المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مـــــالك الصـغير



هلال بن عبد الله بن عمر
08-05-2008, 16:02
بسم الله الرحمن الرحيم

أبومحمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني


ابن أبي زيد القيرواني أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن النفزي القيرواني شيخ المالكية بالمغرب، كان إماماً بارعاً في العلوم، واسع الثقافة والاطلاع، متبعاً طريق السلف الصالح، داعياً إليه بالقلم واللسان والعمل، كثير الحفظ, واسع العلم والرواية، فصيح اللسان والقلم, يقول الشعر ويجيده مع صلاح وورع وعفة, قال عنه القاضي عياض: "حاز رياسة الدنيا والدين وكان يُسمى مالكا الصغير، انتفع به خلق كثير في العلم والأخلاق ورحل إليه من أقطار الأرض وكثر الآخذون عنه وعظم شأنهم، عُني بمذهب مالك فلخصه ونشره وملأ البلاد بتآليفه العظمية الفائدة.."

له مع أهل البدع والأهواء مواقف مشكورة ومواقع معروفة, وكان مع سعة علمه وكثرة حفظه ذا بيان ومعرفة بما يقول، بصيراً بالرد على أهل الزيغ والانحراف. وكان سريع الانقياد إلى الحق وحيث أنه كان شديد الحب للسنة والتعظيم لها اشتد نكيره على المخالفين لها، ولا سيما في الاعتقاد فرد عليهم وبيّن قبح فعالهم ولهذا نالوا منه بألسنتهم التي لم يسلم منها صاحب سنة، وشنعوا عليه كما هو شأن كل مصلح في أي وقت كان.

ثناء العلماء عليه:

تقدم قول القاضي عياض أنه جمع رياسة الدين والدنيا، وقال ابن فرحون فيه: "اجتمع فيه الورع والعلم والفضل والعقل"، وقال القابسي: "هو إمام موثوق به في ديانته ورايته"، وقال أبو الحسن بن عبد الله القطان: "ما قلدت أبا محمد حتى رأيت النسائي يقلده". وقال الذهبي:" كان ابن أبي زيد من العلماء العاملين وكان غاية في علم الأصول".

مؤلفاته:

ابن أبي زيد مؤلف مجيد واسع الفكر دقيق التحقيق وقد كثرت مؤلفاته في حياته وملأت البلاد، ذكر القاضي عياض له ما يقارب من ثلاثين مؤلف ثم قال:" وكل تواليفه مفيدة بديعة غزيرة العلم".

ومن شعره قوله:


تأبى قلوبٌ قلوب قوم. وما لها عندها ذهوب.

وتصطفي أنفس نفوسا. وما لها عندها نصيب.

ما ذاك إلا لمضمرات. أضمرها الشاهد الرقيب.

عقيدته:

كان ابن أبي زيد رحمه الله بعيدا عن البدع والتحريف معتمدا على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم غير آبه بمن خالفهما كائنا من كان نصر السنة المحضة والطريقة السنية لا يداهن في ذلك ولا يماري بل يقول الحق ويجهر به لا يخشى في الله لومة لائم، وشناعة مبتدع سليط اللسان فالله يجزيه خيرا.

أنموذج من كتابته في العقيدة:

قال في مقدمة رسالته المشهورة:

"باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات":

من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له. ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون. يعتبر المفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته ولا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}.

العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته[1], وهو بكل مكان بعلمه, خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين, على العرش استوى وعلى الملك احتوى وله الأسماء الحسنى والصفات العلى, لم يزل بجميع صفاته وأسمائه, تعالى أن تكون صفاته مخلوقة, وأسماؤه محدثة, كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه, وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد، والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره وكل ذلك قد قدره الله ربنا ومقادير الأمور بيده و مصدرها عن قضائه ، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من عباده قول و لا عمل إلاّ و قد قضاه وسبق علمه به, {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}, يضل من يشاء فيخذله بعدله ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله, فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد, أو يكون لأحد عنه غنى, أو يكون خالقا لشيء, ألا هو رب العباد, ورب أعمالهم, والمقدر لحركاتهم وآجالهم, الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بحمد نبيه صلى الله عليه وسلم فجعله آخر المرسلين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, وأنزل عليه كتابه الحكيم, وشرح به دينه القوي,م وهدى به الصراط المستقيم, وأن الساعة آتية لا ريب فيها, وأن الله يبعث من يموت, كما بدأهم يعودون، وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات, وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات, وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر, وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته، {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}، ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، يخرج منها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم من شفع له من أهل الكبائر من أمته، وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وهي التي هبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته، وأن الله تبارك وتعالى يجئ يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابهم.

وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}, ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا.

وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم. والإيمان بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من بدل وغير. وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون بها النقص وبها الزيادة ولا يكمل قول الإيمان إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة. وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة. وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين. وأن المؤمنين يفتتنون في قبورهم ويسألون، ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم. وإن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه. وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ثم الذين يلونهم.

وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين. وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عمّا شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب.

والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ما أحدثه المحدثون وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا انتهى.

توفي ابن أبي زيد رحمه الله في النصف من شعبان سنة 386 هـ سنة وثمانين وثلاثمائة، ودفن في داره بالقيروان رحمه الله وعفا عنه