لؤي عبد الرؤوف الخليلي
24-07-2004, 09:06
وصية الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه
إلى تلميذه
يوسف بن خالد السمتي البصري رحمه الله
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على معلم الخير للناس أجمعين، وعلى آله وأصحابه السادة الغر الميامين، وبعد:
فقد وقع بين يدي قبل مايقارب العشر سنين نسخة من وصية الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان إلى تلميذه يوسف بن خالد السمتي مطبوعة بعناية الأستاذ إبراهيم أحمد الجبرتي - أحد علماء الأزهر الشريف – في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر 1355 هـ – 1936 م ولم أقف على اعادة طبعها ثانية. فأحببت تعميما للفائدة من دررها ، وملأ للعيون من نورها ، وادخالا على القلوب من سرورها ، اثباتها ليطلع عليها أخوتي الأفاضل ، رجاء أن يتفقدوني بدعوة ، فان دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجابة.
ترجمة الموصى اليه :
هو يوسف بن خالد السمتي ، من شيوخ الشافعي رحمه الله ، وقد ذكره ابن حجر في عداد شيوخه في مناقب الشافعي، وخرج عنه ابن ماجة ، وترجم له البدر العيني في رجال معاني الأثار،
وقد روى الطحاوي عن المزني عن الشافعي أنه قال في حقه: كان رجلا من الخيار.
وقد فند البدر العيني ما ينسب اليه من التجهم.توفي بالبصرة سنة 189 هـ
قال الزرنوجي في كتابه ( تعليم المتعلم ): وينبغي لطالب العلم أن يحصل كتاب الوصية التي كتبها أبو حنيفة رحمه الله ليوسف بن خالد السمتي البصري عند رجوعه إلى أهله.
نص الوصية:
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد أن أخذ يوسف بن خالد السمتي العلم عن أبي حنيفة وأراد الرجوع إلى بلدته البصرة استأذن أبا حنيفة في ذلك ، فقال أبو حنيفة: حتى أزودك بوصية فيما تحتاج اليه في معاشرة الناس ، ومراتب أهل العلم وتأديب النفس ، وسياسة الرعية ، ورياضة الخاصة والعامة ، وتفقد أمر العامة ، حتى إذا خرجت بعلمك كان معك آلة تصلح له ، وتزينه ولا تشينه .
واعلم أنك متى أسأت معاشرة الناس صاروا لك أعداء ، وان كانوا لك أباء وأمهات ، ومتى أحسنت معاشرة قوم ليسوا لك بأقرباء صاروا لك أمهات وأباء .
ثم قال لي : اصبر حتى أفرغ لك نفسي ، وأجمع لك همي ، وأعرفك من الأمر ما تحمدني في نفسك عليه ، وما توفيقي إلا بالله ، فلما مضى الميعاد أخلى لي نفسه ، فقال : أنا أكشف لك عما تعرضت له:
كأني بك وقد دخلت البصرة ، وأقبلت على من يخالفوننا بها ، ورفعت نفسك عليهم ، وتطاولت بعلمك لديهم ، وانقبضت عن معاشرتهم ومخالطتهم ، وخالفتهم وخالفوك ، وهجرتهم وهجروك ، وشتمتهم وشتموك ، وضللتهم وضللوك وبدعوك ، واتصل الشين بنا وبك ، فاحتجت إلى الانتقال عنهم ، والهرب منهم ، وهذا ليس من رأي لأنه ليس بعاقل من لم يدار من ليس له من مداراته بد حتى يجعل الله له مخرجا .
إذا دخلت البصرة استقبلك الناس وزاروك ، وعرفوا حقك فأنزل كل رجل منهم منزلته ، وأكرم أهل الشرف وعظم أهل العلم ، ووقر الشيوخ ، ولاطف الأحداث ، وتقرب من العامة ، ودار الفجار ، وصحب الأخيار ، ول تتهاون بالسلطان ، ولا تحقرن أحدا ولا تقصرن في إقامة مروءتك ، ولا تخرجن سرك إلى أحد ، ولا تثقن بصحبة أحد حتى تمتحنه ، ولا تصادق خسيسا ولا وضيعا ، ولا تألفن ماينكر عليك في ظاهرك ، واياك والانبساط إلى السفهاء ، ولا تجيبن دعوة ولا تقبلن هدية .(لعل المراد به دعوة السفهاء وهديتهم ، لأنها لا تكون غالبا إلا بفساد )
وعليك بالمداراة (هي لين الكلام ) والصبر والاحتمال ، وحسن الخلق وسعة الصدر، واستجد ثيابك ، واستفره دابتك ، (أي اطلب دابة جيدة السير ) وأكثر استعمال الطيب ، واجعل لنفسك خلوة ترم بهاحوائجك ، وابحث عن أخبارحشمك ، وتقدم في تأديبهم وتقويمهم ، واستعمل في ذلك الرفق ، ولا تكثر العتاب ، فيهون العذل ، ولا تل تأديبهم بنفسك فانه أبقى لحالك .
وحافظ على صلواتك ، وابذل طعامك ، فانه ماساد بخيل قط ، ولتكن لك بطانة تعرفك أخبار الناس ، فمتى عرفت بفساد بادرت إلى اصلاحه ، ومتى عرفت بصلاح ازددت رغبة وعناية .
وزر من يزورك ومن لايزورك ، وأحسن إلى من يحسن إليك أو يسيء ، وخذ العفو ، وأمر بالعرف ، وتغافل عما لايعنيك ، واترك كل من يؤذيك ، وبادر في اقامة الحقوق ، ومن مرض من اخوانك فعده بنفسك ، وتعاهده برسلك ، ومن غاب منهم افتقدت أحواله ، ومن قعد منهم عنك فلا تقعد أنت عنه ، وصل من جفاك ، وأكرم من أتاك ، واعف عمن أساء إليك ، ومن تكلم فيك بالقبيح ، فتكلم فيه بالحسن والجميل ، ومن مات منهم قضيت حقه ، ومن كانت له فرحة هنأته بها ، ومن كانت له مصيبة عزيته عنها ، ومن أصابته جائحة (الآفة) توجعت بها ، ومن استنهضك بأمر من أموره نهضت له ، ومن استغاثك فأغثه ، ومن استنصرك نصرته ، وأظهر توددا إلى الناس مااستطعت ، وأفش السلام ولو على قوم لئــــام ، ومتى جمع بينك وبين غيرك مجلس أو ضمك وإياهم مسجد وجرت المسائل فيها بخلاف ما عندك ، لاتبد لهم منك خلافا .
فان سئلت عنها أخبرت بما يعرفه القوم ، ثم تقول : فيها قول آخر وهو كذا وكذا ، والحجة له كذا ، فان سمعوه منك عرفوا منزلتك ومقدارك ، وأعط كل من يختلف إليك نوعا من العلم ينظر فيه ، وخذهم بجلي العلم دون دقيقه ، وآنسهم ومازحهم أحياناوحادثهم ، فإنها تجلب لك المودة ، وتستديم مواظبة العلم ، وأطعمهم أحيانا، وتغافل عن زلاتهم ، واقض حوائجهم، وارفق بهم وسامحهم ، ولا تبد لأحد منهم ضيق صدر ، أو ضجرا، وكن كواحد منهم ، وعامل الناس معاملتك لنفسك ، وارض منهم ماترضاه لنفسك ، واستعن على نفسك بالصيانة لها ، والمراقبة لأحوالها ، ودع الشغب ، (تهييج الشرور وتحريكها )، ولا تضجر لمن يضجر عليك ، واسمع من يستمع منك ، ولا تكلف الناس مالا يكلفونك ، وارض لهم ما رضوا لأنفسهم ، وقدم إليهم حسن النية ، واستعمل الصدق ، واطرح الكبر جانبا ، وإياك والغدر وان غدروا بك ، وأد الأمانة وان خانوك ، وتمسك بالوفاء ، واعتصم بالتقوى ، وعاشر أهل الأديان حسب معاشرتهم .
فانك ان تمسكت بوصيتي هذه رجوت لك أن تسلم ، ثم قال له : انه يحزنني مفارقتك ، وتؤنسني معرفتك فواصلني بكتبك ، وعرفني حوائجك ، وكن لي كابن فإني لك كأب .
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم .
وكتبه : لؤي الخليلي الحنفي
إلى تلميذه
يوسف بن خالد السمتي البصري رحمه الله
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على معلم الخير للناس أجمعين، وعلى آله وأصحابه السادة الغر الميامين، وبعد:
فقد وقع بين يدي قبل مايقارب العشر سنين نسخة من وصية الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان إلى تلميذه يوسف بن خالد السمتي مطبوعة بعناية الأستاذ إبراهيم أحمد الجبرتي - أحد علماء الأزهر الشريف – في مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر 1355 هـ – 1936 م ولم أقف على اعادة طبعها ثانية. فأحببت تعميما للفائدة من دررها ، وملأ للعيون من نورها ، وادخالا على القلوب من سرورها ، اثباتها ليطلع عليها أخوتي الأفاضل ، رجاء أن يتفقدوني بدعوة ، فان دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجابة.
ترجمة الموصى اليه :
هو يوسف بن خالد السمتي ، من شيوخ الشافعي رحمه الله ، وقد ذكره ابن حجر في عداد شيوخه في مناقب الشافعي، وخرج عنه ابن ماجة ، وترجم له البدر العيني في رجال معاني الأثار،
وقد روى الطحاوي عن المزني عن الشافعي أنه قال في حقه: كان رجلا من الخيار.
وقد فند البدر العيني ما ينسب اليه من التجهم.توفي بالبصرة سنة 189 هـ
قال الزرنوجي في كتابه ( تعليم المتعلم ): وينبغي لطالب العلم أن يحصل كتاب الوصية التي كتبها أبو حنيفة رحمه الله ليوسف بن خالد السمتي البصري عند رجوعه إلى أهله.
نص الوصية:
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد أن أخذ يوسف بن خالد السمتي العلم عن أبي حنيفة وأراد الرجوع إلى بلدته البصرة استأذن أبا حنيفة في ذلك ، فقال أبو حنيفة: حتى أزودك بوصية فيما تحتاج اليه في معاشرة الناس ، ومراتب أهل العلم وتأديب النفس ، وسياسة الرعية ، ورياضة الخاصة والعامة ، وتفقد أمر العامة ، حتى إذا خرجت بعلمك كان معك آلة تصلح له ، وتزينه ولا تشينه .
واعلم أنك متى أسأت معاشرة الناس صاروا لك أعداء ، وان كانوا لك أباء وأمهات ، ومتى أحسنت معاشرة قوم ليسوا لك بأقرباء صاروا لك أمهات وأباء .
ثم قال لي : اصبر حتى أفرغ لك نفسي ، وأجمع لك همي ، وأعرفك من الأمر ما تحمدني في نفسك عليه ، وما توفيقي إلا بالله ، فلما مضى الميعاد أخلى لي نفسه ، فقال : أنا أكشف لك عما تعرضت له:
كأني بك وقد دخلت البصرة ، وأقبلت على من يخالفوننا بها ، ورفعت نفسك عليهم ، وتطاولت بعلمك لديهم ، وانقبضت عن معاشرتهم ومخالطتهم ، وخالفتهم وخالفوك ، وهجرتهم وهجروك ، وشتمتهم وشتموك ، وضللتهم وضللوك وبدعوك ، واتصل الشين بنا وبك ، فاحتجت إلى الانتقال عنهم ، والهرب منهم ، وهذا ليس من رأي لأنه ليس بعاقل من لم يدار من ليس له من مداراته بد حتى يجعل الله له مخرجا .
إذا دخلت البصرة استقبلك الناس وزاروك ، وعرفوا حقك فأنزل كل رجل منهم منزلته ، وأكرم أهل الشرف وعظم أهل العلم ، ووقر الشيوخ ، ولاطف الأحداث ، وتقرب من العامة ، ودار الفجار ، وصحب الأخيار ، ول تتهاون بالسلطان ، ولا تحقرن أحدا ولا تقصرن في إقامة مروءتك ، ولا تخرجن سرك إلى أحد ، ولا تثقن بصحبة أحد حتى تمتحنه ، ولا تصادق خسيسا ولا وضيعا ، ولا تألفن ماينكر عليك في ظاهرك ، واياك والانبساط إلى السفهاء ، ولا تجيبن دعوة ولا تقبلن هدية .(لعل المراد به دعوة السفهاء وهديتهم ، لأنها لا تكون غالبا إلا بفساد )
وعليك بالمداراة (هي لين الكلام ) والصبر والاحتمال ، وحسن الخلق وسعة الصدر، واستجد ثيابك ، واستفره دابتك ، (أي اطلب دابة جيدة السير ) وأكثر استعمال الطيب ، واجعل لنفسك خلوة ترم بهاحوائجك ، وابحث عن أخبارحشمك ، وتقدم في تأديبهم وتقويمهم ، واستعمل في ذلك الرفق ، ولا تكثر العتاب ، فيهون العذل ، ولا تل تأديبهم بنفسك فانه أبقى لحالك .
وحافظ على صلواتك ، وابذل طعامك ، فانه ماساد بخيل قط ، ولتكن لك بطانة تعرفك أخبار الناس ، فمتى عرفت بفساد بادرت إلى اصلاحه ، ومتى عرفت بصلاح ازددت رغبة وعناية .
وزر من يزورك ومن لايزورك ، وأحسن إلى من يحسن إليك أو يسيء ، وخذ العفو ، وأمر بالعرف ، وتغافل عما لايعنيك ، واترك كل من يؤذيك ، وبادر في اقامة الحقوق ، ومن مرض من اخوانك فعده بنفسك ، وتعاهده برسلك ، ومن غاب منهم افتقدت أحواله ، ومن قعد منهم عنك فلا تقعد أنت عنه ، وصل من جفاك ، وأكرم من أتاك ، واعف عمن أساء إليك ، ومن تكلم فيك بالقبيح ، فتكلم فيه بالحسن والجميل ، ومن مات منهم قضيت حقه ، ومن كانت له فرحة هنأته بها ، ومن كانت له مصيبة عزيته عنها ، ومن أصابته جائحة (الآفة) توجعت بها ، ومن استنهضك بأمر من أموره نهضت له ، ومن استغاثك فأغثه ، ومن استنصرك نصرته ، وأظهر توددا إلى الناس مااستطعت ، وأفش السلام ولو على قوم لئــــام ، ومتى جمع بينك وبين غيرك مجلس أو ضمك وإياهم مسجد وجرت المسائل فيها بخلاف ما عندك ، لاتبد لهم منك خلافا .
فان سئلت عنها أخبرت بما يعرفه القوم ، ثم تقول : فيها قول آخر وهو كذا وكذا ، والحجة له كذا ، فان سمعوه منك عرفوا منزلتك ومقدارك ، وأعط كل من يختلف إليك نوعا من العلم ينظر فيه ، وخذهم بجلي العلم دون دقيقه ، وآنسهم ومازحهم أحياناوحادثهم ، فإنها تجلب لك المودة ، وتستديم مواظبة العلم ، وأطعمهم أحيانا، وتغافل عن زلاتهم ، واقض حوائجهم، وارفق بهم وسامحهم ، ولا تبد لأحد منهم ضيق صدر ، أو ضجرا، وكن كواحد منهم ، وعامل الناس معاملتك لنفسك ، وارض منهم ماترضاه لنفسك ، واستعن على نفسك بالصيانة لها ، والمراقبة لأحوالها ، ودع الشغب ، (تهييج الشرور وتحريكها )، ولا تضجر لمن يضجر عليك ، واسمع من يستمع منك ، ولا تكلف الناس مالا يكلفونك ، وارض لهم ما رضوا لأنفسهم ، وقدم إليهم حسن النية ، واستعمل الصدق ، واطرح الكبر جانبا ، وإياك والغدر وان غدروا بك ، وأد الأمانة وان خانوك ، وتمسك بالوفاء ، واعتصم بالتقوى ، وعاشر أهل الأديان حسب معاشرتهم .
فانك ان تمسكت بوصيتي هذه رجوت لك أن تسلم ، ثم قال له : انه يحزنني مفارقتك ، وتؤنسني معرفتك فواصلني بكتبك ، وعرفني حوائجك ، وكن لي كابن فإني لك كأب .
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم .
وكتبه : لؤي الخليلي الحنفي