المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستشراق في الميزان



محمد عوض عبد الله
04-05-2008, 16:42
د.عبد العظيم الديب
الاستشراق في الميزان
المنهج عند المستشرقين
تُقدّر الأبحاث والكتب التي كتبها (المستشرقون عن الإسلام، في الفترة من مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، بنحو ستين ألف كتاب!!.فَلِمَ كلُّ هذا الاهتمام؟؟.
إن الاستشراق يرمي من وراء ذلك إلى غايتين:
أولاهما: حماية الإنسان الغربي من أن يرى نور الإسلام، فيؤمن به، ويحمل رايته ويجاهد في سبيله، كما كان من المسيحيين في الشام، ومصر، والشمال الإفريقي، وإسبانيا، من قَبْلُ. حين دخل الإسلام هذه الأصقاع، فدخل أهلها في دين الله أفواجاً، وصاروا من دعاة هذا الدين الحنيف، وحماته والمنافحين عنه.
وثانيتهما: هي معرفة الشرق، ودراسته، أرضه، ومياهه، وطقسه، وجباله وأنهاره، وزروعه، وثماره، وأهله، ورجاله، وعلمه وعلمائه، ودينه، وعقائده، وعاداته، وتقاليده، ولغاته و... و... كل ذلك لكي يعرف كيف يصل إليه، فقد ظلت دار الإسلام مرهوبة مخوفة، لم تستطع الصليبية المقهورة أن تحاول ـ مجرد محاولة ـ اختراقها لعدة قرون، وكانت المناوشات، والاحتكاكات على الثغور والأطراف تُحْسَمُ دائماً لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولما حاولت الصليبية بجحافلها الغاشمة اختراق ديار الإسلام في مطلع القرن السادس الهجري، رجعت بعد نحو قرنين (690-489هـ/679-478و. ر) من الزمان مقهورة مدحورة.
ولكنها ما فتئت تدبر وتقدر، وتحاول الإلتفات حول ديار الإسلام، لما استعصى عليها اختراقها، وكان الاستشراق هو رائدها الذي يرتاد لها الطريق.
[هكذا كان من عمل المستشرقين، ارتياد ديار الإسلام و(معرفتها)، و(التعريف بها) حتى يضمن للزحف الصليبي الجديد أن يسير على هدى وبصيرة].
وإذا كنا نقول هذا استنتاجاً صحيحاً، من قراءة الوقائع والأحداث، ومما تنطق به جولات الصراع الذي دار ـ ويدور ـ بين الصليبية، وديار الإسلام. إذ كنا نقول هذا استملاءً من لسان الحال، حال التاريخ القريب والبعيد، فقد صدقه المستشرقون أنفسهم، وقالوه بلسان المقال، فهذا هو المستشرق الأمريكي (روبرت بين) يقول في مقدمة كتابه (السيف المقدس): إن لدينا أسباباً قوية لدراسة العرب، والتعرف إلى طريقتهم، فقد غَزَوا الدنيا كلَّها من قبلُ، وقد يفعلونها مرة ثانية، إن النار التي أشعلها محمد لا تزال تشتعل بقوة، وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنها شعلة غير قابلة للانطفاء".
وبهذه الصراحة أو أشد منها ـ إذا كان هناك أشد منها ـ يأتي قول الأمير (كايتاني) ذلك الأمير الإيطالي الذي "جهز على نفقته الخاصة ثلاث قوافل، لترتاد مناطق الفتح الإسلامي، وترسمها جغرافيا وطبوغرافيا، وجمع كل الدوريات والأخبار الواردة عن حركة الفتح في اللغات القديمة... واستخلص تاريخ الفتح في تسعة مجلدات ضخمة بعنوان: (حوليات الإسلام) بلغ بها سنة أربعين هجرية... قال هذا الأمير الذي استهلك كل ثروته الطائلة في هذه الأبحاث، حتى أفلس تماماً، قال في مقدمة كتابه (حوليات الإسلام) هذه: إنه إنما يريد بهذا العمل أن يفهم سر المصيبة الإسلامية التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين من الأتباع في شتى أنحاء الأرض، ما يزالون حتى اليوم يؤمنون برسالة محمد، ويدينون به نبيّاً ورسولاً".
ويكتب المستشرق الألماني (باول شمتز) كتاباً يتناول فيه عناصر القوة الكامنة في العالم الإسلامي، والإسلام، فيسمى هذا الكتاب: (الإسلام قوة الغد العالمية) فلماذا كتب هذا الكتاب، وقام بهذه الدراسة؟، إنه لا يتورع أن يعلن صراحة وبدون مواربة عن هدفه، الذي هو تبصير أوروبا الغافلة عن هذه القوة التي هي "صوت نذير لأوروبا، وهتاف يجوب آفاقها، يدعو إلى التجمع والتساند الأوروبي لمواجهة هذا العملاق، الذي بدأ يصحو، وينفض النوم عن عينيه، فهل يسمع أحد؟... هل من مجيب؟" بهذه العبارة التي ختمها بذاك النداء الصارخ، ينهي (شمتز) كتابه، والكتاب كلُّه يحكمه هذا الروح.
ولذلك حق للناشر الألماني أن يقول عن هذا الكتاب: "إنه يوضح الخطر المتوهج الذي يمر عليه الإنسان في أوروبا بكلِّ بساطة، وفي غير اكتراث فأصحاب الإيمان بالإسلام يقفون اليوم (1936 م قبيل الحرب العالمية الثانية) في جبهة موحدة معادية للغرب، ... وهذا الكتاب، هو نداء وتحذير يجب أن يلقي الاحترام الجدِّيَّ من أجل مصالح الغرب وحدها".
ويكرر هذا المعنى نفسه (ألبير شاميدور) في كتابه: (حمراء غرناطة) فيقول بعد أن تحدث عن عظمة الآثار الإسلامية في غرناطة: "... إن هذا العربي الذكي الشجاع الذي استطاع أن يجمع علم العالم في مئة عام، كما استطاع أن يفتح نصف العالم أيضاً في مئة عام، قد ترك لنا في (حمراء غرناطة) آثار علمه وفنه.
إن هذا العربي الذي نام نوماً عميقاً مئات السنين، قد استقيظ وأخذ ينادي العالم: ها أنذا أعود إلى الحياة.. فمن يدري قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة بالعرب، فيهبطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية".
ثم يقول: "لست أدعي النبوة، لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، لا تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها".
ثم ينادي صارخاً، "أبيدوا أشباح العرب في (الحمراء)... أبيدوها قبل أن تبعث!! ثم يبالغ في الإنذار والتخويف، فيقول: "هيهات أن نستطيع إلى ذلك سبيلاً"!!
هكذا وبكلِّ وضوح يكشف القومُ عن أهدافهم، ولكن جماعة منا ـ عفا الله عنهم ـ مازالوا حتى يومنا هذا، بل لحظتنا هذه، يصفون هذه الأعمال بأنها (علمية) (أكاديمية) (فكرية)... الخ ويذبحون في الثناء عليها المقالات والكتب ويلقِّنون أجيالنا الناشئة ذلك.
ولعل ما يفصل بيننا وبين قومنا في هذه القضية هو قول (روجيه جارودي) ذلك الفيلسوف، الذي كان زعيم المذهب الوجودي ومفسر طلاسم سارتر ضمير العصر ـ على حدِّ قول (فلاسفتنا) (العظام ـ والذي كان مرشحاً لزعامة الحزب الشيوعي قال: "لم يكن الاستشراق حركة نزيهة منذ البداية، إذ كان الهدف منه تنفيذ مشروع يرمي إلى إدخال المسلمين في النصرانية".
حول تطوّر الدراسات الاستشراقية
بعض بني جلدتنا حينما نضع أمامهم هذه النصوص الناطقة بأهداف المستشرقين الشاهدة على بعدهم عن العلم والبحث، ومجافاتهم روح (الأكاديمية) والمنهج ـ يقول بعضنا هذا: "ما لكم تتشبثون بهذه العبارات، وتقفون عند هذه الأخبار ولا تتجاوزونها؟؟ إن ذلك كان في القرن التاسع عشر، وقبل القرن التاسع عشر، كان في أيام الاستعمار وطغيان الاستعمار، كان في أيام الصراع المحتدم بين الشرق والغرب، أما منذ القرن العشرين، فقد تطورت الدراسات الاستشراقية، وصارت (علمية) (منهجية) تبحث عن العلم المجرد، لذات العلم، والمعرفة، وانتهى عهد التهجم على الإسلام: نبيّه، وقرآنه، ورجاله، عقائده، وحضارته، لقد صارت الدراسات الاستشراقية آية في النزاهة، وقدوة في الالتزام بالمنهج العلمي، والإخلاص للبحث والتجرد للحقيقة!!!.. كذا يقولون!!
وقد يكون هذا الكلام صحيحاً في بعضه، أعني أن أبحاث الاستشراق خلت من السبِّ والشتم، والتقبيح، والتشنيع على الإسلام، وأهله، فذلك صحيح في جملته، ولكن ذلك لم يكن بسبب التزام الاستشراق بالمنهج العلمي وقواعد البحث الأكاديمي، ولكن لسبب آخر، سنعرض له فيما بعد، أما المنهج العلمي الصحيح، والتجرد للبحث وخدمة الحقيقة فما زال ـ وسيظل ـ الاستشراق بعيداً عنها، لأسباب كثيرة بعضها راجع لطبيعة الاستشراق، وهدفه، ونشأته، وبعضُها راجعٌ لعجزِ طبعي فطري، في هؤلاء الأعاجم، يحول بينهم وبين امتلاك وسائل البحث في العلوم الإسلامية، وأدواته.
ونستطيع ببساطة ويسر، أن نُحيل هؤلاء، إلى ما عرضناه من شهادات المستشرقين وأقوالهم بألسنتهم، وهم من المعاصرين، في قرننا العشرين هذا، بل منهم من عاش إلى قريب من أيامنا هذه.
وإن لم يكف ما تقدم، فنضع أمام أعينهم، ما كتبه الدكتور (جلوور) في كتابه: تقدم التبشير العالمي، الذي نشره سنة 1960م قال: "إن سيف محمد والقرآن أشد عدو، وأكبر معاند للحضارة والحرية والحق، ومن أخطر العوامل الهدامة التي اطلع عليها العالم إلى الآن"، وقال أيضاً: "القرآن خليط عجيب من الحقائق والخرافات، ومن الشرائع والأساطير، كما هو مزيج غريب للأغلاظ التاريخية، والأوهام الفاسدة، وفوق ذلك هو غامض جدّاً، لا يمكن أن يفهمه أحد إلا بتفسير خاص له".
ثم ينتقد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: "... كان محمد (صلى الله عليه وسلم)، حاكماً مطلقاً، وكان يعتقد أن من حق الملك على الشعب، أن يتبع هواه ويعمل ما يشاء، وكان مجبولاً على هذه الفكرة، فقد كان عازماً على أن يقطع عنق كلِّ من لا يوافقه في هواه، أما جيشه العربي، فكان يتعطش للتهديد والتغلب، وقد أرشدهم رسولهم أن يقتلوا كلَّ من يرفض أتِّباعَهم، ويبعد عن طريقهم".
ولعل تعبير المستشرق (ليوبولدفايس) الذي أسلم وتسمى باسم (محمد أسد) عن أزمة الأوروبي تجاه الإسلام، وأزمة المستشرق بصفة خاصة ـ هو أوضح تعبير، وأصدقه حيث جاء من واقع الخبرة، والممارسة العريضة العميقة لكتابات المستشرقين، قال: "... لا تجد موقف الأوروبي تجاه الإسلام، موقف كره في غير مبالاة فحسب، كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل هو كره عميق الجذور، يقوم في الأكثر على صدور من التعصب الشديد، وهذا الكره ليس عقلياً فحسب، ولكنه يصطبغ أيضاً بصبغة عاطفية قوية... إن الأوروبي لا يحتفظ تجاه الإسلام بموقف عقلي متزن، مبني على التفكير، بل حالماً يتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب، حتى إن أبرز المستشرقين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب، غير العلمي في كتاباتهم عن الإسلام.
ويظهر في جميع بحوثهم على الأكثر كما لو أن الإسلام، لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحت في البحث العلمي، بل على أنه متهم يقف أمام قضاته، إن بعض المستشرقين يمثلون دور المدعي العام، الذي يحاول إثبات الجريمة، وبعضهم يقوم مقام المحامي في الدفاع، فهو مع اقتناعه شخصيّاً بإجرام موكله، لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شيء، من الفتور، اعتبارَ الأسباب المخففة.
ثم يقول بعد مبيِّناً أن الإسلام وحده، دون الثقافات الأجنبية المختلفة، وقفت منه الدراسات الغربية هذا الموقف: "... أما فيما يتعلق بالإسلام، فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية. وبقي هذا الخليج الذي حفره التاريخ بين أوروبة والعالم الإسلامي، غير معقود فوقه بجسر، ثم أصبح احتقار الإسلام جزءاً أساسيّاً من التفكير الأوروبي".
والواقع أن المستشرقين في الأعصر الحديثة كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإسلامية، وكانت الصورة المشوَّهة التي اصطنعوها عن تعاليم الإسلام وتاريخه، مدَّبرةً على أساس يضمن التأثير في موقف الأوروبيين من (الوثنيين) غير أن هذا الالتواء العقلي، قد استمر مع أن علوم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير، ولم يبق لعلوم الاستشراق هذا عذر من حمية دينية جاهلية تسيء توجيهها. أما تحامل المستشرقين على الإسلام، فغريزة موروثة وخاصة طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلفتها الحروب الصليبية، بكلِّ ما لها من ذيول في عقول الأوروبيين الأولين".
هكذا أصبح تحامل المستشرقين على الإسلام غريزة موروثة، وخاصة طبيعية، تزول المؤثرات، والدوافع، والأسباب، ولا تزول هذه الغريزة، فكيف يقال: إن الدراسات الاستشراقية قد تطورت؟؟
لمن يكتب المستشرقون؟
لم نكن بحاجة إلى هذا العناء، وتناول هذا الموضوع ـ موضوع المستشرقين وأعمال المستشرقين ـ أصلاً، لو أن بني قومنا عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو أن المثقف المسلم، وصاحب القلم المسلم، ورجل الفكر المسلم، عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو وقفوا من هذه الأعمال الاستشراقية الموقف الصحيح، فتركوها لمن كتبت له.
لم يكن المستشرقون ـ في تقديري ـ يتوجهون بهذه الأعمال، وبهذه البحوث كلِّها إلا إلى المثقف الغربي، يخافون عليه، ويحصنونه، من أن يقع في إسار الإسلام، ديناً وفكراً وحضارة، كان الاستشراق ـ بهذه الأعمال ـ يريد أن يضرب ستاراكثيفا، من التشويش، والتشويه، بين المثقف الأوروبي وبين الإسلام.
ومن هنا نجدهم في كتاباتهم الأولى، يكتفون بالسب والشتم، في الإسلام وفي رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وسلم، وتنزه عما قالوا ـ واختلاق الأكاذيب عن المسلمين، ونظام حياتهم ومجتمعاتهم، ثم تطورت هذه الدراسات رويداً رويداً، فبعد أن كانت في أول فجة ساذجة، صارت تتجه إلى الترتيب والتنسيق والاستدلال، وأخذت في التعمق، وارتداء ثوب البحث، وطيلسان الأكاديمية، ولكنها ظلت، وفية لهدفها الأول، لم تنسه ولم تتخلَّ عنه، وهو تحصين الإنسان الأوروبي، ضد الإسلام.
ويظن بعضٌ من أبناء أمتي حين يرون هذا التغيّر، أن هذا تطور في الدراسات الاستشراقية، وتغيير للأهداف، وتنازل عن الأحقاد، وأن القوم ثابوا إلى الإنصاف، فكفوا عن السب، والشتم، والتقبيح، ومالوا إلى العلمية، والتزموا بالموضوعية.
ولكن الواقع أنه ليس في الأمر، موضوعية، ولا منهجية، ولا اعتدال، ولا استقامة وإنما كان هذا التغير، أو التطور في الأساليب فقط، وكان تغيير الأساليب ضرورة أملتها الظروف وواقع الحال، كان لابد من تغيير الأساليب لتتلاءم وتتواءم مع المواطن الأوروبي المسيحي نفسه ـ المخاطب أصلاً بالدراسات الاستشراقية ـ فحيثما كان العصر عصر أمنيّة وجهالة، وهمجية، كان يكفيهم أن يكتبوا لهم سبّاً وشتمّاً، في الإسلام ورسول صلى الله عليه وسلم، وفي المسلمين، حتى يقبِّحوه ويشوِّهوه، في أعينهم، وينفروهم منه. أما مع التطور والاستنارة، ومعرفة هؤلاء الأوروبيين بالمسلمين والإسلام، نتيجةً للاحتكاك في القتال، والتجارة والانتقال، فكان لابد من أن يغير هؤلاء أساليبهم، حتى تنطليَ على عقول الأجيال الجديدة، وكان تغيير الأساليب يتلاءم، ويتواءم، مع درجة معرفة هؤلاء عن الإسلام والمسلمين.
يقول المستشرقين الانجليزي المعاصر "مونتجومري وات" وهو يتحدث عن (مآخذ أخلاقية مزعومة) ادعاها الغربيون في كتاباتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: "ليس بين كبار رجال العلم رجل كثر شانئوه كمحمد (صلى الله عليه وسلم) ومن الصعب فهم السب الذي دعا إلى ذلك. فقد كان الإسلام خلال قرون عدة العدوَّ الأكبر للمسيحية، ولم تكن المسيحية في الحقيقة على اتصال مباشر بأية دولة أخرى منظمة توازي الإسلام في القوة، فلقد هوجمت الامبراطورية البيزنطية، بعد أن فقدت مقاطعاتها في سورية ومصر، وآسيا الصغرى، بينما كانت أوروبا الغربية مهددة في إسبانيا وصقلية.
وأخذت الدعاية الكبرى في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية ـ حتى قبل أن توحِّد الحربُ الصليبية اهتمامَ المسيحيين حول طرد العرب من الأرض المقدسة ـ تعمل على إقرار فكرة "العدو الأكبر" في الأذهان، ولو كانت تلك الدعاية تلك خالية من كلِّ موضوعية.
وأصبح محمد "أمير الظلمات" حتى إذا ما حلَّ القرن الحادي عشر، كان للأفكار الخرافية المتعلقة بالإسلام والمسلمين، والقائمة في أذهان الصليبيين تأثير يؤسف عليه.
فقد أُنذر الصليبيون بأن ينظروا أسوأ الأمور من الأعداء، ولما وجدوا بين هؤلاء الأعداء كثيراً من المحاربين الفرسان، شعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية.
ولهذا حاول بطرس الراهب أن يعالج هذا الوضع بإذاعة معلومات أصدق عن محمد والديانة التي يدعو إليها.
وقد حدث تطور كبير في هذا السبيل، ولا سيما في قرنين من الزمن، وإن ظل كثير من الأوهام عالقاً في الأذهان.
فها هو يكشف عن سر هذا (التطور) "وجدوا (أي الصليبيون) بين هؤلاء الأعداء (أي المسلمين) كثيراً من المحاربين الفرسان (أي النبلاء والأبطال) فشعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية". هكذا اطَّلع مسيحيو أوروبا في أثناء الحرب الصليبية، على صورة للمسلمين، غير الصورة التي صورها لهم رهبانهم (المستشرقون) فحاول بطرس الراهب (من قواد الحروب الصليبية ومشعلي أوارها) أن يعالج هذا الوضع، (الشعور بالريبة من السلطات الدينية المسيحية) بإذاعة معلومات أصدق عن محمد (صلى الله عليه وسلم) والديانة التي يدعو إليها".
وبعد ذلك، ومع ذلك، نجد من (الأساتذة الكبار) من يبشر فينا بتطور الدراسات الاستشراقية، والتزامها بالمنهج، وأصول البحث، وتجردها ونزاهتها!!

محمد عوض عبد الله
04-05-2008, 16:44
المستشرقون لا يكتبون لنا
قلنا: إن الاستشراق بأبحاثه وأعماله (كلها) موجه إلى المواطن الأوروبي، نعم إلى المواطن الأوروبي، فما كان المستشرقون يطمحون، بل يحلمون أن تكون أعمالهم هذه توجيهاً وتعليماً للمسلمين، بله مرجعاً يعتمدون عليه، وموئلاً يلوذون به، ومصدراً يرتوون منه، ومنبعاً ينهلون منه، في دراساتهم، وأبحاثهم، وكتبهم، فتقوم صروح الفكر والثقافة على أعمال المستشرقين، فتكون على شفا جرف هارٍ، ينهار بنا في وهدة السقوط والضياع، والاستلاب الحضاري.
لم يكن يطمح ولا يحلم المستشرقون بشيء من هذا، ولا دون هذا، فلم تشهد الدنيا قط في تاريخها، رجلاً غريباً عن الأمة ـ أية أمة ـ صار مسموع الكلمة في أدب هذه الأمة، وتاريخها وحياة مجتمعها، بل ودينها.
لم تشهد الدنيا في تاريخها ما شهدته أمتنا "أرأيتم قط رجلاً واحداً من غير الانجليز أو الألمان مثلاً، مهما بلغ من العلم والمعرفة، كان مسموع الكلمة في آداب اللغة الانجليزية، وخصائص لغتها، وفي تاريخ الأمة الانجليزية، وفي حياة المجتمع الانجليزي، يدين له علماء الانجليز بالطاعة والتسليم؟
أليس غريباً أن يكون غير الممكن ممكناً، في ثقافتنا نحن وحدها، دون سائر ثقافات البشر، قديمها وحديثها؟ غريب عجيب لا محالة". ولكنه للأسف كان وحدث في ثقافتنا وحدها.
لقد نبغ من أبناء أمتنا نابغون، في اليونانيات، واللاتينيات، والفرنسية والانجليزية، أترى لو أن أحدهم كتب في آداب هذه اللغات، أو في شؤون مجتمعها أو في تاريخها، أو عقائدها، يُصبح مرجعاً، ومصدراً لأهلها؟ أترى لو أن أستاذ الجيل، أو عميد الأدب العربي، كتبا في تاريخ اليونان، وفي آداب فرنسا، يصبح لكتابتهما مكان بين المصادر، والمراجع، وتجد من يقول برأيهما، ويعتقده، ويتبناه؟؟
"لكنها صروف الدهر، التي ترفع قوماً، وتخفض آخرين، قد أنزلت بنا، وبلغتنا وبأدبنا، ما يُبيح لمثل هؤلاء المستشرقين أن يتكلموا في شعرنا وأدبنا، وأن يجدوا فينا من يستمع إليهم، وأن يجدوا أيضاً من يختارهم أعضاء في بعض مجامع اللغة العربية.
وأعجب من هذا اتخاذهم أساتذةً نجلس منه مَجْلِسَ التلمذة، ونأخذ عنهم العلم فيما يختص بتاريخنا، ومجتمعاتنا، بل وديننا ولغتنا.

المنهج عند المستشرقين
هنا سيكون عرضنا لبعض الأمثلة والنماذج من كتاباتهم، لا يقصد مناقشتها، أو ردّها، أو تفنيدها، وإنما فقط للاستدلال بها، على مدى منهجية كتابات القوم، واحترامهم لأصول البحث وقواعده.
ونستطيع أن نوجز هذه الملامح والسمات المنهجية، التي رأيناها، وإن شئت قلت: المآخذ المنهجية، على النحو الآتي:
1_ الخضوع للأهواء وعدم التجرد للبحث:
شرط المنهج الأول، وأساسه، التجرد من الأهواء، وعدم الوقوع تحت سلطانها، فلا يميل الهوى بالباحث لإثبات ما يوافق هواه، ونفي ماعداه، فما بالك بمن يحدد الغرض أولاً، والنتيجة مسبقاً، ثم يبدأ في البحث عما يؤيدها، والتنقيب عما يثبتها، فهذا ليس علماً، وليس بحثاً، مهما كانت صورته، ومهما كان شكله، وهذا هو ما يعمله المستشرقون.
فالمستشرق يبدأ بحثه وأمامه غاية حددها، ونتيجة وصل إليها مقدَّماً، ثم يحاول أن يثبتها بعد ذلك، ومن هنا يكون دأبه، واستقصاؤه الذي يأخذ بأبصار بعضنا، وهو في الواقع يدأب، ويشقى ويكد، لينحِّيَ ما يهدم فكرته ويكذب رأيه، ويُخفي ويطمس ويتجاهل كلَّ ما يسوقه إلى نتيجة غير التي حددها سلفاً، ومن هنا تأتي أبحاثهم عليها مسحة العناء والاستقصاء، ولكنه عناء الالتواء، واستقصاء مَنْ يجمع من لا شيء شيئاً، ويصنع من الهباء بناء، ويبني من الغبار صرحاً.
هذا الداء المبير، والخطر الوبيل، حذر منه علماؤنا الأقدمون منذ أكثر من ألف عام، حين وضعوا قواعد المنهج، وحددوا أركانه وشروطه فتردد في كتبهم ونبهوا عليه في كثير من مؤلَّفاتهم، وخصوا من القواعد بكتب ورسائل خاصة، فمن قبل ألف عام قرأت الدنيا للحسن بن الهيثم المتوفى سنة 430 هـ ـ419 و.ر/1038م. فيما وضعه من قواعد المنهج قوله في كتابه (المناظر): "... ونجعل غرضنا في جمع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل، لا اتِّباع الهوى، ونتحرى، في سائر ما نميزه وننتقده، طلبَ الحق، لا الميل مع الآراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة، التي يزول معها الخلاف، وينحسم بها مواد الشبهات".
هكذا، استعمال العدل، والبعد عن الهوى، وطلب الحق، وعدم الميل مع الآراء شرطٌ للوصول إلى اليقين والحقيقة!! فهل كان المستشرقون يبغون اليقين ويريدون الحقيقة؟؟
ب_ عجز المستشرقون عن تمثل الثقافة واللغة:
إذا كان من شروط المنهج البراءة من الأهواء، كما ذكرنا آنفاً، فإن من شروطه أيضاً إدراك اللغة والإحاطة بأسرارها، أسرار اللغة التي يبحث الباحث في آدابها وعلومها، وفنونها، وكذلك إدراك (الثقافة) والإحاطة بسرها، (ثقافة) الأمة التي يريد أن يبحث في تاريخها، وعقائدها، وعمرانها وحضارتها، وعقائدها ودينها.
وذلك لازمٌ للمستشرق وغير المستشرق "هذه الشروط لا يختلف في شأنها أحد قط في كلِّ ثقافة، وفي كلِّ أمة، فإذا كان لا يُعَدُّ كاتباً أو باحثاً أو عالماً من أبناء اللغة، وأبناء الثقافة أنفسهم؛ إلا من اجتمعت له هذه الشروط، فإذا عَرِىَ منها لم يكن أهلاً للنزول في ميدان (المنهج) فإذا فعل، فهو متكلم لا أكثر، ثم لا يُلْتَفَتُ إلى قوله، ولا يُعْتَدُّ به عند أهل البحث والعلم والكتابة.
والمستشرق فتى أعجمي، ناشيء في لسان أمته وتعليم بلاده، ومغروس في آدابها وثقافتها.. ثم يشدو طرفاً من علوم العربية وآدابها، يأخذها من أعجمي مثله، ثم يخرج على الناس بعد ذلك (مستشرقاً)، يُفتي في اللسان العربي، والتاريخ العربي،... غاية ما يمكن أن يحوزه (مستشرق) في عشرين أو ثلاثين سنة... أن يكون عارفاً معرفةً مَّا بهذه (اللغة) وأحسن أحواله عندئذٍ أن يكون بمنزلة طالب عربي، في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقل منه على الأرجح، أي هو في طبقة العوام، الذين لا يَعْتَدُّ بقولهم أحد في ميدان (المنهج).. على أن اللغة نفسها هي وعاء (الثقافة) فهما متداخلان.. فمحال أن يكون محيطاً أيضاً بثقافتها، إحاطة تؤهله للتمكن من (اللغة)، فمن أين يكون (المستشرق) مؤهَّلاً لنزول هذا الميدان؟..
وإذا كان أمر (اللغة) شديداً لا يسمح بدخول المستشرق تحت هذا الشرط اللازم للقلة التي تنزل ميدان (المنهج) و(ما قبل المنهج) ـ فإن شرط (الثقافة) أشد وأعتى، لأن الثقافة سرٌّ من الأسرار الملثمة في كلِّ أمة من الأمم، وفي كلِّ جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى متنوعة أبلغ التنوع، لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كلِّ مجتمع إنساني، للإيمان بها أولاً من طريق العقل والقلب، ثم للعمل بها، حتى تذوب في بنيان الإنسان، وتجري منه مجرى الدم، لا يكاد يحس به، ثم للانتماء إليها بعقله وقلبه، انتماءً يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار. وهذه القيود الثلاثة: (الإيمان) و(العمل) و(الانتماء) هي أعمدة (الثقافة) وأركانها. التي لا يكون لها وجود ظاهرة محقق إلاَّ بها، وإلا انتقض بنيان (الثقافة) وصارت مجرد معلومات ومعارف، وأقوال مطروحة في الطريق، متفككة لا يجمع بينها جامع، ولا يقوم لها تماسك، ولا ترابط، ولا تشابك..
وبديهي، بل هو فوق البديهي، أن شرط (الثقافة) بقيوده الثلاثة، ممتنع على (المستشرق) كلَّ الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماء والنار في إناء واحد.
وذلك أن (الثقافة) و(اللغة) متداخلتان تداخلاً لا انفكاك له، ويترافدان ويتلاقحان بأسلوب خفي غامض كثير المداخل والمخارج والمسارب، ويمتزجان امتزاجاً واحداً غير قابل للفصل، في كلِّ جيل من البشر، وفي كلِّ أمة من الأمم... فأنَّى للمستشرق أن يحوز ما لا يحوزه إلا مَنْ ولد في بحبوحة اللغة وثقافتها منذ كان في المهد صبيّاً...".
ونسوق هنا نماذج لما وقعوا فيه من أوهام غليظة نتيجة لهذا العجز المهين، من ذلك شرح كارترمير، (الأحداث) بالغوغاء، وتفسير كازانوفا، لفظ (أُمِّي) بشعبي، ومن ذلك ما وقع فيه المستشرق الألماني (براجستراسر)، في تحقيق كتاب مختصر في شواذ القراءات لابن خالويه، حيث صحَّف كلمة أبي عمرو بن العلاء: "فقد تربع في لحنه" وجعلها: "فقد تربع في الجنة، مع أن المقام مقام ذم".
وإذا كانت هذه الأخطاء لا يترتب عليها كبير خلل في المعنى أو قضايا علمية فهناك ما يترتب عليه فساد في المعنى، وأحكام شرعية، فمن ذلك ما قاله (م. وات) من تفسير الغض من البصر بأنه التواضع، حيث قال: "وقد نزلت آيات أخرى تدعو المؤمنات إلى التواضع: (وَقُل لِّلْمؤْمنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارهِنَّ وَيَحْفَظنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا...) (سورة النور: من الآية:31).
السيطرة العربية:
لفلوتن كتاب بهذا الاسم، ونظراً لأهميته في مجال التاريخ حظي بعناية من رجال التاريخ عندنا، فترجمه إلى اللغة العربية سنة 1934م الدكتور حسن إبراهيم حسن ومحمد زكي إبراهيم، وطبعت هذه الترجمة طبعتين، ثم ترجمة سنة1980م مرة ثانية الدكتور إبراهيم بيضون، وفلوتن متخصص في تاريخ هذه الفترة، حيث كانت أطروحته للدكتوراه في الموضوع نفسه ودراسته ومقالاته وأبحاثه تتجه كلُّها هذه الوجهة.
ومن هنا كان لكلامه وزن وقيمة، وكان (لتحريفه) للمصادر، و(خيانته) للمنهج خطر عظيم، وكان هذا منه جرماً أيَّ جرم.
ونحن نلتزم بهدفنا هنا، فلا يعنينا ما في الكتاب من تهجم على الإسلام والمسلمين، الذي لا يعدو أن يكون سبّاً وشتماً (بأسلوب أكاديمي) وإنما يعنينا هنا جريمته في حق المنهج، وكيف حرَّف المصادر والمراجع وزيَّفها. وإليك هذا المثال:
جاء في ص66: "ولقد أصابت الأسر المرموقة في الكوفة ثراء فاحشاً، كان مصدره (المغانم) والأعطيات السنوية، فكان الكوفي إذا ما ذهب إلى الحرب، يصطحب معه أكثر من ألف الجمال، عليها متاعه وخدمة" ثم نسب إلى الطبري: 8106\2 س8.
وعلى البديهة نرفض أن يكون هذا الكلام في الطبري فنحن نعرف الطبريَّ رضي الله عنه إماماً عالماً، مؤرخاً فقيهاً، أو على الأقل (عاقلاً يدري ماذا يقول)!! فكيف يذهب من الجندي المقاتل إلى الميدان ومعه أكثر من ألف من الجمال، تحمل متاعه وخدمه؟ كيف يقاتل ومعه هذه (الحاشية)؟ وماذا يصنع بحمل ألف جمل من المتاع في الميدان؟ وإذا فرضنا أن الجيش كان عشرة آلاف مقاتل (وهذا تقدير متواضع) فكم عدد الجمال التي تحمل متاعهم؟ أليست أكثر من عشرة ملايين من الجمال؟ كيف يتحرك هذا الجيش؟ وأي طرق تسعهم؟ وأي مياه تكفيهم؟ وأي مراع تطعمهم؟ وإذا سقط من الجيش بضع مئات أو آلاف قتلى في الميدان، فأين تذهب الملايين من الجمال التي تحمل أمتعتهم.
لو قرأ أي عاقل هذا الخبر في أصح كتاب، لا تهم صاحبه، أو على الأقل نسبه إلى الخطأ والوهم، ورفض أن يحكيَ هذا الكلام أو ينقله.
ولكن المستشرق العظيم في غمرة اجتهاده، لإثبات أن فتوحات المسلمين كانت انتهاباً لخيرات وثروات البلاد التي فتحوها، راح يجمع الأدلة من هنا وهناك، ويلو يهاليّاَ، ويزيفها تزييفاً، إلاَّ أننا من كنا نتوقع أن يخرج بتزييفه إلى حدِّ اختراع هذه الخرافة، التي ـ لا شك ـ لم ينتبه إليها، فقد شهدت عليه لا له.
وهل لذلك أصل في الطبري؟؟
إن عبارة الطبري تقول على لسان قيس بن الهيثم ـ أحد أصحاب مصعب بن الزبير ـ قبيل التحامه مع جيش عبد الملك بن مروان يُرغِّب أهل العراق في القتال، ويبيِّن لهم حسن معاملة ابن الزبير لهم، ورفعه لمنزلتهم ومكانتهم: ".. والله لقد رأيت سيد أهل الشام على باب الخليفة، يفرح إن أرسله في حاجة، ولقد رأيتنا في الصوائف، وأحدنا على ألف بعير..".
فالقائل هنا يريد أن يوازن لأهل العراق بين معاملة خليفة الشام لأصحابه، فالسيد منه يقف بالباب، ويعتدُّها تكريماً من الخليفة لو أرسله في حاجته، وبين إكرام حكامهم (الزبيريين) لهم، فالواحد منه على ألف بعير، ومعنى على ألف بعير، أي أمير ألف، وكان هذا أكبر لقب في الجيش، بعد القائد العام، أي أنهم في كنف الزبيريين كلهم أمراء.
حـ_ التعسف في التفسير والاستنتاج:
فإذا تركنا شروط المنهج، وما رأيناه آنفاً، من أن المستشرق محروم منها وجدنا ولوناً آخر، بل ألواناً من خيانة المنهج، لا يرجع الأمر فيها إلى القصور والعجز، بل يرجع إلى فقد شرط المنهج الأول، أعني ما ذكرناه آنفاً من البراءة من الهوى، وسنعرض طرفاً من أفانين خيانة المنهج، ونبدأ بما سميناه (التعسف في التفسير والاستنتاج) فهنا لا يكون اللفظ العربي مستعصياً مستغلقاً على المستشرق، ويمكنه ـ لو أراد ـ أن يفهمه فهماً صحيحاً، ولكنه يميل مع هواه فيُنطِق النص بما يتفق وهدفَه، ويشبع هواه، والأمثلة على ذلك كثيرة ـ ككل خيانات المستشرقين ـ لا تقع تحت حصر، ولكن يكفي أن نذكر مثالاً للمستشرق (المنصف) (المعتدل) م. وات. وذلك حين يفسر أمر القرآن الكريم للمؤمنين بالاستئذان قبل الدخول لبيوت غير بيوتهم، وأمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر (سور النور: الآية27,30,31) يفسر ذلك بانحطاط في مستوى الأخلاق، كان النبي صلى الله عليه وسلم، بحاجة إلى السمُوِّ به.
فمن أين أتى بهذا الاستنتاج؟؟ وهل تسمح النصوص القرآنية الكريمة بأن يستنتج منها هذا الاستنتاج العجيب؟
هل إذا كانت الأخلاق (غير منحطة) يسمح بدخول بيوت الآخرين بدون استئذان؟
أإذا نصح هذا المستشرق ابنه وهو يؤدبه ويعلمه ألاَّ يدخل بيتاً غير بيته، إلا بعد أن يستأذن، أيدل ذلك (على انحطاط مستوى أخلاق ابنه)؟؟ وعلى انحطاط مستوى أخلاق مجتمعه؟؟..
د_ التفسير بالإسقاط:
ونعني بهذا إسقاط الواقع المعاصر المعيش، على الوقائع التاريخية الضاربة في أعماق التاريخ، فيفسرونها في ضوء خبراتهم ومشاعرهم الخاصة وما يعرفونه من واقع حياتهم ومجتمعاتهم، فيتناولون بيعة أبي بكر يوم السقيفة، وكأنهم، يحللون انتخابات الرئاسة في أمريكا، بألاعيبها وفضائحها الحزبية، ويفسرون خروج طلحة والزبير على علي رضي الله عنهم جميعاً، بأنه خوف على ثرواتهما التي جمعاها، في أثناء الفتوح، ومن غنائم الفرس، والروم، وكأنهم ينظرون إلى الصراع بين شركات الصلب، أو شركات السلاح، ومؤسساتهم الرأس مالية الضخمة، التي تصارع للتأثير على السلطة، وعلى صناعة القرار، مع أن أول وأبسط قواعد تفسير النصوص، وفهمها، هو المعرفة التامة لروح العصر، ولما يسمونه، جو النص، ثم المعرفة بحياة قائل النص: نشأته وثقافته، وحياته، وأعماله، هذه المبادئ يتعلمها الشادون المبتدئون، في الصفوف الأولى من التعليم المتوسط.
ولكن هؤلاء المستشرقين يغضون الطرف عن قواعد المنهج، بل يدوسون قواعد المنهج ويمتهنونها.
فمن عرف تاريخ أبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة، وحياتهم، وكيف جاهدوا في الله بأموالهم وأنفسهم وكيف كانت الآخرة أمام أعينهم، وكيف كانت حقارة الدنيا في نظرهم، كيف يستطيع أن يفسِّر ما دار يوم السقيفة، على أنه اتفاق بين الثلاثة، على أن يُعين عمرُ وأبو عبيدة أبا بكر، على شرط أن يعهد بها أبو بكر إلى عمر، ثم يعهد بها عمرُ إلى أبي عبيدة!! إن هذه صورة منتزعة من واقع انتخابات عصرنا ومؤامراته، ويستحيل على من عنده أدنى معرفة برجال صدر الإسلام، وبروح العصر، ومشاعر المسلمين يوم السقيفة، أن يقبل هذا التفسير الذي يُسقطونه من داخل أنفسهم على وقائع تاريخنا.
وكيف يقال: إن طلحة والزبير كانا يخشيان على أموالهما، وهما من هما تضحيةً وبذلاً في سبيل الله، إن الطراز من الرجال الذين كانوا لا يبالون أيقعون على الموت أم يقع الموت عليهم، كيف يخافون على عرضٍ زائل؟ وقد ظهر كذب هذا التفسير وزيفه، إذ ثبت بأصدق الروايات، وأوثقها، أن الزبير يوم مات لم يكن ماله يكفي لسداد ديونه.
ومن طرائف التفسير بالإسقاط، أو الإسقاط في التفسير، ما رأيناه عند المستشرق الانجليزي (منتجومري. وات) إذ فسر ما كان من خلوة الرسول صلى الله عليه وسلم، في غار (حراء) قُبيْلَ البعثة، بأنه كان هروباً من حرِّ مكة، وابتراداً في رأس الجبل، جبل حراء، حيث كان محمد (صلى الله عليه وسلم) فقيراً لا يستطيع السفر إلى الطائف، مثل أغنياء قريش!!
فهو هنا أمام حدث قديم، وقع في مكة، منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان، ولكنه يفسره ويعلِّله، بروح عصره هو، ويُسقط عليه مشاعر واتجاهات، وعادات وقيم عصره، الآن، يفسره وفي ذهنه، رحلات المصطافين في عصرنا هذا، وكيف يُعِدُّون لها، وينفقون في سبيلها، يفسر هذا الحدث وفي ذهنه قمم الجبال المعشوشبة، التي يكسوها الجليد والبرد.
ولم يكلف نفسه، بل لم يستطع أن يدرك واقع المجتمع المكي، آنذاك، بل واقع الجوِّ في مكة، والفرق بين درجة الحرارة في شعاب مكة ورأس جبل حراء، وهل حقاً تنخفض الحرارة في رأس (حراء) عند الغار ـ وهو مازال موجوداً إلى الآن ـ انخفاضاً ملموساً يجعل محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلجأ إليه، لم يذكر أحد قط ممن كتبوا عن مكة وأهلها آنذاك، أن الفقراء كانوا يصطافون بالجبال، والأغنياء كانوا يصطافون بالطائف.
إن الرواية الصحيحة تقول: "إنه صلى الله عليه وسلم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يذهب إلى غار حراء يتحنث فيه، ويظل به الليالي ذوات العدد، قبل أن يعود لأهله ليتزوَّد لمثلها".
فكيف يختلي بجبل هو مصطاف الفقراء من أهل مكة، أم يا ترى كان محمد "صلى الله عليه وسلم"، هو الفقير الوحيد في مكة، فخلا له جبل حواء؟؟
أم تراه هو الوحيد الذي أدرك السرَّ الخطير، وهو برودة رأس الجبل؟ وضن به على غيره، فلم يشاركه في خلوته بالجبل أحد؟؟
أم يا ترى كان في مكة جبال بعدد فقرائها، لكل فقير ـ لا يقدر على السفر إلى الطائف ـ جبل؟؟
ثم أين تقع الطائف من مكة؟؟ ألم يقرأ أن محمداً صلى الله عليه وسلم، ذهب إلى الطائف ماشياًُ بعد أكثر من عشر سنوات، أي بعد أن كبرت سنُّه، حينما اشتد إيذاء قريش وعنادها، ليعرض الدعوة على شيوخ ثقيف؟؟
ثم كيف يستقيم له هذا الفهم العجيب، والتفسير الغريب، (العجز المالي) مع حديثه في كتابه هذا نفسه ص 75-73 عن زواج محمد صلى الله عليه وسلم، من خديحة وثراء خديجة، فهل كانت خديجة ( رضى الله عنها) عاجزة عن إعطاء محمد صلى الله عليه وسلم، ناقة يسافر عليها إلى الطائف، مع نفقات الإقامة.
ثم لماذا لم يسأل نفسه عن السبب في عدم انتقال خديجة إلى الطائف، لتصطاف بها مثل أثرياء مكة؟؟
هـ_ منهج العكس:
أما منهج العكس وهو أن ينظر الباحث في النصوص والوثائق، والروايات، فإذا قالت شيئاً، فعليه أن يدرك أن الصواب هو عكسه تماماً.
ولقد كان المستشرق (لامانس) اليسوعي من أكثر المستشرقين، اعتماداً على منهج العكس، وهذه نماذج من ثمار استخدامه لهذا المنهج:
"إن مما لا شك فيه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان شجاعاً، لقد كان يقود الجيوش في الغزوات، ولم تطر نفسه شعاعاً في أية واحدة منها، ولا يوم أحد ـ وقد ابْتُلِيَ المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً ـ ولم تهله كثرة الجيوش المعادية في غزوة الخندق، يوم أن زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، ولم ترعه النبال كالمطر، يوم حنين... ومع ذلك، فإن "لامانس" يصفه بعدم الشجاعة، ثم يحاول أن يعمم الحكم على العرب قاطبة، يقول:
"زعموا أن العربي يتسم بالشجاعة، بل لقد عللوا النجاح في الفتوح الإسلامية الأولى بما يمتاز به العربي من صفات ومزايا، ولكني أتردَّد كل التردُّد في قبول هذا الرأي المبالغ فيه كلَّ المبالغة.. إن شجاعة العرب إنما هي من نوع غير سام".
ويرد (ناصر الدين دينيه) هذه الفرية، مؤكداً شجاعة العرب مذكِّراً إياه بمواقفهم في الحرب العالمية، ومساندتهم للحلفاء (قوم لامانس) وأحاله على شهادة القواد الغربيين للمقاتلين المسلمين، فقال:
"والرد على القسيس اللبناني بسيط، ويكفي أن نُسديَ إليه هذه النصيحة، وهي أن يقرأ آلاف الشهادات التي نالها من قيادة جيوش الحلفاء الجنودُ المسلمون الشجعان، الذي حاربوا دفاعاً عما اعتقدوه حقاً، فكانوا من عوامل النصر في الحرب الكبرى، لقد أثارت فرق الهجوم منه إعجاب العالم أجمع، وإن هذه الشهادة في أسلوبها العسكري الموجز صرح شامخ مجيد، يسجل روح التضحية والبطولة لدى العرب المغاوير.
وأعجب نموذج، وأبلغ صورة لمنهج العكس هذا عند "لامانس" أنه إذا أراد أن يؤيد دعواه في قضية من القضايا، ثم بحث حتى أعياه البحث فلم يجد خبراً لا صحيحاً ولا سقيماً يؤيد ما ادعاه، فإنه لا يتراجع، وإنما يمضي في جرأة نادرة ـ على حدِّ تعبير دينيه ـ ويستمر متشبثاً بدعواه، ويقول: "إن هذا أمر عُنِيَ رجال الحديث بكتمانه" هكذا إذا لم يجد الخبر، فهو حقيقة ولكن تواطأ الرواة على كتمانه.
وليس هذا الفساد المنهجي (منهج العكس) قاصراً على (لامانس) وأضرابه من متعصبة المستشرقين، بل إننا نلحظه عند كثيرين منهم، ولكن بدرجات متفاوتة، فمن ذلك مثلاً، ما نراه عند (ول. ديورانت) في كتابه: "قصة الحضارة" حيث لا يعجبه أن المؤرخين في كلِّ ما كتبوه "صوروا هارون الرشيد ـ أولاً وقبل كل شيء في صورة الرجل الورع المتمسك أشد التمسك بأوامر الدين.. وأنه كان يحج إلى مكة مرة كل عامين، وأنه كان يصلي في كلِّ يوم مئة ركعة نافلة مع الصلوات المفروضة" ا.هـ.
فهو يرى، أن هذه الصورة غير الصورة المعروفة، عن هارون الرشيد، حيث صورته قصة "ألف ليلة وليلة" في صورة الملك المرح، ولكن هذا (المرح) أغضب المؤرخين، فصوروه في صورة الورع المتمسك بالدين.. إلخ.
فكلُّ المؤرخين في نظر (ديورانت) كاذبون مزيِّفون، ساءهم مرح هارون الرشيد، فاخترعوا له صورة (معكوسة) (عكس الواقع).
وهكذا يفعل (منهج العكس) عند علماء الاستشراق وفي أبحاثهم.
(وبعد)؛
فما زال أمام القول مجال فسيح، لعرض نماذج لخيانات المستشرقين والغربيين للمنهج العلمي ـ فيما يكتبونه عن الإسلام والمسلمين ـ وأدلة ناطقة تشهد بأن هذه الكتابات لا يصح أن تسمى علماً، ولا بحثاً.
----------------------------------
* المصدر:رسالة الجهاد /95/1991 م