلافه فأقول قال الإمام وأما المميز بين الجواز المحكوم به والجواز بمعنى التردد والشك فلائح ومثاله أن العقل يقضي بجواز تحرك جسم وهذا الجواز ثبت بحكم العقل وهو نقيض الاستحالة وأما الجواز المتردد فكثير ونحن نكتفي فيه بمثال واحد ونقول تردد المتكلمون في انحصار الأجناس كالألوان فقطع القاطعون بأنها غير متناهية في الإمكان كآحاد كل جنس وزعم آخرون أنها منحصرة
وقال المقتصدون لا ندري أنها منحصرة لم يبنوا مذهبهم على بصيرة وتحقيق
والذي أراه قطعا أنها منحصرة فإنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها بآحاد على التفصيل وذلك مستحيل


فإن استنكر الجهلة ذلك وشمخوا بآنافهم وقالوا الباري تعالى عالم بما لا يتناهى على التفصيل سفهنا عقولهم وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات وبالجملة علم الله تعالى إذا تعلق بجواهر لا نهاية لها فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير تعرض لتفصيل الآحاد مع نفي النهاية فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقريرات غير متناهية في العلم والأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل استرسال الكلام عليها فإنها متباينة الجواهر وتعلق العلم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال وإذا لاحت الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما شاء
انتهى كلامه في البرهان
والذي أراه لنفسي ولمن أحبه الاقتصار على اعتقاد أن علم الله تعالى محيط بالكليات والجزئيات جليلها وحقيرها وتكفير من يخالف في واحد من الفصلين واعتقاد أن هذا الإمام بريء من المخالفة في واحد منهما بدليل تصريحه في كتبه الكلامية بذلك وأن أحدا من الأشاعرة لم ينقل هذا عنه مع تتبعهم لكلامه ومع أن تلامذته وتصانيفه ملأت الدنيا ولم يعرف أن أحدا عزا ذلك إليه وهذا برهان قاطع على كذب من تفرد بنقل ذلك عنه فإنه لو كان صحيحا لتوفرت الدواعي على نقله ثم إذا عرض هذا الكلام نقول هذا مشكل نضرب عنه صفحا مع اعتقاد أن ما فهم منه من أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات ليس بصحيح ولكن هناك معنى غير ذلك لسنا مكلفين بالبحث عنه وإذا دفعنا إلى هذا الزمان الذي شمخت الجهال فيه بأنوفها وأرادوا الضعة من قدر هذا الإمام وأشاعوا أن هذا الكلام منه دال على أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات أحوجنا ذلك إلى الدفاع عنه وبيان سوء فهمهم واندفعنا في تقرير كلامه وإيضاح معناه
فنقول مقصود الإمام بهذا الكلام الفرق بين إمكان الشيء في نفسه وهو كونه ليس بمستحيل وعبر عنه بالجواز المحكوم به ومثل له بجواز تحرك جسم ساكن وبين الإمكان الذهني وهو الشك والتوقف وعدم العلم بالشيء وإن كان الشيء في نفسه مستحيلا وعبر عنه بالجواز بمعنى التردد ومثل له بالشك في تناهي الأجناس وعدم

تناهيها عند الشاكين مع أن عدم تناهيها يستحيل عنده وإلى استحالته أشار بقوله والذي أراه قطعا أنها منحصرة واستدل على ذلك بأنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم بآحاد لا تتناهى على التفصيل لأن الله تعالى عالم بكل شيء فإذا كانت الأجناس غير متناهية وجب أن يعلمها غير متناهية لأنه يعلم الأشياء على ما هي عليه وهي لا تفصيل لها حتى يعلمه على التفصيل فالرب تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه إن مجملة فمجملة وإن مفصلة فمفصلة والأجناس المختلفة متباينة بحقائقها فإذا علم وجب أن يعلمها مفصلة متمايزة بعضها عن بعض
وأما أن ذلك يستحيل فلأن كل معلوم على التفصيل فهو منحصر متناه كما أنه موجود في الخارج فهو منحصر متناه لوجوب تشخصها في الذهن كما في الخارج
واعلم أن الإمام إنما سكت عن بيان الملازمة لأن دليلها كالمفروغ منه
وقوله فإن استنكر الجهلة ذلك وقالوا الباريء عالم بما لا يتناهى على التفصيل هو إشارة إلى اعتراض على قوله وذلك مستحيل
تقريره أن البارىء تعالى عالم بما لا يتناهى على التفصيل وهذا أصل مفروغ منه وإذا كان كذلك فقولك إن تعلق العلم بما لا يتناهى مستحيل قول ممنوع
وقوله سفهنا عقولهم هو جواب الاعتراض
وقوله وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات إشارة إلى أن تقرير استحالة تعلق العلم بما لا يتناهى على التفصيل مذكور في باب أحكام الصفات وكتب أصول الدين
وقوله وبالجملة هو بيان لكيفية تعلق علم الله تعالى بما لا يتناهى مع صلاحية كونه جوابا عن الاعتراض المذكور وتقريره أن علم الله سبحانه وتعالى إذا تعلق بجواهر لا نهاية لها كان معنى تعلقه بها استرساله عليها ومعنى استرساله عليها والله أعلم هو أن علمه سبحانه وتعالى يتعلق بالعلم الكلي الشامل لها على سبيل التفصيل فيسترسل عليها من غير

تفصيل الآحاد لتعلقه بالشامل لها من غير تمييز بعضها عن بعض تعلقه بها على هذا الوجه وعدم تعلقه بها على سبيل التفصيل ليس بنقص في التفصيل فيها مع نفي النهاية مستحيل فإذا وجب أن تكون غير مفصلة ووجب أن يعلمها غير مفصلة لوجوب تعلق العلم بالشيء على ما هو عليه
وقوله فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم أي إنما تعلق علمه بها على سبيل الاسترسال لا على سبيل التفصيل لأن المعلوم على التفصيل يستحيل أن يكون غير متناه كما أن الموجود يستحيل أن يكون غير متناه فما ليس بمتناه يستحيل أن يكون مفصلا متميزا بعضه عن بعض فإذا تعلق العلم به وجب أن يكون معنى تعلقه استرساله عليه لوجوب تعلق العلم بالشيء على ما هو عليه من إجمال أو تفصيل
قوله والأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل استرسال العلم عليها جواب عن سؤال مقدر من جهة المعترض
تقرير السؤال إذا جاز استرسال العلم على الجواهر التي لا نهاية لها فلم لا تكون الأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل استرسال العلم عليها فإنها متباينة بالخواص أي بالحقائق فليس بينها قدر مشترك بنقلها يسترسل العلم بسبب تعلقه عليها
ولقائل أن يقول لم قلت إنه ليس بينها مدرك مسترسل وقوله وتعلق العلم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال قد سبق في أول الدليل وإنما أعاده هنا لأنه مع الكلام المذكور آنفا يصلح أن يكون دليلا على المطلوب أعني أن الأجناس متناهية وتقريره أن الأجناس إذا كان استرسال العلم عليها مستحيلا وجب أن تكون معلومة على التفصيل وإلا لم تكن معلومة له سبحانه وتعالى وتعلق العلم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال فوجب أن تكون محصورة متناهية
وإذا ظهر مقصود الإمام أولا وهو الفرق بين الإمكانين وثانيا وهو أن الأجناس متناهية ودليله على هذا وجوابه غير ما اعترض به عليه تبين أنه بنى دليله على قواعد


إحداهما أن الله عز وجل عالم بكل شيء الجزئيات والكليات لا تخفى عليه خافية
والثانية أن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فيعلم الأشياء المجملة التي لا يتميز بعضها عن بعض مفصلة وهذا خلاف مذهب ابن سينا حيث زعم أنه تعالى لا يعلم الجزئيات الشخصية إلا على الوجه الكلي وذلك كفر صراح
والثالثة أن المعلومات الجزئية المتميزة المفصلة لا يمكن أن تكون غير متناهية تشبيها للوجود الذهني بالوجود الخارجي وإلى هذا أشار بقوله فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم
والرابعة أن الأجناس المختلفة التي فيها الكلام متناهية بخواصها أي بحقائقها متميز بعضها عن بعض
وإنما قلنا إنه بنى كلامه على القواعد المذكورة لأنه لو لم يكن الرب عز وجل عالما بكل شيء لم يجب أن يعلم الأجناس ولأنه لو لم يعلم الأجناس أي الأشياء على ما هي عليه لم يجب إذا كانت غير متناهية أن يعلمها غير متناهية ولا إذا كانت متميزة بعضها عن بعض أن يعلمها مفصلة ولأنه لو لم تكن الأجناس التي فيها الكلام متباينة بحقائقها لم يجب أن يعلمها على التفصيل فظهر أن قوله لو كانت غير منحصرة تعلق العلم بما لا يتناهى على التفصيل وهو الملازمة مبني على هذه القواعد الثلاث وكذلك قوله في الجواب عن الاعتراض إن معنى تعلق العلم بالجواهر التي لا تتناهى هو استرساله عليها مبني على أنه يعلم الأشياء على ما هي عليه فإن ما لا يتناهى لا يتميز بعضه عن بعض
وأما قوله إن تعلق العلم على التفصيل بما لا يتناهى محال وهو انتفاء التالي فهو مبني على وجوب تعلق العلم بالشيء على ما هو عليه وعلى أن كل متميز بعضه عن بعض متناه فإنه لو لم يجب أن يعلم الأشياء على ما هي عليه لوجب أن يكون المتميز بعضه عن بعض غير متناه ولم يصح قوله وتعلق العلم على التفصيل بما لا يتناهى محال والله أعلم

إن خرق المسألة أن ما لا يتناهى هل هو في نفسه متميز بعضه عن بعض أولا فإن كان وجب اعتقاد أن الرب تعالى يعلمه على التفصيل والإمام يخالف في ذلك وإن لم يكن لم يجز أن يعلمه على التفصيل كيلا يلزم الجهل وهو العلم بالشيء على خلاف ما هو عليه ولا يخالف في ذلك عاقل ولا يشك في احتياج الإمام إلى دلالة على أن ما لا يتناهى لا تفصيل له ولا يتميز حتى يسلم له مراده وهو ممنوع
وقد سبقه إليه أبو عبد الله الحليمي من أئمة أصحابنا فقال في كتاب المنهاج المعروف بشعب الإيمان في الشعبة التاسعة فإن قال قائل أليس الله بكل شيء عليما قلنا بلى
فإن قال أفيعلم مبلغ حركات أهل الجنة وأهل النار قيل إنها لا مبلغ لها وإنما يعرف ماله مبلغ فأما ما لا مبلغ له فيستحيل أن يوصف بأن يعلم مبلغه
واندفع الحليمي في هذا بعبارة أبسط من عبارة الإمام
وهذا الحليمي كان إماما في العلم والدين حبرا كبيرا ولكنا لا نوافقه على هذا ونمانعه ممانعة تتبين هنا في تضاعيف كلامنا وإنما أردنا بحكاية كلامه التنبيه على أن الإمام مسبوق بما ذكره سبقه إليه بعض عظماء أهل السنة
وإذا تبين من كلام الإمام ما قصده وظهر من القواعد ما بنى عليه غرضه علم أن من شنع عليه وأومأ بالكفر إليه غير سالم من أن يشنع عليه وأن ينسب الخطأ في فهم كلام الإمام إليه والذي تحرر من كلام الإمام دعواه عدم تفصيل ما لا يتناهى وليس في اعتقاد هذا القدر كفر


وقد أفرط أبو عبد الله المازري في ذلك ظنا منه أن الإمام ينفي العلم بالجزئيات وأن كلامه هذا لا يحتمل غير ذلك ولا يقبل التأويل
وقال أول ما نقدمه تحذير الواقف على كتابه هذا أن يصغي إلى هذا المذهب إلى أن قال وددت لو محوت هذا من هذا الكتاب بماء بصري لأن هذا الرجل له سابقة قديمة وآثار كريمة في عقائد الإسلام والذب عنها وتشييدها وتحسين العبارة عن حقائقها وإظهار ما أخفاه العلماء من أسراراها ولكنه في آخر أمره ذكر أنه خاض في فنون من علم الفلسفة وذاكر أحد أئمتها فإن ثبت هذا القول عليه وقطع بإضافة هذا المذهب في هذه المسألة إليه فإنما سهل عليه ركوب هذا المذهب إدمانه النظر في مذهب أولئك
ثم قال ومن العظيمة في الدين أن يقول مسلم إن الله سبحانه تخفى عليه خافية
إلى قوله والمسلمون لو سمعوا أحدا يبوح بذلك لتبرءوا منه وأخرجوه من جملتهم
إلى قوله إذا كان خطابي مع موحد مسلم نقول له إن زعمت أن الله سبحانه تخفى عليه خافية أو يتصور العقل معنى أو يثبت في الوجود صفة أو موصوف أو عرض أو جوهر أو حقائق نفسية أو معنوية وهو تعالى غير عالم به فقد فارق الإسلام وإن كان كلامنا مع ملحد فنرد عليه بالأدلة العقلية
قلت هذه العبارات من المازري تدل على أنه لم يفهم كلام الإمام أو فهم وقصد أن يشنع وهذا بعيد على الرجل فإنه من أئمة العلم والدين فالأغلب على ظني أنه لم يفهم وكيف يفهم كلام الإمام ولم يقصد التشنيع عليه من نسبته إلى اعتقاد الفلاسفة وأن الله سبحانه وتعالى تخفى عليه خافية أو أن العقل يتصور معنى والله عالم به أو يثبت في الوجود صفة أو موصوف أو جوهر أو عرض أو حقائق نفسية أو معنوية والرب غير عالم به أو أنه لا يعلم الجهات إلا على الوجه الكلي الذي هو مذهب الفلاسفة وقد بنى دليله كما سبق على أن الله عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية وأنه يعلم الأشياء


على ما هي عليه إن مجملة وإن مفصلة فمفصلة هذا ما لا يمكن ومع تصريحه في مواضع شتى بأن الله تعالى يعلم كل شيء
وقد بالغ في الشامل في الرد على من يعتقد أنه يعلم بعض المعلومات دون بعض
ثم إن المازري ومن تبعه من شراح البرهان أخذوا في تقرير مسألة العلم بالجزيئات وهو أمر مفروغ منه عند المسلمين وكان الأولى بهم صرف العناية إلى فهم كلام الإمام لا أن سيعلم بما لا يخفى فهمه فيه الإمام ولا غيره فالذي ينبغي للمنصف الواقف على كلام الإمام أن يتأمله ليظهر له أن الإمام إنما منع من تعلق العلم التفصيلي بما لا تفصيل له وهي الأمور التي لا تتناهى باعتقاد عدم تمييز بعضها عن بعض وأن ما لا يتناهى لا يمكن أن يتميز بعضه عن بعض لا لكونها غير متناهية والمانع عنده من تعلق التفصيل بها هو عدم تمييز بعضها عن بعض لا لكونها غير متناهية وإنما تمنع من تعلق العلم التفصيلي بها والحالة هذه لأن الرب العليم الخبير إنما يعلم الأشياء على ما هي عليه
والله أعلم
وأما الاستنباط الذي ذكره المازري من القطع بفساد ما ذهب إليه الإمام من مذهب الأشعري في أن العلم بالشيء مجملا لا يضاد العلم به مفصلا ففاسد لأن الإمام لم يمنع من تعلق العلم التفصيلي بما لا يتناهى لحد تعلق العلم الإجمالي به حتى يتوهم متوهم أنه يعتقد التضاد وقد صرح في الشامل أنهما غير متضادين بل إنما منع من ذلك لأن ما لا يتناهى لا يكون في نفسه إلا مجملا غير متميز بعضه عن بعض فإنه إذا امتنع أن يكون في نفسه متميزا امتنع تعلق العلم التفصيلي به لأن العلم إنما يتعلق بالشيء على ما هو عليه من إجمال أو تفصيل وإلا كان جهلا
وأما الأمور المتناهية المعلومة على سبيل الإجمال فإن الإمام قد لا يمنع العلم بها على سبيل التفصيل إذا كانت متميزة بعضها عن بعض كالسواد والبياض والحمرة وغيرها من أجناس الألوان فإنها معلومة لرب العالمين على سبيل الإجمال من حيث كونها أعراضا وألوانا وعلى سبيل التفصيل من حيث كونها سوادا و بياضا وكذلك شرب زيد في


الجنة من الكأس الفلاني الموصوف بصفاته المختصة به للإمام أن يقول هو معلوم لله تعالى إجمالا من حيث اندراجه تحت مطلق الشرب من كأس ماء من فضة أو ذهب المندرج تحت مطلق النعيم ومعلوم على التفصيل
وهنا وقفة في كيفية ذلك العلم التفصيلي بحث عن معرفتها الإمام المتكلم بهاء الدين عبد الوهاب بن عبد الرحمن المصري الإخميمي وكانت له يد باسطة في علم الكلام وكان يقول يعلم الله تعالى ذلك على التفصيل حيث تعلق الإرادة به وحين تعلق القدرة به فإنه إذا علمه أراده وإذا أراده أوجده كالمعلوم على التفصيل لا يكون إلا متناهيا
وأنكرت أنا عليه ذلك وقلت إنه يلزمه تجدد العلم القديم ولكن للإمام أن يقول يعلم على التفصيل الخارج منه إلى الوجود لأنه يعلم ما سيخرج منه وهنا نظر دقيق وهو أنك تقول إذا كان نعيم أهل الجنة لا يتناهى وما لا يتناهى عنده لا تفصيل له فكيف تقول إنه يعلمه مفصلا والفرض أن لا يفصل
والجواب أن ما لا يتناهى له حالتان حالة في العدم ولا كون له إذ ذاك ولا تفصيل عند الإمام وحالة خروجه من العدم إلى الوجود وهو مفصل يعلمه الرب تعالى مفصلا وهذا رد على المازري على قاعدة مذهب شيخنا أبي الحسن
ثم نقول مذهب إمام الحرمين الذي صرح به في الشامل أنه يستحيل اجتماع العلم بالجملة والعلم بالتفصيل فإن من أحاط بالتفصيل استحال في حقه تقدير العلم بالجملة
قال في الشامل فإن قيل فيلزمكم من ذلك أحد أمرين إما أن تصفوا الرب سبحانه وتعالى بكونه عالما بالجملة على الوجه الذي يعلمه وإما أن تقولوا لا يتصف الرب بكونه عالما بالجملة فإن وصفتموه بكونه عالما بالجملة لزم عن طرد ذلك وصفه بالجهل

بالتفصيل تعالى وتقدس وإن لم تصفوه بكونه عالما بالجملة فقد أثبتم للعبد معلوما وحكمتم بأنه لا يثبت معلوما للرب تعالى سبحانه وهذا مستنكر في الدين مستعظم في إجماع المسلمين إذ الأمة مجمعة على أن الرب عالم بكل معلوم لنا
فالجواب عن ذلك أن نقول لا سبيل إلى وصف الرب تعالى بكونه عالما بالمعلومات على الجملة فإن ذلك متضمن جهلا بالتفصيل والرب تعالى يتقدس عنه عالم بتفاصيل المعلومات وهي مميزة منفصلة البعض عن البعض في قضية علمه والعلم بالتفصيل يناقض العلم على الجملة فلم يبق إلا ما استبعده الشامل من تصور معلوم في حق المخلوق ولا يتصور مثله في قضية علم الله تعالى وهذا ما لا استنكار فيه وليس بيد الخصم إلا التشنيع المجرد
انتهى
وفيه تصريح بأن الرب يعلم ما لا يتناهى مفصلا ثم صرح بأن العلم بالجملة يخالف العلم بالتفصيل وأنهما غير متضادين
قال ولكن لما افتقر العلم بالجملة إلى ثبوت جهل بالتفصيل أو شك أو غيرهما من أضداد العلوم فيؤول إلى المضادة
ثم نقل آخرا عن الشيخ رضي الله عنه أن الرب تعالى عالم بالجملة والتفصيل
ثم قال وهذا مما أستخير الله فيه وصرح في هذا الفصل في غير موضع بأن الرب تعالى يعلم ما لا يتناهى مفصلا
واستدل أيضا المازري على فساد ما ذهب إليه الإمام من أن العلم التفصيلي لا يتعلق بما لا يتناهى بأن ما استرسل إليه علم الله تعالى إما أن يخرج منه إلى الوجود أو لا فإن لم يخرج منه شيء منعنا نعيم أهل الجنة الثابت بالشرع وإن خرج منه فردان أو ثلاثة فإن لم يعلمها الرب سبحانه على سبيل التفصيل يلزم أن يكون جاهلا بكل شيء وإن علمها على التفصيل بعلم حادث فهذا مذهب الجهمية القائلين بأن الله سبحانه وتعالى يعلم المعلومات بعلوم محدثة وهو باطل فلم يبق إلا أن يعلمها بعلمه القديم الواحد على

التفصيل ويفرض ذلك في كل ما خرج منها إلى الوجود حتى يؤدي إلى إثبات علمه بالتفصيل فيما لا يتناهى كما قال المسلمون
انتهى

سعيد فودة
24-07-2004, 23:44
وللإمام أن يقول يعلمها بالعلم القديم الواحد إلا أن العلم القديم يشملها معدومة على سبيل الإجمال لعدم تفصيلها حالة العدم في نفسها ويشملها موجودة على سبيل التفصيل وإن لم تتناه فلا جهل ولا جهمية ولا علم تفصيل بما لا تفصيل له
هذا أقصى ما عندي في تقرير كلام الإمام ثم أنا لا أوافقه على أن ما لا يتناهى لا تفصيل ولا تمييز له بل هو مفصل مميز
وقد صرح الإمام بذلك في الشامل ودعواه أن مما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود وقوع تقديرات غير متناهية في العلم دعوى لا دليل عليها فمن أين يلزم من كون الموجود متناهي العدد أن يكون المعلوم متناهيا وقوله إن دخول ما لا يتناهى في الوجود مستحيل كلام ممجمج فإنه دخل وخرج عن كونه غير متناه
ولئن عنى بغير المتناهي الذي لا آخر له فنعيم أهل الجنة يدخل في الوجود وهو لا يتناهى
وإن عنى ما لا يحيط العلم بجملته فإن أراد علم البشر فصحيح لأن علمهم يقصر عن إدراك ما لا يتناهى مفصلا وإن عنى علم الباري فممنوع بل هو محيط بما لا يتناهى مفصلا
وسمعت بعض الفضلاء يقول إن الإمام لم يتكلم في هذا الفصل إلا في العلم الحادث دون العلم القديم
وفي هذا نظر


فهذا منتهى الكلام على كلامه ولا أقول إنه مراده وإنما أقول هذا ما يدل عليه كلامه هنا وليس هو من العظيمة في الدين في شيء ولا خارجا عن قول المسلمين حتى يجعلهم في جانب والإمام في جانب وإنما العظيمة في الدين والسوء في الفهم أن يظن العاقل انسلال إمام الحرمين من ربقة المسلمين ولا يحل لأحد أن ينسب إليه أنه قال إن الله لا يحيط علما بالجزئيات من هذا الكلام
وأما اعتذار المازري بأنه خاض في علوم من الفلسفة إلى آخره فهذا العذر أشد من الذنب
ثم قال المازري في آخر كلامه لعل أبا المعالي لا يخالف في شيء من هذه الحقائق وإنما يريد الإشارة إلى معنى آخر وإن كان مما لا يحتمله قوله إلا على استكراه وتعنيف
ونحن نقول إنما أشار إلى معنى آخر وقد أريناكه واضحا
وقال الشريف أبو يحيى بعد ما نال من الإمام وأفرط تبعا للمازري يمكن الاعتذار عن الإمام في قوله يستحيل تعلق علم الباري تعالى بما لا يتناهى آحادا على التفصيل بل يسترسل عليها استرسالا بتمهيد أمر وهو أن الحد الحقيقي في المثلين أن يقال هما الموجودان اللذان تعددا في الحس واتحدا في العقل وحد الخلافين أنهما الموجودان المتعددان في الحس والعقل ألا ترى أن البياضين والسوادين وغيرهما من المثلين متعددان في الحس بالمحل وفي العقل متحدان والسواد والبياض وغير ذلك من المختلفات متعددان حسا وعقلا
وإذا تقرر هذا فيمكن أن يقال إنما أراد بقوله يسترسل عليها استرسالا للأمثال المتفقة في الحقيقة فإن العلم يتعلق بها باعتبار حقيقتها تعلقا واحدا فإن حقيقتها واحدة كالبياض مثلا فإن آحاده لا تختلف حقيقة فعبر عن هذا بتعلق العلم بالأمثال جملة يريد العلم بالحادث وإن كان العلم القديم يفصل ما يقع منها مما علم أنه يقع في زمان دون زمان ومحل دون محل
انتهى


وأقول هذا راجح إلى ما قلناه بل هو زائد عن كلام الإمام لأنه يدعي أن المماثلات لا تعرف إلا بحقيقتها ولا شك أنها ممتازة بخواصها
ثم قال أبو يحيى والذي يعضد هذا التأويل ما ذكره في الكلام مع اليهود في النسخ حيث قال فإن الرب تعالى كان عالما في الأزل بتفاصيل ما لم يقع فكيف يذكر في أول الكتاب أمرا وينقضه في آخره هذا بعيد ممن له أدنى فطنة في العلوم فكيف بهذا الرجل المتبحر في العلوم فيكون هذا تعضيد ما ذكرناه من التأويل له وإن كان الكلام الأول قلقا جدا وظاهره شنيع أو يكون ما ذكره آخرا من التصريح بعدم تعلق العلم بما لا يتناهى تفصيلا مما تقول عليه ودس عليه في كتابه وقد يعقل ذلك والله أعلم بما وقع من ذلك
انتهى
قلت وإني أستبعد أن يكون كما ذكر من أنه افترى عليه ودس في كتابه
ويشهد لذلك تصريحه في الشامل بأنه تعالى يعلم ما لا يتناهى على سبيل التفصيل وأنه متميز بعضه عن بعض
وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة ولولا يستعيب السفهاء على هذا الإمام بها لما تكلمنا عليها
ذكر بقايا من ترجمة إمام الحرمين رضي الله تعالى عنه



طبقات الشافعية الكبرى ج:5 ص:207
انتهى كلام الإمام السبكي، وهو واضح وضوح الشمس في عدم قول الإمام بما ينسبه إليه الجاهلون بمعاني كلامه، ولعمري إن كلام الإمام الجويني أعلى بمراحل من جميع من تكلموا عليه واعترضوا عليه.
وأما تشنيع السفهاء من المجسمة المعاصرين عليه فهم لا يستحقون النظر لأنهم لا يفهمون هذه المعاني أصلا، وهم يتبعون في ذلك سلفهم ممن اعترض عليه ونقل كلاما لا يفهمه، كما قال الإمام السبكي رحمه الله تعالى.

بلال النجار
27-07-2004, 08:58
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد، فإن من المثل السائر بين الناس أنك بم تعرف الكذبة، قالوا من كبرها. ولقد والله بهت صاحب هذه القصّة إمام الحرمين.
فالسؤال الذي توجه إلى الإمام حاصله:
(أن الضرورات العقليّة لا تعارض بالنظريات. وإنه ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوقية. فما سبب هذا القصد الضروري، إما أن تبيّنه لنتخلص من اعتقاد الفوقيّة المكانيّة أو تلتزم بهذا الدليل الضروريّ الدال على أنّ الله تعالى في جهة الفوق)

هذا حاصل السؤال. ثمّ بعد ذلك أيها السادة، يبكي السائل، ويبكي المسؤول وهو إمام الحرمين، ويتحيّر، ويندهش، ويتأفف، ويقول حيّرني الهمذاني، ويخرق ما كان عليه من عقد، ويعود إلى رأي السائل في هذا المسألة...

ولا أريد أن أعلّق بكلمة على هذه الحكاية السخيفة والسؤال التافه، أريد من حضراتكم أن تتخيّلوا إمام الحرمين كما تعرفون شخصيّته من كتبه، بهيبته وقوّته الفكريّة أمامه واحد يسأله سؤالاً يقدح به في معتقد من البديهيات التي يقررها الإمام الجويني في كتبه. ثم القصة برمتها أتفه من أن يرد عليها، فهل مثل إمام الحرمين يسلّم لهذا الجاهل ما ادعاه ضرورة عقليّة!!!
والله الموفق

بلال النجار
27-07-2004, 09:01
تلخيص جواب السبكي عن مسألة الاسترسال الواقعة في كتاب البرهان مع بعض توضيحات
المسألة الأولى: في إثبات أنّ إمام الحرمين يعتقد أنّ الله تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليّات والجزئيّات

أولاً: لو كان الإمام على هذه العقيدة لم يحتج إلى أن يدأب نفسه في تصنيف النهاية في الفقه وفيه جزئيات لا تنحصر، وعلم الله تعالى غير متعلق بها على هذا التقدير.
ثانياً: الإمام بريء من هذه التهمة بدليل أن أحداً من الأشاعرة لم ينقل هذا عنه مع تتبعهم لكلامه ومع أن تلامذته وتصانيفه ملأت الدنيا ولم يعرف أن أحداً عزا ذلك إليه وهذا برهان قاطع على كذب من تفرد بنقل ذلك عنه فإنه لو كان صحيحاً لتوفرت الدواعي على نقله.

ثالثاً: أن للإمام كتابَ الشامل في علم الكلام والمسألة المذكورة حقها أن تقرر فيه لا في البرهان الباحث في أصول الفقه، فلم لا يكشف عن عقيدته فيه وفي كتبه الكلاميّة الأخرى إن كان قائلاً بها.
رابعاً: كلمات هذا الإمام في كتبه الكلامية تقرر إحاطة علم الله تعالى عنده بالجزئيات وتعتبر ذلك أمراً مفروغاً منه وأصلاً مقرراً يكفر من خالفه فيه، فكيف يكفّر القائل به ثمّ يقول هو به!
وهذه مواضع من كلامه:

الموضع الأول: قال في الشامل في القول في إقامة الدلائل على الحياة والعلم بعد أن قرر إجماع الأمة على بطلان قول من يثبت علمين قديمين ما نصه: [فلم يبق إلا ما صار إليه أهل الحق من إثبات علم واحد قديم متعلق بجميع المعلومات] انتهى

الموضع الثاني: وقال في الشامل: [فإن قال قائل: إذا جوزتم أن يخالف علم القديم العلمَ الحادث ولم تمنعوا أن يتعلق العلم الواحد بما لا يتناهى، ومنعتم ذلك في العلم الحادث.... ثم أجاب عن الاعتراض بقوله: (قلنا: الدلالة دلت على وجوب كون القديم عالما بجميع المعلومات )]
ثم قال: [فإن قيل ما دليلكم على وجوب كونه عالماً بكل المعلومات؟ وبم تنكرون على من يأبى ذلك؟
(قلت: قد تدبرت كلام المشايخ في كتبهم ومصنفاتهم وأحطت في غالب ظني بكل ما قالوه)
وذكر طريقة ارتضاها في الدلالة على ذلك وختمها بما نصه: (فهذه هي الدلالة القاطعة على وجوب كون الإله سبحانه عالما بكل معلوم)] انتهى

الثالث: قال في باب القول في أن العلم الحادث هل يتعلق بمعلومين ما نصه: [إذا عَلِمَ العالِمُ منا أن معلومات الباري لا تتناهى انبهر] وكرر في هذا الفصل أنه تعالى يعلم ما لا يتناهى على التفصيل غير ما مرة.

الرابع: قال في الإرشاد في مسألة تقرير العلم القديم ما نصه: [ومما يتمسكون به أن قالوا: علم الباري سبحانه وتعالى على زعمك يتعلق بما لا يتناهى من المعلومات على التفصيل... إلخ] ثم لما أجاب عن شبهة القوم قرر هذا التقرير وهو عنده مفروغ منه.

الخامس: وكذلك في البرهان في باب النسخ صرح بأن الله تعالى يعلم على سبيل التفصيل كل شيء.

إذا عرفت ذلك فإنك تستيقن من كلام الإمام رحمه الله بأن الله تعالى عالم بجميع المعلومات من كليّات وجزئيّات، وهو المطلوب الأوّل. ويليه المسألة الثانية في رفع الإشكال عن كلامه في كتاب البرهان. وتوجيه كلامه بما يتوافق مع اعتقاده الذي عرفناه وهو أنّ علم الله تعالى محيط بكلّ معلوم من الكليّات والجزئيّات.

بلال النجار
27-07-2004, 13:23
المسألة الثانية: في رفع الإشكال عن كلام الإمام في البرهان

أولاً: إنّ كلّ كلام نقرأه فإنه إما أن يكون واضحاً وإما أن يكون مشكلاً، وكلام الإمام في البرهان لا شكّ أنّه دقيق لدقّة المسألة، وهو مشكل بحيث أبهم أمره على المازري وغيره. ولنا أن نقول إذا كان هذا الكلام من الإمام مشكلاً فإن الأصل أن نتمسّك بصريح تقريراته في كتبه حول هذه المسألة، ونجعل ذلك أساساً لفهم هذا الكلام. لأنّ الكلام المبيّن هو أساس فهم الكلام المجمل والمشكل. على أنّا نرى بأنّ من اتهمه لم يفهم أنّ إيراد الإمام وكلامه المشار إليه مبني على إحاطة العلم القديم بالجزئيات –كما ستعرف- فكيف يؤخذ منه خلافه.

ثانياً: إذا تقرر أنّ الإمام لا يمكنه أن ينفي علم الله تعالى بالجزئيّات، وأنّ كلامه في البرهان مشكل، فلا بدّ إذاً أن نحاول فهم كلامه ونتأمله جيّداً قبل التسرع في الحكم على إمام جليل مثله يعتبره جميع علماء أهل السنة إماماً لهم، ولو قال ذلك وثبت عنه لخرج من أهل السنّة قطعاً إلى حظيرة كفار الفلاسفة، حاشاه. فلخطورة هذا الأمر، لا بدّ من الروية في الحكم عليه وفيما يلي كلامه في البرهان مع التعليق عليه:
قال إمام الحرمين في البرهان: [وأما المميز بين الجواز المحكوم به، والجواز بمعنى التردد والشك فلائح، ومثاله: أن العقل يقضي بجواز تحرك جسم، وهذا الجواز ثبت بحكم العقل، وهو نقيض الاستحالة، وأما الجواز المتردد فكثير، ونحن نكتفي فيه بمثال واحد ونقول: تردد المتكلمون في انحصار الأجناس كالألوان فقطع القاطعون بأنها غير متناهية في الإمكان كآحاد كل جنس، وزعم آخرون أنها منحصرة، وقال المقتصدون لا ندري أنها منحصرة ولم يبنوا مذهبهم على بصيرة وتحقيق، والذي أراه قطعاً أنها منحصرة، فإنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها بآحاد على التفصيل وذلك مستحيل، فإن استنكر الجهلة ذلك، وشمخوا بآنافهم، وقالوا الباري تعالى عالم بما لا يتناهى على التفصيل، سفّهنا عقولهم وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات. وبالجملة علم الله تعالى إذا تعلق بجواهر لا نهاية لها فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير تعرض لتفصيل الآحاد مع نفي النهاية، فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقريرات غير متناهية في العلم، والأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل استرسال الكلام عليها، فإنها متباينة الجواهر وتعلق العلم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال وإذا لاحت الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما شاء] اهـ كلامه

تحليل عبارات الإمام:
أولاً: [مقصود الإمام بهذا الكلام التفريق بين إمكان الشيء في نفسه وبين الإمكان الذهني]
وشرح الإمام إمكان الشيء في نفسه بأنه كون الشيء غير مستحيل وعبر عنه بالجواز المحكوم به، ومثّل له بجواز تحرك جسم ساكن.

وشرح الإمكان الذهني للشيء بأنه الشك والتوقف الناشئ عن عدم العلم بذلك الشيء. وعبر عنه بالجواز بمعنى التردد، ومثل له بالشك في تناهي الأجناس وعدم تناهيها عند الشاكين في تناهيها مع أن عدم تناهيها يستحيل عنده.
أي أنّه يمكن أن يكون الشيء مستحيلاً في نفسه ولكن الذهن يتردد في الحكم عليه نفياً أو إثباتاً لنقص الدلائل عنده. فهذه الحال المترددة للذهن هي ما سماه الإمكان الذهني. وأما المثال على هذا الإمكان الذهني فهو أنّ أجناس المخلوقات هل هي منحصرة متناهية العدد أوْ لا؟
فإنّ من لم يعلم البرهان على تناهيها أو استحالة عدم تناهيها فإنه يتوقف في ذلك توقّف الشاكّ المجوّز للاحتمالين، مع أنّ تناهي الأجناس أمر مفروغ منه عند أمثال الإمام الجويني كما سيأتي الدليل عليه.

ثانياً: للاستدلال على تناهي الأجناس وانحصارها قال: [لو كانت الأجناس غير منحصرة لتعلق العلم بآحاد لا تتناهى على التفصيل]
فالملزوم ههنا هو عدم تناهي الأجناس، واللازم هو العلم الإلهيّ بآحاد غير المتناهي على التفصيل.
وهذا هو بيت القصيد أيها السادة، وهو الدليل القاطع على أنّ إمام الحرمين يعتقد بأنّ الله تعالى عالم بجميع المعلومات من الكليّات والجزئيات. فإن تالي هذه القضيّة الشرطيّة الذي التزمه الإمام هو أنّ الله تعالى عالم بجميع هذه الجزئيات على التفصيل. ولو كان الإمام يعتقد خلاف ذلك، لم يقل إنه يلزم من عدم تناهي الأجناس أن يعلم الله تعالى آحادها على التفصيل.

وقد عرفت اللازم والملزوم، أمّا بيان الملازمة فهو:
أن الله تعالى عالم بكل شيء فإذا كانت الأجناس غير متناهية بالفعل في الواقع، وجب أن يعلمها غير متناهية لأنه يعلم الأشياء على ما هي عليه. واعلم أن الإمام إنما سكت عن بيان الملازمة لأن دليلها كالمفروغ منه، لأنّ أهل السنّة مجمعون على أنّ الله تعالى عالم بجميع المعلومات. فإن كان كون الأجناس غير متناهية أمراً معلوماً أي يمكن أن يعلم في نفسه فالله تعالى عالم به وجوباً.

ثالثاً: إكمال دليل الإمام على تناهي الأجناس
أنت خبير أنّ هذا القياس استثنائي، فإذا فهمت اللازم والملزوم وبيّنت أنّ ثمّة ملازمة بينهما فلا بدّ من إجراء استثناء لتكتمل أجزاء القياس لينتج مطلوباً، كما بيّناه في قسم المنطق وبعض المقالات الأخر في هذا المنتدى.

فالشرطيّة هي:
إذا كانت الأجناس لا متناهيّة، فالله عالم بآحادها على التفصيل.

والاستثناء هو: لكن اللامتناهي لا تفصيل له حتى يصح أن يعلم على التفصيل. فانتفى علمه التفصيلي بها، لا لأن الله تعالى لا يعلم التفاصيل والجزئيّات، بل لأنّ المعلوم ههنا بحسب الفرض لا متناهٍ واللامتناهي لا تفصيل له حتّى نقول الله عالم بتفصيله. فصار الإمام إلى القول بالاسترسال كما سيأتي.

وبهذا الاستثناء بان بطلان اللازم، وإذا بطل اللازم فالملزوم باطل مثله. والنتيجة أنّ الأجناس متناهية.

وأكرر مرّة أخرى ضرورة ملاحظة أنّ الإمام الجويني في هذا الكلام استند في هذا القياس إلى مقدّمة بديهيّة مفروغ منها عنده، وهو علم الله تعالى التفصيليّ بالآحاد والجزئيّات، تقرير هذه المقدّمة أنّ كلّ ما كان له جزئيّات متمايز بعضها عن بعض فالله تعالى يعلمه علماً تفصيليّاً لأنّ الله تعالى عالم بكلّ معلوم كليّاً كان أو جزئيّاً.
فكيف يقال بعد ذلك إن الإمام الجويني في هذا الكلام ينفي علم الله تعالى بالجزئيّات ويقول بقول الفلاسفة. إنّ هذا لمن العجب العجاب. من ذلك تعلم أنّ جهة كلامه غير ما توهمه من ادّعى ذلك عليه. كما سنبينه أكثر إن شاء الله تعالى.
إنّ غاية ما ادعاه الإمام الجويني في هذه المسألة أنّ اللامتناهي لا تمايز بين أفراده ولا تفصيل له، وعليه فيستحيل أن يعلم على التفصيل، لأنّ ما يصح أن يعلم على التفصيل فلا بدّ أن يكون منحصراً متناهياً.
فإذا سلّم للأمام الجويني أنّ ما يصحّ أن يعلم على التفصيل فلا بدّ أن يكون منحصراً متمايزاً متناهياً، لأنّ ما لا يتناهى لا تفصيل له ولا تمايز بين أفراده، فيلزمنا أن نقول إن الله تعالى لا يتعلّق علمه بتفاصيل ما لا يتناهى، لئلا نثبت لله تعالى الجهل. لأنّ علمه لا بدّ أن يكون مطابقاً للأمر في نفسه.
وهذا القدر الذي يقرر الإمام الجويني لا يستلزم الطعن فيه، ولا التشنيع عليه والتمادي في ذلك إلى درجة عدّه من زمرة كفار الفلاسفة، والعياذ به. بل الظاهر أن هذا الإمام اجتهد ونظر، ونظره له وجه قويّ أيضاً.

فالمسألة باختصار هي أن ما لا يتناهى هل هو في نفسه متميز بعضه عن بعض أوْ لا، فإن كان متميّزاً بالفعل وجب اعتقاد أن الرب سبحانه وتعالى يعلمه على التفصيل، والإمام كما رأينا يقرر ذلك ولا يخالف فيه ويجعله واحدة من مقدّماته، وبذلك يردّ على من ادعى عليه القول بأنه ينفي علم الله تعالى التفصيليّ ويثبت له العلم بالكليّات فحسب.
وأما إن لم يكن اللامتناهي متميّزاً بعضه عن بعض فإما أن يصحّ أن يعلم بالتفصيل أوْ لا يصحّ أن يعلم بالتفصيل. واختيار الإمام هو أنه لا يجوز أن يعلم على التفصيل كيلا يلزم الجهل له تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، لأنّ الجهل هو العلم بالشيء على خلاف ما هو عليه، فإذا كان الشيء غير متميّز بعضه عن بعض في نفسه وقلنا إنّ الله تعالى يعلمه متميّزاً بعضه عن بعض فقد حكمنا بأنّ الله تعالى يعلم هذا الشيء على خلاف ما هو به. هذا حاصل استدلال الإمام على عدم تعلّق علمه تعالى بتفاصيل ما لا نهاية له.

فأقول وأعيد: إذا سلّمنا للإمام أنّ ما لا يتناهى لا تتميّز أفراده في نفسها، وأنّ ذلك شرط لعلمه التفصيلي بتلك الأفراد، فيجب أن نسلّم مقالته هذه، وإذا لم نسلّم له ذلك، بأن قلنا إنّ ما لا يتناهى متميّز بعضه عن بعض، ويمكن أن تعلم أفراده على التفصيل فإننا يجب أن نخالفه في مقالته هذه.
وقد قال السبكيّ قولة في غاية التحقيق، وهي: أن الإمام يحتاج إلى دلالة على أن ما لا يتناهى لا تفصيل له ولا يتميز بعضه عن بعض حتى يسلم له مراده. ثمّ قال: وهو ممنوع. أيّ أنه يطلب الدليل على ذلك منه.
وأنا أقول ذلك أيضاً. محتجاً بقول أهل السنة بأنّ كمالات الله تعالى لا نهاية لها، وأنّ الله تعالى عالم بها علماً قديماً تفصيلياً. ومحتجاً أيضاً بأنّ كلّ ما سيقع في الوجود من أفعاله تعالى فهو مراد له، وإنّ ما سيقع في الوجود في القابل من نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار لا نهاية لأفراده بإجماع أهل السنّة، وهذه الأفعال ما دامت واقعة لا محالة فهي مرادة له تعالى فلا بدّ أن تكون معلومة له بالتفصيل قديماً.
والمسألة في غاية الدقّة كما ترون، والرويّة فيها مطلوبة. وسنكمل الكلام إن شاء الله تعالى على بقيّة كلام الإمام حتى نزداد فهماً للحلّ الذي قدّمه وهو الاسترسال. ونقف على هذا المعنى ونتبيّن هل يلزم منه إثباته نقص للمولى جلّ شأنه بحيث يستلزم منا أن نعتقد تنزهه سبحانه عنه أوْ لا.
ونحن وأنتم أيها السادة من أهل السنّة، وكلّنا متّفقون على أصل كبير، وهو أنّ من قال قولاً خالف فيه أمراً مجمعاً عليه عند أهل السنّة فهو مردود عليه، كائناً من كان، لأنه كما قال السبكي: لا عصمة لأحد عندنا بعد النبيّ صلى الله عليه وسلّم. ومن اجتهد وكان لاجتهاده وجه فإننا نعذره ولا نشنع عليه، بل نتخذ منه الموقف الشرعيّ الصحيح بحسب مقالته ودليله. فإن نظرنا في دليله ووجدناه خاطئاً لم نوافقه في قولته مع احترامنا لعلمه وقدره واجتهاده، سائلين الله تعالى أن يكتب له بذلك أجراً، وإن رأيناه مصيباً أخذنا بقوله.
فدعونا نناقش ما تبقّى من كلامه، مع توجيهات السبكي له، ونفهم هذا الكلام جيّداً قبل الحكم عليه. وهكذا يفعل أهل الحقّ، فهذه سنّة العقلاء في كلّ عصر.
والله تعالى الموفّق.

أحمد غانم جاسم
09-01-2007, 12:52
هذه مشاركة كنت كتبتها لمنتدى النيلين لما رأيت الموضوع هناك لكنني منذ أكثر من شهر لم أحصل على العضوية ولا أدري ما السبب، وهذه هي كما كتبتها من غير تغيير يناسب المكان لعدم اسعاف الوقت لذلك. وبالله تعالى التوفيق.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أنا عضو جديد بالمنتدى وأريد أن أذكر رأيي في هذا الموضوع وأبين ما أراه خفي على غيري- والله تعالى أعلم -:
قبل بيان حقيقة قول إمام الحرمين- رحمه الله تعالى – لابد من العلم بأنه لا توجد أي علاقة بين ما ذكره الجويني وما هو مذكور عن ابن تيمية فهما قضيتان منفصلتان ولا يسوغ إذا ما أردنا ذكر عقيدة كفرية عن رجل أن نعترض بأن فلاناً كذلك عنده عقيدة كفرية أخرى فلا تذكروا عقيدة الرجل بسوء حتى لا نذكر عقيدة فلان بسوء كذلك. هذا ليس من المنهج العلمي في شيء وهو الذي أراه هنا فعندما ذكر بعض الأخوة عقيدة ابن تيمية رد عليه أخ آخر بعقيدة إمام الحرمين ولم يرد على ما ذكر عن ابن تيمية رداً علمياً وهذا يعني – وهي الحقيقة – أن ما ذكر عن ابن تيمية لاصق به لا محالة وإلا لرده. هذا أولاً.
ما ينسب إلى إمام الحرمين من القول بأن علم الله تعالى لا يتعلق بتفاصيل ما لا ينتهي لا يشك مسلم في أنه كفر صريح مخرج من الملة كما أن ما ذكره ابن تيمية- وهو كثير ذكر بعضه – هو كذلك كفر صريح لا شك فيه. هذان أمران لابد أن يتفق عليهما الجميع قبل كل شيء. لكن هل ما نسب إلى إمام الحرمين صحيح؟ هذا موضوع آخر أبينه فيما يلي بما لم يسبقني إليه أحد فيما أظن والله تعالى أعلم:
يعتقد إمام الحرمين بأن علم الله تعالى يتعلق بتفاصيل كل شيء أي بالكليات والجزئيات وقد صرح بذلك في كتبه وقد نقل بعضها في هذا المنتدى، أما ما ذكره في كتاب البرهان فهو تأكيد لهذا الأمر ودليل عليه لا مناقضاً له كما فهم منه، فإن الإمام ذكر المسألة في مقام التدليل على استحالة دخول ما لا يتناهى في حيز الوجود، وأنا أبينه لكم بثلاث طرق للإيضاح وتسهيل المسألة فأقول وبالله تعالى التوفيق:
الطريق الأولى:
علق إمام الحرمين (عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء) علقه وربطه بأمر جعله مستحيلاً وهو (دخول ما لا ينتهي من الجواهر في حيز الوجود) فهو بذلك يقول باستحالة (عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء) لأنه ربطه بأمر قرر استحالته وما ربط وعلق بالمستحيل فهو مستحيل فلا يصح أن يقال بأن إمام الحرمين يقول ب(عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء) ولا بجوازه، وذلك كما أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم عن الكافرين (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) فهو -سبحانه- علق دخول الكفار الجنة بأمر مستحيل وهو دخول الجمل وهو على حجمه الطبيعي في سم الخياط على صغر حجمه وما علق بالمستحيل فهو مستحيل فدخول الكفار الجنة أمر مستحيل كما قال -سبحانه- بآيات: (إن الله حرمهما على الكافرين)، فهل يقال إن الله سبحانه بين أن الكفار سيدخلون الجنة لأنه نفى الدخول إلى غاية دخول الجمل في سم الخياط؟! أو يقال جوز دخولهم الجنة لذات السبب؟! مع أن الجمل يستحيل دخوله في سم الخياط، ولهذا أمثلة أخرى في القرآن الكريم وهذا المثال يكفي إن شاء الله تعالى.
الطريق الثانية:
وهي بطريقة القياس العقلي بمقدمتين كبرى وصغرى ونتيجة، فالمقدمة الكبرى:
( عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء إذا كانت الموجودات -أي الداخلة في الوجود- غير منحصرة-أي لا تتناهى-) والمقدمة الصغرى: (كون الموجودات -أي الداخلة في الوجود- غير منحصرة-أي لا تتناهى- هو أمر مستحيل) وهاتان المقدمتان مأخوذتان من كلامه في (البرهان)، فما هي النتيجة لهاتين المقدمتان بعد حذف الحد الأوسط (أي الكلام المكرر في المقدمتين)؟ النتيجة واحدة وجلية وهي: (عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء هو أمر مستحيل) أي أنه يجب عقلا أن يتعلق علم الله تعالى بتفاصيل كل شيء. أليست هذه النتيجة جلية واضحة وبأجلى قياس وأوضحه؟! ولكن عجبي من الأئمة –كالسبكي-رحمه الله تعالى- الذين لم يتبين لهم هذا الأمر على وضوحه. وهذه النتيجة ستراها كذلك موجودة في كتاب (البرهان) ذاته فانتظرها.
الطريق الثالثة:
وذلك بأن يقول زيد مثلاً: ((القول بمشابهة الله تعالى للبشر كفر وهو مستحيل قطعاً لأن ذلك معناه أن الله سبحانه مخلوق أو أن من شابهه من البشر كان إلهاً، وإذا لاحت الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما شاء)). فهل نقول إن زيداً يقول: إن الله سبحانه مخلوق؟! أو هل نقول إنه قال بأن البشر آلهة؟! أم أننا لا نشك في أن زيداً اعتبر القول بهما كفراً وقطع باستحالته لأنه جعلهما معلقين بقولٍ جعله كفراً ومستحيلاً قطعاً وهو مشابهة الله تعالى لخلقه؟! أليس هذا أمراً بديهياً؟!
فهذه الطرق الثلاثة إذا فهمت أي واحدة منها ستعلم حقيقة قول الإمام -عليه رحمة الله سبحانه-
أما ما ذكره بعض الأخوة هنا من نعيم الجنة الذي لا يتناهى فلا يتناوله كلام الإمام -رحمه الله تعالى عليه- كما يظن من ذكره؛ فإن ما لا يتناهى الذي ذكره الإمام هو ما دخل في حيز الوجود وهو أمر مستحيل قطعاً كما قرره الإمام، أما نعيم الجنة وعذاب النار غير المتناهيين فليس معنى عدم تناهيهما أن ما لا يتناهى موجود بل بمعنى أنه ما من نعيم موجود إلا وبعده نعيم سيوجد وهكذا إلى ما لا يتناهى، وكذلك عذاب النار. وهذا الذي لا يتناهى من النعيم والعذاب حق عند أهل السنة والجماعة وهو اعتقادهم. أما الآخر الذي حكم باستحالته الإمام (وهو الحق) فهو دخول ما لا يتناهى في حيز الوجود، بمعنى أنه ما من موجود إلا وبعده وقبله موجود وهكذا تكون الموجودات الآن -مثلاً- غير متناهية. فالفرق بينهما ببساطة هي في كلمة (سيوجد) و(موجود) فالإمام تكلم عن الثانية للأولى فحكم عليها بالاستحالة قطعاً، أما نعيم الجنة وعذاب النار فإنهما غير متناهيين قطعاً كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وإن كان الأخ الذي اعترض على الإمام بالنعيم لم يذكر عذاب النار فلعله عنده مما يتناهى كما هي عقيدة ابن تيمية في فناء النار ودخول الكفار الجنة نسأل الله تعالى العافية.
وأخيراً فإن إمام الحرمين -رحمه الله تعالى- صرح بأن علم الله تعالى شامل لكل شيء بتفاصيله التي لا تنتهي فيما لا يزال ليس في كتابه الشامل أو النظامية أو غيرهما فحسب بل في كتابه البرهان ذاته فإنه قال في كتاب البرهان في باب النسخ(فإن الرب تعالى كان عالما في أزله تفاصيل ما يقع فيما لا يزال)
فقوله (فيما لا يزال) هو معنى (ما لا يتناهى) كنعيم الجنة وعذاب النار. أنظر البرهان ج2 باب النسخ ص847. فقوله هنا هو نتيجة تلك المقدمتين اللتين ذكرناهما سابقاً. وهذا نهاية البيان فلله سبحانه الحمد والمنة.

أبو إسلام أحمد غانم
من العراق
هاتف: 07701833714

أحمد غانم جاسم
09-01-2007, 12:52
هذه مشاركة كنت كتبتها لمنتدى النيلين لما رأيت الموضوع هناك لكنني منذ أكثر من شهر لم أحصل على العضوية ولا أدري ما السبب، وهذه هي كما كتبتها من غير تغيير يناسب المكان لعدم اسعاف الوقت لذلك. وبالله تعالى التوفيق.

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أنا عضو جديد بالمنتدى وأريد أن أذكر رأيي في هذا الموضوع وأبين ما أراه خفي على غيري- والله تعالى أعلم -:
قبل بيان حقيقة قول إمام الحرمين- رحمه الله تعالى – لابد من العلم بأنه لا توجد أي علاقة بين ما ذكره الجويني وما هو مذكور عن ابن تيمية فهما قضيتان منفصلتان ولا يسوغ إذا ما أردنا ذكر عقيدة كفرية عن رجل أن نعترض بأن فلاناً كذلك عنده عقيدة كفرية أخرى فلا تذكروا عقيدة الرجل بسوء حتى لا نذكر عقيدة فلان بسوء كذلك. هذا ليس من المنهج العلمي في شيء وهو الذي أراه هنا فعندما ذكر بعض الأخوة عقيدة ابن تيمية رد عليه أخ آخر بعقيدة إمام الحرمين ولم يرد على ما ذكر عن ابن تيمية رداً علمياً وهذا يعني – وهي الحقيقة – أن ما ذكر عن ابن تيمية لاصق به لا محالة وإلا لرده. هذا أولاً.
ما ينسب إلى إمام الحرمين من القول بأن علم الله تعالى لا يتعلق بتفاصيل ما لا ينتهي لا يشك مسلم في أنه كفر صريح مخرج من الملة كما أن ما ذكره ابن تيمية- وهو كثير ذكر بعضه – هو كذلك كفر صريح لا شك فيه. هذان أمران لابد أن يتفق عليهما الجميع قبل كل شيء. لكن هل ما نسب إلى إمام الحرمين صحيح؟ هذا موضوع آخر أبينه فيما يلي بما لم يسبقني إليه أحد فيما أظن والله تعالى أعلم:
يعتقد إمام الحرمين بأن علم الله تعالى يتعلق بتفاصيل كل شيء أي بالكليات والجزئيات وقد صرح بذلك في كتبه وقد نقل بعضها في هذا المنتدى، أما ما ذكره في كتاب البرهان فهو تأكيد لهذا الأمر ودليل عليه لا مناقضاً له كما فهم منه، فإن الإمام ذكر المسألة في مقام التدليل على استحالة دخول ما لا يتناهى في حيز الوجود، وأنا أبينه لكم بثلاث طرق للإيضاح وتسهيل المسألة فأقول وبالله تعالى التوفيق:
الطريق الأولى:
علق إمام الحرمين (عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء) علقه وربطه بأمر جعله مستحيلاً وهو (دخول ما لا ينتهي من الجواهر في حيز الوجود) فهو بذلك يقول باستحالة (عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء) لأنه ربطه بأمر قرر استحالته وما ربط وعلق بالمستحيل فهو مستحيل فلا يصح أن يقال بأن إمام الحرمين يقول ب(عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء) ولا بجوازه، وذلك كما أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم عن الكافرين (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) فهو -سبحانه- علق دخول الكفار الجنة بأمر مستحيل وهو دخول الجمل وهو على حجمه الطبيعي في سم الخياط على صغر حجمه وما علق بالمستحيل فهو مستحيل فدخول الكفار الجنة أمر مستحيل كما قال -سبحانه- بآيات: (إن الله حرمهما على الكافرين)، فهل يقال إن الله سبحانه بين أن الكفار سيدخلون الجنة لأنه نفى الدخول إلى غاية دخول الجمل في سم الخياط؟! أو يقال جوز دخولهم الجنة لذات السبب؟! مع أن الجمل يستحيل دخوله في سم الخياط، ولهذا أمثلة أخرى في القرآن الكريم وهذا المثال يكفي إن شاء الله تعالى.
الطريق الثانية:
وهي بطريقة القياس العقلي بمقدمتين كبرى وصغرى ونتيجة، فالمقدمة الكبرى:
( عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء إذا كانت الموجودات -أي الداخلة في الوجود- غير منحصرة-أي لا تتناهى-) والمقدمة الصغرى: (كون الموجودات -أي الداخلة في الوجود- غير منحصرة-أي لا تتناهى- هو أمر مستحيل) وهاتان المقدمتان مأخوذتان من كلامه في (البرهان)، فما هي النتيجة لهاتين المقدمتان بعد حذف الحد الأوسط (أي الكلام المكرر في المقدمتين)؟ النتيجة واحدة وجلية وهي: (عدم تعلق علم الله بتفاصيل كل شيء هو أمر مستحيل) أي أنه يجب عقلا أن يتعلق علم الله تعالى بتفاصيل كل شيء. أليست هذه النتيجة جلية واضحة وبأجلى قياس وأوضحه؟! ولكن عجبي من الأئمة –كالسبكي-رحمه الله تعالى- الذين لم يتبين لهم هذا الأمر على وضوحه. وهذه النتيجة ستراها كذلك موجودة في كتاب (البرهان) ذاته فانتظرها.
الطريق الثالثة:
وذلك بأن يقول زيد مثلاً: ((القول بمشابهة الله تعالى للبشر كفر وهو مستحيل قطعاً لأن ذلك معناه أن الله سبحانه مخلوق أو أن من شابهه من البشر كان إلهاً، وإذا لاحت الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما شاء)). فهل نقول إن زيداً يقول: إن الله سبحانه مخلوق؟! أو هل نقول إنه قال بأن البشر آلهة؟! أم أننا لا نشك في أن زيداً اعتبر القول بهما كفراً وقطع باستحالته لأنه جعلهما معلقين بقولٍ جعله كفراً ومستحيلاً قطعاً وهو مشابهة الله تعالى لخلقه؟! أليس هذا أمراً بديهياً؟!
فهذه الطرق الثلاثة إذا فهمت أي واحدة منها ستعلم حقيقة قول الإمام -عليه رحمة الله سبحانه-
أما ما ذكره بعض الأخوة هنا من نعيم الجنة الذي لا يتناهى فلا يتناوله كلام الإمام -رحمه الله تعالى عليه- كما يظن من ذكره؛ فإن ما لا يتناهى الذي ذكره الإمام هو ما دخل في حيز الوجود وهو أمر مستحيل قطعاً كما قرره الإمام، أما نعيم الجنة وعذاب النار غير المتناهيين فليس معنى عدم تناهيهما أن ما لا يتناهى موجود بل بمعنى أنه ما من نعيم موجود إلا وبعده نعيم سيوجد وهكذا إلى ما لا يتناهى، وكذلك عذاب النار. وهذا الذي لا يتناهى من النعيم والعذاب حق عند أهل السنة والجماعة وهو اعتقادهم. أما الآخر الذي حكم باستحالته الإمام (وهو الحق) فهو دخول ما لا يتناهى في حيز الوجود، بمعنى أنه ما من موجود إلا وبعده وقبله موجود وهكذا تكون الموجودات الآن -مثلاً- غير متناهية. فالفرق بينهما ببساطة هي في كلمة (سيوجد) و(موجود) فالإمام تكلم عن الثانية للأولى فحكم عليها بالاستحالة قطعاً، أما نعيم الجنة وعذاب النار فإنهما غير متناهيين قطعاً كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وإن كان الأخ الذي اعترض على الإمام بالنعيم لم يذكر عذاب النار فلعله عنده مما يتناهى كما هي عقيدة ابن تيمية في فناء النار ودخول الكفار الجنة نسأل الله تعالى العافية.
وأخيراً فإن إمام الحرمين -رحمه الله تعالى- صرح بأن علم الله تعالى شامل لكل شيء بتفاصيله التي لا تنتهي فيما لا يزال ليس في كتابه الشامل أو النظامية أو غيرهما فحسب بل في كتابه البرهان ذاته فإنه قال في كتاب البرهان في باب النسخ(فإن الرب تعالى كان عالما في أزله تفاصيل ما يقع فيما لا يزال)
فقوله (فيما لا يزال) هو معنى (ما لا يتناهى) كنعيم الجنة وعذاب النار. أنظر البرهان ج2 باب النسخ ص847. فقوله هنا هو نتيجة تلك المقدمتين اللتين ذكرناهما سابقاً. وهذا نهاية البيان فلله سبحانه الحمد والمنة.

أبو إسلام أحمد غانم
من العراق
هاتف: 07701833714