المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النكوص إلى عقلية الفرق الكلامية أبو يعرب المرزوقي



صهيب منير يوسف
14-05-2008, 12:51
النكوص إلى عقلية الفرق الكلامية

أبو يعرب المرزوقي


تمهيد:

كنت منذ أمد بعيد مقتنعا بما انتهى إليه الغزالي ومن بعده ابن تيمية وابن خلدون من أن علم الكلام لا طائل من ورائه علميا وبأن ضرره على العقيدة أولا وعلى وحدة الأمة ثانيا ضرر لا يقدر. ولعل مجرد جولة واحدة في موقع الرازي[1] والمواقع المجانسة له أو المضادة من كل المذاهب يكفي دليلا على أن كل الحزازات الماضية قد أعيدت من جديد مع ما يصحب ذلك من معارك ديكة مضحكة ومبكية في آن. وحتى يتضح للقارئ بعد هذا المعارك عن الجدل العلمي المفيد فليتصور ما هو أسوأ من معارك قوم يتكلمون على فلك بطليموس اليوم ويتصورون أنفسهم علماء فلك في حين أنهم يمضغون معارف ماتت منذ خمسائة سنة.

لا أريد أن أدخل في جدل كلامي مع الساعين إلى إحياء حزازات الماضي والعودة إلى صراعات الفرق والمذاهب. لذلك فلن أتلكم في ما يزعمونه ردودا عقدية على مواقف ابن تيمية العقدية وعلى مواقف من يسمونهم بالمجسمة إلا كلاما سريعا لتحرير موطن الخلاف لا غير. وكان يمكن أن أواصل العزوف عن الكلام مع المتكلمين حتى في غير كلامهم في علم الكلام. لولا أن بعضهم صار يزعم الكلام في المنطق والفلسفة بما يدل دلالة قاطعة على عدم إدراك طبيعة ما يجري في المجال وخاصة طبيعة ما حققه ابن تيمية من تجاوز لأسس المنطق القديم الميتافيزيقية المنطق الذي يزعمونه كافيا وزيادة في المعرفة بمناهج المعرفة. وما دعاني إلى ذلك هو اطلاعي بمجرد الصدفة[2] على كتاب الاستاذ فودة بعنوان تدعيم المنطق وما جاء فيه من نقد لما يزعمه أخطاء منطقية وقع فيها ابن تيمية. وما سأحاول مناقشته بهدوء تام هو ما جاء في هذا الكتاب من مزاعم حول أخطاء منطقية وجدها في رسالته ""تفصيل الإجمال فيما يجب من صفات الكمال، والفصل فيما اتفق عليه وما اختلف فيه أهل الملل والنحل والمذاهب منها باختلاف الدلائل العقلية والنقلية فيها"[3].

وقبل الشروع في فحصٍ دقيق رغم اعتماده على السبر السريع لهذه الدعوى أريد أن أنبه إلى أمرين لا يهملهما إلا من كان غير منصف في المناظرة حول فكر ابن تيمية المنطقي:

فأولا لا أحد يزعم أن ابن تيمية معصوم ناهيك عنه هو. فليس مثله في التواضع العلمي والأمانة في عرض آراء خصومه معتبرا نفسه دائما مجرد مجتهد يصيب ويخطئ ومن ثم فليس من شك في وجود أخطاء في أعمال ابن تيمية. لذلك فلست أكتب لأدافع عن رأي معين من العقائد التي تنسب إلى ابن تيمية مباشرة أو بتوسط الوهابية التي أقل قراءات فكره فهما ومطابقة لمقاصده.

وثانيا لم ينف ابن تيمية صحة الصورة المنطقية بصورة مرسلة بل هو يؤكد أن المنطق القديم لا غبار عليه من حيث الصورة بشرط القبول بأسسه الميتافيزيقية. وهو أمر يبدو لي أنه لم يدر بخلد الأستاذ فودة ولا خاصة كل المتعالمين الذي يتبادلون التكفير والتسخيف على أسس واهية من هذا النوع من الكلام.

وهذا الشرط الذي يغفل عنه الكثير هو بيت القصيد. وهو شرط لم يفهمه جل المعلقين على فكره المنطقي وعلى رده الكلام والفلسفة والتصوف التي تنبني جميعها على هذا الشرط: فهو لا يرد على المنطق من حيث هو مجرد آلة بل هو يبحث في أسانيدة الميتافيزيقية وثمراته العقدية. وأقول رد الكلام والفلسفة والتصوف لا الرد عليها لأنه لو فعل لكان ذلك يعني أنه يتلكم ويتفلسف ويتصوف مثل المردود عليهم بنفس القواعد الشارطة لما بنوا عليه أعمالهم ظنا أن المنطق مجرد آلة تعصم الذهن من الخطأ.

فابن تيمية كما يعلم ذلك أي مطلع على أعماله ولو سطحيا يقبل بالخوارزمية الصورية البسيطة للمنطق الأرسطي (وهي الآن جزء ضئيل من علم المنطق خاصة وعلم أنساق بناء النماذج الرمزية عامة) لكنه ينفي أن تكون قابلة للتطبيق المبدع في العلم إذا كان علما بحق يدرس الموجود الفعلي في الأعيان رغم كونها قابلة للتطبيق في جدل المناظرات الفاحص لنوع محدود من الفرضيات الذهنية إذا اقتصر الكلام على الصورة دون المطابقة مع المادة لأن المطابقة مسألة أخرى تقتضي منطقا من جنس مختلف أشار إلى ضرورة إيجاده حتى وإن لم يتمكن من الشروع فيه[4].

وسأكتفي بفحص مناقشة الأستاذ سعيد لأول النصين اللذين اختارهما للتدليل على دعواه دون أن أعرج على ما قاله في تاريخ المواقف من المنطق وفي محاولته دحض الكوجيتو بالمنطق الأرسطي[5] والدليل الوجودي وإشارته إلى رأيي في الدليل الوجودي الديكارتي. وإليك كيف يحتج على ابن تيمية من منطلق المثال الأول: "قال (شيخ الإسلام) في هذه الرسالة:

"فيقول لهم أهل الإثبات: هذا باطل من وجوه

أحدها: أن يقال: الموجودات نوعان، نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا يقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها."اهـ

أقول: هذا الكلام إلى هذا الحد، يمكن أن يقبل، لأنه يتكلم عن مطلق الموجود، ومعلوم بالبداهة أن الموصوف بالكمال أكمل من غير الموصوف بذلك. هذا الكلام لا يمكن أن يخالفه أحد.

فحاصل القضية أن تقول: الاتصاف بالكمال المحض[6]، أكمل من عدم ذلك. يعني: "أن كل كمال محض فالموصوف به أكمل من غيره".

هذا هو حاصل القضية التي لا نخالف ابنَ تيمية فيها. ولكن ينبغي أن ندقق بشكل أكبر في مفهوم الكمال المحض الذي ذكرناه، فمقصودنا بالكمال المحض أي الذي يعتبر كمالا بالنظر لأصل الوجود، لا بالنظر لأصل الموجود".

عملت بنصيحة الأستاذ سعيد ف"تأملت" النص الذي أتى به شاهدا من عمل ابن تيمية فأفزعني ما وجدت. فهو يزعم بهذا النص التثميل لخطأ ابن تيمية المنطقي ويستعمل التهويل الاصطلاحي الذي يمكن أن يكون له تأثير على من يتصور هذه المعاني دالة على عمق التحليل رغم أنها لا علاقة لها بالمنطق من حيث معايير الصحة الاستدلالية بل هي من الميتافيزيقا الأرسطية صيغت بعبارة سينوية نتركها لعدم صلتها بالموضوع لنورد مباشرة المثال الذي بناه عليها: " ولكن هذا لا يلزم إذا حكم العقل أن الأمر المعين إنما هو كمال لموجود بعينه أو لجنس أو نوع من الموجودات. الزواج لجنس الإنسان أكمل من عدم الزواج[7]. فالزواج هو كمال لا لأصل الوجود، بل هو كمال لوجود الإنسان. وحينذاك لا يجوز أن يقال، إذا كان الزواج كمالا، فكل ما ليس بمتزوج أنقص من المتزوج!".

وسأبدا بالإشارة إلى أخطاء حاشا أن اعتبرها دالة على سوء النية ولا على الجهل لأن الأستاذ سعيد من شيوخ شباب الفكر الديني المتمرسين بل هي عندي من السهو الذي لا يستثنى منه إلا الله. ومع ذلك فإني أعجب ممن يريد أن يناقش ابن تيمية بحسن نية وممن تنسب إليه دراية بالمنطق حتى لو اقتصرنا على المنطق القديم فضلا عن معاندة ابن تيمية في ما سعى إليه من تطويره أن يقول أقوالا من جنس ما ورد في مناقشة هذا النص. وإليك هذه الأخطاء التي هي متقدمة حتى على العلاج المنطقي المتعلق بمستوى قواعد التأليف Syntax لكونها تقتصر على مستوى ترجمة معاني القول الطبيعي إلى الرموز المنطقية الصناعية التي تمكن من علاجها المنطقي والتي هي معين كل الأغاليط السوفسطائية (لسلامة الصورة فيها عادة):

الخطأ الأول: فابن تيمية لم يتكلم في المثال المذكور على الكمال المحض بل على الكمال الذي يخص أحد النوعين اللذين قسم إليهما الموجودات دون تعيين للكمال هل هو محض أو غير محض.

الخطأ الثاني: وابن تيمية لم يتكلم على الوجود بل على الموجودات التي قسمها قسمة مترددة بين الاثبات والنفي أعني القسمة الوحيدة المستغنية عن التعليل لبداهة أساسها أعني مبدأ التناقض: 1-ما يقبل الاتصاف بالكمال 2-ونقيضه ما لايقبل الاتصاف بالكمال. ثم عين الأمر فقابل بين الحي الذي اعتبره قابلا والجماد (=اللاحي) الذي اعتبره غير قابل (والقصد الكمالات التي ينسبها القرآن إلى الحي والتي يدور حولها الكلام في نفي الصفات وإثباتها حتى لا ننسى عالم القول: أو السياق المقالي) .

الخطأ الثالث: وتعيين القبول للكمالات في الرب يضمر عدم الوقوع في الخطأين السابقين لذلك لم ينتبه إليه المناقش: فالرب أحد عناصر مجموعة هي نوع الموجود الحي الذي يقبل الكمالات. وكل كمال نسبه الله إلى نفسه في القرآن الكريم يفترض أنه له لكونه الحي القيوم.

الخطأ الرابع: وابن تيمية لا يريد أن يثبت بالعقل ما يتصف به الله فعلا فذلك مستحيل عنده وإلا لكان من القائلين بضرورة علم الكلام بل هو يريد أن يثبت إمكان ذلك عقلا ليرد على نفاة إمكانه علة لإثبات التعطيل. فلا يكون الكلام في هذه الحالة إلا كلاما سلبيا لبيان الإمكان أو عدم الامتناع لا غير.

الخطأ الخامس: وأخير فابن تيمية لا يحتاج إلى إثبات الصفات فالنص كفيل بإثباتها وإنما هو يسعى إلى دحض نفيها العقلي بحجة عدم إمكانها على ما وردت عليه في النص وحاجتها إلى التأويل[8] ومن ثم الاقتصار على بيان إمكانها عقلا وهو كاف في الرد على دعاوى المعطلين.

لذلك فكل التهويل التالي لا معنى له:" فمعلومٌ أن الوجود هو عبارة عن مفهوم ذهني، وهذا المفهوم لا يساوي الموجود، إلا عند من يقول بأن الوجود هو عين الموجود، وحتى هذا، فإنه لا يمنع أن يطلق الوجود على المعنى الإضافي أو الاعتباري المقول على كثيرين بالتواطؤ. وعلى ذلك فإن كل ما حكم العقل بأنه كمال لأصل الوجود، فيلزم أن كل ما اتصف به من الموجودات أكمل مما لم يتصف به. ولكن هذا لا يلزم إذا حكم العقل أن الأمر المعين إنما هو كمال لموجود بعينه أو لجنس أو نوع من الموجودات".

كلام الأستاذ سعيد هذا لا يكون ذا معنى إلا لسهو حال دونه والانتباه إلى الأخطاء الخسمة السابقة أو بصورة أدق لتقويله ابن تيمية ما لم يقله في عبارته الواضحة وضوح الشمس في القيلولة لمن يطلب الحق وقبلته وجه الله. والدليل القاطع هو المثال المضروب أدناه: "(مثال الاستاذ سعيد=) الزواج لجنس الإنسان أكمل من عدم الزواج (ما قاله ابن تيمية= الاتصاف بالصفات الكمالية لجنس الحي أكمل من عدم الاتصاف بها). فالزواج هو كمال لا لأصل الوجود، بل هو كمال لوجود الإنسان (والاتصاف بالكمال ليس لأصل الوجود بل هو للحي القيوم). وحينذاك لا يجوز أن يقال، إذا كان الزواج كمالا، فكل ما ليس بمتزوج أنقص من المتزوج! لأن هذا القول هو عبارة عن مغالطة، لأنك بهذا تكون قد استندت إلى الخاص لتحكم على العام. والمقصود بالخاص هنا ما يصدق على البعض، فما يصدق على البعض ولا يصدق على كثيرين، لا يجوز الحكم به على الكثيرين (=وذلك ما فعل ابن تيمية لو لم تقوله ما لم يقل). فتأمل (=وهذه الأخطاء الخمسة هي التي يوصل إليها التأمل)".

إن الكمالات التي يتكلم عليها إبن تيمية ليست لأصل الوجود بل للموجود الحي (مثل الزواج للإنسان) وهو لم يقل من ليس بسميع بصورة مرسلة ليس بكامل بل قال الحي الذي لا يسمع ناقص ومن ثم فهو ليس بكامل والحي القيوم يكون ناقصا لو كان أصم فلا يكون كاملا. ثم إن ابن تيمية لا يمكن أن يتكلم على الكمال لأصل الوجود بل تكلم على كمال ذات حية هي الله لأن الله ليس أصلا للوجود وإلا لكان أصل وجود ذاته فيتقدم الأصل على المأصول وصدور المأصول عن الأصل. ابن تيمية لا يقول ب"الكاوزا سوي" أو الذات التي هي المعلولة لذاتها فهل يكون الأستاذ ممن يقول بها ومن ثم بوحدة الوجود؟ إنما الله هو الحي القيوم غير المخلوق الذي خلق الموجودات المخلوقة.

وحاصل القول ومجمله حتى لا نطيل الكلام في ما لا معنى له وحتى نمر بسرعة إلى المقصود من هذه المحاولة أن ما قاله ابن تيمية يقبل التلخيص في جملة واحدة: الله من حيث هو الحي القيوم له كل الكمالات التي ينسبها إلى نفسه والتي هي ذاتية للحي الخالق من حيث هو حي خالق دون أن تكون من جنس ما يتصف به الحي المخلوق علما بأن ذات الله لا تتقاسم الوجود مع ذات المخلوقات إلا بالاسم: فهو الواجد بالمعنيين أي أصل الجود والوجود المخلوق وواهبهما وهي الموجودة أي االفقيرة إليه فيهما.

ذلك أن حجته الأساسية ضد نفاة الصفات التي يتصورونها تجسيما أبسط من كل بسيط يتوقعه الإنسان وهو ما أورد هذه الأدلة إلا لإفحام المتعاقلين. فهو يبين أن من ينفي ما يثبته القرآن لله من الصفات أو الافعال بدعوى أنها تؤدي إلى التشبيه يصح على ما يثبته من الصفات أوالأفعال المزعومة عقلانية أو روحية: كلا النوعين يؤدي إلى التشبيه إذا ظن من جنس ما عند الإنسان عقلا كان أو يدا أو سمعا أو بصرا أو نزولا أو صعودا أو عروجا إلخ.... فكما أن صفات الله غير المجسمة لا يليق بها اعتبارها من جنس صفات الإنسان فكذلك الشأن بالنسبة إلى الصفات التي تظن مجسمة. لذلك فهي غيرها ومن ثم فهي منزهة عن التشبيه. وكما لا تماثل بين صفاتنا العقلية وما وصف الله به نفسه مما يشترك معها في الاسم من صفات الإنسان فكذلك صفاته التي تبدو جسمانية لا تماثل صفاتنا الجسمانية إلا بالمشاركة في الاسم.

فإذا نسبنا العلم والعقل والإرادة والقدرة إلى الله فنحن ننسبها إليه مع الجزم بأنها مختلفة تمام الاختلاف عن سمياتها الإنسانية لأن الله ليس كمثله شيء. ونفس الأمر يقال عن اليد والغضب والمكر إلخ .. والحركة والنقلة نزولا وصعودا إلخ... وكل الإشكال جاء من موقف الكلام المسيحي والفلسفة اليونانية اللذين كانا يحطان من شأن الجسم قبالة الروح. أما لو أخذنا الجسم من دون التحقير الذي ألصق به فإننا يمكن أن نتصور جسما لا كالاجسام الدنيوية مثل تصورنا عقلا لا كالعقول الدنيوية.

فليس الجسم وحده هو المحدود العقل كذلك محدود إذا اعتبرنا التجربة الإنسانية معيار تحديدٍ لماصدق التصورات. وإذا كنا قادرين على نسبة العقل إلى الله رغم أن ما نعلمه من العقول محدود فنضمر نفي المحدودية فإننا يمكن أن ننسب إليه الجسم مع نفي المحدودية كما نفعل مع العقل. ومثلما نتصور ما يتكلم عليه القرآن في الجنة ليس له مثيل في الدنيا رغم كونه جسميا في كل عبارات القرآن الكريم فكذلك يأتي الكلام الله على الله بلغة تبدو تجسيمية دون أن تكون تشبيهية: لأننا من القرآن أيضا نعلم أن الله ليس كمثله.

وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى ماجاء في كلام أحد المشرفين على ناد من نوادي هذا الموقع تعليقا على رسالتي المفتوحة إلى السيد حسن نصر الله زاعما أنه لا يثق في رأيي لأنه سمعني مشافهة أقول بالقدم النوعي للعالم. ورغم أني لا أحب الحجاج الكلامي لمشاركتي ابن تيمية في الإيمان بوهائه كما أسلفت وأني لا أذكر هذه الحادثة فإني أرى من المناسب هنا أن أبين له إن صح أن ذلك قد حدث أن أبين له ما لم يفهمه فبات لا يثق برأيي بالحجاج الكلامي الذي قد يفهمه:

1- ألست تؤمن بأن الله لا تحل فيه الحوادث؟

2- ألست تعتبر الخالقية من صفات الأفعال؟

3- ألا ينتج عن ذلك نفي التجدد على الخالقية لئلا تحل في الله الحوادث فيكون الله خالقا في الأزل والأبد ويكون فعل الخلق قديما؟

4- ولما كانت أفعال الله ليست عبثا وكانت قدرته مطلقة فإنه لا يمكن أن يكون خالقا للاشيء. فيكون المخلوق قديما بالنوع لعلمنا بفناء المخلوقات بالعدد.

5- ويكون الخلق مستمرا بالنوع ضرورة والمخلوق بالنوع كذلك رغم أن المخلوق بالعدد في سيلان أبدي لا يثبت فيتجدد الخلق في كل لحظة وهو ما يثبته العلم حتى بالنسبة إلى الأنواع الدنيا فضلا عن العالم كله (=كلي ما عدا الله وليس كله لأن كله متوال في الزمن وليس فيه شيء قديم)

6- ومن ثم فالمخلوق بالعدد ليس قديما بل هو حادث دائما يتجدد خلقا بعد خلق إلى غير غاية ومن دون بداية.

7- ونفس الشيء يقال عن صفة الكلام لأن فعل الخلق الإلهي بكلمة "كن": فإذا أثبت للخالقية من حيث هي صفة فعل القدم فينبغي أن تثبته للكلام من حيث هو صفه فعل القدم لئلا يكون القرآن الكريم مخلوقا بمعنى كونه محدثا.

8- فيكون القرآن قديما بالنوع من حيث هو فعل الكلام الإلهي

9- ويكون القرآن مخلوقا بالعين من حيث هو مفعول فعل الكلام الإلهي مثله مثل العالم من حيث هو مفعول الخلق الإلهي: ولذلك فالعالم مؤلف من كلمات الله التي لا تستوفيها بحار العالم المضاعفة لو كانت مدادا.

10- والدليل الخاتم هو أن كلام الله يكون مخلوقا بالمعنى الزماني لو كان فعل الخلق بدأ بعد أن لم يكن ويتوقف بعد أن كان: لأن الكلام فعل خالق أولا ولأن الكلام خطاب للمخلوق ثانيا.

صهيب منير يوسف
14-05-2008, 12:54
وقد أطلت بعض الشيء في هذا التعريجة التي تبدو من الكلام في حين أنها تثبت أن الكلام لا طائل من ورائه لأن ما يُنفى بحججه يمكن أثباته بها والعكس بالعكس بمجرد تغيير الفرضيات والمصادرات إذا كانت معرفة أو تغيير الأحكام المسبقة أو المعتقدات إذا لم تكن معرفةً بل عقدٌ. والهدف هو الوصول إلى النتيجة التالية: لم يرفض ابن تيمية الكلام لعجز جدالي أو لجهل بالمنطق كما يحاول الأستاذ التلميح بل والتصريح بل هو رفضه لكونه أدرك ما يستند إليه من ميتافزيقا لا يزال الأستاذ يؤمن بها إيمانا يجعله متصورا أن التنزيه عن الجسميات يمكن أن يكون مقنعا إذا لم يؤد إلى التعطيل المطلق من كل الصفات جسمانية كانت أو عقلانية وروحية لأن كل ما يقال لنفيها يقبل القول لنفي نظائرها من العقليات والروحانيات إذا قيست بالصفات الإنسانية في الحالتين. وهو يقبل الوصف بهما إثباتا مؤيدا لماجاء في القرآن بشرط: ليس كمثله شيء عقليا كان أو حسيا.


ما قد يكون غاب عن بال الأستاذ

فليعذرني الأستاذ إذا رأيت أن الكلام لا يمكن أن يكون ذا معنى في المسائل المنطقية كما أصبحت عليه بعد ثورة ابن تيمية الأيسية في مجالي نظرية الوجود ونظرية المعرفة (تجنبا لكلمة الوجودية التي قد يفهم منها ما صارت تعنيه في اسم أحد المذاهب الفلسفية) قبل الجواب عن بعض الأسئلة الحاسمة التي جعلت شيخ الإسلام يقف الموقف الذي يعيبه عليه الكثير ممن لم يفهم ثورته التي أنهت الميتافيزيقا القديمة ومعها المنطق المؤسس عليها ونظرية اللسان والمجاز التابعين له[9] منذ القرن الثامن وهو ما كان شرطا في تأسيس العلوم الإنسانية أعني جعل التاريخ قابلا لأن يعد علما بعد أن كان أمرا مستحيلا في الإبستمولوجيا الموروثة عن اليونان. لذلك فلا أبن خلدون أشعري ولا ابن تيمية حنبلي بل كلاهما فوق المذاهب وما بعد الفكر التقليدي سواء كان عقليا أو نقليا بالمعنى الذي كان سائدا في عصرهما:

السؤال الأول: إذا كان المنطق بالمعنى الذي تفهمه ضروريا للعلم فبأي فن يمكن لك أن تؤسس المنطق ؟ أم إن المنطق مستثنى من الحاجة إلى المنطق ليكون علما علمية ما عداه من العلوم مشروطة به ؟

السؤال الثاني: إذا لم يتأسس المنطق على المصادرة على المطلوب (=المعايير التي يحتكم إليها في تحديد صحة الصورة أو القواعد التي يكثر الأستاذ من ذكرها في مناقشته لابن تيمية)[10] ألا يكون أساسه أحكاما مسبقة هي الفرضيات الميتافيزيقية التي صارت معتقدات يزعمها أصحابها أوليات عقلية ؟ أم هو مجرد قواعد عملية لفعل الفكر فيكون مواضعات معيارية وليس معرفة علمية؟

السؤال الثالث: كيف تفهم فحص الأوليات النقدي أو السؤال عن شرعية القول بها إذا تجاوزت المنزلة الفرضية للقول أو الأصول الموضوعة وضعا شرطيا كما في الرياضيات؟ هل الانتقال من المقدمات الفرضية في القول الرياضي إلى المقدمات التي تعتبر أوليات أو حقائق أولية أمر مشروع أم هو مجرد تحكم ممن يتصور تصوراته نافذة إلى حقائق الأشياء فيكون ذا قدرة تتجاوز الشهادة إلى الغيب؟

السؤال الرابع: كيف تتخلص من الدور والتسلسل أو كيف تثبت شرعية قطع التسسل من دون دور ؟ في المعتقدات الدينية لا وجود لمشكل: تؤمن أو لا تؤمن بعد أن تجتهد لتتبين الرشد من الغي بما مكنك الله منه من أدوات الفهم. والله لا يطالبك بأكثر من ذلك. لكن في العلم تزعمون أنه لا يمكن الاكتفاء بالعقد فتدعون تجاوز درجات العقد المعرفي (Epistemic vision) إلى العلم بالحقائق الموضوعية في ذاتها. فما شرعية الأصول الموضوعة التي تحرر من الدور والتسلسل في هذه الحالة؟ أليست الشرعية التي تعلل الحاجة إليها وهي دائما من خارجها فتكون شرعية عملية نفعية وليست نظرية إنها مجرد آلات وأدوات لتيسير التعامل بين الناس ومع العالم أعني أنها من جنس الموازين والمكاييل وهو ما يعرفها به إبن تيمية ؟

السؤال الأخير: كيف تتأكد من صحة المطابقة بين الصورة المنطقية الصحيحة للاستدلال والعلم الصحيح بحقيقة وجودية تعد مضمونا لتلك الصورة بداية (ما اخترته من المقدمات) وغاية (ما انتهيت إليه من نتائج) وتوسطا بين البداية والغاية (النقلة من المقدمات إلى النتيجة) في عملية التوازي بين ما يجري في القول أو في الذهن وبين ما يجري في الأمر نفسه الذي يدور عليه القول أو العلم ؟ وبصورة أدق كيف تعالج وجهي هذه المسألة أعني الأمرين اللذين عالجهما أرسطو في التحليلات الأواخر بدءا بالقياس البرهاني في المقالة الأولى (مع تسطير كلمة برهاني) وختما بالحد الوجودي في المقالة الثانية (مع تسطير كلمة وجودي) فأي معنى تعطي لزعم التطابق بين الحد والمحدود وبين القوانين المنطقية لصورة القياس والقوانين الوجودية لبنية المضمون؟

إن غياب هذه المسائل الخمس عن بالك دليل على أنك لم تتابع حركة الفكر الفلسفي عامة والفكر المنطقي الفلسفي والعلمي خاصة ومن ثم فالكلام في هذه الحالة على آراء ابن تيمية في المنطق يكون عديم المعنى. وطبعا فلن أغامر بالجواب في هذه المحاولة لعلتين:

الأولى لأن المقام لا يسمح بذلك إلا إذا اضطرني تعنت بعض المعاندين الذين يريدون أن يعودوا بالأمة إلى خدع علم الكلام والصراعات المذهبية بعد أن حررتنا منها ثورتا ابن تيمية (وهي الأعمق لأنها أعلنت صراحة عن البديل من الفلسفة القديمة والوسيطة) وابن خلدون (الأفعل لأنها حققت ما وعدت به من بديل في تأسيس فلسفة علم جعلت التاريخ ينتقل من جنس الأدب إلى جنس العلم وجعلت الفلسفة تنتقل من جنس الميتافيزيقا التقليدية إلى ما سعى إليه ابن تيمية من نظرية وجود ومعرفة بديل)[11] ثورتاهما اللتان لم تنالا حظهما من التحليل والتأويل.

الثانية لأني عالجت هذه المسائل في غير موضع من أعمالي وبعضها مما اطلع عليه الأستاذ سعيد قصدت كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين مسألتيه الأوليين. كما أني عالجت أهم عناصر التجاوز التيمي الخلدوني الذي أشير إليه هنا في المحاورات الثلاث التي دارت بين ثلاثة أساتذة كرام وبيني وأصدرتها دار الفكر والفكر المعاصر في دمشق وبيروت بين 2000 و2006 آخرتها مع البوطي (حول أصول الفقه) والثانية مع حنفي (حول النظر والعمل أو بصورة أدق حولهما من منظور الفلسفة والدين) والأولى مع تيزيني (حول مستقبل الفلسفة العربية الإسلامية).

وفقنا الله إلى ما فيه خير من كان أهلا للاستخلاف والله ورسوله أعلم.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] وقد سجلت انتسابي إليه مؤخرا حتى أتمكن من متابعة بعض ما يجري فيه وغيره كثير من المواقع المتجادلة معه والرادة عليه من جدل عقيم أعتقد أن دورها جميعا في تلهية الشباب المسلم عن العلم الحقيقي في المجالات الطبيعية والإنسانية وفي تذكية جذوة الحروب الطائفية أكبر حتى من دعاية الأعداء الذين يحاربون الأمة في العلن. وقد سحبت الانتساب مباشرة بعد أن قرأت بعض كتابات الاستاذ سعيد.

[2] وتتمثل الصدفة في قراءتي ما نشره أحد الطلبة رأيت فيه ميلا إلى البحث في فكر ابن تيمية فحاولت تهدئة ما يشوب فكره من عجلة وتسرع ناتجين عن حب الزعامة الفكرية. وقد نشر مؤخرا في موقع الرازي الذي يشرف على علوم الملة فيه الأستاذ سعيد فودة إعلانا يكشف عن شيء من التزييف وإدعاء لتخرج مزعوم لست أدري مم وهو لم يقدم إلا مذكرة سريعة في السنة الأولى من المجاستر نال ما نال فيها تشجيعا لا إجازة. ولما كان قد طلب إلحاق رسالته بأحد كتب شيخ يتجرأ على ابن تيمية في أمر قد يكون لي فيه ما أقوله (مع حرصي على تجنب الخوض في المباحث الكلامية لكونها عندي من أهم علامات التخلف الفكري العربي والإسلامي من بدايتها إلى غايتها) رأيت أن أقدم هذه المحاولة في شكل رسالة إلى هذا الشيخ الشاب: سعيد فودة. لن أهتم بما قاله الطالب من أنه أعد معي ومع من سماه رئيس قسم الفلسفة العربية (خطة لم أسمع بها من قبل) رسالة تخرج (مم؟) ليطلعني على فكر ابن تيمية (!) التجسيمي بمصطلح الأستاذ فودة ولكي يعلمني بأنه يوجد من يدعم المنطق التلقيدي ولا يولي أهمية لما طرأ بعد أرسطو في المجال مادحا بذلك استاذه.

[3] طبعة دار الكتب العلمية عام 1403هـ -1983م،مجلد 2، ص191.

[4] فقد حوم ابن تيمية حول هذا النوع الثاني من المنطق ومن شروط التأسيس العقلي لصب المادة في الصورة دون أن يحقق منه شيء يذكر . وكان قصده يضيع فلا يبقى منه إلا مجرد الوعي بالحاجة إلى أمر ما يحقق هذا الغرض لعدم كفاية المنطق القديم لولا ثلاثة أمور: أولها استثناؤه من النقد الصورة المنطقية والرياضيات وكل معرفة فرضية للموضوعات الذهنية وثانيا بعض الأمثلة التي ضربها مما كان يقصده في ردوده على المنطق (من مجالين طبيعيين ومن مجالين إنسانيين: وهي من الطب والفلك واللغة والفقه) وعلى الرازي وأخيرا ما تحقق في المحاولة الخلدونية. وهذا النوع الثاني من المنطق الذي نعنيه يمكن أن نعتبره مؤلفا من مستويين: الأول يؤسس لقابلية المضمون اللامحدد للتحديد بصورة تؤهله لأن يصبح مادة لصورة وذلك ما يمكن تسميته التأسيس العقلي لصوغ المادة صوغا عقليا (بعض منه حاوله أرسطو في التحليلات الثواني ولكن بالميتافيزيقا القديمة الني تعتبر الشروط التي تصورها حقائق أولية وليست فرضيات ذاتية حتى لو كانت كلية). ولعل أول من حقق ذلك بصورة صريحة هو كنط في ما سماه بالمنطق المتعالي. لكن حله يظل دون فكرة ابن تيمية التي تحقق وجه منها عند ابن خلدون ممارسةً أكثر من التنظير الصريح. فتأسيس شروط صب المادة في الصورة ليس هو كامنا في خصائص الموضوع الثابتة لكونها جوهرية له (الحل الأرسطي) ولا في خصائص الذات الثابتة لكونها جوهرية له (الحل الكنطي) بل هو مجرد اجتهاد ذريعي غير ثابت يتغير بتغير التطور الإنساني وهو نسبي للوظائف التي يؤديها فقد يكون إما للتعليم أو للاكتشاف أو للاستدلال أو حتى لتحقيق منظومة للعقد أو للمناظرة ومعنى ذلك أن التأسيس معلل بثمراته وليس بمطابقته لحقيقة ميتافيزيقة مطلقة سواء نسبناها إلى الموضوع (مقولات ارسطو) أو إلى الذات (مقولات كنط). والثاني يحدد المنهجية التي تحقق هذا الصب فعلا ويمكن تسميته مثل ما سمته الممارسة العلمية الحديثة بالمنهج التجريبي ببعديه الرمزي والتقني: فأما البعد الرمزي فهو الصوغ الرياضي أعني منهج إبداع النماذج النظرية التي تمكن من تصوير المادة التجريبية وأما البعد التقني فهو بعد التحقيق التجريبي أعني منهج الهندام التقني للإدراك العلمي الذي تتأسس عليه المعرفة العلمية التي لا تكتفي بقدرات الحواس الإنسانية أعني الهندام التقني من حيث كل جهاز الحضارة المادية التكنولوجي إذ إن هذا الجهاز هو نفسه مقومات الحضارة المادية وأداة الحضارة الروحية أو ما يسميه ابن خلدون بالاستحواذ على عالم الحوادث بما فيه معرفا ذلك بكونه التسخير المناظر للاستخلاف: تسخير الكون للخليفة. فيكون ابن خلدون بفهمه هذا الفهم لدور العقل النظري في صلته بالكون قد ساعد على فهم قصد ابن تيمية خاصة ونقده للمنطق من جنس نقده: كلاهما يسلم بصحة الصورة وبعدم كفايتها لتحقيق المعرفة العلمية وكلاهما ينقد الميتافيزيقا ليبين أن المعرفة العقلية لا يمكن لها أن تتجاوز التجربة الممكنة. ومفهوم التجربة الممكنة في شكل قابلية المحسوسية العاقلة هو المفهوم الأساسي الذي بنى عليه ابن تيمية نقده لأساس التقديس للرازي.

[5] وإنه لمن العجائب أن يكتب أحد كتبا في المنطق ويقدم الكوجيتو بصورة منطقية أولا ثم بصورة الشكل الأول من القياس الأرسطي. فأولا ديكارت لا يقبل بانتقال الحقيقة Uebertragung der Wahrheit من المقدمات إلى النتائج بالصورة المنطقية عامة أيا كان المنطق بل هو يعتبر الناقل للحقيقة منها إليها هو الحدس المباشر للحقائق وليس المنطق عنده إلا "هنداما"رمزيا لمساعدة الذاكرة والخيال لا غير. وثانيا كيف يمكن أن تكون الصورة من الشكل الأول هكذا: كل من يفكر موجود (مقدمة كبرى) أنا أفكر (مقدمة صغرى) إذن أنا موجود (نتيجة). ف"أنا أفكر" ليست كلية بل هي دون حتى التسوير الجزئي وتسويرها مستحيل لأنها تتعلق بالعين وليس بالبعض ولا بالكل. وأعلم أن البعض مال إلى أخذها مأخذ الكلية لكأن "أنا كلي" تعني "كل أنا" لكنها ليست كلية ولا جزئية ومن ثم فهي لا تقبل الصوغ القياسي بالمنطق الأرسطي إلا تساهلا. وأخيرا فإن ديكارت قد ناقش ذلك في الردود وبين أن الكوجيتو ليس قياسا. لذلك فقد عجبت لظن الاستاذ سعيد أني لجأت لعلاج آخر غير المنطق القديم في مسألة الدليل الوجودي هروبا من الوضوح والبساطة إلى التعقيد الذي يغني عنه المنطق القديم حسب رأيه.

[6] هذا هو المدفع الأساسي الذي يستعمله الأستاذ سعيد موهما الناس -أو متوهما ليست أدري-أنه يتكلم على تصور متواطئ ولعله يظن الوجود كذلك مفهوما متواطئا. فأي معنى يعطيه إياه؟ أليس الكمال المحض هو عين الوجود المحض فيكون عين وجود الشيء من حيث تمامه الوجودي دون إضافة أخرى ؟ وكل شيء يكون ذا وجود تام إذا تحققت طبيعته موجودة على ما تقتضيه. وبهذا المعنى فإن الكمال المحض متعاكس مع الوجود المحض ما يصح على احدهما يصح على الثاني طردا وعكسا. وهكذا كان كل الفلاسفة يفهمونه. لكن جميع الفلاسفة يعتبرون الوجود المحض مفهوما غير متواطئ ومثله الكمال المحض. فيكون الكمال المحض رغم تمحضه متعدد المعاني مثله مثل الوجود المحض. لذلك كانت الكمالات أجناسا مثل الوجود رغم أنه لا أحد بحث في مقولات الكمال أو اجناسه العالية كما فعلوا مع الوجود. إلا أننا يمكن أن نقول إن أجناس الكمالات العالية هي عينها أجناس الوجود العالية إذا كان المفهومان متعاكسين فيما بينهما رغم كونهما كلاهما غير متوطئ في ذاته بل متعدد المعاني. ومثلهما باقي المتعاليات (الواحد والخير). لكن الوجود والكمال ينفصلان بسبب فعل العوارض الخارجية التي تمنع تحقق الوجود فتحدث التشوهات أو الشرور أو تحفزها فتحدث الكمالات والأخيار. وهذا المعنى العميق للتعاكس بين الوجود والكمال تصور قرآني خالص وليس هو فلسفيا فحسب لو كان الاستاذ سعيد يعلم. فهو معنى الفطرة التي يتطابق فيها تمام مكارم الأخلاق والخلقة لأن الموجودات خلقت على أحسن تقويم ومنها الإنسان الذي رد بعد ذلك أسفل سافلين حتى يتمكن بشرطي الاستثناء من الخسر من العودة المختارة للتقويم الأحسن: وتحقيق شرطي الاستثناء هو الإسلام الخاتم أي استعادة الفطرة. وعلة ضعف هذا المدفع أنه لا يمكن من أن يكون حجة باعتراض عدم التعميم نقلا للكمال من أحد الأعيان أو الانواع إلى غيرها. ذلك أن الكمال المحض يعمها جميعا: لكل منها كماله المحض الذي هو تمام حقيقته أو طبيعته من حيث هو ذاك الموجود. ولذلك فابن تيمية لا يتكلم عليه مرسلا بل عليه بعد أن يتخصص: كمال الإنسان المحض هو عين وجوده أعني العاقلية التي تكتمل بها حيوانيته. وكمالات الله التي يريد ابن تيميه أن يثبت إمكانها العقلي لاغير دفعا لنفيه من المعطلة - لأن إثبات وجودها نصي ولا يحتاج إلى دليل -هي كمالات الحي وبالتدقيق الحي القيوم.

[7] وحتى هذه فهي غير صحيحة إلا بشرطين موجب وسالب. فإذا لم يكن القصد بالزواج معناه الشرعي لم يصح هذا الحكم. فالحاجة إلى لقاء الزوجين بالمعنى القرآني كمال لكل الموجودات لأنها جميعا زوجية الطبيعة ومن ثم فهي تلغي هذا الحكم. والعلم الحديث يؤيد مبدأ المزاوجة من الجماد إلى الإنسان. وإذن فينبغي نفي هذا المعنى وإثبات ذلك حتى يكون الحكم مقبولا. لكن لا بأس سنسلم بأن المناقش يقصد بالزواج النكاح الشرعي. وكيفما كان الأمر فالاستدلال كله ليس له أساس إذا انطلقنا من مدفعه الأساسي كما بينا في ما قلناه حول معنى الكمال المحض.

[8] ومن هنا جاءت أسطورة قانون التأويل عند الرازي استكمالا لما اقترحه الغزالي: فكل ما خالف العقل من النقل ينبغي تأويله ليطابقه. لم يدر بخلد الرازي أن يسأل نفسه: بم تميز بين العقل والنقل ؟ أليس بالعقل ؟ ألا تكون عندئذ قد جعلت العقل قاضيا ومتقاضيا؟ ثم أي معيار للعقلي الذي يرد إليه النقلي بالتأويل؟ ولكن قبل ذلك كله: هل العقل ليس فيه خلاف بحيث يمكن أن يدعي أنه وصل إلى حقيقة واحدة لا يحتاج فيها هو بدوره إلى تحقيق الوحدة لإزالة الخلاف في العقلي نفسه ؟ ولو جربنا أن نحقق الوحدة بين كل النظريات العقلية لكي نتيقن من الوحدة وزوال الخلاف فإننا بشيء بعد شيء من الاستثناء لكل المخالفات المضمونية لن يبقى لنا إلا الشكل العقلي الخالي من كل مضمون أعني صورة العلم أي المنطق. لكن المنطق في هذه الحالية سيكون صورة بلا مضمون. والخلاف يبدأ عندما نريد أن نصوغ المضمون فيكون صوغ المضمون في العقليات مصدر كل الخلافات بين العقليات. فأيها سنرد إليه النقليات بالتأويل؟ والنقليات إذا عريناها من الصورة العقلية التي تصاغ بها بعد التسليم بمبادئها ماذا سيبقى ؟ أليس الأمر سيكون مضمونا بلا صورة ؟ فيكون المشكل عكس المشكل السابق: بعد مشكل كيف نملأ الصورة العقلية يأتي مشكل كيف نصور المضمون النقلي. وهذان هما السؤالان اللذان حاول شيخ الإسلام الجواب عنهما فتجاوز الميتافيزيقا والمنطق الأرسطيين اللذين انبنى عليهما كل كلام الرزاي بعد الخلط بين الكلام الأشعري القديم والفلسفة السينوية عند الغزالي الذي تخلى بالتدريج عن ثورته النقدية وعاد إلى علم الكلام والتصوف المتفلسفين.

[9] انظر لمزيد التوضيح محاولتي حول نظريات ابن تيمية الإصلاحية الصادرة في عدة مواقع منها موقع الملتقى الفكري الدمشقي وفي مجلة المنعطف بوجدة المغرب الأقصى.

[10] مثل قاعدة أن "الحملية الموجبة لا تصدق إلى إذا كان موضوعها ثابتا". فهذه القاعدة لا تصح حتى في العلم القديم إلا بشرطين ليس من اليسيرالتسليم بهما. الشرط الأول هو أن يكون الموضوع جوهرا والمحمول أعراضا ذاتية تعرض له من حيث هو حامل لها دون أن تكون من مقوماته. ومن ثم فهي تستثني المقومات التي لا تحمل على موضوع أصلا فضلا عن كونه ليس ثابتا قبلها حتى نقول إنها لا تصخ إلا إذا كان هو ثابتا. بل هما يثبتان معا. وطبعا قد يبدو هذا الكلام متناقضا: فإذا لم تكن المقومات محمولات لموضوع فكيف نستثنيها من قاعدة تتعلق بالعلاقة بين الموضوع والمحمول. والجواب هو عين الثورة الجدلية في المنطق الفلسفي الحديث: الموضوع ليس ثابتا بل هو يسيل في محمولاته وليست محمولاته إلا عين خروج مقوماته فتكون النسبة كالتي بين المادة والطاقة كلاهما يقبل أن يتقدم وأن يتأخر المادة تصير طاقة والطاقة تصير مادة. وهذا يسمى في المنطق الجدلي بالقضية التأملة التي ليس فيها فصل بين الموضوع والمحمول. لكن هذا الكلام قد يدق فلا يكون في متناول من لا يزال يؤمن بالمنطق القديم أو من يرفض أن يحرر شباب الأمة من سرطان الحرب بين الفرق. فلنمر إلى الشرط الثاني. إنه شرط نفي الزمان والحركة على الذوات ظنا أن لها ماهيات متعالية على الزمان أو للوجود المخلوق ثوابت في ذاته غير سنن الله التي تحكمه مجاري عاداته. ولنأخذ مثالا من القرآن الكريم: فعندما يقسم القرآن الكريم بمواقع النجوم فنحن نعلم أن النجم يمكن أن يكون قد مات منذ قرون وأحيانا آلاف السنين لكن نوره لا يزال مرتحلا من موقعه إلينا. فيكون إثبات المحمول ممكن رغم أن الموضوع لم يعد موجودا. في اللحظة التي نثبت فيها المحمول للموضوع تكون القضية الحملية صحيحة رغم أن الموضوع لا وجود له. وهذا يقال على كل شيء تكون علته قد انقضت ومعلوله لم يحصل بعد فتكون علاقة العلية موجودة رغم غياب احد حديها. ويقال أيضا على المستقبل: فنحن نفترض موضوعا سيحصل ونصفه قبل حصوله من خلال محمولاته الثابتة قبل وجوده: ذلك أنه مثلما أن مفاعيل الشيء تبقى بعده فإنها يمكن أن توجد قبله وخاصة في العمران البشري إذ كم من مرض يصبح موضوعا لأعراض تقدمت في تكوينية المرض نفسه ثم ننكص من لحظة ظهوره لكي نفسر به ما كان من إرهاصاته. وحتى يحررنا ابن تيمية من هذه المفارقات الناتجة عن حركة الزمان والصيرورة في الذوات نفى أن تكون الماهيات شيئا موجودا وراء الوجودات وأن تكون التعريفات قولا في الماهيات أو حدودا بل هي رسوم اسمية تعطينا علامات التمييز بينها في تعاملنا معها ولا تمدنا بحقيقة مقوماتها.

[11] ينظر لمزيد التوضيح أبو يعرب المرزوقي إصلاح العقل في الفلسفة العربية مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الثالثة بيروت 2004 وتجليات الفلسفة العربية دار الفكر والفكر المعاصر دمشق وبيروت 2005.


http://www.almultaka.net/ShowMaqal.php?module=d6f8fbd899b167f71cf3afc8c00d5 312&cat=12&id=490&m=8cf8027943d1b5b9d0f72f6bb5feaf56

نزار بن علي
14-05-2008, 13:52
الحمد لله رب العالمين

قال صاحب المقال: وكما لا تماثل بين صفاتنا العقلية وما وصف الله به نفسه مما يشترك معها في الاسم من صفات الإنسان فكذلك صفاته التي تبدو جسمانية لا تماثل صفاتنا الجسمانية إلا بالمشاركة في الاسم.

هل يعتقد صاحب المقال أنه لا اشتراك بين حياة الله تعالى ـ مثلا ـ وحياتنا إلا بالاسم؟؟ يعني أما الحقائق فلا مشاركة في شيء منها ألبتة، بحيث لا يشتركان في حكم من الأحكام أصلا، ولا يندرجان تحت نوع واحد مطلقا؟؟ وهل هذا هو رأي ابن تيمية؟

نرجو بيان الجواب ـ وإن كان واضحا ـ .. ويترتب عليه ما يترتب..

جمال عبد اللطيف محمود
18-05-2008, 15:23
نشكر للأخ صهيب نقله لتلك المقالة،وأضع بين يديكم بعض التلميحات على كلام هذا المرزوقي؛ رزقنا الله حسن الخاتمة :

أولاً أنبه أن المرزوقي هنا يظهر أنه لم يستطع إخفاء المواقف الشخصية أو النظرة الشخصية عنده تجاه شخص الشيخ سعيد ، ولم يستطع إخفاء حقده الواضح على منتدانا الكريم الذي هز أوصال المجسمة في كل أنحاء العالم وذلك كله بفضل الله تعالى والحمد لله.

ولكن لست أدري ما سر هذا التهالك على رمي بعض الناس أنفسهم تحت أقدام أمثال ابن تيمية مع أن عوارهم قد بان لكل صاحب ذي نظر..!

وكلما قرأنا شيثاً لأحد المتهالكين على أقدام - أعني المدافعين عن - ابن تيمية ومن حذا حذوه وجعل ابن تيمية مجدد الزمان الأوحد الذي عجزت النساء أن يلدن مثله أسأنا الظن بأنفسنا واتهمناها بالعجز والقصور عن فهم أقوال ابن تيمية ومن تهالك عند أقدامه.ولكن للأسف لم نر إلا جعجعة ولا طحن!

وأجد لزاماً علي مطالبة المرزوقي أن يفسر لنا بعض مقولاته التي أوردها في هذه المقالة والتي أستغرب صدورها ممن ينتحل مقاماً جعل نفسه فيه نداً لعلماء الكلام وهيهات له ..فقد سقط أسياده قبله على أعتاب أقدام علماء أهل السنة والجماعة.
وسأورد الآن بعض الجمل التي أورها المرزوقي وأظن أن الكثير منها إيراده كاف لبيان الضعف فيه:
فمن ذلك قوله:

أولاً:
( أما لو أخذنا الجسم من دون التحقير الذي ألصق به فإننا يمكن أن نتصور جسما لا كالاجسام الدنيوية مثل تصورنا عقلا لا كالعقول الدنيوية).
وهنا نرى أنه يجوز أن نقول أن الله جسم لا كالأجسام والباقي عندكم!

ثانياً، قوله:
( وإذا كنا قادرين على نسبة العقل إلى الله رغم أن ما نعلمه من العقول محدود فنضمر نفي المحدودية فإننا يمكن أن ننسب إليه الجسم مع نفي المحدودية كما نفعل مع العقل. ومثلما نتصور ما يتكلم عليه القرآن في الجنة ليس له مثيل في الدنيا رغم كونه جسميا في كل عبارات القرآن الكريم فكذلك يأتي الكلام الله على الله بلغة تبدو تجسيمية دون أن تكون تشبيهية: لأننا من القرآن أيضا نعلم أن الله ليس كمثله).

وهو هنا يتجرأ على نسبة العقل إلى الله تعالى وأيضاً يؤكد على إثبات الجسمية له تعالى التي جعلها منزهة له تعالى فقط بقوله: مع نفي المحدودية- وهذا القول استنتجه بادعائه من وصف القرآن ما في الجنة وقياس صفات الله تعالى على هذا.

ثالثاً قوله:
( ومثلما نتصور ما يتكلم عليه القرآن في الجنة ليس له مثيل في الدنيا رغم كونه جسميا في كل عبارات القرآن الكريم فكذلك يأتي الكلام الله على الله بلغة تبدو تجسيمية دون أن تكون تشبيهية: لأننا من القرآن أيضا نعلم أن الله ليس كمثله.)!

رابعاً ، قوله:

((1 - ألست تؤمن بأن الله لا تحل فيه الحوادث؟

2- ألست تعتبر الخالقية من صفات الأفعال؟

3- ألا ينتج عن ذلك نفي التجدد على الخالقية لئلا تحل في الله الحوادث فيكون الله خالقا في الأزل والأبد ويكون فعل الخلق قديما؟

4- ولما كانت أفعال الله ليست عبثا وكانت قدرته مطلقة فإنه لا يمكن أن يكون خالقا للاشيء. فيكون المخلوق قديما بالنوع لعلمنا بفناء المخلوقات بالعدد.

5- ويكون الخلق مستمرا بالنوع ضرورة والمخلوق بالنوع كذلك رغم أن المخلوق بالعدد في سيلان أبدي لا يثبت فيتجدد الخلق في كل لحظة وهو ما يثبته العلم حتى بالنسبة إلى الأنواع الدنيا فضلا عن العالم كله (=كلي ما عدا الله وليس كله لأن كله متوال في الزمن وليس فيه شيء قديم) ))

فهو هنا ذكر في النقطتين الأولى والثانية مقدمتين ثم قفز إلى نتيجة مرعبة في النقطة الثالثة مباشرة !
فهو اعتبر أنه يجب أن ننفي التجدد على الخالقية لأنه إن قلنا بتجددها فإننا نقول بحلول الحوادث في الله تعالى ، ولست أدري ما هو وجه لزوم حلول الحوادث عليه تعالى من هاتين المقدمتين ؟ وهل يتصور أن الحوادث تخلق في ذاته تعالى حتى يلزمنا بكلامه العجيب ذلك؟
وكيف يلزم من هاتين المقدمتين أن يكون فعل الخلق قديماًً ؟

خامساً :
ثم يثبت في النقطة الرابعة بكل شجاعة أن المخلوقات قديمة بالنوع بهذا الاستدلال:

( ولما كانت أفعال الله ليست عبثا وكانت قدرته مطلقة فإنه لا يمكن أن يكون خالقا للاشيء. فيكون المخلوق قديما بالنوع لعلمنا بفناء المخلوقات بالعدد.)

وكأنه يشترط هنا ضمناً أنه يجب لكي يسمى الله خالقاً أن يخلق مخلوقات نوعها قديم وأفرادها حادثة- وهذا عنده لئلا تكون أفعاله تعالى عبثاً ، فالعبثية عنده هنا أن يسمى الله تعالى خالقاً من غير أن يخلق الخلق بالفعل!
وهل يعني بهذا أن المخلوقات عنده يجب أن تخلق لكي يسمى الله عنده خالقاً؟
والعجيب عند هذا الكاتب أنه اعترض على من نسب له القول بالقدم النوعي سابقاً بينما نجده الآن يصرح بالقدم النوعي بكل صلافة وجرأة!

وأكمل لاحقاً إن شاء الله تعالى

صهيب منير يوسف
18-05-2008, 18:20
بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية أحب أن أسجل باني لست بمناظر للدكتور أبو يعرب المرزوقي، فإن من شروط المناظرة التكافؤ بين المتناظرين و لا شك أني لست بكفؤ لمناظرة مثل الدكتور، فما أنا إلا معلق و مستشكل لبعض الأمور التي أرها بحسب ما أوتيت من العلم و الفهم مشكلة

في البداية إني أتعجب من الكتور أبو يعرب من اختياره لثلاثة من علماء المسلمين على أنهم أصحاب ثورات معرفية في حين انه ينعى كثيرا بل دائما على المفكرين العرب الذين يتبنون التقسم الثلاثي بدل الثنائي الطبيعي و الذي يرده إلى المسيحية كما يعلم من أقواله و كتاباته !

و لكن على ما يبدو ان الدكتور قد عاد إلى الثنائية الطبيعية فالغى حجة الإسلام الغزالي بعد أن اكتشف أنه مرتد إلى الكلام و التفلسف و الغنوص !

على أني و بغض النظر عن هذا التعجب فإني لا أفهم اختيار ثلاثة ثم المغالاة في مدحهم و تمجيد أعمالهم و إلغاء غيرهم ثم الزعم بأن ابن تيمية الحنبلي و ابن خلدون الأشعري فوق المذاهب ( كلمات شعرية مثلها مثل قولهم لم يولد بعده مثله ، نهاية العقول ، خاتمة الأدباء و المحققين ... إلخ من الأوصاف و الألقاب التي قد تقبل في معرض الترجمة لا المحاورة ولا المناظرة و أتعجب من الدكتور الذي يرفض جملة [ اعلم ] كيف يقبل بمثل هذا الكلام ) و هو وصف لا يقبل زعيم مشبهة الحنابلة الشيخ ابن تيمية ( المدعي متابعته للإمام المبجل أحمد بن حنبل ) و لاصاحب لباب المحصل العلامة ابن خلدون الأشعري، ثم اتعجب من الزعم بأن الغزالي و ابن خلدون قد انتهوا إى تلك النتائج الثلاث المروعه التي نظن أنهم لم ينتهوا إليها و لم يقولوها بها يوما .و الدكتور كما نرى لم يدلل على اي من هذه النتائج فنرجو منه البيان ثم يكون بعد ذلك لكل مقام مقال !


لا يخفى على الدكتور ما انتهى إليه المتكلمون من رسوم و تعاريف لعلم الكلام و بيان لغاياته و موضوعه بما يحكم الطوق فلا يجعل مسلما متصديا لبيان النظرة الفكرية و الفلسفية للإسلام في الوجود و الكون و الحياة و الإنسان احتجاجا و إثباتا و دفاعا خارجا عنه شاء أم أبى ، سواء أكان مخطئا ام مصيبا ، وسواء أكان خطؤه مفضيا إلى المروق من الدين و الخروج عنه أو كان مفضيا إلى الفسق أو كان لا يترتب عليه شيء سوى مجانبة الصواب.

و مما سبق يعلم بطلان إخراج ابن تيمية من عداد المتكلمين بل ربما الدكتور نفسه !

و إني لأعجب من كلام الدكتور عن فلك بطليموس و دعوى التنازع فيه و الجدال حوله !!! فلا أظن أحدا في المنتدى يدرس أو يدرس فلك بطليموس و غيره بصفتها علوما طبيعية بل تاريخا للعلوم الطبيعية على أحسن الأحوال ! هذا إن سلمنا أن هناك من تطرق في المنتدى للحديث عن فلك بطليموس حتى على هذا المستوى

يتبع

سليم حمودة الحداد
18-05-2008, 20:00
لن أهتم بما قاله الطالب من أنه أعد معي ومع من سماه رئيس قسم الفلسفة العربية (خطة لم أسمع بها من قبل) رسالة تخرج (مم؟) ليطلعني على فكر ابن تيمية (!) التجسيمي
قد رددت على كثير مما قاله هنا ..و لكني نسيت شيئا فأحببت أن أذكره ..
هو يستغرب هنا أن الطالب أراد أن يطلعه على فكر ابن تيمية، و لذلك وضع علامة التعجب (!)..
فأقول: هو يعرف أن هذا الطالب الذي يتحدث عنه - كان اقترح عليه أن يكتب بحثه حول ابن تيمية فأوصاه الأستاذ المرزوقي بأن يكتب عن قانون التأويل الذي ذكره الإمام الرازي و رد ابن تيمية عليه كما في درء التعارض ..
فقال له الطالب انه يريد أن يكتب عن نظرية المعرفة و الوجود عند ابن تيمية من خلال كتابه "بيان تلبيس الجهمية"..
فاسغرب الأستاذ و قال: و هل لابن تيمية كتاب بهذا الاسم ؟؟
هذا ما دار حينها و استغرب الطالب من استغراب الأستاذ الذي كان يراه مفكرا عظيما ..
فالرجل يكتب عن ابن تيمية و يجعله مصلح الفكر العربي كله مسقطا لما بناه أئمة المسلمين - و هو لا يسمع بأهم كتبه !!
ثم مع ذلك يقول هنا: (ليطلعني على فكر ابن تيمية (!) ))..مستغربا متعجبا !!!
فسبحان الله ..يفعل في خلقه ما يشاء ..
أما ما في كلامه في المقال من الخبط و الخلط فأعجب مما استعجب منه ..

وإذا كنا قادرين على نسبة العقل إلى الله رغم أن ما نعلمه من العقول محدود فنضمر نفي المحدودية فإننا
يمكن أن ننسب إليه الجسم مع نفي المحدودية كما نفعل مع العقل.
أما نسبته العقل إلى الله تعالى فهو من اختراعاته العلمية الحديثة التي تجاوز بها المنطق التقليدي !!!!
هذا الكلام لم يقله أحد من المسلمين لا من أهل السنة و لا من أهل البدعة !! حتى ابن تيمية إمام المصلحين لم يقله !!
و هو بقياسه العجيب هذا يقع في هاوية لا يخرج منها أبدا ..
فهو بهذا يسوي بين ما ننسبه إلى الله تعالى من العلم و نحوه من الكمالات و بين الجسمية و نحوها من النقائص و السخافات.. ثم يزعم أننا إذا قلنا بالأول مع نفي المحدودية فيلزمنا ان نقول بالثاني مع نفي المحدودية !!!
و نسي أو غفل عن أن المحدودية من لوازم الجسم فمتى نفيتها عنه فكأنك نفيته رأسا !!!
لأن كل جسم فهو محدود لا محالة لأنه مركب، فإن نفيت المحدودية عنه فقد نفيته لأن نفي اللازم نفي لملزومه ..
إلا ان كان يعتقد ان نفي المحدودية عن الجسم معناها عدم التناهي في الأبعاد أي ان يكون الجسم غيرمحدود أي له مساحة و حجم و أبعاد لا متناهية !!..و هو مستحيل عقلا باتفاق العقلاء جميعا من المتكلمين و الفلاسفة و حتى شيخه ابن تيمية!!
فلزم أن كلامه هنا غاية في التهافت و الضعف بل و التناقض ..
ثم ..سلّمنا قاعدته هذه و قياسه الغريب ..فيلزمه أن كل ما ينسب إلى البشر فيجوز نسبته إلى رب البشر بشرط واحد و هو نفي المحدودية ..فيلزمه أن يجوّز القول بأن الله تعالى له أجزاء و أبعاض كما للبشر أجزاء و أبعاض (جوارح) لكن الفرق أن ما للبشر محدود و ما لله غير محدود !!!
و يلزمه أن يقول ان لله شكلا كما للبشر و لكن الفرق بينهما هو المحدودية !!!
و ماذا يقول للنصارى إذا قالوا له على قاعدته: نحن أيضا نقول ان الله يتزوج و له ولد و لكن مع نفي المحدودية كما تقول أنت !!!! ..
فإن رجع و قال: انا لا أقول ان هذه الأمور جائزة على الله تعالى ..
نقول: اذن تكون قد نقضت غزلك و نفيت ما بنيت عليه كلامك السابق ..لأن قياسك ذاك مبني على قضية كلية و هي أن كل ما يكون للبشر جاز أن ينسب لله بشرط نفي المحدودية.. فإن نفيت الذي ألزمناك هنا فقد خصصت هذه الكلية و سقط قياسك العجيب ذاك ..
فيكون قوله ((( أما لو أخذنا الجسم من دون التحقير الذي ألصق به فإننا يمكن أن نتصور جسما لا كالاجسام الدنيوية مثل تصورنا عقلا لا كالعقول الدنيوية).)) ..تخليطا لا معنى له ..
فإن قوله ((جسم لا كالأجسام)) ..ماذا ينفي بحرف "لا" ؟ ان كان ينفي بها التركيب و الأبعاد و الحدود فكأنه يقول هو جسم ليس جسما !!!..و إن كان ينفي بها مشابهة تركيب الله و أبعاده و حدوده لتركيب الخلق و أبعادهم و حدودهم فهو إذن يصف الله تعالى بأنه مركب من أجزاء و أبعاض و له أبعاد و حدود و شكل !! ..
فهل يصرح بهذه الشناعات و السخافات في حق الله تعالى و ينسبها له صراحة كما فعل شيخه ابن تيمية أم ينفيها و يرد على شيخه فيفسد إصلاح شيخه المصلح الكبير ؟؟!!
ثم نفي المحدودية هذا لم يقله شيخه المصلح ابن تيمية بل يصرح بخلافه و أن الحد ثابت لله تعالى عنده و لم ينفه إلا الجهمية بزعمه ..فهو جهمي عند شيخه المصلح لنفيه للمحدودية الثابتة لمعبودهم عند ابن تيمية !!
و إن أصر على نفي المحدودية فيلزمه الرد على شيخه المصلح و أن يبين له أن نفي المحدودية ليس كلام الجهمية و أن نفي الحد هو كلام السلف من الأئمة و ليس العكس كما يدعي شيخه ..و أن يبين له أن اثبات المحدودية هو كلام المجسمة المشبهة ..فهل يفعل ؟؟

أما ما قاله في قدم المخلوقات بالنوع فلا يحتاج إلى رد لظهور تهافته..فإن قدم النوع مع حدوث أفراده كلام من لا يدري ما النوع و ما الفرد ..
هذا بعض ما أحببت النعليق عليه ..و إلا فكلامه مشحون بما لا يصبر عليه ..و لولا أن علمه بهذه المباحث في هذا المستوى لما انخدع بخرافات ابن تيمية و لما جعله المصلح الأكبر ..
و لا حول و لا قوة إلا بالله ..

هاني علي الرضا
18-05-2008, 22:50
وحاصل القول ومجمله حتى لا نطيل الكلام في ما لا معنى له وحتى نمر بسرعة إلى المقصود من هذه المحاولة أن ما قاله ابن تيمية يقبل التلخيص في جملة واحدة: الله من حيث هو الحي القيوم له كل الكمالات التي ينسبها إلى نفسه والتي هي ذاتية للحي الخالق من حيث هو حي خالق دون أن تكون من جنس ما يتصف به الحي المخلوق علما بأن ذات الله لا تتقاسم الوجود مع ذات المخلوقات إلا بالاسم: فهو الواجد بالمعنيين أي أصل الجود والوجود المخلوق وواهبهما وهي الموجودة أي االفقيرة إليه فيهما.

يبدو أن الأستاذ المرزوقي للأسف غير مطلع بشكل كاف على مذهب ابن تيمية الكلامي وفلسفته العقدية ، ويظهر هذا بوضوح من الفقرة المنقولة أعلاه إذ يظن الأستاذ بوهمه أن ابن تيمية لا يثبت إلا الاشتراك اللفظي الاسمي بين صفات الخالق وصفات المخلوق ، ووأنصح الأستاذ بتحقيق المسألة وتحريرها وبالتعرف أكثر على مذهب ابن تيمية قبل الدفاع عنه فإنه يدافع عما يجهله كما يظهر .



ذلك أن حجته الأساسية ضد نفاة الصفات التي يتصورونها تجسيما أبسط من كل بسيط يتوقعه الإنسان وهو ما أورد هذه الأدلة إلا لإفحام المتعاقلين. فهو يبين أن من ينفي ما يثبته القرآن لله من الصفات أو الافعال بدعوى أنها تؤدي إلى التشبيه يصح على ما يثبته من الصفات أوالأفعال المزعومة عقلانية أو روحية: كلا النوعين يؤدي إلى التشبيه إذا ظن من جنس ما عند الإنسان عقلا كان أو يدا أو سمعا أو بصرا أو نزولا أو صعودا أو عروجا إلخ.... فكما أن صفات الله غير المجسمة لا يليق بها اعتبارها من جنس صفات الإنسان فكذلك الشأن بالنسبة إلى الصفات التي تظن مجسمة. لذلك فهي غيرها ومن ثم فهي منزهة عن التشبيه. وكما لا تماثل بين صفاتنا العقلية وما وصف الله به نفسه مما يشترك معها في الاسم من صفات الإنسان فكذلك صفاته التي تبدو جسمانية لا تماثل صفاتنا الجسمانية إلا بالمشاركة في الاسم.

وهل يتساوى لدى عاقل نسبة المعاني إلى الله تعالى مع نسبة الأعيان إليه ؟؟
وهل يعقل العين بلا تحيز ؟
وهل تقبل اللغة اعتبار الأعيان صفات تقوم بذات كما المعاني ؟
لعل الأستاذ يعيد النظر في قسمته فإنها ساذجة تسير وفق تقسيم الحشوية الجهلة وهو ما لا يليق بمن هو في مثل تخصصه وتصدره .



فإذا نسبنا العلم والعقل والإرادة والقدرة إلى الله فنحن ننسبها إليه مع الجزم بأنها مختلفة تمام الاختلاف عن سمياتها الإنسانية لأن الله ليس كمثله شيء. ونفس الأمر يقال عن اليد والغضب والمكر إلخ .. والحركة والنقلة نزولا وصعودا إلخ... وكل الإشكال جاء من موقف الكلام المسيحي والفلسفة اليونانية اللذين كانا يحطان من شأن الجسم قبالة الروح. أما لو أخذنا الجسم من دون التحقير الذي ألصق به فإننا يمكن أن نتصور جسما لا كالاجسام الدنيوية مثل تصورنا عقلا لا كالعقول الدنيوية.

هذه سقطة شنيعة ، وسيكون أول من يتلقفها ليدين الأستاذ بها أصحابه أتباع ابن تيمية ، والحاصل أنا نجل الله تعالى عن هرطقة الفلاسفة وعن نسبة العقل إليه سواء أكانت نسبة لفظ أو معنى ووبغض النظر عما أريد بالعقل ووفق أي مصلطح استخدم .



1- ألست تؤمن بأن الله لا تحل فيه الحوادث؟

2- ألست تعتبر الخالقية من صفات الأفعال؟

3- ألا ينتج عن ذلك نفي التجدد على الخالقية لئلا تحل في الله الحوادث فيكون الله خالقا في الأزل والأبد ويكون فعل الخلق قديما؟
هذا خطأ شنيع في برهانك المنطقي يا أستاذ ، وعليه ينهار برهانك لفقدان صحة مقدمته !!
فالخالقية من صفات الذات لا من صفات الأفعال .
والخالقية عبارة عن صفة القدرة عندنا لا غير ، ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بعدم القدرة، والاتصاف بالخالقية لا يستلزم الخلق بالفعل كما أنه سبحانه مالك يوم الدين ولما يأت ذلك اليوم بعد ، فهو سبحانه "ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري ، له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم" كما يقول الإمام الطحاوي في عقيدته الشهيرة التي أجمع أهل السنة على قبولها والاخذ بها .

وعليه فنتيجة برهانك خاطئة لخطأ المقدمة ، ففعل الله لا في ذاته ، وأفعال الله حادثة لا قديمة ، وتصورك ينبي بعدم اطلاعك على ما تنقده من علم الكلام والأشعري منه على وجه الخصوص .
وواضح أن الأستاذ لا يفرق بين قدم صفة القدرة وبين تعلقها التنجيزي و آثارها الحادثة المخلوقة .




4- ولما كانت أفعال الله ليست عبثا وكانت قدرته مطلقة فإنه لا يمكن أن يكون خالقا للاشيء. فيكون المخلوق قديما بالنوع لعلمنا بفناء المخلوقات بالعدد.

5- ويكون الخلق مستمرا بالنوع ضرورة والمخلوق بالنوع كذلك رغم أن المخلوق بالعدد في سيلان أبدي لا يثبت فيتجدد الخلق في كل لحظة وهو ما يثبته العلم حتى بالنسبة إلى الأنواع الدنيا فضلا عن العالم كله (=كلي ما عدا الله وليس كله لأن كله متوال في الزمن وليس فيه شيء قديم)

6- ومن ثم فالمخلوق بالعدد ليس قديما بل هو حادث دائما يتجدد خلقا بعد خلق إلى غير غاية ومن دون بداية.

وهل يوجد المطلق بغير وجود أفراده ؟؟!!
فإن أقررت بحدوث الأفراد فأنى تزعم قدم المطلق ؟؟!!
وكيف تصير سلسلة حوادث يحدث أحدها عقب الآخر قديمة بالنوع مع تسليمك وإقرارك بأن كل فرد منها له أول ، وهذا يعني أن أول أفراد هذه السلسلة له أول وابتداء حدث عنده بعد ان لم يكن ، فكيف يتصف النوع بالقدم وكل أفراده بما يشمل أولهم حادث !!
هذا يعني أن ماله أول لا أول له وان القديم حادث والحادث قديم وهو مستحيل وتناقض لا يقول به أقل الناس عقلا .
ويلزمكم على القول بهذا التناقض القول بأبدية النوع كذلك ، فإن ما ثبت قدمه استحال عدمه ، ولا يجوز على قياسكم إخلاء الله عن صفة الخلق في الأبد كما لم يجز ذلك في الأزل ، فيكون الله خالقا للخلق بالفعل أزلا وأبدا ، وهو غير قولنا ببقاء الجنة والنار وعدم فناءهما وفناء أهلهما إذ إن ذلك عندنا شرعي سماعي ثبت بالشرع وإلا فهو والفناء ممكن عقلي ، وأما على قياسكم وقولكم فالبقاء لازم لا يتصور عدمه لاستلزامه النقص في ذات الله تعالى عندكم ، فالله تعالى عندكم لا يستطيع إلا ان يخلق الخلق أبدا ولا يمكنه إعدامهم وقطع تلك السلسلة كما أنه لم يمكنه إلا أن يخلقهم أزلا لأن عدم ذلك يعني تجرده عن وصف الخالقية وهو محال، وأرى الأستاذ يقترب من التصريح به في قوله :

10- والدليل الخاتم هو أن كلام الله يكون مخلوقا بالمعنى الزماني لو كان فعل الخلق بدأ بعد أن لم يكن ويتوقف بعد أن كان: لأن الكلام فعل خالق أولا ولأن الكلام خطاب للمخلوق ثانيا.
وهو شبيه بقول الفلاسفة بالعلة لمن تدبر وتأمل وحاصله نفي الارادة والاختيار عن الله والعياذ بالله.


وأما قوله :


وقد أطلت بعض الشيء في هذا التعريجة التي تبدو من الكلام في حين أنها تثبت أن الكلام لا طائل من ورائه لأن ما يُنفى بحججه يمكن أثباته بها والعكس بالعكس بمجرد تغيير الفرضيات والمصادرات...
فقد ظهر ما فيه ، وظهر أن الأستاذ يحاكم ما يجهل للأسف والحكم على الشيء فرع تصوره .


وأخيرا قوله :

فلا أبن خلدون أشعري ولا ابن تيمية حنبلي بل كلاهما فوق المذاهب
لعله يراجعه ويغير رأيه بالنظر إلى مختصر الإمام ابن خلدون لمحصل الإمام الرازي في الكلام ، ولا يناقضه ما جاء في مقدمته رحمه الله عن علم الكلام ومدى الحاجة إليه كما لا يناقض ما جاء في مقدمة "اقتصاد" الإمام الغزالي عن حكم تعلم الكلام ومدى حاجة الأمة إليه ومناسبة الاشتغال به حقيقة أن الإمام الغزالي متكلم أشعري من الطراز الرفيع وبشهادة ذات الكتاب أي "الاقتصاد" .


والله الموفق .

صهيب منير يوسف
19-05-2008, 00:57
[5] وإنه لمن العجائب أن يكتب أحد كتبا في المنطق ويقدم الكوجيتو بصورة منطقية أولا ثم بصورة الشكل الأول من القياس الأرسطي. فأولا ديكارت لا يقبل بانتقال الحقيقة Uebertragung der Wahrheit من المقدمات إلى النتائج بالصورة المنطقية عامة أيا كان المنطق بل هو يعتبر الناقل للحقيقة منها إليها هو الحدس المباشر للحقائق وليس المنطق عنده إلا "هنداما"رمزيا لمساعدة الذاكرة والخيال لا غير. وثانيا كيف يمكن أن تكون الصورة من الشكل الأول هكذا: كل من يفكر موجود (مقدمة كبرى) أنا أفكر (مقدمة صغرى) إذن أنا موجود (نتيجة). ف"أنا أفكر" ليست كلية بل هي دون حتى التسوير الجزئي وتسويرها مستحيل لأنها تتعلق بالعين وليس بالبعض ولا بالكل. وأعلم أن البعض مال إلى أخذها مأخذ الكلية لكأن "أنا كلي" تعني "كل أنا" لكنها ليست كلية ولا جزئية ومن ثم فهي لا تقبل الصوغ القياسي بالمنطق الأرسطي إلا تساهلا. وأخيرا فإن ديكارت قد ناقش ذلك في الردود وبين أن الكوجيتو ليس قياسا. لذلك فقد عجبت لظن الاستاذ سعيد أني لجأت لعلاج آخر غير المنطق القديم في مسألة الدليل الوجودي هروبا من الوضوح والبساطة إلى التعقيد الذي يغني عنه المنطق القديم حسب رأيه.

عليه ملاحظات

أولا: لا يلزمنا هنا مذهب ديكارت فسواء أكان يقبل أو يرفض المنطق أو الانتقال بالحقيقة من المقدمات إلى النتائج ... إلخ فلنا أن نرد عليه بناءا على أصولنا تحقيقا و لنا أن نرد بناءا على أصوله جدلا و بما أننا نقبل المنطق و نتائجه و نحكم به و نبني عليه فلنا أن نحتج به مهمها كانت حقيقة موقف الخصم

ثانيا: القضية - كما لا يخفى على الدكتور - إما ان تكون شخصية أو كلية و الكلية إما مسورة أو غير مسورة ( مهملة ) و المسورة إما أن يكون سورها كليا أو جزئيا و على أي التقادير اعتبرت (أنا ) فلا مشكل من استخدامها في القياس المنطقي فهي قابلة للصوغ منطقيا لا تساهلا عند البعض بل تحقيقا عند الكل و لا أعلم بحسب ما اذكر مخالفا و إن وجد فلا يعتد بقوله في هذا المقام و لم يمنع أحد أن تكون المقدمات في القياس شخصية و شروط إنتاج القياس من الشكل الأول إيجاب الصغرى و كلية الكبرى و قد تحققت فأنتجت !

ثالثا: العجب يا دكتور من عجبك ! فالشيخ سعيد لم يزعم أنك
لجأت لعلاج آخر غير المنطق القديم في مسألة الدليل الوجودي هروبا من الوضوح والبساطة إلى التعقيد الذي يغني عنه المنطق القديم حسب رأيه.
بل قال بصريح العبارة [ و لكن لا يخفى أن النقد المعتمد صراحة على أسلوب المنطق القديم و اصطلاحاته أوضح من النقد الذي يستعمل فيه الناقد الأساليب المعاصرة كالمثالين الأخيرين ، لأنه أخصر و اوضح و أصرح و أقعد ] هامش ص28 من تدعيم المنطق . فالشيخ لم يعلل علاجك غير المستند إلى المنطق القديم بما ظننت بل هو علل علاجه للدليل الوجودي بالمنطق القديم دون أن يغلط علاجك!

جمال عبد اللطيف محمود
19-05-2008, 15:45
تتمة :

قول الدكتور المرزوقي:
( ولما كانت أفعال الله ليست عبثا وكانت قدرته مطلقة فإنه لا يمكن أن يكون خالقا للاشيء)

لي أن أسأل الدكتور هنا :
أولاً هل يقول الدكتور أن أفعال الله ناتجة عن قدرته أم عن أمر آخر؟
إن قال نعم؛ فهل عنده يجب أن يتم فعل القدرة حتى يسمى الله قادراً ؟ هل بهذا يقول أن صفات الخالق تزداد مع عملية فعل الخلق؟
مما يؤكد أن المرزوقي يقول بهذا المعنى أنه قال بعد جملته تلك مباشرة:
( فيكون المخلوق قديما بالنوع لعلمنا بفناء المخلوقات بالعدد. )
فهو هنا أوجب على الله أن يكون نوع المخلوق قديماً لأن الله عنده لا يمكن أن يكون خالقاً للاشيء وهذا لأن قدرته مطلقة!
ولست أدري ما يعني بإطلاق القدرة هنا فهو عندنا أي الأشاعرة المتكلمين يعني عموم تعلق القدرة بكل الممكنات ، ولا يعني بأي حال من الأحوال وجوب تعلق القدرة بممكن حتى نصفه تعالى بأنه قادر ؛ فالله تعالى عندنا فاعل مختار إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق فلا يجب عليه شيء بغيره.
ونحن كما ذكر الأخوة الكرام نعلم أنه من المسلمات عندنا أنه تعالى ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ،وأنه تعالى لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، وأنه تعالى له معنى الخالق ولا مخلوق.
والمرزوقي هنا نظر أولاً إلى العالم حوله فوجد أن هناك أشياء مخلوقة وهذه الأشياء وجودية ؛ فالله لايسمى خالقاً للاشيء، ثم لاحظ أن تلك الأشياء تفنى بالعدد - ولست أدري ما الذي يقصده بالفناء بالعدد هنا : هل يقصد أن عدد الأشياء فني أم أن تلك الأشياء قد فنيت ؟ ولنا أن نسأله ما معنى الفناء هنا هل هو الزوال من الوجود أم هناك معنى آخر عنده؟
ثم بعد هذا لي أن أسأله :
هل عندك قبل أن يخلق الله أول أفراد المخلوقات ، هل يجوز عندك أن يكون هناك نوع قديم مع الله تعالى وهل نتصور وجود النوع من دون وجود الأفراد عندك حتى تلزمنا بقدم العالم بالنوع؟

ثم في النقطة الخامسة له قال الدكتور :
( ويكون الخلق مستمرا بالنوع ضرورة والمخلوق بالنوع كذلك رغم أن المخلوق بالعدد في سيلان أبدي لا يثبت فيتجدد الخلق في كل لحظة وهو ما يثبته العلم حتى بالنسبة إلى الأنواع الدنيا فضلا عن العالم كله (=كلي ما عدا الله وليس كله لأن كله متوال في الزمن وليس فيه شيء قديم) )

ولي أن أسأله هنا :هل السيلان الأبدي لعددية المخلوقات متعلق بخالقية الله أم أنه لا يحتاج إلى خالقيته حتى يصبح أبدياً؟
إن قلت أنه لا يحتاج إلى خالقية الله فقد أثبت شريكاً له تعالى الله عن ذلك
وإن قلت نعم يحتاج إلى خالقيته تعالى فما هو نوع هذه الحاجة هل هي حاجة أصلية أم كمالية يمكن الاستغناء عنها ؟ فإن كان يمكن الاستغناء عنها فقد رجعنا إلى الشريك لله تعالى ، وإن لم يمكن الاستغناء عنها فقد وصلنا إلى أنها محتاجة بالذات إلى الوجود وهنا تنتفي أبديتها؟ وهنا تتناقض مع سابق كلامك؟ فأيها تختار؟

وهل هناك أول يا دكتور عندك لأفراد تلك الأعداد أم لا؟ الظاهر أن دكتورنا يقول أن هناك ضرورة لاستمرار الخلق !
وهنا عليه أسئلة لا أظن أنه يجرؤ على إجابتها:
ما هي الضرورة التي توجب على الله أن يخلق خلقاً له ؟
هل الله مجبر على الخلق عندك بهذه الضرورة؟

وهل هذه الضرورة ناشئة عن تلك المخلوقات فيكون الله محتاجاً لها أم لا؟

فإن لم يكن بحاجة لها فلماذا قلت :
( ويكون الخلق مستمرا بالنوع ضرورة ؟ )

وهل هذه الضرورة لذات المخلوقات أم لا؟ إن كان نعم فإن تلك المخلوقات قديمة.

فإن لم تكن لذات المخلوقات فكيف جعلنا وجود نوعها ضرورة؟
ألا يستلزم هذا أن كمالاته تعالى تزداد وتتأثر بمخلوقاته؟


يتبع

جمال عبد اللطيف محمود
20-05-2008, 14:43
على كل حال بعد أن أراني الشيخ سعيد رده على الدكتور المرزوقي فلا أظن أنه سيكون هناك داع لمتابعة الكتابة في الرد على المرزوقي وأظن الشيخ سعيداً سينشر مقالته غداً ..وأظنها ستكون الخاتمة

ولا أملك إلا أن أضع هذه الأيقونة لما سترونه غداً :d

صهيب منير يوسف
20-05-2008, 17:38
كنت أود الكتابة و الخوض مع الدكتور في مسألة قدم النوعي للعالم و لكني حذفت ما كتبت طلبا للاختصار و الأهم و القضية مقتولة بحثا في المطولات و المختصرات و لا مجال للنزاع فيها عندنا و هي من أهم مسائل الخلاف بين حكماء الإسلام من المتكلمين و المتفلسفة و المتشبثين بأذيالهم المتابعين لهم كابن تيمية و هي أحد المسائل التي بالغ في التشنيع فيها حجة الإسلام على الفلاسفة كأختيها العلم و الحشر و لن اعلق على كلامك حول صفة الكلام فقد قرأت لك مقالة في السابق أطلت فيها الكلام على مسألة الكلام دون تحرير للكلام فلنترك الكلام فيها حتى يحين الأوان!!!

لكن ما يهمني التعليق على فقرة البروفيسور


وقد أطلت بعض الشيء في هذا التعريجة التي تبدو من الكلام في حين أنها تثبت أن الكلام لا طائل من ورائه لأن ما يُنفى بحججه يمكن أثباته بها والعكس بالعكس بمجرد تغيير الفرضيات والمصادرات إذا كانت معرفة أو تغيير الأحكام المسبقة أو المعتقدات إذا لم تكن معرفةً بل عقدٌ

ما كنت أظن أن مثل هذا الكلام يصدر عنك أيها الدكتور المبجل و سأجمل الكلام

قد عانى المتكلمون طويلا من استعلاء الفلاسفة و ظنهم أنهم برهانيون لا ينطقون إلا بالبراهين الساطعة و قد بين المتكلمون سخافة هذه النظرة و ما أظنك من هؤلاء المتفلسفة و إن كان ظاهر كلامك مشعر بهذا كفقرتك السابقة و قولك :
فإني أرى من المناسب هنا أن أبين له إن صح أن ذلك قد حدث أن أبين له ما لم يفهمه فبات لا يثق برأيي بالحجاج الكلامي الذي قد يفهمه

لا يخلو أيها البروفيسور المبجل أن بيانك لهذه المسألة بغير طريقة الحجاج الكلامي تنتهي إلى غير النتيجة التي انتهيت إليها أو إلى عينها و على كلا التقديرين يثبت فائدة الحجاج الكلامي و قوته

من المعلوم أيها البروفيسور أنه ما من مسألة من أي علم إلا و يمكن معارضتها و إيراد الإشكالات و المضائق عليها لا يتميز في ذلك علم عن علم حتى مقالتك و تفلسفك و كتبك و مقالاتك يمكن معارضتها كلمة كلمة فإن كنت ترى أن هذا كاف فقد آل مذهبك إلى مذهب العنادية من السوفسطائية - و إني أعيذك بالله من هذا - و على هذا محاذير كثيرة و المقام يحتمل تفصيلا كثيرا و لكن من هم في مقامك أيها البروفيسور العظيم لا يحتاج إلى أكثر من إشارات و الله أعلم و أحكم

بلال النجار
21-05-2008, 16:55
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه؛ أما بعد. فقبل الشروع في فحصٍ دقيق لما قاله الدكتور المرزوقي –على حد تعبيره- أود أن أعلق بكلمات على ما جاء في تمهيده، كما فعل هو بإطلاقه جملة من الأحكام التي لا أظنه هو ولا غيره ممن هم أكبر "رأساً وأعرض ورقاً" بحسب المثل البلدي بقادر على إثباتها.

قال: (كنت منذ أمد بعيد مقتنعا بما انتهى إليه الغزالي ومن بعده ابن تيمية وابن خلدون من أن علم الكلام لا طائل من ورائه علميا وبأن ضرره على العقيدة أولا وعلى وحدة الأمة ثانيا ضرر لا يقدر)


أقول: أما أن الإمام الغزالي رحمه الله قد انتهى إلى أن الكلام لا طائل تحته، فهذا غير معلوم بالنسبة لي على الأقل على الرغم من اشتهاره في بعض الأوساط المتحذلقة والجاهلة. وليس لك من كلام ههنا لنرد عليه. فلعلك تتحفنا ببحث تكتبه في هذا الموضوع لنتصوره ونحلله ثم نرد عليه نفياً أو إثباتاً على حد تعبير ابن تيمية. وأما أن ابن خلدون يقدح في علم الكلام هذا القدح فهو خلاف ما أعلمه عنه أنا على الأقل. فحبذا لو تكلمنا كيف علمت ذلك في بحثك الذي سألتك إياه.


قال: (ولعل مجرد جولة واحدة في موقع الرازي، والمواقع المجانسة له أو المضادة من كل المذاهب يكفي دليلا على أن كل الحزازات الماضية قد أعيدت من جديد مع ما يصحب ذلك من معارك ديكة مضحكة ومبكية في آن)

أقول: دعني أوافق الدكتور على أن هذه الصراعات والحزازات على حد تعبيره مضحكة أحياناً، ومبكية دائماً، إلا أنها يا فضيلة الفيلسوف لم تتوقف في الحقيقة، حتى يقال إنها أعيدت من جديد. وهي واقع لا بد من الاعتراف به والتعامل معه. وإدارة الظهر للخلافات الحقيقية ليس هو الحل كما سيأتي.

قال: (وحتى يتضح للقارئ بعد هذا المعارك عن الجدل العلمي المفيد فليتصور ما هو أسوأ من معارك قوم يتكلمون على فلك بطليموس اليوم ويتصورون أنفسهم علماء فلك في حين أنهم يمضغون معارف ماتت منذ خمسائة سنة)

أقول: أما بعدها عن الجدل العلمي، فهذا لا يخلو عنه جدل في فن من الفنون وليس الأمر منوطاً بالكلام، ولعل أغلب المتناظرين اليوم في جميع المجالات لا يراعون شيئاً من آداب البحث والمناظرة. وبالمناسبة أنت مثال جيد على هؤلاء. أما الأمر المهم فهو أن معظم هذه المناقشات هو في مسائل عقائدية سواء أصلية أو فرعية، وهذا أمر مهم للمسلم، وعلى الرغم من تفاوتها في الأهمية، إلا أنه لا ينبغي تشبيهها جميعها بالكلام في فلك بطليموس كما لا يخفى. فإن الناس متعطشون للمعارف الدينية عموماً والعقائدية خصوصاً بسبب ابتعاد مصادرهم المعرفية عن تناول المسائل العقائدية بتفصيل كاف يشفي الغليل. يعرف ذلك من يدرس العقائد للطلاب، ويتكلم مع الناس على اختلاف أصنافهم في الدين. أو بعبارة أدق من يعيش هذه الأحوال ويدمي قلبه ما يرى من واقع المسلمين الفكري. وهذه مسائل مطروقة إن لم تكن منا فمن غيرنا، فإن لم يتكلّم فيها تفصيلاً لمجملها، ورداً لشبهها، واستدلالاً على قضاياها نفياً وإثباتاً فكيف تستقر النفوس وتثبت على عقيدة لا يداخلها الشك. وقد كنت أحد الناس الذين لوعت قلوبهم الأسئلة حتى يسر الله لي لقاء الشيخ، ووجدت الشفاء في كتب المتكلمين.

قال: (لا أريد أن أدخل في جدل كلامي مع الساعين إلى إحياء حزازات الماضي والعودة إلى صراعات الفرق والمذاهب. لذلك فلن أتكلم في ما يزعمونه ردودا عقدية على مواقف ابن تيمية العقدية وعلى مواقف من يسمونهم بالمجسمة إلا كلاما سريعا لتحرير موطن الخلاف لا غير. وكان يمكن أن أواصل العزوف عن الكلام مع المتكلمين حتى في غير كلامهم في علم الكلام. لولا أن بعضهم صار يزعم الكلام في المنطق والفلسفة بما يدل دلالة قاطعة على عدم إدراك طبيعة ما يجري في المجال وخاصة طبيعة ما حققه ابن تيمية من تجاوز لأسس المنطق القديم الميتافيزيقية المنطق الذي يزعمونه كافيا وزيادة في المعرفة بمناهج المعرفة)

أقول: هذا الكلام إن كان إشارة إلى منهج الأشاعرة في البحث فهو من العجب. لأن ما نزعمه ردوداً عقائدية على ابن تيمية ومتابعيه هي ردود عقائدية حقيقية عليهم. وكذلك ما نزعمه كلاماً في المنطق والفلسفة فهو كلام فيهما بالفعل لا بمجرد الزعم. ولا نراه يدل على عدم إدراك ما يجري في أي مجال من المجالات بما فيها هذا المجال المعهود عند الدكتور. فما يدعى من أن ابن تيمية قد حقق تجاوزاً لأسس المنطق الميتافيزيقية فنعم ابن تيمية له منطقه الخاص الذي يؤسس عليه مذهبه التجسيمي. ولكن هذا المنطق ليس مستمداً من العقول السليمة ولا من الشرع القويم. بل من ينابيع وهمه السيالة. ولا نرى في شيء مما استدل به ابن تيمية خروجاً عن المألوف المعروف من طرق النظر والاستدلال سواء الصحيحة فيما صحّ من كلامه أو السقيمة فيما سقم منه. فليس بدعاً من البشر كما يتوهمه الكثيرون. وهو ما نحاول دوماً بيانه للمغترين بكلامه. ولا أذكر أني وقفت على استدلال له لم يمكنني نقده بمنطقي الصوري، بل منطقه الواقف على رأسه حين يتكلم مثارات غلطه واضحة لكل منصف.

قال: (وما دعاني إلى ذلك هو اطلاعي بمجرد الصدفة على كتاب الاستاذ فودة بعنوان تدعيم المنطق وما جاء فيه من نقد لما يزعمه أخطاء منطقية وقع فيها ابن تيمية. وما سأحاول مناقشته بهدوء تام هو ما جاء في هذا الكتاب من مزاعم حول أخطاء منطقية وجدها في رسالته "تفصيل الإجمال فيما يجب من صفات الكمال، والفصل فيما اتفق عليه وما اختلف فيه أهل الملل والنحل والمذاهب منها باختلاف الدلائل العقلية والنقلية فيها. وقبل الشروع في فحصٍ دقيق رغم اعتماده على السبر السريع لهذه الدعوى أريد أن أنبه إلى أمرين لا يهملهما إلا من كان غير منصف في المناظرة حول فكر ابن تيمية المنطقي:
فأولا: لا أحد يزعم أن ابن تيمية معصوم ناهيك عنه هو)

أقول: ليس من داع لمثل هذا الكلام لأنه لم يدعه منا أحد. بل قد يتوجه هذا الكلام على المفتونين به، ممن لا يحتملون فكرة أنه بشر يمكن أن يخطئ. وأنه كما يقول سامي النشار مجسّم عظيم! لماذا هذا الاستبعاد الكبير لفكرة أنه عالم مخطئ وعدم استهجان واستبعاد أن عشرات الألوف من علماء أهل السنة أخطأوا.... ألا يستحق ذلك أن يكون إحدى عجائب الدنيا!

قال: (فليس مثله في التواضع العلمي والأمانة في عرض آراء خصومه معتبرا نفسه دائما مجرد مجتهد يصيب ويخطئ)

أقول: مع الأسف هذا الكلام يجانب الصواب، فكم من نقول لابن تيمية لا يتحرى فيها ما ذكرت من الأمانة. وكم من تهويلات بعيدة عن الحق، وكم من قطع برأيه ونفي تام لمقالات خصومه بما لا يدع احتمالاً لصوابهم. وانظر إن شئت في الكاشف الصغير عن عقائده للشيخ سعيد. وليتنا رأينا هذه الروح في كلام ابن تيمية لكان الأمر هينا، بل على العكس من ذلك هو من يجزم بأن ما يقوله هو مذهب أهل السنة، وأنه متبعها حذو القذة بالقذة، وهو ما لا يوافقه عليه علماء السنة كما يعلمه المطلع. حتى إننا لا نكاد نجد عقيدة عند أهل السنة إلا خالف فيها ابن تيمية وخرجها وقررها وفق أصوله الحشوية. وليس الأمر من جهة الاستدلال، فاستدلالاته لا تخرج عن مناهج الاستدلال المعروفة سواء الصحيحة والفاسدة، وليس له مواد قضايا ينفرد بها غير ما لدى الآخرين (في الجملة)، ولكنه يقرر العقائد على خلاف ما يقررها أهل السنة ثم يستدل لما قرره مبتدعاً في القول، متعسفاً في الاستدلال. وقد تقرر في آداب البحث إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مدعياً فالدليل. وكم من نقل يكذب فيه ابن تيمية أو يبتر، وكم من دعوى له بلا دليل. ولكن الفيلسوف الفذ لم يتأمل في كلامه وكلام مخالفيه ملياً قبل أن يثني عليه بهذا الثناء!

قال: (ومن ثم فليس من شك في وجود أخطاء في أعمال ابن تيمية. لذلك فلست أكتب لأدافع عن رأي معين من العقائد التي تنسب إلى ابن تيمية مباشرة أو بتوسط الوهابية التي أقل قراءات فكره فهما ومطابقة لمقاصده)

أقول: أشكر لك هذا الإقرار، وبودي لو كتبت في منتديات الوهابية قائلاً إنكم أيها الوهابية أقل الناس فهماً لما يقوله إمامكم. مع أن طوائف منهم أضحوا اليوم يفهمون مقالاته ويصرون عليها. كما أن من المدافعين عنه من تشعر في ثنايا كلامهم لشدة التعصب تنزهه عن الخطأ. ولو كانت لك حوارات مع السلفية لرأيت العجب. فقد وقع لبعض أصحابنا كلام مع بعضهم فذكر له قولاً تفحشه السلفي وأنكره، فقال له صاحبنا إن ابن تيمية يقول ذلك في كتاب كذا، فقال أرنيه، فأراه إياه فتراجع المسكين عما بدر منه من إساءة لابن تيمية وقال إذاً هو الحق. فأي مرض أصاب عقول هؤلاء! ألا ترى أيها الدكتور الفاضل أن كلّ هذا التخلف والتحجر الفكري والتعصب المذهبي ودعاوى التكفير والتنفير يساهم ابن تيمية في نصيب كبير منها، ألا ترى أن سلفية اليوم في أخلاقهم وفكرهم كسب يده!

قال: (وثانيا لم ينف ابن تيمية صحة الصورة المنطقية بصورة مرسلة بل هو يؤكد أن المنطق القديم لا غبار عليه من حيث الصورة بشرط القبول بأسسه الميتافيزيقية. وهو أمر يبدو لي أنه لم يدر بخلد الأستاذ فودة ولا خاصة كل المتعالمين الذي يتبادلون التكفير والتسخيف على أسس واهية من هذا النوع من الكلام)

أقول: الشيخ في كتابه المذكور نقل عن تيمية اعترافه بصحة المنطق من الجهة الصورية، بل ونقل من كلامه ما يدل على موافقته على تصحيح مواد القضايا التي يذكرونها؛ إلا أن ابن تيمية يقول إنهم أغفلوا ذكر بعض المواد ولم يذكر من ذلك شيئاً في ذلك الموضع. فلا أدري ما وجه هذا الكلام! والشيخ سعيد متنبه تماماً لمصادر المعرفة عند ابن تيمية وقد ذكر ذلك بالتفصيل في الكاشف الصغير. فأن يبدو للدكتور المرزوقي مثل هذا الوهم بشأن الشيخ خاصة فهو دليل على أنه مرّ سريعاً جداً على ما كتبه شيخنا حول ابن تيمية دون تفهم ورويّة ومحاولة إحاطة به. بل كلامه لا يدل على قراءته لا لابن تيمية ولا للشيخ حق القراءة. وهو وإن كان يظهر اعتداداً بفهمه لكلام ابن تيمية الذي سنناقشه فيه فيما يلي، إلا أنه يبدو مستهيناً بعمق فهم الشيخ سعيد لكلام ابن تيمية وإحاطته بمذهبه، وهو ما لا أنصح به أحداً من معرفتي بالشيخ وقربي منه واطلاعي على قدر جيد من انتقاداته على ابن تيمية. ويبدو أن الدكتور فعلاً غير مطلع على منهج الشيخ، فليس من منهجه التكفير، حتى حين يبين مخالفة البعض في أصول لا تحتمل الخلاف. وإنما منهجه الفرقان بين مذهب أهل السنّة الذي يتبناه والمذاهب الأخرى. ومشكلته مع ابن تيمية كان هذا مبدأها وهو ادعاء ابن تيمية أن ما يقوله فهو المدلول عليه بالكتاب والسنة وإجماع السلف والخلف.... إلى تهويلات ابن تيمية. وكن على ثقة بأن ابن تيمية لو لم يلبس هذا الثوب لما أعاره الشيخ ذلك الاهتمام. وأرجو أن يجري الدكتور المرزوقي بحثاً صغيراً في تراث ابن تيمية ليعلم من هو المكفر والمبدع والمسخف لأحلام الآخرين جزافاً. وليكن في معلومك أيها الدكتور أن العبارات القبيحة التي تتردد على ألسنة السلفية اليوم لها مستند من كلام ابن تيمية. ومن أبسطها نعت الأشعرية بأنهم مخانيث المعتزلة، وقوله في درء التعارض إن النصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء وهو يقصدنا بالطبع، وأمثال هذه العبارات في كلامه لو استخرجت لملأت مجلدا ضخماًً. وله في الجملة أسلوباً متعالياً لا يوقر فيه من حقه أن يوقر، ويبدو أنك باطلاعك على بعض مكتوباته اكتسبت شيئاً مما نالك من ذلك الغبار.

قال: (وهذا الشرط الذي يغفل عنه الكثير هو بيت القصيد. وهو شرط لم يفهمه جل المعلقين على فكره المنطقي وعلى رده الكلام والفلسفة والتصوف التي تنبني جميعها على هذا الشرط: فهو لا يرد على المنطق من حيث هو مجرد آلة بل هو يبحث في أسانيدة الميتافيزيقية وثمراته العقدية. وأقول رد الكلام والفلسفة والتصوف لا الرد عليها لأنه لو فعل لكان ذلك يعني أنه يتكلم ويتفلسف ويتصوف مثل المردود عليهم بنفس القواعد الشارطة لما بنوا عليه أعمالهم ظنا أن المنطق مجرد آلة تعصم الذهن من الخطأ)

أقول: يؤسفني أن أقول للدكتور إن ابن تيمية يرد على المنطق والكلام لا من هذه الجهة أبداً. فكم من قول لابن تيمية لا مستند ميتافيزيقيا له (على حد تعبيرك)، والأمر برمته عنده ليس إلا محاولة تقويض الطرق والمناهج التي هي آلات لهدم مذهبه. كما يؤسفني أن أقول إن ابن تيمية تكلّم وتمنطق وتفلسف بما يكفي وزيادة ليكون واحداً من هؤلاء الذين يعيب عليهم اشتغالهم بهذه الفنون. وأن تحريمه الاشتغال بذلك لا معنى له وقد كان غارقاً فيه حتى أذنيه كلاماً وتأليفاً ورداً. والعائب علينا ما نصنع اليوم، لو قارنه مع ما فعله ابن تيمية لوجد منا الاقتصاد ومنه الإطناب، ووجد منا الكثير من الإنصاف ووجد منه الكثير من التعسف، كما أن من يعتقد أن أفكار المتقدمين حتى الواهي الشاذ منها قد انعدمت فهو واهم. والشواهد على ما نقول لا تكاد تنحصر. فنحن لم نخترع هذه الخلافات، ولا أغرينا الديكة على التهارش، ولا أحيينا هذه الحزازات (على حد تعبير الدكتور المرزوقي)، بل خلقنا في زمان هذه صفة أهله، فهل من الحكمة أن يدير أهل النظر ظهورهم ويقولون ما لنا ولهذا، أهذا هو مخالطة الناس والصبر على أذاهم! وهل ترك الكلام في هذه المسائل يرفع الخلاف بين الطوائف!!! عجباً!!!
وكان يمكن أن يكون لهذه الكلام وزن لو كفّ الخصوم ألسنتهم عن أهل السنّة، أما أن نسكت نحن وتتفرعن الشيعة، وتتفرعن السلفية، ويتطاول على علوم المسلمين وأئمتهم من يفهم ومن لا يفهم من أبناء هذه الملة وغيرهم حتى طوائف الكفر من نصارى ويهود ونقول لا نريد البحث في فلك بطليموس!!! فإن بعض ما يعترض به على المسلمين اليوم عامة وعلى أهل السنة خاصة للكلام في فلك بطليموس أهون منه وأحرى. فليهون أخونا المرزوقي على نفسه. وليأخذنا بحلمه. ولا نرى سبباً لانحسار مذهب أهل السنة وتمدد مذهب الشيعة وتغطرس مذهب السلفية وانفتاح قرائح المتعالمين والناعقين بكل مذهب إلا هذا الكف عن التصدي للكلام في مهمات الأمور من علماء مذهب السنة، الذي هو في أحسن أحواله مع إحسان الظن بهم تورع ليس هذا محلّه.

قال: (فابن تيمية كما يعلم ذلك أي مطلع على أعماله ولو سطحيا يقبل بالخوارزمية الصورية البسيطة للمنطق الأرسطي (وهي الآن جزء ضئيل من علم المنطق خاصة وعلم أنساق بناء النماذج الرمزية عامة) لكنه ينفي أن تكون قابلة للتطبيق المبدع في العلم إذا كان علما بحق يدرس الموجود الفعلي في الأعيان رغم كونها قابلة للتطبيق في جدل المناظرات الفاحص لنوع محدود من الفرضيات الذهنية إذا اقتصر الكلام على الصورة دون المطابقة مع المادة لأن المطابقة مسألة أخرى تقتضي منطقا من جنس مختلف أشار إلى ضرورة إيجاده حتى وإن لم يتمكن من الشروع فيه)

أقول: هذا في الحقيقة انتقاد معروف وهو مجرد كلام، لم نر من المستمسكين فيه شروعاً حقيقياً في منطق ينقض أسس المنطق الصوري. ولم نر في ما أشير إليه من أنساق ولا فيما ظهر من علوم منطقية حديثة نقضاً ولا تعارضاً مع المنطق الصوري. حتى التجربة العملية إذا جعلت منهجاً مقابلاً للمنهج العقلي فهي لا تناقض المنطق الصوري، بل هي فرع للطريقة العقلية التي أقيم مذهبنا عليها. والمنطق الصوري آله صالحة للتعامل مع القضايا المتعلقة بالموجودات من جهة صدق قضاياه عليه، وهذا كاف في بناء العلوم. وبودي لو أتاني بعض المتبنين لمثل هذا الانتقاد ببعض القضايا التي تصلح للتعامل مع الموجودات الفعلية مما لم يتكلم فيه المنطق الصوري!! أرجو من الدكتور المرزوقي أو غيره ممن يقرون هذا الانتقاد على المنطق أن يأتيني بقضية واحدة (قابلة للتطبيق المبدع في العلم إذا كان علما بحق يدرس الموجود الفعلي في الأعيان) على حد تعبير الدكتور، تكون هذه القضية فتحاً يقصر المنطق الصوري عن التعامل معه. هذا في الحقيقة هو ما أسميه الفلسفة الفارغة.
وهذه كلمات أكتبها على عجل، وإن قدر لنا سنعود للكلام على باقي ما كتبه الدكتور الذي حين نقد على الشيخ فيه وعلى المتكلمين كان مغامراً مجازفاً، وحين انتصر لابن تيمية فيه كان جاهلاً بحقيقة مقالاته وأصولها أخذته حماسة لا أدري ما سببها. وحين استدل لما يعتقده تهافت. وإنه ليحزنني أني قرأت رداً على شيخي بهذا المستوى. ويبدو أن قدر الشيخ أن تكون الردود عليه بهذه الصفة، فالله المستعان، والحمد لله رب العالمين.

أحمد إدريس عبد الله
22-05-2008, 10:23
شكرا لك أخي بلال النجار على هذا الرد الوافر
لقد قمت بإضافة هذا الرد إلى التعليقات على الموقع الأصلي للمقال (الملتقى)
(بعد إذنك طبعا!!)
جزاك الله خيرا

بلال النجار
22-05-2008, 12:49
بسم الله الرحمن الرحيم

جزاك الله خيراً. وقد علمت أن الشيخ جهز رداً مفصلاً على كلام الدكتور. لذا فسأنتظر حتى ينشره الشيخ في المنتدى. ثم إن أبقى لنا الشيخ شيئاً نتكلم به أتممت ما بدأته إن شاء الله تعالى. فليصبر إخواننا قليلاً. والله تعالى الموفق

مشاري جاسم الفهد
24-05-2008, 17:08
ما يعمل بعجل إلا الدجل

أبو يعرب المرزوقي

انتخبت بعض القضايا التي تستحق التعليق لا الرد من ثرثرة "قال... أقول..." جادت بها قريحة أحد المشرفين في موقع الأصلين. وهي ثرثرة ذات مراحل عشر ليس فيها ما يرد عليه من علم الكلام فضلا عن كلام العلم. فهذا القيل والقال لم يتجاوز الرد على عجل كما قال صاحبه على أمور لم تكن له الأناة الكافية لفهمها. فكان الكلام دالا على أن الإشراف في هذا النادي لا يدل على أي رتبه علمية. فكيف يمكن لمتكلم مسلم وسني وأشعري أن يطلب مني إثبات موقف أكبر علمين من الفكر المسلم والسني والأشعري أعني موقف الغزالي وابن خلدون موقفهما السلبي من علم الكلام؟ ما ذنبي إذا كان لم يفتح الإحياء والمقدمة أو إذا كان قد فتحهما وهو ساه أو لاه ؟

لكني مع ذلك انتخبت بعض القضايا من هذه الثرثرة لعلتين:

الأولى لأنها تصف أسلوب صاحبها في التفكير حتى لا أعمم على الجماعة لأني متأكد من أن فيهم من لا يقر مثل هذه الأساليب وأملي أن تبدأ أصواتهم تصبح مسموعة لأن دعوتي ليست عدائية بل هي من باب النصيحة الأخوية لخدمة الإسلام والمسلمين وتجاوز فتن الأولين. وهي تصف أسلوب صاحبها من وجهين: أ- فأما الوجه الأول فيدل عليه استعاراته المستمدة من عامية ثقافته التي يؤسفني أني لم أفهم معناها لفرط عمقها "أكبر رأساً وأعرض ورقاً" بحسب المثل البلدي" وليعذرني فلست ممن يخاطبون الناس بعامية قريتهم ب- وأما الوجه الثاني وصفه الرد بكونه على عجل لكأن الفكر في غير الدجل يمكن أن يكون على عجل.

والثانية لدلالة الحوار الذي تلاها بين صاحبها والمعجب بها ولها كذلك وجهان: منزلة الراد في الجماعة ومفعول دعوتي فيهم. أ-الوجه الأول هو منزلة الراد التي يبينها موقف المعلق الذي وجد الرد كبير الفائدة فأقدم على نشره في موقع الملتقى باسم الجماعة. ب-والوجه الثاني هو أثر دعوتي التي يعلقون عليها تبينه محاولة التهدئة من روع الجماعة بدعوتهم إلى الصبر لأن الرد من شيخهم آت آت آت.

ورغم أن الثرثرة علامتها في ذاتها كالحقيقة فلا تحتاج إلى مزيد بيان سأحاول إقناع هذا المشرف بأنه فضح فكره وفكر من هو من جنسه في جماعته بهذه العجالة التي هي في الحقيقة كل ما عنده حتى الثمالة. سأترك للقارئ الحكم على دعواه أن علمه أوصله إلى المماحكة في أمرين لا يجهلهما حتى الأميون:

الأول إنكار أن الغزالي وابن خلدون انتهيا إلى فساد علم الكلام وضرره على الأمة والعقيدة. فمن لم يفهم ذلك من الإحياء والمقدمة فليس عندي له دواء لأن إلجام العوام عن علم الكلام لا يكفي لمثل هذا السقام. وهبنا جادلنا في ما يقولانه في الكلام فهل يمكن أن يجادل أحد في ما فعلاه بعد هذا القول؟

1- فلست أدري كيف يفهم عزوف الأول عن الكلام واللجوء إلى التصوف (منجاة فردية) بعد أن تأكد له أن الكلام هو بداية الخروج من الغفلة العامية ببروز السؤالات التي يحاول الكلام إسكاتها بما لا يشفي الغليل فيفشل فيكون جسرا ناقلا إلى التفلسف الذي يؤدي إلى اليأس من الحجاج في طور ما وراء العقل فيؤدي إلى أحد حلين هما التعليمية أو التصوف. وقد اختار الحل الثاني وهو في الحقيقة لا يختلف كثيرا عن الحل الأول.

2-ولست أدري كيف يفهم عزوف الثاني عن الكلام واللجوء إلى فلسفة التاريخ (منجاة جماعية) بعد أن تأكد له أن الكلام أولى به أن يؤدي إلى الدهرية منه إلى الإيمان لأن قطع التسلسل السببي يمكن أن يكون دهريا أو إيمانيا ولأن اختيار الترجيح الجهوي يمكن أن يكون دهريا (الترجيح بالصدفة) أو إيمانيا (المرجح العاقل). وهو لم يفعل إلا بعد أن قبل كل مقدمات النقد التيمي ونتائجه: بيان حدود الدور الذي يؤديه المنطق في الإبداع العلمي وتحديد المعرفة العلمية من منطلق أن الوجود لا يقبل الحصر في الإدراك ومن ثم فكل معرفة لا تكون ذات قيمة إلا بمقدار ما فيها من تجربة فيكون كل تجاوز للتجربة في ما ليس بوحي وهما ميتافيزيقيا.

الثاني عدم الانتباه إلى أن ابن تيمية لا يهمه من نقد المنطق إلا مسألتان. وما عدا ذلك من كلامه في المنطق ليس إلا من إلزام الخصوم بمسلماتهم سواء في النظرية المنطقية لذاتها أو في تطبيقاتها الكلامية أو الفلسفية. والمسألتان هما:

1- عدم جدوى هذا المنطق المشار إليه في الإبداع العلمي وليس المنطق بإطلاق. والدليل هو أنه أول من قال صراحة بأن المنطق في حقيقته ليس إلا حساب العمليات الاستنباطية ومن ثم فهو يرجعه إلى الأمر المشترك بينه وبين الرياضيات أعني خوارزمية العمليات الاستنباطية بكل أصنافها ودون حصرها في أدناها أعني المنطق الحملي. ولعل أكبر الأدلة هو نفيه أن يكون التصور متقدما على التصديق معتبرا الوحدة الدنيا للفكر والخطاب هي القضايا وليست المفردات ما يعني أنه يميل إلى تقديم حساب القضايا على التسوير البسيط لنسب (التداخل والتخارج) بين المفردات.

2-وفساد الأسس الميتافيزيقية لهذا المنطق المشار إليه والذي هو موضوع السجال مع الفلاسفة والمتكلمين وليس مناهج الفكر عامة. والدليل مناقشة الأساسين اللذين بنى عليهما أرسطو كل منطقه: أعني نظرية المطابقة بين الحد والمحدود التي تجعل التصورات معبرة عن حقائق الأشياء (الرأي الميتافيزيقي القديم) وليس عما اخترناه من علامات لصوغها في نظرياتنا (رأي ابن تيمية) ونظرية المطابقة بين قوانين العمليات الذهنية بين المعاني المنطقية وقوانين التفاعلات بين الحقائق الوجودية التي ترد الوجود في الأعيان إلى الوجود في الأذهان (رأي الميتافيزيقا القديم) وليس مجرد عمليات حسابية لتنظيم المعلومات الحاصلة وإبداع الفرضيات حول المعلومات المطلوبة والتي تحتاج إلى الامتحان النقدي بالتجربة إن كان أصحابها يريدونها أن تصبح علما (رأي ابن تيمية).

فلا شيء يثبت التطابق بين الحد والمحدود ولا شيء يثبت التطابق بين جنسي القوانين الوجودية والعقلية عدا التحكم برد الوجود إلى الإدراك ونفي الفرق بين عالمي الغيب والشهادة. وادعاء التطابقين أمر قد نقبله من فيلسوف ينفي النبوة والوحي ويعتبر العقل كافيا لظنه قادرا على العلم المطلق ومن ثم لنفيه وجود الغيب. لكن حتى هذا القبول بالنسبة إلى قدامى الفلاسفة لم يعد أحد من الفلاسفة المحدثين يقول به سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن لأنهم أدركوا كذب هذه الدعوى بالتطابق بين الإدراك والوجود وتخلوا عنه بفضل الفلسفة النقدية. ورغم أنها فلسفة لا تقول بالغيب فإنها تترك الباب مفتوحا لما يقرب منه لأنها تقول بعدم القدرة المطلقة على علم بواطن الأشياء وهو أمر لا يختلف في شيء عن الغيب وراء الشهادة.

لكن كيف لمن يريد أن يثبت معتقداته بالعقل أن يبدأ فينفي الحاجة إليها بإثبات هذين الدعويين اللذين هما أساسا الميتافيزيقا التي يتأسس عليها المنطق القديم ؟ لذلك فلن أتكلم في هذه الأمور مع من يكتب ردوده على عجل ومن يتصور شيخه يسد مسده ومسد جماعته في القناعات الفكرية (التي هي أمر لا يمكن أن تكون إلا شخصية بمقتضى العقل والنقل على حد سواء لأنها من المسؤولية الروحية التي يحاسب عليها الإنسان في الأولى والآخرة) حتى إنه يدعوهم إلى الصبر لكأن زلزالا حل في سهلهم. سأتلكم معه في ما يقبل الكلام على عجل أعني:

1-في ما زعمه من حاجة الناس إلى الجدل الديني بخلاف حاجتهم إلى الجدل في العلم أعني في موقفه المقابل تماما لموقفي الذي عبرت عنه ب"أسوأ" من الجدل في الفلك البطليموسي وكان يمكن أن أستعمل "دون" بمعناها القرآني كما في الكلام على جناح الذبابة. فعندي أن الناس عندما يجادلون في الدين وخاصة في ما ينتسب منه إلى عالم الغيب أعني المتشابه وبالطريقة الكلامية يكون ضرر خوضهم أكثر من النفع. فهذا الجدل فضلا عن الزلل فيه يسبب الحروب الدينية وفضلا عما يترتب عليه بالنسبة إلى الإيمان الشخصي. أما الجدل في العلوم فلا ضرر منه لأن العلم في الشاهدات-ولا علم إلا فيها بنص القرآن الصريح وهو معنى النهي عن التأويل- هو من الأصل علم مبني على مطلق الحرية في الاجتهاد والنقد بلا حدود: ومن يخطئ في العلوم التي موضوعها عالم الشهادة لا يسبب حروبا ولا يعرض عقيدته للخطر.

2-في ما زعمه من أني أيضا أجادل وأحيانا بأسلوب حاد. وهو ما لا أنكره فقد يكون حصل وقد يحصل في المستقبل. وهذا ليس حجة له علي بل هو حجة لي عليه: أي إني لا أزعم خلو الجدل من الحماسة أحيانا ولا أنكر حرية الفكر بإنكاري الجدل الكلامي بل اعتبر الفكر الحر هو الفكر الذي يعلم حدود الممكن للعقل الإنساني خاصة إذا كان صاحبه يدعي الإيمان بما جاء في القرآن الكريم. إنه جدل في أمور تنتسب إلى عالم الشهادة وفيها يمكن الرضا بالتقريب وبأغلب الظن وبالاحتكام إلى إجماع العقلاء وأهل الاختصاص لأن الاحتكام الأخير إلى التجربة المنتظمة بأدوات العقل فيها ممكن سواء التجربة كانت منتسبة إلى علوم الظاهرات الطبيعية أو إلى علوم الظاهرات التاريخية (ومنها علوم الرمز عامة بما في ذلك المنطق واللسانيات والرياضيات). وحتى عندما يكون هذا الجدل ذا صلة بعالم الغيب فإنه يكون للدعوة إلى عدم الجدوى منه كما فعلت في النص الذي يردون عليه ونزل عليهم نزول الصاعقة.

وأخيرا فإن العلم مبني كله على الشرطيات والعقيدة لا تقنع بغير اليقينيات. ولا وجود ليقينيات حجاجية إطلاقا لأنها إذا اعتبرت كذلك تصبح وثوقيات. فكل قياس يفترض التسليم الفرضي بالمقدمات وكل زعم بأن بعضها أوليات غنية عن الدليل يرجعها إلى معتقدات تحكمية لم يأت بها كتاب ولا وحي. القطعي في الدين تسليم إيماني والقطعي في العلم لا معنى له لأنه يكون افتراضا عمليا للشروع في الاستدلال لا غير.

3-في علل تركه القضايا التي يدور حولها النص والاهتمام بالهوامش. فمهما كان صاحبنا متعجلا ألم يكن من الأجدى أن يتكلم في المسألتين الموجهتين إلى شيخه أعني: أ- ما بينته له من أن ما ظنه خطأ وقع في ابن تيميه هو عين الصدق بمعايير شيخه نفسها أعني بالمثال الذي ضربه عن الزواج بصرف النظر عن الأخطاء الأخرى التي أحصيتها في النص ؟ ب- ثم الأسئلة الخمسة التي تدور حول ما جعل ابن تيمية يسائل تأسيس هذا المنطق المشار إليه وليس المنطق عامة والحاجة إليه وصلة أسسه بالدين ( أي رده إلى اعتبار العقل الإنساني مقياس كل شيء وهو المبدأ السوفسطائي فيكون منطلقا للسفسطة في النظريات والقرمطة في العمليات ومن ثم فهو أصل الزندقة النظرية والعملية) فيطلب منطقا جديدا حتى وإن سلمت أنه لم يحقق ما كان يسعى إليه وقد أشرت إلى هذا النوع من المنطق المطلوب والذي عمل به ابن خلدون في تأسيس علمية التاريخ المشروطة بتجاوز الميتافيزيقا القديمة التي كانت تلغي كل إمكانية لعلم الحاصل من الممكن لجزئيته فجعلت التاريخ دون الشعر منزلة معرفية ؟

4-في علل عدم التطرق إلى المسائل الأساسية التي وضعتها في الهوامش تجنيبا للقراء المستعجلين ولعل الرادين على عجل منهم تجنيبا إياهم عناء الخوص في دقائق الميتافيزيقا اليونانية.

5-وأخيرا فإني أتمنى على الراد أن يبين لنا كيف أخرجه علم كلام شيخه من شكه وحيرته وفحول الكلام المسلمين من الغزالي إلى الرازي يعلمون أن الكلام لا يمكن أن يتخلص من تكافؤ الأدلة في جميع مسائله: ولو قرأ التعليل العميق لنفي فائدة الكلام في مقدمة ابن خلدون لاستراح وأراح. ولعلي من حيث لا أدري قد استجبت لرغبته فكتبت في الأدلة على وجود الله التي وضعها ابن خلدون بديلا من الدليلين الوحيدين اللذين بنى عليهما الفلاسفة والمتكلمون كل تخاريفهم: أ-مبدأ قطع تسلسل العلل 2-ومبدأ الترجيح الجهوي (ترجيح ما يحصل من الممكن).

فكلاهما عنده يمكن أن يثبت الدهرية إثباته الإيمان بوجود الله. ولم يبق إلا دليل واحد هو التطابق بين الدليل الوجودي والكوجيتو وهو دليل كان مجرد حدس غائم في اللباب (وقد كتبه قبل العشرين من عمره) وصار مبدأ صريحا في المقدمة (وقد كتبها بعد أن شاب قرناه). لكن ذلك لا يفهمه من يرد على عجل. ويمكنني أن أخبره بعد أن قرأت نصين لشيخه في مسألة قدم العالم ووحدة الوجود بأن شيخه يحتاج إلى الكثير حتى يفهم هذه المسائل فيقول فيها ما يتجاوز به الغزالي فضلا عن ابن تيمية. والله ورسوله أعلم.

(الرد المشار إليه في هذا التعليق)

1- قال: أبو يعرب

1.1- أقول: بلال النجار

(..........)

10- قال

1.10- أقول:



أحمد إدريس عبد الله
طالب علم

تاريخ الانضمام: 15/01/08

المشاركات: 15


شكرا لك أخي بلال النجار على هذا الرد الوافر
لقد قمت بإضافة هذا الرد إلى التعليقات على الموقع الأصلي للمقال (الملتقى)
(بعد إذنك طبعا!!)
جزاك الله خيرا




بلال النجار
مـشـــرف

تاريخ الانضمام: 06/07/03

المشاركات: 570




بسم الله الرحمن الرحيم

جزاك الله خيراً. وقد علمت أن الشيخ جهز رداً مفصلاً على كلام الدكتور. لذا فسأنتظر حتى ينشره الشيخ في المنتدى. ثم إن أبقى لنا الشيخ شيئاً نتكلم به أتممت ما بدأته إن شاء الله تعالى. فليصبر إخواننا قليلاً. والله تعالى الموفق

__________________
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

عن www.falsafa.tk

مشاري جاسم الفهد
24-05-2008, 17:25
ما يعمل بعجل إلا الدجل

أبو يعرب المرزوقي

انتخبت بعض القضايا التي تستحق التعليق لا الرد من ثرثرة "قال... أقول..." جادت بها قريحة أحد المشرفين في موقع الأصلين. وهي ثرثرة ذات مراحل عشر ليس فيها ما يرد عليه من علم الكلام فضلا عن كلام العلم. فهذا القيل والقال لم يتجاوز الرد على عجل كما قال صاحبه على أمور لم تكن له الأناة الكافية لفهمها. فكان الكلام دالا على أن الإشراف في هذا النادي لا يدل على أي رتبه علمية. فكيف يمكن لمتكلم مسلم وسني وأشعري أن يطلب مني إثبات موقف أكبر علمين من الفكر المسلم والسني والأشعري أعني موقف الغزالي وابن خلدون موقفهما السلبي من علم الكلام؟ ما ذنبي إذا كان لم يفتح الإحياء والمقدمة أو إذا كان قد فتحهما وهو ساه أو لاه ؟

لكني مع ذلك انتخبت بعض القضايا من هذه الثرثرة لعلتين:

الأولى لأنها تصف أسلوب صاحبها في التفكير حتى لا أعمم على الجماعة لأني متأكد من أن فيهم من لا يقر مثل هذه الأساليب وأملي أن تبدأ أصواتهم تصبح مسموعة لأن دعوتي ليست عدائية بل هي من باب النصيحة الأخوية لخدمة الإسلام والمسلمين وتجاوز فتن الأولين. وهي تصف أسلوب صاحبها من وجهين: أ- فأما الوجه الأول فيدل عليه استعاراته المستمدة من عامية ثقافته التي يؤسفني أني لم أفهم معناها لفرط عمقها "أكبر رأساً وأعرض ورقاً" بحسب المثل البلدي" وليعذرني فلست ممن يخاطبون الناس بعامية قريتهم ب- وأما الوجه الثاني وصفه الرد بكونه على عجل لكأن الفكر في غير الدجل يمكن أن يكون على عجل.

والثانية لدلالة الحوار الذي تلاها بين صاحبها والمعجب بها ولها كذلك وجهان: منزلة الراد في الجماعة ومفعول دعوتي فيهم. أ-الوجه الأول هو منزلة الراد التي يبينها موقف المعلق الذي وجد الرد كبير الفائدة فأقدم على نشره في موقع الملتقى باسم الجماعة. ب-والوجه الثاني هو أثر دعوتي التي يعلقون عليها تبينه محاولة التهدئة من روع الجماعة بدعوتهم إلى الصبر لأن الرد من شيخهم آت آت آت.

ورغم أن الثرثرة علامتها في ذاتها كالحقيقة فلا تحتاج إلى مزيد بيان سأحاول إقناع هذا المشرف بأنه فضح فكره وفكر من هو من جنسه في جماعته بهذه العجالة التي هي في الحقيقة كل ما عنده حتى الثمالة. سأترك للقارئ الحكم على دعواه أن علمه أوصله إلى المماحكة في أمرين لا يجهلهما حتى الأميون:

الأول إنكار أن الغزالي وابن خلدون انتهيا إلى فساد علم الكلام وضرره على الأمة والعقيدة. فمن لم يفهم ذلك من الإحياء والمقدمة فليس عندي له دواء لأن إلجام العوام عن علم الكلام لا يكفي لمثل هذا السقام. وهبنا جادلنا في ما يقولانه في الكلام فهل يمكن أن يجادل أحد في ما فعلاه بعد هذا القول؟

1- فلست أدري كيف يفهم عزوف الأول عن الكلام واللجوء إلى التصوف (منجاة فردية) بعد أن تأكد له أن الكلام هو بداية الخروج من الغفلة العامية ببروز السؤالات التي يحاول الكلام إسكاتها بما لا يشفي الغليل فيفشل فيكون جسرا ناقلا إلى التفلسف الذي يؤدي إلى اليأس من الحجاج في طور ما وراء العقل فيؤدي إلى أحد حلين هما التعليمية أو التصوف. وقد اختار الحل الثاني وهو في الحقيقة لا يختلف كثيرا عن الحل الأول.

2-ولست أدري كيف يفهم عزوف الثاني عن الكلام واللجوء إلى فلسفة التاريخ (منجاة جماعية) بعد أن تأكد له أن الكلام أولى به أن يؤدي إلى الدهرية منه إلى الإيمان لأن قطع التسلسل السببي يمكن أن يكون دهريا أو إيمانيا ولأن اختيار الترجيح الجهوي يمكن أن يكون دهريا (الترجيح بالصدفة) أو إيمانيا (المرجح العاقل). وهو لم يفعل إلا بعد أن قبل كل مقدمات النقد التيمي ونتائجه: بيان حدود الدور الذي يؤديه المنطق في الإبداع العلمي وتحديد المعرفة العلمية من منطلق أن الوجود لا يقبل الحصر في الإدراك ومن ثم فكل معرفة لا تكون ذات قيمة إلا بمقدار ما فيها من تجربة فيكون كل تجاوز للتجربة في ما ليس بوحي وهما ميتافيزيقيا.

الثاني عدم الانتباه إلى أن ابن تيمية لا يهمه من نقد المنطق إلا مسألتان. وما عدا ذلك من كلامه في المنطق ليس إلا من إلزام الخصوم بمسلماتهم سواء في النظرية المنطقية لذاتها أو في تطبيقاتها الكلامية أو الفلسفية. والمسألتان هما:

1- عدم جدوى هذا المنطق المشار إليه في الإبداع العلمي وليس المنطق بإطلاق. والدليل هو أنه أول من قال صراحة بأن المنطق في حقيقته ليس إلا حساب العمليات الاستنباطية ومن ثم فهو يرجعه إلى الأمر المشترك بينه وبين الرياضيات أعني خوارزمية العمليات الاستنباطية بكل أصنافها ودون حصرها في أدناها أعني المنطق الحملي. ولعل أكبر الأدلة هو نفيه أن يكون التصور متقدما على التصديق معتبرا الوحدة الدنيا للفكر والخطاب هي القضايا وليست المفردات ما يعني أنه يميل إلى تقديم حساب القضايا على التسوير البسيط لنسب (التداخل والتخارج) بين المفردات.

2-وفساد الأسس الميتافيزيقية لهذا المنطق المشار إليه والذي هو موضوع السجال مع الفلاسفة والمتكلمين وليس مناهج الفكر عامة. والدليل مناقشة الأساسين اللذين بنى عليهما أرسطو كل منطقه: أعني نظرية المطابقة بين الحد والمحدود التي تجعل التصورات معبرة عن حقائق الأشياء (الرأي الميتافيزيقي القديم) وليس عما اخترناه من علامات لصوغها في نظرياتنا (رأي ابن تيمية) ونظرية المطابقة بين قوانين العمليات الذهنية بين المعاني المنطقية وقوانين التفاعلات بين الحقائق الوجودية التي ترد الوجود في الأعيان إلى الوجود في الأذهان (رأي الميتافيزيقا القديم) وليس مجرد عمليات حسابية لتنظيم المعلومات الحاصلة وإبداع الفرضيات حول المعلومات المطلوبة والتي تحتاج إلى الامتحان النقدي بالتجربة إن كان أصحابها يريدونها أن تصبح علما (رأي ابن تيمية).

فلا شيء يثبت التطابق بين الحد والمحدود ولا شيء يثبت التطابق بين جنسي القوانين الوجودية والعقلية عدا التحكم برد الوجود إلى الإدراك ونفي الفرق بين عالمي الغيب والشهادة. وادعاء التطابقين أمر قد نقبله من فيلسوف ينفي النبوة والوحي ويعتبر العقل كافيا لظنه قادرا على العلم المطلق ومن ثم لنفيه وجود الغيب. لكن حتى هذا القبول بالنسبة إلى قدامى الفلاسفة لم يعد أحد من الفلاسفة المحدثين يقول به سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن لأنهم أدركوا كذب هذه الدعوى بالتطابق بين الإدراك والوجود وتخلوا عنه بفضل الفلسفة النقدية. ورغم أنها فلسفة لا تقول بالغيب فإنها تترك الباب مفتوحا لما يقرب منه لأنها تقول بعدم القدرة المطلقة على علم بواطن الأشياء وهو أمر لا يختلف في شيء عن الغيب وراء الشهادة.

لكن كيف لمن يريد أن يثبت معتقداته بالعقل أن يبدأ فينفي الحاجة إليها بإثبات هذين الدعويين اللذين هما أساسا الميتافيزيقا التي يتأسس عليها المنطق القديم ؟ لذلك فلن أتكلم في هذه الأمور مع من يكتب ردوده على عجل ومن يتصور شيخه يسد مسده ومسد جماعته في القناعات الفكرية (التي هي أمر لا يمكن أن تكون إلا شخصية بمقتضى العقل والنقل على حد سواء لأنها من المسؤولية الروحية التي يحاسب عليها الإنسان في الأولى والآخرة) حتى إنه يدعوهم إلى الصبر لكأن زلزالا حل في سهلهم. سأتلكم معه في ما يقبل الكلام على عجل أعني:

1-في ما زعمه من حاجة الناس إلى الجدل الديني بخلاف حاجتهم إلى الجدل في العلم أعني في موقفه المقابل تماما لموقفي الذي عبرت عنه ب"أسوأ" من الجدل في الفلك البطليموسي وكان يمكن أن أستعمل "دون" بمعناها القرآني كما في الكلام على جناح الذبابة. فعندي أن الناس عندما يجادلون في الدين وخاصة في ما ينتسب منه إلى عالم الغيب أعني المتشابه وبالطريقة الكلامية يكون ضرر خوضهم أكثر من النفع. فهذا الجدل فضلا عن الزلل فيه يسبب الحروب الدينية وفضلا عما يترتب عليه بالنسبة إلى الإيمان الشخصي. أما الجدل في العلوم فلا ضرر منه لأن العلم في الشاهدات-ولا علم إلا فيها بنص القرآن الصريح وهو معنى النهي عن التأويل- هو من الأصل علم مبني على مطلق الحرية في الاجتهاد والنقد بلا حدود: ومن يخطئ في العلوم التي موضوعها عالم الشهادة لا يسبب حروبا ولا يعرض عقيدته للخطر.

2-في ما زعمه من أني أيضا أجادل وأحيانا بأسلوب حاد. وهو ما لا أنكره فقد يكون حصل وقد يحصل في المستقبل. وهذا ليس حجة له علي بل هو حجة لي عليه: أي إني لا أزعم خلو الجدل من الحماسة أحيانا ولا أنكر حرية الفكر بإنكاري الجدل الكلامي بل اعتبر الفكر الحر هو الفكر الذي يعلم حدود الممكن للعقل الإنساني خاصة إذا كان صاحبه يدعي الإيمان بما جاء في القرآن الكريم. إنه جدل في أمور تنتسب إلى عالم الشهادة وفيها يمكن الرضا بالتقريب وبأغلب الظن وبالاحتكام إلى إجماع العقلاء وأهل الاختصاص لأن الاحتكام الأخير إلى التجربة المنتظمة بأدوات العقل فيها ممكن سواء التجربة كانت منتسبة إلى علوم الظاهرات الطبيعية أو إلى علوم الظاهرات التاريخية (ومنها علوم الرمز عامة بما في ذلك المنطق واللسانيات والرياضيات). وحتى عندما يكون هذا الجدل ذا صلة بعالم الغيب فإنه يكون للدعوة إلى عدم الجدوى منه كما فعلت في النص الذي يردون عليه ونزل عليهم نزول الصاعقة.

وأخيرا فإن العلم مبني كله على الشرطيات والعقيدة لا تقنع بغير اليقينيات. ولا وجود ليقينيات حجاجية إطلاقا لأنها إذا اعتبرت كذلك تصبح وثوقيات. فكل قياس يفترض التسليم الفرضي بالمقدمات وكل زعم بأن بعضها أوليات غنية عن الدليل يرجعها إلى معتقدات تحكمية لم يأت بها كتاب ولا وحي. القطعي في الدين تسليم إيماني والقطعي في العلم لا معنى له لأنه يكون افتراضا عمليا للشروع في الاستدلال لا غير.

3-في علل تركه القضايا التي يدور حولها النص والاهتمام بالهوامش. فمهما كان صاحبنا متعجلا ألم يكن من الأجدى أن يتكلم في المسألتين الموجهتين إلى شيخه أعني: أ- ما بينته له من أن ما ظنه خطأ وقع في ابن تيميه هو عين الصدق بمعايير شيخه نفسها أعني بالمثال الذي ضربه عن الزواج بصرف النظر عن الأخطاء الأخرى التي أحصيتها في النص ؟ ب- ثم الأسئلة الخمسة التي تدور حول ما جعل ابن تيمية يسائل تأسيس هذا المنطق المشار إليه وليس المنطق عامة والحاجة إليه وصلة أسسه بالدين ( أي رده إلى اعتبار العقل الإنساني مقياس كل شيء وهو المبدأ السوفسطائي فيكون منطلقا للسفسطة في النظريات والقرمطة في العمليات ومن ثم فهو أصل الزندقة النظرية والعملية) فيطلب منطقا جديدا حتى وإن سلمت أنه لم يحقق ما كان يسعى إليه وقد أشرت إلى هذا النوع من المنطق المطلوب والذي عمل به ابن خلدون في تأسيس علمية التاريخ المشروطة بتجاوز الميتافيزيقا القديمة التي كانت تلغي كل إمكانية لعلم الحاصل من الممكن لجزئيته فجعلت التاريخ دون الشعر منزلة معرفية ؟

4-في علل عدم التطرق إلى المسائل الأساسية التي وضعتها في الهوامش تجنيبا للقراء المستعجلين ولعل الرادين على عجل منهم تجنيبا إياهم عناء الخوص في دقائق الميتافيزيقا اليونانية.

5-وأخيرا فإني أتمنى على الراد أن يبين لنا كيف أخرجه علم كلام شيخه من شكه وحيرته وفحول الكلام المسلمين من الغزالي إلى الرازي يعلمون أن الكلام لا يمكن أن يتخلص من تكافؤ الأدلة في جميع مسائله: ولو قرأ التعليل العميق لنفي فائدة الكلام في مقدمة ابن خلدون لاستراح وأراح. ولعلي من حيث لا أدري قد استجبت لرغبته فكتبت في الأدلة على وجود الله التي وضعها ابن خلدون بديلا من الدليلين الوحيدين اللذين بنى عليهما الفلاسفة والمتكلمون كل تخاريفهم: أ-مبدأ قطع تسلسل العلل 2-ومبدأ الترجيح الجهوي (ترجيح ما يحصل من الممكن).

فكلاهما عنده يمكن أن يثبت الدهرية إثباته الإيمان بوجود الله. ولم يبق إلا دليل واحد هو التطابق بين الدليل الوجودي والكوجيتو وهو دليل كان مجرد حدس غائم في اللباب (وقد كتبه قبل العشرين من عمره) وصار مبدأ صريحا في المقدمة (وقد كتبها بعد أن شاب قرناه). لكن ذلك لا يفهمه من يرد على عجل. ويمكنني أن أخبره بعد أن قرأت نصين لشيخه في مسألة قدم العالم ووحدة الوجود بأن شيخه يحتاج إلى الكثير حتى يفهم هذه المسائل فيقول فيها ما يتجاوز به الغزالي فضلا عن ابن تيمية. والله ورسوله أعلم.

(الرد المشار إليه في هذا التعليق)

1- قال: أبو يعرب

1.1- أقول: بلال النجار

(..........)

10- قال

1.10- أقول:



أحمد إدريس عبد الله
طالب علم

تاريخ الانضمام: 15/01/08

المشاركات: 15


شكرا لك أخي بلال النجار على هذا الرد الوافر
لقد قمت بإضافة هذا الرد إلى التعليقات على الموقع الأصلي للمقال (الملتقى)
(بعد إذنك طبعا!!)
جزاك الله خيرا




بلال النجار
مـشـــرف

تاريخ الانضمام: 06/07/03

المشاركات: 570




بسم الله الرحمن الرحيم

جزاك الله خيراً. وقد علمت أن الشيخ جهز رداً مفصلاً على كلام الدكتور. لذا فسأنتظر حتى ينشره الشيخ في المنتدى. ثم إن أبقى لنا الشيخ شيئاً نتكلم به أتممت ما بدأته إن شاء الله تعالى. فليصبر إخواننا قليلاً. والله تعالى الموفق

__________________
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين

عن www.falsafa.tk

جلال علي الجهاني
24-05-2008, 17:45
يبدو أن الدكتور أبا يعرب يحب فرض حتى طريقته وأسلوبه وكلماته في النقاش ؟