المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انتقاص ابن تيمية للعلماء (الإمام الغزالي نموذجًا)



أحمد زاهر سالم
20-07-2004, 15:56
بسم الله الرحمن الرحيم
انتقاص ابن تيمية للعلماء (الغزالي نموذجًا)
حجة الإسلام الغزالي طود في العلم شامخ، وذو قدم في البيان راسخ، أوتي قدرة فائقة على صوغ العلوم الجامدة والصعبة بأسلوب جميل وعبارة أدبية عذبة، مع غوص عميق في خفايا النفس وأحوالها، وتسلل ذكي إلى دهاليز العقل الخفية وعملياته الفكرية ودروبه المعقدة الملتوية.
ولكم أطربني وهزني، وأجري لساني بالحمد والثناء، وفؤادي بالإجلال والإكبار، وأنا أقرأ له- أغدق الله عليه شآبيب الرحمة والرضوان- مقدمة كتابه المانع (المستصفى)، وأرتع في رياضها، وأجتني من قطوفها، وأشم من رياحينها ما ينعش القلب وينمي ملكة التفكير والإبداع.
ولو أرخيت لنفسي العنان لأقطف لكم بعض ورودها لخشيت أن لا أدع منها شيئًا، فكلها لباب لا حشو فيها ولا ابتذال، وكل زهرة تضارع أختها في العبق والجمال…
ولكني أعد بأن أشير إلى بعض فوائدها المهمة - بعد إزالة غبار أثاره ابن تيمية عليها في مقال لاحق إن شاء الله ليظهر لمن تمعنها عمق غوص هذا افمام وسمو قدره وجليل مزاياه، فيعجب بعد ذلك من أمثال الشيخ ابن تيمية – رحمه الله وسامحه، وأذنابه وأتباعه(1) الذين ما يزالون يحطون على هذا العَلَم الأشم، ويحاولون هَدَّ هذا الركن الباذخ في تراثنا الإسلامي ورصيدنا الفكري الحضاري، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
لمعة وإيقاظ في الدفاع عن حجة الإسلام
إن لابن تيمية أساليب متعددة في الحط من قدر هذا الإمام:
1- فتارة يدعي أن المنطق لم يغن عن الغزالي شيئا ولم يُزِل عنه ما فيه من الشك والحيرة، بل بقي متوقفًا حائرًا فيما هو أعظم المطالب الإلهية العالية والمقاصد السامية الربانية، فندم على ذلك ورجع إلى عقيدة السلف- التي في ذهن ابن تيمية – ومات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم- رضي الله عنهما.
ولربما استشهد بمقولة الغزالي عن نفسه: (أنا مزجي البضاعة في الحديث) ليوهم قرّاءة أن الغزالي ما أُتِيَ في عقيدته إلا من جهله بالسنة وأقوال السلف، ولو استدرك من أمره ما فات فأكب على كتب السنة المشرفة ونظر في كتب بعض أهل الحديث من أمثال الدرامي المجسم لهدمَ ما شيده ونقض ما بناه، وكان له شأن آخر- وقد تنبه وصرح بهذا محمد رشاد سالم في آخر كتابه المذكور آنفًا- لكنه افتلتت نفسه فمضى وقد غير نيته وعزمه لكن بقى أثره السيء ينخر في الأمة بعده…
هكذا زُيِّن لابن تيمية أن يقول…
وأنا أعتصر ذهني لأدرك التلازم بين قراءة صحيحي البخاري ومسلم رضي الله عنهما وبين الرجوع عن المنطق والكلام السني فما أستطيع، خصوصًا إذا تذكرت أمثال أبي ذر الهروي والبيهقي وابن عساكر والنووي وابن حجر وآخرين !!...
وإذا علمنا أن الغزالي رحمه الله ما ألف (المستصفى) بمقدمته المنطقية إلا في أواخر حياته حين ساقه الله إلى معاودة التدريس والإفادة بعد تصنيفه (الإحياء) و(جواهر القرآن) و(كيمياء السعادة) – كما نص على ذلك في المقدمة- إذا علمنا ذلك أدركنا أن قراءته المتخصصة للصحيحين على طريقة أهل الرواية والصناعة الحديثية كانت مساوقة لتأليفه المستصفى، فلا هو رجع عن المنهج الكلامي ويمم وجهه نحو التصوف فقط كما يدعي بعض الناس- ولهذا حديث آخر- ، ولا هو رجع عن الكلام ويمم وجهه نحو السنة والأثر كما يدعي ابن تيمية، وكأن الغزالي كان معرضًا عنهما لم يملأ كتابه (الإحياء) منهما، ولم يؤلف (جواهر القرآن)!!
أقول: لا ذا جرى، ولا ذا حصل... كل ما في الأمر أنه أراد إكمال بنائه العلمي بالاشتغال بالحديث على طريقة أهل الصناعة، والكمال لله وحده.
وتذكرنا هذه القضية بما طنطن به ابن تيمية من نفض الإمام الرازي يديه من عقيدته التي عاش عليها وألف فيها المؤلفات الماتعة الخالدة، ورجوعه إلى عقيدة السلف الصالح، وهو على فراش الموت يلفظ أنفاسه الأخيرة !!
وقد تكفل الأستاذ سعيد فودة حفظه الله بالرد على هذه الفرية بلا مرية، فشفى وكفى، وإن كان لي أن أضيف فأقول: إن الوصية المنسوبة إليه نجد فيها الشيخ يأمر قارئ كتبه التي أتى فيها بتدقيقات وتحريرات بالدعاء له والترحم عليه، ولو رجع – كما يصور ابن تيمية- عنها لأمر بإحراقها ونهى عن قراءتها، لكن التالي باطل، وإذا بطل اللازم الأعم بطل الملزوم الأخص .
[ فائدة: وهذا الدليل صيغ في صورة قضية شرطية متصلة استثنينا فيها نقيض التالي فثبت نقيض المقدم. قال الأخضري في (السلم المنورق):
وإن يك الشرطي ذا اتصال **ورفعُ تالٍ رفعَ أول، ولا
أنتج وضعُ ذاك وضعَ التالي**يلزم في عكسهما لما أنجلى ]

2- وتارة يصور الإمام الغزالي رحمه الله فرخًا من أفراخ الفلاسفة، خدع أهل الإسلام فاخرج لهم الكتب المتداولة يستر بها حقيقة مذهبه، وأبقى لنفسه وللخاصة (الكتب المضنون بها على غير أهلها) (2).
وقد أورد في أول (درء التعارض) كلمة نسبها لأبي بكر بن العربي تلميذ الغزالي يقول فيها: (شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر). فأذكرني هذا الصنيع الشنيع قول الشاعر:
كنـا طح صخـرة يومًا ليوهنها ** فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل
وقول الآخر:
يا ناطـح الجبــل العـــالي ليـــكلـمــه ** أشفقْ على الرأس لا تشفق على الجبل
ولعل القارئ قد تملكه العجب من هذا الإتهام الظالم لصاحب اليد الباسطة في كشف (تهافت الفلاسفة) وتهاوي صروحهم وإنحسار مدهم عن العالم الإسلامي، ولكن إذا ظهر السبب بطل العجب... فابن تيمية قد رمى بالمنطق جانبًا ليسلم له مذهبه في التجسيم متخذًا من الأدلة الضعيفة غير المنضبطة كالفطرة وقياس الأولى تكأه يستند إليها.
أما الإمام الغزالي فهو الذي سمى أحد كتبه المنطقية (معيار العلم) والآخر (بمحك النظر) والثالث بـ (القسطاس المستقيم)، وهو القائل عن مقدمته المنطقية للمستصفى ص10: » وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها(3)، ومن لا يحيط به فلا ثقة له بعلومه أصلاً، فمن شاء أن لا يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول، فإن ذلك هو أصول الفقه، وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة كحاجة أصول الفقه « أهـ.
وهو الذي ضرب لنا المثل الحي في التزام المنهج العلمي السديد بالعدل في الرضا والغضب، والتقاط درر الحكمة وجواهر المعرفة أيًا كان قائلها، والتمييز بين الحق فيقبل والباطل فيرد دون إفراط أو تفريط…
فلئن كان الفلاسفة قد ضلوا في الإلهيات فلقد أصابوا في الرياضيات وكثير من القواعد المنطقية التي هي في حقيقتها ضوابط للتفكير السليم وليست معتقدًا ولا تعبر عن عرق معين ولا مذهب خاص …
وإذا كان الصواب قد جانبهم في الإيرادات والأمثلة التي تنبئ عن المعتقد الفاسد الذي تنكبوا فيه عن تطبيق القواعد ومراعاتها فإن الإمام الغزالي كان يقظًا لها متجنبًا إياها، خلافًا لما يدعيه ابن العربي ويحتفي به ابن تيمية سامحهما الله …
تعالوا نقرأ هذا النص الرائع لحجة الإسلام، افتتح به كتابه (مقاصد الفلاسفة) قائلاً:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي عصمنا من الضلال، وعرفنا مزلّة أقدام الجهّال. والصلاة والسلام على المخصوص من ذي الجلال، بالقبول والإقبال، محمد المصطفى، خير خلقه، وعلى آله خير آل.
أما بعد فقد التمست كلامًا شافيًا في الكشف عن (تهافت الفلاسفة) وتناقض آرائهم، ومكامن تلبيسهم وإغوائهم ولا مطمع في إسعافك إلا بعد تعريفك مذهبهم، وإعلامك معتقدهم؛ فإن الوقوف على فساد المذاهب قبل الإحاطة بمداركها محال، بل هو رمي في العماية والضلال.
فرأيت أن أقدم على بيان (تهافتهم) كلامًا وجيزًا، مشتملاً على حكاية مقاصدهم، من علومهم (المنطقية) و(الطبيعية) و(الإلهية) من غير تمييز بين الحق منها والباطل، بل لا أقصد فيه إلا تفهيم غاية كلامهم، من غير تطويل بذكر ما يجري مجرى الحشو والزوائد الخارجة عن المقاصد.
وأورده على سبيل الاقتصاص والحكاية مقرونًا بما اعتقدوه أدلة لهم.
ومقصود الكتاب، حكاية (مقاصد الفلاسفة) وهو اسمه.
وأعرفك أولاً، أن علومهم أربعة أقسام:
الرياضيات. والمنطقيات. والطبيعيات. والإلهيات.
أما الرياضيات: فهي نظر في الحساب والهندسة، وليس في مقتضيات الهندسة والحساب ما يخالف العقل، والحق ولا هي مما يمكن أن يقابل بإنكار وجحد.
وإذا كان كذلك، فلا غرض لنا في الاشتغال بإيراده.
وأما الإلهيات: فأكثر عقائدهم فيها على خلاف الحق، والصواب نادر فيها.
وأما المنطقيات: فأكثرها على منهج الصواب، والخطأ نادر فيها، وإنما يخالفون أهل الحق فيها بالاصطلاحات والإيرادات، دون المعاني والمقاصد؛ إذ غرضها تهذيب طرق الاستدلالات وذلك مما يشترك فيه النظار.
وأما الطبيعيات: فالحق فيها مشوب بالباطل، والصواب فيها مشتبه بالخطأ، فلا يمكن الحكم عليها بغالب ومغلوب.
وسيتضح في (كتاب التهافت) بطلان ما ينبغي أن يعتقد بطلانه.
ولنفهم الآن ما نورده على سبيل الحكاية مهملاً مرسلاً، من غير بحث عن الصحيح والفاسد.
حتى إذا فرغنا منه استأنفنا له جدًّا وتشميرًا، في كتاب مفرد نسمّيه (تهافت الفلاسفة)، إن شاء الله.
ولتقع البداية بتفهيم (المنطق) وإيراده. أ.هـ كلامه رحمه الله.
وائذنوا لي أن أشيد [/[COLOR=red]COLOR](بكاشف العلامة الفاضل سعيد فودة عن عقائد ابن تيمية) الذي سلك هذا المسلك وتقفَّى أثر هذا الإمام فاهتدى وهدى وفتح بابًا من القول جديدًا. جزاه الله خيرًا وأمتع به وبإفاداته آمين.
والحاصل أن الإمام الغزالي حجة الإسلام لا ينكر فضله إلا جاحد ولا يغمط حق إلا معاند، وهو سيف المتكلمين سلطة الله على رقاب المبتدعة والكافرين، فكيف يظن به وضع قانون من عقله يتحكم به في كتاب الله ويرد به ما أثبته الله كما يدعي زورًا ابن تيمية مشبهًا إياه بقانون النصارى بل هو أضل سبيلاً(4)؟!!
وكيف ساغ لابن تيمية أن يتجرأ فيتهمه بالاضطراب والحيرة وتقلب الفكر، فتارة يؤلف تهافت الفلاسفة وتارة يقول بنظرية العقول؟! وإن كان آخر الأمرين – كالمعتاد- من الغزالي ذم الفلاسفة وتكفيرهم والاشتغال بالسنة والأثر !!
ألم يعلم ابن يتمية أن (المضنون به على غير أهلها) مدسوس على الإمام كما نص على ذلك العلماء كابن الصلاح الذي استعاذ بالله أن يكون للغزالي وبين اختلاقه ووضعه عليه وسبب ذلك. قال السبكي: والأمر كما قال وقد اشتمل (المضنون) على التصريح بقدم العالم ونفي العلم بالجزئيات ونفي الصفات، وكل واحدة من هذه يكفر الغزالي قائلها هو وأهل السنة أجمعون وكيف يتصور أنه يقولها ؟!(5)
وقال السبكي رحمه الله بعد أن أورد بعض كلمات الغزالي في (المنقذ): فهذا رجل ينادي على كافة الفلاسفة بالكفر، وله في الرد عليهم الكتب الفائقة، وفي الذب عن حريم الإسلام الكلمات الرائقة ثم يقال: إنه بنى كتابه على مقالتهم !! فيالله ويا للمسلمين، نعوذ بالله من تعصب يحمل على الوقيعة في أئمة الدين(6). أ.هـ.
ونحن نعوذ بالله من ذلك، فلحومهم مسمومة، وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله في البدء والختام.وكتبه المفتقر إلى عفو الغافر الراحم
أحمد زاهر سالم
الحلبي الأزهري
-----------
(1) كالدكتور محمد رشاد سالم محقق درء التعارض وغيره لابن تيمية، ومؤلف كتاب (مقارنة بين الغزالي وابن تيمية) ط دار القلم، الكويت وهو كتاب مليء بالمغالطات والاستنتاجات العجيبة.
(2) انظر (الرد على المنطقيين) ص162 وما بعدها. ط دار الكتب العلمية.
(3) وقد أشار إلى هذا المعنى الأستاذ سعيد في أوائل » تدعيم المنطق « فليراجع.
(4) انظر أول (درء التعارض).
(5) انظر طبقات الشافعية للسبكي جـ1 ص 257 ط الحلبي.
(6) جـ6، ص249.